المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(الْإِنْسَان) الْكَائِن الْحَيّ المفكر (ج) أناسي (أَصله أناسين) وإنسان الْعين ناظرها وإنسان السَّيْف والسهم حدهما وَالْإِنْسَان الراقي ذهنا وخلقا وَالْإِنْسَان المثالي الَّذِي يفوق العادي بقوى يكتسبها بالتطور (مج)(ج) أناسي
|
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
الإنسان:[في الانكليزية] Man [ في الفرنسية] L'homme بالكسر وسكون النون قال الإمام الرازي في التفسير الكبير في تفسير قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي اعلم أنّ العلم الضروري حاصل بأن هاهنا شيئا يشير إليه الإنسان بقوله أنا، فالمشار إليه إمّا أن يكون جسما أو عرضا أو مجموعهما، أو شيئا مغايرا لهما أو ما يتركب منهما، ومن ذلك الشيء الثالث. أمّا القسم الأول وهو أن يقال إنّ الإنسان جسم فذلك الجسم إمّا هذه البنية المخصوصة أو جسم داخل في هذه البنية أو جسم خارج عنها.أما القائلون بأنّ الإنسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة المحسوسة وعن هذا الهيكل المجسّم المحسوس، فهم جمهور المتكلمين.وهذا القول باطل عندنا لأن العلم البديهي حاصل بأنّ أجزاء هذه الجثّة متبدّلة زيادة ونقصانا بحسب النموّ والذبول والسّمن والهزال، وزيادة عضو من الأعضاء وإزالته. ولا شكّ أنّ المتبدّل المتغيّر مغاير للثابت الباقي ولأنّ كل أحد يحكم بصريح عقله بإضافة كل من أعضائه إلى نفسه، فيقول رأسي وعيني ويدي، والمضاف غير المضاف إليه. وقول الإنسان نفسي وذاتي يراد به البدن فإنّ نفس الشيء كما يراد به ذاته التي إليها يشير كل أحد بقوله أنا، كذلك يراد به البدن، ولأنّ الإنسان قد يكون حيّا مع كون البدن ميتا، قال الله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ الآية. وقال النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وقال أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً ومثل هذه الآيات كثيرة دالّة على تغاير الإنسان والبدن، ولأن جميع فرق الدنيا من الهند والروم والعرب والعجم وجميع أرباب الملل من اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين وغيرهم يتصدّقون عن موتاهم ويدعون لهم بالخير، ولولا أنهم بعد موت الجسد بقوا أحياء لكان التصدّق والدّعاء لهم عبثا. فهذه الدلائل تدلّ على أنّ الإنسان ليس بجسم، وأنّ الإنسان غير محسوس لأن حقيقته مغايرة للسطح واللون، وكلّ ما هو مرئي فهو السطح واللون، فثبت أنّ الإنسان ليس جسما ولا محسوسا فضلا عن كونه جسما محسوسا.وأما أنّ الإنسان جسم موجود في داخل البدن ففيه أقوال، وضبطها أنّ الأجسام الموجودة في هذا العالم السفلي إمّا أن تكون أحد العناصر الأربعة أو تكون متولّدة من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في البدن الإنساني جسم عنصري خالص، فلا بدّ أن يكون الحاصل جسما متولّدا من امتزاجها.أما الجسم الذي تغلب عليه الأرضية فهو الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم واللحم والشّحم والعصب ونحوها، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا إنّ الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد بأنه عبارة عن أحد هذه الأعضاء لأنها كثيفة ثقيلة ظلمانية.وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية فهو الأخلاط الأربعة، ولم يقع في شيء منها أنه الإنسان إلّا في الدم، فإن منهم من قال إنه هو الروح لأنه إذا خرج لزم الموت.وأما الجسم الذي تغلب عليه الهوائية والنارية فهو الأرواح فهي أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية متولّدة إمّا في القلب أو في الدماغ، وقالوا إنها هي الروح وهي الإنسان.ثم اختلفوا فمنهم من يقول إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول الروح عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الأرواح القلبية والدماغية وتلك الأجزاء النارية المسماة بالحرارة الغريزية هي الإنسان. ومن الناس من يقول الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس، وهي لا تقبل التحلّل والتبدّل، ولا التفرق والتمزّق، فإذا تكوّن البدن وتمّ استعداده وهو المراد بقوله تعالى فَإِذا سَوَّيْتُهُ نفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل أعضاء البدن نفاذ النار في الفحم ونفاذ دهن السمسم في السمسم ونفاذ ماء الورد في الورد. ونفاذ تلك الأجسام في البدن هو المراد بقوله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي. ثم إنّ البدن ما دام يبقى سليما قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة فيه بقي حيّا، فإذا تولّدت في البدن أخلاط غليظة منعت تلك الأخلاط لغلظها سريان تلك الأجسام الشريفة فيها فانفصلت عن هذا البدن ولزم الموت، فهذا مذهب قوي شريف يجب التأمّل فيه، فإنه سديد بالمطابقة بما ورد في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت. وأما أنّ الإنسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا ذهب إليه.وأمّا القسم الثاني وهو أنّ الإنسان عرض في البدن فهذا لا يقول به عاقل لأنه موصوف بالعلم والقدرة والتدبير والتصرّف، ومن كان كذلك كان جوهرا لا عرضا، بل الذي يمكن أن يقال به هو الإنسان بشرط أن يكون موصوفا بأعراض مخصوصة، وعلى هذا التقدير فللناس فيه أقوال: القول الأول إنّ العناصر إذا امتزجت وانكسرت سورة كلّ واحد منها بسورة الآخر حصلت كيفية معتدلة هي المزاج. ومراتب المزاج غير متناهية فبعضها إنسانية وبعضها فرسية، فالإنسانية عبارة عن أجسام موصوفة بكيفيات مخصوصة متولّدة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص، وهذا قول جمهور الأطباء ومنكري النفس. ومن المعتزلة قول أبي الحسين. والقول الثاني إنّ الإنسان عبارة عن أجسام مخصوصة بشرط كونها موصوفة بصفة الحياة والعلم والقدرة، وهي أعراض قائمة بالجسم؛ وهؤلاء أنكروا الروح والنفس، وقالوا ليس هاهنا الأجسام مؤتلفة موصوفة بهذه الأعراض المخصوصة، وهذا مذهب أكثر شيوخ المعتزلة. والقول الثالث إنّ الإنسان عبارة عن أجسام موصوفة بأشكال مخصوصة بشرط أن تكون أيضا موصوفة بالحياة والعلم والقدرة.والإنسان يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهذا مشكل لأنّ الملائكة قد يشتبهون بصور الناس، وفي صورة المسخ معنى الإنسانية حاصل مع أن هذه الصورة غير حاصلة، فبطل اعتبار الشّكل والصورة في حصول معنى الإنسانية طردا وعكسا.وأما القسم الثالث وهو أن يقال الإنسان موجود ليس بجسم ولا جسماني، وهذا قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة القائلين بفناء الجسم المثبتين للنفس معادا روحانيا وثوابا وعقابا روحانيا، وذهب إليه جماعة عظيمة من علماء المسلمين كالراغب والغزالي، ومن قدماء المعتزلة يعمر عباد السلمي، ومن الشيعة الملقب عندهم بالشيخ المفيد، ومن الكرّامية جماعة. واعلم أنّ أكثر العارفين الكاملين من أصحاب الرياضات وأرباب المكاشفات والمشاهدات مصرّون على هذا القول جازمون بهذا المذهب.وأمّا القسم الرابع وهو أنّ الإنسان مركّب من تلك الثلاثة فنقول: اعلم أنّ القائلين بإثبات النفس فريقان. الفريق الأول وهم المحققون منهم قالوا إنّ الإنسان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص وهذا البدن آلة منزله، ومنزله.وعلى هذا التقدير فالإنسان غير موجود في داخل العالم ولا في خارجه وغير متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولكن له تعلقا بالبدن تعلق التدبير والتصرف، كما أنّ إله العالم لا تعلّق له بالعالم إلّا تعلّق التصرّف والتدبير.والفريق الثاني الذين قالوا النفس إذا تعلّقت بالبدن اتحدت بالبدن فصارت النفس غير البدن والبدن غير النفس، ومجموعهما عند الاتحاد هو الإنسان، فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد وبقيت النفس وفسد البدن. فهذا جملة مذاهب الناس في الإنسان.وكان ثابت بن قرّة يثبت النفس ويقول إنها متعلّقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون والفساد والتفرق والتمزق، وإنّ تلك الأجسام تكون سيّالة في البدن. وما دام يبقى ذلك السريان بقيت النفس مدبّرة للبدن، فإذا انفصلت تلك الأجسام اللطيفة عن جوهر البدن انقطع تعلّق النفس مدبرة للبدن، انتهى ما قال الإمام الرازي. وإن شئت زيادة التوضيح فارجع إلى التفسير الكبير.
وقال بعض الصوفية: الإنسان هو هذا الكون الجامع. وقال الشيخ الكبير في كتاب الفكوك: إنّ الإنسان الكامل الحقيقي هو البرزخ بين الوجوب والإمكان والمرآة الجامعة بين صفات القدم وأحكامه وبين صفات الحدثان، وهو الواسطة بين الحق والخلق، وبه وبمرتبته يصل فيض الحق والمدد الذي سبب بقاء ما سوى الحقّ إلى العالم كله علوا وسفلا، ولولاه من حيث برزخيته التي لا تغاير الطرفين لم يقبل شيء من العالم المدد الإلهي الوحداني لعدم المناسبة والارتباط، ولم يصل إليه كذا في شرح الفصوص للمولوي عبد الرحمن الجامي.في الفصّ الأول ويجيء أيضا ذكره في لفظ الكلمة. وفي الإنسان الكامل حيث وقع من مؤلفاتي لفظ الإنسان الكامل فإنما أريد به محمدا صلّى الله عليه وآله وسلّم تأدّبا لمقامه الأعلى. وللإنسان الكامل ثلاثة برازخ وبعدها المقام المسمّى بالختام. البرزخ الأول يسمّى البداية وهو التحقق بالأسماء والصفات. والبرزخ الثاني يسمّى التوسّط وهو محك الرقائق الإنسانية بالحقائق الرحمانية، فإذا استوفى هذا المشهد علم سائر المتمكنات واطلع على ما يشاء من المغيبات. والبرزخ الثالث وهو معرفة التنوّع الحكمية في اختراع الأمور القدرية، ولا يزال الحق يخترق له العادات بها في ملكوت القدرة حتى يصير له خرق العوائد عادة في تلك الحكمة، فحينئذ يؤذن له بإبراز القدرة في ظاهر الأكوان. وإذا تمكّن من هذا البرزخ حلّ في المقام المسمّى بالختام، وليس بعد ذلك إلّا الكبرياء، وهي النهاية التي لا تدرك لها غاية. والناس في هذا المقام مختلفون فكامل وأكمل وفاضل وأفضل. وفي تعريفات السيّد الجرجاني: الإنسان الكامل هو الجامع لجميع العوالم الإلهية والكونية الكليّة والجزئية وهو كتاب جامع للكتب الإلهية والكونية فمن حيث روحه وعقله كتاب عقلي مسمّى بأمّ الكتاب. ومن حيث قلبه كتاب اللوح المحفوظ ومن حيث نفسه كتاب المحو والإثبات، فهو الصحف المكرّمة المرفوعة المطهرة التي لا يمسّها ولا يدرك أسرارها إلّا المطهّرون من الحجب الظلمانية. فنسبة العقل الأول إلى العالم الكبير وحقائقه بعينها نسبة الروح الإنساني إلى البدن وقواه، وأنّ النفس الكليّة قلب العالم الكبير، كما أنّ النفس الناطقة قلب الإنسان.ولذلك يسمّى العالم بالإنسان الكبير انتهى. |
كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي
|
مرتبة الإنسان الكامل:[في الانكليزية] perfect of stage man [ في الفرنسية] Stade de l'homme parfait عبارة عن جميع المراتب الإلهية والكونية من العقول والنفوس الكلّية والجزئية ومراتب الطبيعة إلى آخر تنزّلات الوجود، وتسمّى المرتبة العمائية أيضا، فهي مضاهية للمرتبة الإلهية، ولا فرق بينهما إلّا بالرّبوبية والمربوبية، ولذلك صار خليفة الله تعالى، كذا في الجرجاني.
