كما أن المراجع القانوني وإن كان يتقاضى مكافأة من المؤسسة، لكنه يطبق معايير محاسبية لم يضعها هو بل وضعتها جهات مستقلة تماما عنه وعن المؤسسة. بينما الهيئة الشرعية تضع المعايير (الفتاوى) تتخيرها من بحر الفقه العميق أو تنشئها باجتهادها الذاتي، ثم تراقب بقدر ما مدى التزام المؤسسة بهذه المعايير. نقول بقدر ما، لأن الهيئة الشرعية نادرًا ما تضم من يتقن المهارات المهنية التي يتقنها المراجعون لكشف المخالفات.
إن تقرير مراجع الحسابات الذي ينشر عادة مع البيانات المالية السنوية للمؤسسة يشبه تقرير الهيئة الشرعية بأنها راقبت التزام المؤسسة بفتاواها وبالأحكام الشرعية عموما. وكلا التقريرين هو شهادة أو تزكية للمؤسسة موجهة للجمهور المتعامل معها.
والمحصلة هي أن عمل الهيئة الشرعية بعضه فتوى، وبعضه شهادة للجمهور بعدم مخالفة المؤسسة لأحكام الشريعة. لكن يلاحظ أن فتوى الهيئة الشرعية لها صفة الإلزام للمؤسسة، فهي بذلك اقوى من الفتوى عموما وأشبه بالقضاء. لكنها بخلاف القضاء لا تلزم غير المؤسسة
وفقهاؤنا من لدن عصر الصحابة الكرام فمن بعدهم لاحظوا مخاطر تكليف المستفتي بمكافأة المفتي على عمله، فعدّوا الفتوى وظيفة عامة هي من حقوق الرعية على الراعي، أن ينصب لهم من يفتيهم ويكافئه الراعي من بيت المال، مثلما ينصب لهم قاضيا يفض النزاعات ومحتسبا يراقب المهن والأسواق، الخ ...
كما لاحظ فقهاؤنا من قديم بل دلت النصوص الشرعية على خطر قيام علاقة وظيفية بين الشاهد في مجلس القضاء والمشهود له، فردوا الشهادة حينئذٍ اتقاء للتهمة. و مع أن هذا لا ينطبق مباشرة على شهادة تزكية مؤسسة موجهة للجمهور من الهيئة الشرعية، فإن فيه دلالة على كيفية نظر فقهائنا الأوائل الى أمثال هذه المسائل.
جمهور الفقهاء غير المالكية قيدوا أخذ المفتي أجرًا من المستفتي (الموسوعة - مادة: فتوى) . لكن أي تطبيق آلي لاجتهاد قديم على ظروف مستجدة هو مدعاة للخطأ، ما لم نجتهد اولا في تمحيص حقائق الحاضر بالاضافة لمبررات الحكم الفقهي الماضي.
ومن أشهر هذه المبررات أن أخذ الأجر يخل بشرط استقلال المفتي عن المستفتي، و الرقيب عن المرقوب، والشاهد عن المشهود له.
لكن ظروف الحاضر التي اسلفناها ومنها كثرة الفتاوى المطلوبة لقضايا جديدة و صعبة فضلا عن حاجة (المؤسسات) إلى السرعة في الاستجابة, والتنافس في الابتكار, في أسواق مالية