على نظام مرتل، شديد الاتساق والانتظام. ولا سبيل إلى فهم القرءان إلا بفهم النظام الذي أنزل عليه، وفهم ألفاظه وقضاياه في ظل هذا النظام. وليس يكشف عن هذا النظام غير الدراسة المصطلحية، إن الدراسة المصطلحية مستوى مستويات الترتيل وهو المستوى اللفظي. تقول د. فريدة زمرد:"قد يكون من الغلو الزعم بأن جدوى الدراسة المصطلحية لا تظهر حقا إلا بإعمالها في مجال النص القرآني، ولكنها حقيقة يؤكدها هذا النص الكريم الذي تميز -من بين ما تميز به-"بنسقية"مصطلحاته و"سياقية"نصوصه، واشتماله على"نظام مفهومي"متناسق الأطراف مترابط العرى متكامل الفصول، وليس يبين عن عرى هذا النظام سوى الدرس المصطلحي الذي يكشف ما يكتنف كل مصطلح ولفظ ومفهوم من دلالة، وما يعتريه من مميزات وصفات، وما يربطه من علاقات، وما ينشأ عنه من ضمائم وتركيبات، وما يتعلق به من قضايا ومستفادات" [1] .
إنه بضبط مفاهيم القرءان الكريم، تضبط تبعا لذلك مفاهيم الدين، و"أمكن تكوين الميزان الذي به تقوم عطاءات واجتهادات العصور ... ومتى تجدد فهم المفاهيم فقد تعبد الطريق لتجديد أمر الدين لمريديه" [2] .
إن معين القرءان الكريم لا ينقضي، ومعانيه لا تنتهي، وكلماته لا تنفد، فترى للآية الواحدة أو الكلمة"وجوها عدة، كلها صحيح أو محتمل الصحة، كأنما هي فص من الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعا فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع. ولعلك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك رأى منها أكثر مما رأيت. وهكذا تجد كتابا مفتوحا مع الزمان يأخذ كل منه ما يسر له، بل ترى محيطا مترامي الأطراف لا تحده عقول الأفراد ولا الأجيال."
(1) - مفهوم التأويل في القرآن والحديث الشريف. سلسلة الرسائل الجامعية (2) ، معهد الدراسات المصطلحية كلية الآداب ظهر المهراز-فاس. ط 1 أكتوبر 2001. ص 78.
(2) - نحو منهج لدراسة الألفاظ القرآنية، د. الشاهد البوشيخي. محاضرة ألقيت بندوة"القرآن المجيد وخطابه العالمي"، 21 - 26 ماي بكلية الآداب بأكادير. نقلا عن أحمد عبادي، مرجع سابق، ص 68.