|
معجم البلدان لياقوت الحموي
|
رَأسُ الإنسان:
قال الأصمعي: الجبل الذي بين أجياد الصغير وبين أبي قبيس. |
القاموس المحيط للفيروزآبادي
|
الإِنْسُ: البَشَرُ،كالإِنْسَانِ، الواحد إنْسِيٌّ وأنَسِيٌّج:أناسِيُّ.وقَرَأَ يَحْيَى بنُ الحَارِثِ {{وأناسِيَ كثيراً}} بالتخفيفِ، وأناسيَةٌ وآناسٌ. والمرأةُ: إنْسَانٌ، وبالهاء: عامِّيَّةٌ، وسُمِعَ في شعرٍ كأنَّهُ مُوَلَّدٌ:لَقَدْ كَسَتْنِي في الهَوى...مَلابِسَ الصَّبِّ الغَزِلْإنسانَةٌ فَتَّانَةٌ...بَدْرُ الدُّجَى منها خَجِلْإذا زَنَتْ عَيْنِي بها...فَبالدُموعِ تَغْتَسِلْوالأُناسُ: الناسُ. وأنَسُ بنُ أبي أناسٍ: شاعرٌ.والإِنْسِيُّ: الأَيْسَرُ من كلِّ شيءٍ،وـ من القَوْسِ: ما أقْبَلَ عليك منها.والإِنْسَانُ: الأَنْمُلَةُ، وظِلُّ الإِنسانِ، ورأسُ الجَبَلِ، والأرضُ لم تُزْرَعْ، والمِثَالُ يُرَى في سَوادِ العينِ.ج: أناسِيُّ.وإنْسُكَ وابنُ إنْسِكَ: صَفِيُّكَ، وخاصَّتُكَ.والأَنوسُ من الكلابِ: ضدُّ العَقورِج: أُنُسٌ. ومِئْنَاسُ: امرأةٌ، وابْنُها شاعِرٌ مُرادِيٌّ. والأَعَزُّ بنُ مَأْنُوسٍ اليَشْكُرِيُّ: شاعِرٌ جاهِلِيٌّ.والأَنيسُ: الدِّيكُ، والمُؤانِسُ، وكلُّ مَأْنُوسٍ به، وبهاء: النارُ،كالمَأْنوسَةِ.وجارِيَةٌ آنِسَةٌ: طَيِّبَةُ النَّفْسِ.والأنْسُ، بالضم وبالتحريك،والأَنَسَةُ، محركةً: ضِدُّ الوَحْشَةِ، وقد أنِسَ به، مُثَلَّثَةَ النون.والأنَسُ، محركةً: الجماعةُ الكثيرةُ، والحَيُّ المُقِيمُون، وبلا لامٍ: خادِمُ النبيِّ، صلى الله عليه وسلم.وآنَسَهُ: ضِدُّ أوْحَشَهُ،وـ الشيءَ: أبْصَرَهُ كأنَّسَهُ تأنيساً فيهما، وعَلِمَهُ، وأحَسَّ به،وـ الصَّوْتَ: سَمِعَهُ.والمُؤْنَسَةُ: ة قُرْبَ نَصِيبيْن.والمُؤْنِسِيَّةُ: ة بالصَّعيدِ. ويُونِسُ مُثلَّثَةَ النونِ ويُهْمَزُ: عَلَمٌ.واسْتأْنَسَ: ذَهَبَ تَوَحُّشُهُ،وـ الوَحْشِيُّ: أحَسَّ إنْسِياً،وـ الرجُلُ: اسْتَأْذَنَ، وَتَبَصَّرَ.والمُتَأَنِّسُ: الأسَدُ، أو الذي يُحِسُّ الفَريسَةَ من بُعْدٍ.وما بالدار (من) أنيس: أحدٌ.والمُؤنساتُ: السِّلاَحُ كُلُّهُ، أو الرُّمْحُ، والمِغْفَرُ، والتَّسْبِغَةُ، والتُّرْسُ، ومُؤنِّسٌ، كمُحدِّثٍ، ابنُ فَضالَةَ: صَحَابِيٌّ. وكزُبَيْرٍ: عَلَمٌ. (وكأميرٍ: ابنُ عبدِ المُطَّلِبِ) ، جاهِلِيٌّ. ووَهْبُ بنُ مأنوس: من أتْباع التابعينَ. وأبو أُناسٍ: عبدُ المَلِكِ بنُ حُؤَيَّةَ، أخْبارِيٌّ، وأُمُّ أُناسٍ: بنتُ أبي موسى الأَشْعَرِيِّ، وبنتُ قُرْطٍ: جَدَّةٌ لعبدِ المُطَّلِبِ، وجَدَّةٌ لأسماء بنتِ أبي بكرٍ وغيرهُنَّ.
|
دستور العلماء للأحمد نكري
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْإِنْسَان: نوع من أَنْوَاع الْعَالم وَجمعه النَّاس وَأَصله وكنهه مَعْلُوم على من أَتَى الله بقلب سليم أَنه أشرف الْمَخْلُوقَات وَثَمَرَة شَجَرَة الْوُجُود والمجودات وَللَّه در الشَّاعِر.(سر وجود ذَات بِإِنْسَان رسيد وماند...جون وَحي آسمان كه بقرآن رسيد وماند)
وَلَكِن أصل لفظ النَّاس الأناس فَخفف بِحَذْف الْهمزَة وعوضت اللَّام عَنْهَا لَكِنَّهَا غير لَازِمَة. وَلِهَذَا يُقَال فِي سَعَة الْكَلَام نَاس. وَقَالَ قوم أَصله انسيان على افعلان فحذفت الْيَاء اسْتِخْفَافًا لِكَثْرَة مَا يجْرِي على الْأَلْسِنَة. وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بقول ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه إِنَّمَا سمي إنْسَانا لِأَنَّهُ عهد إِلَيْهِ فنسي. وَالْإِنْسَان يُطلق على الْمُذكر والمؤنث وَرُبمَا يُطلق للْأُنْثَى إنسانة وَقد جَاءَ فِي قَول الشَّاعِر:(لقد كستني فِي الْهوى...ملابس الصب الْغَزل) (إنسانة فتانة...بدر الدجى مِنْهَا خجل) (إِذا زنت عَيْني بهَا...فبالدموع تَغْتَسِل) وَفِي تَحْقِيق الْإِنْسَان تَفْصِيل وتدقيق وَتَحْقِيق فِي المطولات وَمَا يذكر هَا هُنَا نبذ مِنْهَا. فَاعْلَم أَن للْإنْسَان إِطْلَاق مشهورين عِنْد الْعَوام وَإِطْلَاق لَدَى الْخَواص.الأول إِطْلَاقه على الْأَشْخَاص الْمعينَة الْمَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان كزيد وَعَمْرو وَغير ذَلِك مِمَّا يشاركهما فِي النَّوْع وَلَفظ الْإِنْسَان بِهَذَا الْمَعْنى مَشْهُور بَين الْقَوْم وهم لَا يعلمُونَ من الْإِنْسَان سوى هَذَا وَطَرِيق معرفَة كل وَاحِد من تِلْكَ الْأَشْخَاص على مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْخَارِج إِنَّمَا هُوَ الإحساس إِذْ بِهِ يمتاز كل من أشخاصه عَن كل مَا عداهُ امتيازا تَاما بِحَيْثُ لَا يلتبس بِغَيْرِهِ أصلا وَلَا يلْزم من معرفَة شخص مِنْهَا معرفَة شخص آخر مِنْهَا وَلِهَذَا لَا يجْرِي الْكسْب والاكتساب فِي الْأَشْخَاص أَي الجزئيات الْحَقِيقِيَّة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور. والسر فِيهِ أَن لكل وَاحِد مِنْهَا حَقِيقَة شخصية مباينة لحقيقة غَيره فِي الذِّهْن وَالْخَارِج وَهَذَا مُرَاد الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ رَحمَه الله مِمَّا قَالَ إِن لكل وَاحِد من أَفْرَاد الْإِنْسَان حَقِيقَة على حِدة وَإِن وجود كل وَاحِد مِنْهَا عين حَقِيقَته يَعْنِي أَنه أَرَادَ بِالْحَقِيقَةِ الْوُجُود الْخَاص لكل شخص من تِلْكَ الْأَشْخَاص وَالْإِنْسَان بِهَذَا الْمَعْنى يُوصف بالجزئية الْحَقِيقِيَّة وَهُوَ الْمصدر للآثار والمظهر للْأَحْكَام وَهُوَ الْمُكَلف بالشرائع.