الصفحة 6 من 11

الفقهاء.

لكن المهمة الخارجية تتطلب مهارات تدرب عليها وأتقنها المراجعون دون الفقهاء. ولابد من سد هذا الخلل.

وأهمية هذا الأمر ظاهرة. فالهدف النهائي الذي يبتغيه المتعاملون مع المؤسسات الإسلامية هو الاطمئنان إلى التزامها الفعلي بأوامر الشريعة الإسلامية ونواهيها. وهذا يتطلب أولًا اصدار الفتاوى وإنشاء المعايير الشرعية الصحيحة من قبل الهيئات الشرعية، ويتطلب ثانيًا الرقابة على تطبيق المؤسسات لتلك المعايير. ولابد من أن يوجه إلى الأمرين كليهما قدر متناسب من الاهتمام والموارد البشرية. إذ تقاس قوة السلسلة بأضعف حلقاتها، ولا جدوى من تقوية حلقة المعايير (وتمثلها في موضوعنا هيئة شرعية يمكن تقويتها بفقهاء على مستوى رفيع من العلم والاستقامة) إذا لم نقوّ بالقدر نفسه حلقة الرقابة بمراجعة شرعية تشبه المراجعة المحاسبية في استقصائها ومهنيتها واستقلالها.

تصور معي مؤسسة تجارية يملكها شخص واحد. فحتى يعرف في نهاية العام هل ربح أم خسر، لا بد له من توظيف محاسب يضبط له حساباته. وهدف هذا المحاسب (المراجع الداخلي) هو تقديم المعلومات المالية لصاحب المؤسسة وليس لغيره. ويشبه هذا المراجع الداخلي مستشارًا شرعيًا اختاره رب المؤسسة ليبين له الحلال والحرام فيما يعرض له من معاملات. فهو يفتيه فيما يسأل عنه، ويساعده في تصحيح الخلل الشرعي في معاملاته. وهذه مهمة داخلية.

لنفترض الآن أن المؤسسة المذكورة تحولت شركة مساهمة، يديرها مجلس إدارة. فالجمهور المتعامل في أسهمها والمؤسسات التي تقدم لها التمويل، الخ ... ، تحتاج دومًا إلى معرفة وضعها المالي الحقيقي، ولن يقنع الجمهور بما تقول المؤسسة عن نفسها استنادًا إلى تقرير مراجعها الداخلي، بل سيتطلب أن يتفحص وضعها المالي جهة مستقلة هي (المراجع الخارجي) ، الذي يدلي بشهادة للجمهور عن القوائم المالية للمؤسسة. وهذه مهمة خارجية يناظرها تقرير صادر من الهيئة الشرعية يشهد بأن المؤسسة ملتزمة في أعمالها بفتاوى الهيئة وأحكام الشريعة.

إن الحاجة الاجتماعية الملحة إلى ضمان استقلال المراجع الخارجي عن المؤسسة، وإلى التثبت من مقدرته الفنية على تمحيص حساباتها هي أمر ظاهر. وقد تأكدت تلك الحاجة نتيجة التجربة المرة التي عصفت بمهنة المراجعة إبان الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي و دفعت إلى تطوير تلك المهنة واتقانها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت