وقد أرشدنا القرآن العظيم مرارا الى الاعتبار بقصص الآخرين، و أرشدنا رسولنا عليه أفضل الصلاة و السلام الى أن"الكلمة الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق الناس بها" (سنده ضعيف لكن معناه صحيح)
إن اصدار الفتاوى وإنشاء المعايير الشرعية يتطلب علمًا ومهارة تختلف عما يتطلبه مراقبة تطبيق المؤسسات لتلك المعايير. وهذا نظير ملاحظة أن وضع قواعد سير المركبات في الطرق العامة يتطلب مهارات مهندسي الطرق وخبراء المواصلات، بينما مراقبة تقيد السائقين بتلك المعايير يتطلب مهارات ضباط المرور.
بل لماذا أبعد في ضرب الأمثلة ولدينا ما هو أبلغ: قول رسول الله (في الحديث الصحيح عن صحابته رضوان الله عليهم:".. وأقضاهم عليّ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ .. [1] "
والفقه أقرب إلى نصب المعايير، فتميز سيدنا معاذ فيه لم يضمن له التميز في القضاء الذي هو أقرب إلى تطبيق المعايير واستخدام الأدلة لكشف الوقائع، أي أقرب إلى مهنة المراجعة ومهاراتها التي تشمل المقدرة على جمع أدلة الإثبات ودراسة البيانات المالية.
إن اصدار الفتاوى وإنشاء المعايير الشرعية هو من اختصاص الفقهاء، وبالمقابل فإن تفسير البيانات والقيود المالية و تمحيصها هو من اختصاص المحاسبين والمراجعين. ولا يمكن لإحدى الطائفتين أن تستقل بمراقبة تقيد المؤسسة بالمتطلبات الشرعية إلا بمشاركة جادة من الفئة الأخرى.
لذا فإنني لا أرى أن هيئة شرعية تستطيع النهوض بكامل واجب الرقابة على أعمال مؤسسة مالية دون أن تضم بين أعضائها (أو تستعين مباشرة) بمراجع قانوني حاذق مستقل عن المؤسسة بمثل استقلال الهيئة نفسها. ولا يكفي الاستعانة بمحاسبي المؤسسة نفسها، لأن هؤلاء غير مستقلين.
كما لا يصلح اقتصار الرقابة على مراقب شرعي داخلي واحد أو أكثر، حتى لو كان متخصصًا في المراجعة، لعدم استقلاله. إذ يصعب لأحد أن يمارس حسبة فعالة على زملائه وهو أكيلهم وشريبهم. وقد ذكر من آداب المحتسب"تقليل علائقه مع الآخرين".
و الحل الآخر هو اقتصار الهيئات الشرعية على وظيفة الفتوى، وارسال نسخ الفتاوى إلى المراجع الخارجي (المحاسب القانوني) ليتحقق من التزام الشركة بها خلال مراجعته. وهذا يتطلب أن تضم مكاتب المراجعة اليوم متخصصصين في الشريعة. أو أن تنشأ مكاتب
(1) رواه أحمد والترمذي من حديث أنس وقال حسن صحيح.