وَالثَّانِي إِطْلَاقه على الْمَفْهُوم الْعقلِيّ الْكُلِّي المنطبق على كل وَاحِد من أَفْرَاده الْمَوْجُودَة والمعدومة وَهَذَا الْإِطْلَاق مَشْهُور بَين الْخَواص. وَالْإِنْسَان بِهَذَا الْمَعْنى يُوصف بِالْكُلِّيَّةِ والنوعية وَله وجود فِي الْأَعْيَان فِي إِفْرَاده وَلَا وجود لَهُ ممتاز عَنْهَا فِي الْأَعْيَان وَإِلَّا لما أمكن حمله على شَيْء من إِفْرَاده أصلا لِأَن الْحمل عبارَة عَن تغاير الشَّيْئَيْنِ فِي الذِّهْن واتحادهما فِي الْخَارِج فَلَو كَانَ لَهُ وجود ممتاز عَن إِفْرَاده فِي الْأَعْيَان لما صَحَّ اتحاده مَعَ فَرد من أَفْرَاده فِي الْأَعْيَان. فالإنسان بِهَذَا الْمَعْنى مَفْهُوم عَقْلِي انتزعه الْعقل من تِلْكَ الْأَفْرَاد بتجريدها عَن التشخصات واللواحق المادية. وَذَلِكَ الْمَفْهُوم الْعقلِيّ عِنْد الْحُكَمَاء تَمام الْحَقِيقَة النوعية لإفراده وعرفوه بِالْحَيَوَانِ النَّاطِق. وَقَالُوا إِنَّه حد تَامّ للْإنْسَان لِأَن الْحَيَوَان جنس قريب للْإنْسَان. والناطق فصل قريب لَهُ والتعريف بِالْجِنْسِ والفصل القريبين حد تَامّ. وَالْحَيَوَان جَوْهَر جسم نَام حساس متحرك بالإرادة وكل فَرد من أَفْرَاد الْإِنْسَان كَذَلِك. أما أَنه جسم فَلِأَنَّهُ مركب من الهيولى وَالصُّورَة وشاغل للحيز بِالذَّاتِ وقابل للأبعاد الثَّلَاثَة وَلَا نعني بالجسم إِلَّا هَذَا. وَإِمَّا أَنه نَام فَلِأَنَّهُ يزِيد فِي الأقطار الثَّلَاثَة على تناسب طبيعي وَهُوَ الْمَعْنى بالنامي. وَإِمَّا أَنه حساس فَلِأَنَّهُ يدْرك الْأَشْيَاء بالحواس وَلَا معنى للحساس سوى ذَلِك. وَإِمَّا أَنه متحرك بالإرادة فَلِأَنَّهُ ينْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان آخر بِقَصْدِهِ وإرادته وَيُوجد الحركات إِن شَاءَ وَلَا يوجدها إِن لم يَشَأْ وَهُوَ معنى المتحرك بالإرادة فقد ثَبت أَن الْإِنْسَان حَيَوَان. وَإِمَّا أَنه نَاطِق فَلَمَّا سَيَجِيءُ.ثمَّ اعْلَم أَن نَاطِق فصل قريب للْإنْسَان فَإِن قيل من شَأْن الْفضل الْقَرِيب للماهية اخْتِصَاصه بهَا والناطق لَيْسَ كَذَلِك لِأَن المُرَاد بالنطق إِمَّا التَّكَلُّم فَالله تَعَالَى وَالْمَلَائِكَة وَسَائِر الْحَيَوَانَات متكلمون. أَو المُرَاد بِهِ إِدْرَاك الكليات وَهُوَ أَيْضا لَيْسَ مُخْتَصًّا بالإنسان لِأَنَّهُ تَعَالَى وَسَائِر المجردات كالعقول والنفوس مدركون. فالناطق على أَي حَال لَيْسَ مُخْتَصًّا بماهية الْإِنْسَان فضلا أَن يكون فصلا لَهُ وَاعْلَم أَن الْمَلَائِكَة عِنْد الْحُكَمَاء هِيَ الْعُقُول الْمُجَرَّدَة وَإِن لَيْسَ لَهَا وللنفوس الفلكية عِنْدهم نطق أَي تكلم أصلا لَكِن لَهَا إِدْرَاك الكليات كَمَا بَين فِي مَوْضِعه. وَأَيْضًا لَو أُرِيد بالنطق إِدْرَاك الكليات لزم أحد الْأَمريْنِ وَكِلَاهُمَا بَاطِل أَحدهمَا أَن لَا يكون النَّاطِق ذاتيا فصلا قَرِيبا للْإنْسَان الَّذِي من الْجَوَاهِر لِأَن الْإِدْرَاك فِي الممكنات من مقولة الْإِعْرَاض عِنْدهم قطعا فَيكون خَارِجا عارضا لَا دَاخِلا ذاتيا فضلا عَن أَن يكون فصلا. وَثَانِيهمَا أَن الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ من الْجَوَاهِر لَو فَرضنَا أَنه مركب من الْجَوْهَر وَالْعرض الَّذِي هُوَ الْإِدْرَاك لزم أَن لَا يكون الْإِنْسَان جوهرا فَإِن الْمركب من الْجَوْهَر وَالْعرض لَيْسَ بجوهر عِنْدهم أصلا وَالْجَوَاب بِأَن المُرَاد بالنطق إِدْرَاك الكليات وَهُوَ مُخْتَصّ بالإنسان لِأَن غَيره من الْحَيَوَانَات لَيْسَ بمدرك للكليات لَا يُفِيد الْمَطْلُوب. كَيفَ فَإِن عدم إِدْرَاك غير الْإِنْسَان من الْحَيَوَانَات للكليات مَمْنُوع نعم إِنَّه غير مَعْلُوم لنا وَعدم الْعلم بالشَّيْء لَا يسْتَلْزم عَدمه فِي نَفسه وَإِن سلمنَا ذَلِك فَلَا نسلم أَنه يلْزم من هَذَا الْقدر اخْتِصَاصه بالإنسان كَيفَ فَإِنَّهُ تَعَالَى مدرك الكليات وَكَذَا الْعُقُول الْمُجَرَّدَة والنفوس الفلكية نعم لَو أثبت نفي النُّطْق عَمَّا سوى الْإِنْسَان لثبت اخْتِصَاصه بِهِ وَأما إِثْبَات هَذَا بِدُونِ ذَلِك أصعب من خرط القتاد وَمَعَ هَذَا إِدْرَاك الكليات عرض كَمَا عرفت فَكيف يكون فصلا للجوهر. وَالْحق فِي الْجَواب أَن المُرَاد بالنطق إِدْرَاك الكليات والناطق لَيْسَ فصلا قَرِيبا للْإنْسَان فِي الْحَقِيقَة بل فَصله الْقَرِيب الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ مبدأ الْآثَار المختصة بِهِ كالنطق والتعجب والضحك وَالْكِتَابَة وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يُوجد فِي غير الْإِنْسَان فَذَلِك الْجَوْهَر هُوَ الْفَصْل فِي الْحَقِيقَة. وَلما لم يكن ذَلِك الْجَوْهَر مَعْلُوما لنا بكنهه بل بعوارضه المختصة فَيدل عَلَيْهِ بأقوى عوارضه وَهُوَ النُّطْق الَّذِي بِمَعْنى إِدْرَاك الكليات ويشتق مِنْهُ النَّاطِق وَيحمل على الْإِنْسَان وَيُسمى بِالْفَصْلِ مجَازًا من قبيل إِطْلَاق اسْم الشَّيْء على أَثَره.وَإِن أردْت تَفْصِيل هَذَا الْمُجْمل فَارْجِع إِلَى مَا فصلناه فِي الْحَوَاشِي على حَوَاشِي الْفَاضِل اليزدي على تَهْذِيب الْمنطق وَلَكِن اذكر فِي هَذَا الْمقَام نبذا من ذَلِك المرام.فَأَقُول إِن الصُّورَة النوعية الَّتِي هِيَ أَمر جوهري وَفصل قريب للماهيات ومبدأ للآثار المختصة قد تكون مَجْهُولَة بكنهها مَعْلُومَة بعوارضها المختصة بهَا وَتلك الْعَوَارِض لَا تَخْلُو من أَن تكون مترتبة أَو لَا. فَإِن كَانَت مترتبة كالنطق والتعجب والضحك فَيُؤْخَذ أقواها وأقدمها كالنطق ويشتق مِنْهُ مَحْمُولا كالناطق وَيُطلق عَلَيْهِ اسْم الْفَصْل تسامحا كَمَا مر. وَإِن لم تكن مترتبة لعدم ترتبها فِي نفس الْأَمر أَو بِسَبَب اشْتِبَاه تقدم أَحدهمَا على الآخر فيشتق عَن كل وَاحِد من تِلْكَ الْأَعْرَاض مَحْمُولا وَيجْعَل الْمَجْمُوع قَائِما مقَام ذَلِك الْأَمر الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ فصل حَقِيقَة وَيُسمى فصلا مجَازًا كالحساس والمتحرك بالإرادة. فَإِن الْفَصْل الْحَقِيقِيّ للحيوان هُوَ الْجَوْهَر المعروض للحس وَالْحَرَكَة الإرادية وَلما اشْتبهَ تقدم أَحدهمَا على الآخر اشتق عَن كل مِنْهُمَا للدلالة على ذَلِك الْفَصْل الْحَقِيقِيّ اسْم أَعنِي الحساس والمتحرك بالإرادة وَجعل الْمَجْمُوع فصلا قَائِما مقَام الْفَصْل الْحَقِيقِيّ للحيوان تسامحا فَلَيْسَ الْفَصْل الْقَرِيب للحيوان إِلَّا أَمر وَاحِد جوهري لَا تعدد فِيهِ وَإِنَّمَا التَّعَدُّد فِي الدَّال.واندفع من هَذَا الْبَيَان عَظِيم الشَّأْن (الِاعْتِرَاض الْمَشْهُور) أَيْضا بِأَن الحساس يَكْفِي للفصل فَلَا حَاجَة إِلَى المتحرك بالإرادة وَلَا يجوز للماهية فصلان فِي مرتبَة وَاحِدَة كَمَا لَا يجوز جِنْسَانِ فِي مرتبَة وَاحِدَة واندفع أَيْضا أَن لِلْأَمْرِ الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ فصل الْإِنْسَان حَقِيقَة عوارض مُتعَدِّدَة مُخْتَصَّة بِهِ فَمَا الدَّاعِي إِلَى اخْتِيَار النَّاطِق مِنْهَا وقيامه مقَامه وتسميته باسمه فصلا وَإِلَّا يلْزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح. وَلَكِن بَقِي الْإِشْكَال بِأَن إِدْرَاك الكليات لَيْسَ مُخْتَصًّا بالإنسان لما مر فَنَقُول نعم مُطلق الْإِدْرَاك الْمَذْكُور لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ لَكِن الْإِدْرَاك الَّذِي هُوَ أثر ذَلِك المبدأ أَعنِي الصُّورَة النوعية الَّتِي للْإنْسَان مُخْتَصّ بِهِ. أَو المُرَاد بِهِ الْإِدْرَاك الْحَادِث وَهُوَ فِي ذَاته تَعَالَى قديم بالِاتِّفَاقِ هَكَذَا فِي الْعُقُول والنفوس الفلكية عِنْد الْحُكَمَاء. أَو نقُول المُرَاد بالنطق إِدْرَاك الكليات بطرِيق الِاكْتِسَاب. وَلَا شكّ أَن الْإِدْرَاك الْمَذْكُور بِهَذَا الْمَعْنى مُخْتَصّ بالإنسان فَإِن علمه تَعَالَى حضوري وَكَذَا علم المجردات. وَالْعلم الاكتسابي من أَقسَام الْعلم الحصولي كَمَا تقرر فِي مَوْضِعه. قيل المُرَاد بالناطق فِي تَعْرِيف الْإِنْسَان إِمَّا النَّاطِق بِالْفِعْلِ أَو بِالْقُوَّةِ وعَلى كل من التَّقْدِيرَيْنِ يلْزم فَسَاد التَّعْرِيف أما على الأول فلخروج الْأَطْفَال فَإِنَّهُم لَيْسُوا من أهل النُّطْق بِشَيْء من الْمَعْنيين أَي لَا بِمَعْنى التَّكَلُّم بالحروف والأصوات وَلَا بِمَعْنى إِدْرَاك الكليات وَأما على الثَّانِي فلصدق التَّعْرِيف حِينَئِذٍ على المضغة والعلقة والمني بل على اللَّحْم وَالْخبْز اللَّذين يحصل مِنْهُمَا الْمَنِيّ لِأَن كَلَامهَا حَيَوَان نَاطِق بِالْقُوَّةِ فعلى الأول التَّعْرِيف لَيْسَ بِجَامِع وعَلى الثَّانِي لَيْسَ بمانع وَالْجَوَاب وَاضح مِمَّا ذكرنَا آنِفا فَإِن المُرَاد بالناطق لما تقرر أَنه ذُو مبدأ نطق فَهُوَ مَوْجُود بِالْفِعْلِ فِي الصّبيان ومفقود بِالْفِعْلِ فِي المضغة والعلقة وَغير ذَلِك. وَلما تبين بِمَا ذكرنَا فِيمَا سبق أَن الْإِنْسَان حَيَوَان فَالْآن نبين كَونه ناطقا فَنَقُول إِنَّه ذُو نفس ناطقة لوَجْهَيْنِ. الْوَجْه الأول أَنه يظْهر فِي كل فَرد من أَفْرَاده آثَار النَّفس الناطقة من النُّطْق بالحروف والأصوات وَإِدْرَاك الكليات والتعجب والضحك وأمثالها مِمَّا تقرر فِي الْحِكْمَة أَنَّهَا من آثَار النَّفس الناطقة وَهَذِه الْآثَار لَا تُوجد فِي غير الْإِنْسَان فَيكون مبدأها وَهُوَ النَّفس مَخْصُوصًا بِهِ فَيكون هُوَ ذَا نفس دون غَيره فَهَذَا دَلِيل أَنِّي على ثُبُوتهَا فِي الْإِنْسَان. وَالْوَجْه الثَّانِي مَا تحقق أَن العناصر إِذا تصغرت أجزاءها غَايَة التصغر وامتزج بَعْضهَا بِبَعْض امتزاجا كَامِلا يَقع بَينهَا بِاعْتِبَار كيفيتها الْمُخْتَلفَة فعل وانفعال تنكسر سُورَة كل وَاحِدَة مِنْهَا بِالْأُخْرَى فَتحدث هُنَاكَ كَيْفيَّة وَاحِدَة متوسطة معتدلة قريبَة بالاعتدال الْحَقِيقِيّ فَحِينَئِذٍ يشْتَد كَمَال الامتزاج بَين تِلْكَ الْأَجْزَاء ويرتفع الامتزاج بَينهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَيصير شَيْئا وَاحِدًا متكيفا بكيفية وَاحِدَة فَيحصل لَهُ بتينك الوحدتين أَعنِي الْوحدَة فِي الْمَادَّة والوحدة فِي الْكَيْفِيَّة مُنَاسبَة تَامَّة بالمبدأ الْحَقِيقِيّ الْوَاحِد من جَمِيع الْجِهَات فيفيض مِنْهُ عَلَيْهِ بِسَبَب تِلْكَ الْمُنَاسبَة جَوْهَر مُجَرّد شرِيف يتَعَلَّق بِهِ تعلق التَّدْبِير وَالتَّصَرُّف فَيحصل لَهُ بذلك قُوَّة النُّطْق بالحروف والأصوات إِذا لم يكن هُنَاكَ مَانع وَقُوَّة إِدْرَاك الكليات والتعجب والضحك وَمَا أشبههَا وَهُوَ الْمُسَمّى بِالنَّفسِ الناطقة عِنْدهم. وَلَا شكّ أَن تِلْكَ الْمُنَاسبَة التَّامَّة بالمبدأ الْحَقِيقِيّ الْحَاصِلَة بِسَبَب الامتزاج الْكَامِل المستتبعة لفيضان تِلْكَ النَّفس تُوجد فِي بدن الْإِنْسَان بالدلائل الدَّالَّة عَلَيْهَا وَلَا تُوجد فِي غَيره فَيكون هُوَ ذَا نفس ناطقة.وَفِي حَيَاة الْحَيَوَان افْتتح عبد الْمَسِيح ابْن يختشوع كِتَابه فِي الْحَيَوَان بالإنسان وَقَالَ إِنَّه أعدل الْحَيَوَان مزاجا وأكمله أفعالا وألطفه حسا وأنفذه رَأيا فَهُوَ كالملك الْمُسَلط القاهر لسَائِر الخليقة الْآمِر لَهَا وَذَلِكَ لما وهبه الله تَعَالَى لَهُ من الْعقل الَّذِي بِهِ يتَمَيَّز على كل الْحَيَوَان البهيمي فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة ملك الْعَالم وَلذَلِك سَمَّاهُ قوم من القدماء الْعَالم الْأَصْغَر. ثمَّ قَالَ وَمِمَّا ذكر فِي الْخَواص وَشهِدت بِهِ التجربة أَنه مَتى صور صُورَة صبي حسن الْوَجْه وَنصب بِحَيْثُ ترَاهُ وَقت الْجِمَاع خرج الْوَلَد يشبه تِلْكَ الصُّورَة فِي أَكثر الْأَعْضَاء. وَله خَواص يطول الْكتاب بذكرها مِنْهَا: أَنه إِن أَخذ نجو صبي حِين يُولد وجفف وسحق وكحل بِهِ بَيَاض الْعين نفع وينفع من الغشاوة أَيْضا. وَدم الْحيض إِذا طلي بِهِ من عضه الْكَلْب الْكَلْب يبرأ وَكَذَلِكَ البرص والبهق. وَقَالَ الْقزْوِينِي فِي عجائب الْمَخْلُوقَات إِذا رعف الْإِنْسَان فليكتب اسْمه بدمه على خرقَة وَيجْعَل نصب عينه فَإِنَّهُ يَنْقَطِع رعافه. ونطفة الْإِنْسَان إِذا طلي بهَا البهق والبرص والقوبا أبرأتهم.وَقَالَ الْأَطِبَّاء إِذا أردْت أَن تعلم أَن الْمَرْأَة عقيم أم لَا فَمُرْهَا أَن تحمل ثومة فِي قطنة وتمكث سبع سَاعَات فَإِن فاح من فمها رَائِحَة الثوم فعالجها بالأدوية فَإِنَّهَا تحمل بِإِذن الله تَعَالَى وَإِلَّا فَلَا وَالله أعلم. وَالْإِنْسَان الْكَامِل لجَمِيع العوالم الإلهية والكونية الْكُلية والجزئية وَفِي تَفْصِيله طول فِي كتب الْحَقَائِق وَللَّه در الشَّاعِر. شعر:(آنجه برجستيم وَكم ديديم وبسيار است ونيست) (نيست جز انسان درين عَالم كه بسياراست) |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الرّوح الإنساني: اللطيفة العاملة المدركة من الْإِنْسَان الراكبة على الرّوح الحيواني نَازل من عَالم الْأَمر يعجز الْعُقُول عَن إِدْرَاك كنهه وَتلك الرّوح قد تكون مُجَرّدَة وَقد تكون منطبعة فِي الْبدن.
|
|
الإنسان: الكامل الجامع لجميع العوالم الكونية الكلية والجزئية، وهو كتاب جامع للكتب الإلهية والكونية، ومن حيث روحه وعقله كتاب عقلي سمي بأم الكتاب، ومن حيث قلبه كتاب اللوح المحفوظ، ومن حيث نفسه كتاب المحو والإثبات. الأنس: بالضم، أثر مشاهدة جمال الحضرة الإلهية في القلب وهو جمال الجلال.
|
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي
|
مرتبة الإنسان الكامل: جمع جميع المراتب الإلهية والكونية من العقول والنفوس الكلية والجزئية ومراتب الطبيعة إلى آخر تنزلات الوجود، وتسمى بالمرتبة العمائية أيضًا.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الإنسان: هو الحيوان الناطق الذي هو أشرف المخلوقات وثمرةُ شجرة الوجود والموجودات.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
خلوة الإنسان: انفرادُه بنفسه.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
الروح الإنسانيّ: قال السيد هي اللطيفةُ العاملة المدركةُ من الإنسان الراكبة علىالروح الحيواني نازل من عالم الأمر تعجز العقول عن إدراك كنهه وتلك الروح قد تكون مجردة وقد تكون منطبقة في البدن.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
مَعِيشة الإنسان: التي يعيش بها من المطعم والمشرب، والعيشُ: الحياةُ المختصَّة بالحيوان، والمعيشَةُ الضَنْكُ: عذابُ القبر.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
أرجوزة، في تعبير الرؤيا على صفة خلق الإنسان
للشيخ، أبي الحسن: علي بن السكن المعافري. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إعانة الإنسان، على أحكام اللسان
للقاضي، عز الدين: محمد بن أبي بكر، المعروف: بابن جماعة الكناني. المتوفى: سنة تسع عشرة وثمانمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
الإنسان الكامل، في معرفة الأواخر والأوائل
مجلد. للشيخ: عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي، الصوفي. المتوفى: سنة... وهو: كتاب على اصطلاح الصوفية. مشتمل على: نيف وستين بابا. أوله: (الحمد لمن قام بحمده اسم الله... الخ). |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
بهجة الإنسان، في مهجة الحيوان
وهو مختصر (حياة الحيوان). يأتي. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تجارب الإنسان
تركي. للواحدي، الرومي. جمع فيه: كلمات الأكابر، والأشعار، والآثار. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
التدبيرات الإلهية، في إصلاح المملكة الإنسانية
للشيخ، محيي الدين: محمد بن علي بن عربي. المتوفى: سنة 617، سبع عشرة وستمائة (638). رسالة. ألفها: للشيخ: محمد مروزي. على أن الإنسان عالم صغير، مسلوخ من العالم الكبير، من جهة: الخلافة، والتدبير. وقدم مقدمة. ثم أورد: سبعة عشر بابا. أولها: (الحمد لله الذي استخرج الإنسان... الخ). |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تفسير: سورة الإنسان
للعلامة، غياث الدين: منصور بن صدر الدين: محمد الشيرازي. المتوفى: سنة 949، تسع وأربعين وتسعمائة. وهو مختصر. أوله: (أحمد الله على جميل سلطانه... الخ). فيه: تحقيقات لطيفة، ومباحث شريفة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تقويم الأبدان، في تدبير الإنسان
في الطب. لأبي حسن: علي (لأبي علي يحيى) بن عيسى بن جزلة المتطبب، البغدادي. المتوفى: سنة 493، ثلاث وتسعين وأربعمائة. مجلدا. أوله: (الحمد لله الذي خلق فسوى... الخ). صنفه مجدولا، (كالتقويم النجومي). للمقتدي: بأمر الله العباسي. وجعل مواضع الاجتماع والاستقبال قسمة الأمراض، ثم قسم لكل مرض: اثني عشر بيتا. كتب في الأول: اسم المرض، وفي أربعة أبيات: الأمزجة، والأسنان، والأريحة، والبلدان. وفي السادس: هو سالم، أو مخوف، فإن الفقهاء اعتبروا ذلك في الإقرار. وفي السابع: سبب ذلك المرض، وسبب تولده، ومن أي شيء حصل؟ وفي الثامن: هل يصلح فيه الاستفراغ، أم لا؟ وفي التاسع: هل يداوى بالأدوية الباردة، أو الحارة؟ أو لا بد من اعتدال الأدوية. وفي العاشر: المداواة بالتدبير الملكي. وفي الحادي عشر: التدبير بأسهل الأدوية وجودا. وفي الثاني عشر: التدبير العام، وأوقات الأدوية. ثم ذكر طرفا من الأدوية القتالة، وعلامات من سقي منها. وجميع ما ذكره من الأمراض: أربع وأربعون نوعا، كل منها في صحيفة. مشتملا على: ثمان شعب. فيكون مجموع العلل: 352، اثنتين وخمسين وثلاثمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تيسير عصمة الإنسان، من لحن اللسان
يأتي في العين. |
معجم مقاليد العلوم للسيوطي
|
الإنسانيةُ: الْفَضَائِل النفسية المختصة بالإنسان.
|
من بلاغة القرآن لأحمد أحمد بدوي
|
الإنسان المثالىأجمل الله الإنسانية المثالية وما ينتظرها من الجزاء المادى والروحى في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (البينة 7، 8). فالإنسان المثالى هو ذلك الذى يؤمن ويعمل صالحا، وقد فصل القرآن في مواضع كثيرة هذا العمل الصالح فمنه ما يرتبط بالله، ومنه ما يرتبط بالناس، ومنه ما يعود إلى الشخص نفسه.أما ما يرتبط بالله فأن يؤدّى فرائضه في محبة وخشوع، ويصلى ذاكرا جلاله، وعظمته، وإذا أصغى إلى آيات الله سجد لما فيها من عظمة وحكمة قائلا: سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (الإسراء 108)، لا يغيب ذكر الله عنه، مفكرا في خلق السموات والأرض، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (آل عمران 191 - 194). وفي ذكر الله ورقابته دائما إحياء للضمير الإنسانى، وإقامة هذا الضمير رقيبا على أعمال المرء، فلا يفعل منفردا ما يخجل من فعله مع الجماعة، وإذا حيى الضمير، وقويت شوكته، كان للإنسان منه رقيب على نفسه، فى كل ما يأتى من الأمور وما يدع، وتربية الضمير هو الهدف الرئيسى للتربية، والغرض الأول الذى يرمى إليه المربون.أما صلته بالناس فصلة رفق وحب وعطف، يفى بالعهد إن عاهد، ويؤدى الأمانة إن اؤتمن، ويربأ بنفسه عن اللغو، فلا يضيع وقته سدى فيه، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْوَعَهْدِهِمْ راعُونَ (المؤمنون 1 - 8). وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (المعارج 24، 25). ويؤتون: الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ (البقرة 177). يأمرون بالصدقة والمعروف، ويصلحون بين الناس، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (النساء 114). وهو هنا لا يكتفى بأن يكون المرء صالحا في نفسه، بل لا بدّ أن يكون عضوا نافعا في جماعته، وقوة عاملة فيها، فهو يتصدق، ويأمر غيره بالصدقة، ويصلح بين الناس ويأمر غيره بالإصلاح بينهم، ولا يكتفى القرآن بأن يقف المرء موقف الواعظ المرشد فحسب، بل من الواجب أن يأخذ بحظه من الخير الذى يدعو إليه ولهذا وبخ القرآن أولئك الذين يدعون إلى الخير، وينسون أنفسهم فى قوله: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (البقرة 44).والإنسان الكامل هو ذلك الذى يبذل جهده في خدمة جماعته، ويعمل على النهوض بها، فلا يعيش كلّا، ولا يقبل أن يرضى غروره، بأن يسمع ثناء على ما لم يفعل، أما هؤلاء الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (آل عمران 188).ومن أكبر سماته أنه يدفع السيئة بالحسنى، فيؤلف القلوب النافرة، ويستل الخصومة من صدر أعدائه، وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (فصلت 34، 35). وأنت ترى القرآن يعترف بأن هذا الخلق لا يتصف به إلا من كان ذا قدم عظيمة في التفوق في مراتب الكمال، وذا حظ عظيم منه. ويتصل بهذه الصفة كظم الغيظ والعفو عن الناس، وهما مما مجد القرآن إذ قال: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران 133، 134). وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (الشورى 37).وهو عادل، يقول الحق ولا يحيد عنه، ولا يصرفه عن قوله ذو قرابة أو عداوة، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى (الأنعام 152). كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (المائدة 8).قد طهر قلبه، فلا يحمل لأحد غلا ولا موجدة، ويسأل الله السلامة من شر ذلك قائلا: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (الحشر 10).ولا يسعد إنسان في حياته، إذا كان يحمل في قلبه ضغنا على أحد، أو حسدا أو غلا، فإن ذلك يقلب الحياة شقاء، وينغص على المرء أيامه ولياليه فضلا عن ضياع الوقت، وما أجمل الحياة إذا طهر قلب المرء، وبعد عنه ما يئوده من هموم الحقد والحسد، حينئذ يعمل في طمأنينة، ويجاهد في سكينة.وحسنت صلته بجاره ذى القربى والجار الجنب، ولذلك أثره في سعادة الحياة، والطمأنينة فيها، ويعامل الناس برفق، فلا يغره منصب يظفر به، ولا مال يحويه، ولايدفعه ذلك إلى تعاظم أو كبر، ولا يخرجه ما يظفر به إلى البطر والمرح، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (لقمان 18، 19).يرد التحية بأحسن منها، وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (النساء 86). ولا يدخل بيتا غير بيته حتى يستأذن، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (النور 27، 28). ويجلس مع الناس في رفق. فلا يجد غضاضة في أن يفسح لغيره من مجلسه، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (المجادلة 11).وإذا كانت السخرية بالغير، بأى لون من ألوان السخرية، مدعاة إلى تأصل العداء، وتقطع الصلات، كان الإنسان النبيل هو من يجتنب السخرية من الناس، وعيبهم، ولمزهم بألقاب يكرهونها، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الحجرات 11).ومن أهم أخلاق الإنسان المثالى الصبر، وقد أثنى به الله كثيرا، وحث عليه كثيرا، وجعله خلة لا يظفر بها إلا الممتازون من الناس، ذوو الحظ الكبير من الرقى الخلقى، قال سبحانه: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (البقرة 155 - 157). وقال: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ (الحج 34، 35). وقال: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (الزمر 10).ومما يرتبط بالصبر شديد الارتباط مقابلة الأحداث ونوازل الحياة، بل ما تأتى به من سعادة وخير، فى هدوء وطمأنينة، فلا يستفزه فرح، ولا يثيره حزن ولا ألم، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (الحديد 23).ويسير في إنفاقه سيرا مقتصدا لا تقتير فيه ولا تبذير، وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (الفرقان 67)، وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (الإسراء 26 - 29). وهو لذلك يأكل ويشرب، ويستمتع، فى غير إسراف ولا خيلاء، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأعراف 31)، ويأخذ بحظه من الحياة الدنيا في غير تكالب عليها، ولا جعل الاستمتاع بها الهدف الأساسى في الحياة.ويكره القرآن للمرء أن يتبجّح بالقول، فيدعى أنه سيفعل ويفعل، ثم تنجلى كثرة القول عن تقصير معيب في العمل، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (الصف 2، 3).ويحسن أن أوجه النظر هنا إلى أن القرآن لا يبرئ الإنسان من فعل السوء، ولا ينزهه عن الإثم، ولكن الذى يأخذه عليه هو أن يتمادى في العصيان، ويصرّ على ما يفعل، فلا يندم، ولا يتوب، أما أبواب الجنة فمفتحة لأولئك وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (آل عمران 135، 136).وهذه بعض آيات من القرآن يصف بها أولئك المثاليين، إذ يقول: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْلَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (الفرقان 63 - 67).
|
الفرق لابن أبي ثابت
|
(بَاب خُرُوج الرّيح من الْإِنْسَان وَغَيره (191))قالَ أَبُو عُبَيْدٍ (192) : قالَ الأصمعيّ: يُقالُ للرَّجُلِ وغيرهِ: عَفَقَ بهَا يَعْفِقُ عَفْقاً، وحَبَجَ بهَا يَحْبِجُ حَبْجاً، وخَبَجَ بهَا يخبِجُ خَبْجاً وخُبَاجاً (193) ، ورَجُلٌ خُبَجَةٌ، وحَصَمَ بهَا يَحْصِمُ، ونَفَخَ (194) بهَا، وحَبَقَ يحبقُ حَبْقاص، ومَسَحَ بهَا، ومَحَصَ بهَا يمحصُ مَحْصاً، وحَصَأَ بهَا، وغَضَفَ بهَا، وخَضَفَ بهَا: كلُّ ذلكَ إِذا فَعَلَ. وقالَ زُهَيْرٌ (195) :ونُبِّئْتُ أَنَّ الحارِثَ بنُ حُدَيرٍ لُهُ حَبَقٌ حَولي يروثُ ويَبْعَرُ وقالَ الآخرُ: فَظَلَّ مُحْبَنْطِئاً ينزو لَهُ حَبَقٌ إمَّا بحَقِّ وإمَّا كانَ مَوْهُونا ويُقالُ: رَدَمَ الحِمارُ يَرْدُمُ رَدْماً، وَهُوَ الرّدامُ، قالَ الشَّاعِر (196) : دَعَا النَّقَرَى دوني رياحٌ سَفاهَةً وَمَا كانَ يَدْرِي رَدْمَةَ العَيْرِ مَا هِيا ويُقالُ: أَنْبَقَ (197) الرجلُ أَيْضا، وَذَلِكَ إِذا كانتْ خَفِيفةً (198) . ويُقالُ: مَكَتِ الدَّابَّةُ تمكو مُكاءً، إِذا نَفَخَتْ بالرِّيح. وقالَ أَبُو زَيْدٍ: [و] لَا تمكو إلاّ مَفْتُوحَة مَبْلُوقَةً (199) . وقالَ الراجزُ (200) : يَا ضَمْرَ يَا عبدَ بني كِلابِ يَا أَيْرَ عَيْرٍ لازقٍ ببابِ وكانَ هَذَا أَوَلَّ الثوابِ تمكو اسْتُهُ من حَذَرِ الغُرابِ وقالَ عَنْتَرَةُ (201) : وحَلِيل غانِيةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلاً تمكو فريصتُهُ كشِدْقِ الأَعْلَمِ (172) والمُكاءُ (202) فِي غيرِ هَذَا: الصَّفِيرُ. ويُقالُ: خَضَفَ البعيرُ يَخْضِفُ خَضْفاً. وَقد يُسْتَعَارُ فِي السَّببِّ للإنسانِ، قالَ الشاعِرُ (203) :إنَّا وَجَدْنا خَلَفاً بِئْسَ الخَلَفْ عَبْداً إِذا مَا ناءَ بالحِمْلِ خَضَفْ أَغْلَقَ عنَّا بابَهُ ثُمَّ حَلَفْ لَا يُدْخِلُ البَوَّابُ إلاّ مَنْ عَرَفْ ويُقالُ أَيْضا: با ابنَ خَضَافِ لَا تَفْعَلْ، مِثلُ حَذَامِ وقَطامِ، يُريدُ: [يَا] (204) ابنَ الضارِطَةِ. وقالَ الشاعِرُ (205) : بَذَرَتْ خَضَافِ لَهُم بماءِ مُجاشِعٍ خَبُثَ الحَصادُ حَصَادُهُمْ والمَزْرَعُ ويُروى: خَبْثَ الحصادِ. ويُقالُ: حَبِقَتِ العَنْزُ (206) .
|
الفرق لابن أبي ثابت
|
(بَاب مَا يسيل من أنف الْإِنْسَان وَغَيره)يُقالُ (207) فِي مِثْلِ المُخاطِ من الإنسانِ: المُخاطُ، ومِنْ ذَوِي الأَظلافِ: الرُّعَامُ (208) والزِّخْرِطُ (209) . ويُقالُ: شاةٌ رَعُومٌ، وَقد رَعَمَ مُخاطُها يَرْعَمُ رُعاماً: إِذا سالَ. وَلَا يُقالُ ذلكَ إلاّ للمَهْزُولَةِ. ويُقالُ لَهُ من ذِي الحافِرِ: الرُّؤالُ والرُّعالُ. وقالَ ابنُ الأعرابيّ (210) : الرُّعامُ من النعجةِ ثُمَّ يُسْتَعَارُ للإنسانِ، [والذَّنينُ والذُّنانُ للإنسانِ] ، والرُّؤالُ للخيلِ ثُمَّ يوصَفُ بِهِ الإنسانُ وغَيْرُهُ. وقالَ ابنُ الأعرابيَ: الرُّعالُ باطِلٌ.ويُقالُ: ذَنَّ أَنْفُهُ يَذِنُّ ذَنيناً. وقالَ الشمّاخُ (211) : تُوائِلُ من مِصَكٍّ أَنْصَبَتْهُ حوالِبُ أَسْهَرَتْهُ بالذَّنينِ الذَّنينُ والُّنانُ للإنسانِ وغيرِهِ. يُقالُ: ذَنَّ أَنْفَهُ. ويُقالُ: رَذَمَ أَنْفُهُ يرذمُ رذاماً: إِذا قَطَرَ. وقالَ الشاعِرُ: من كُلِّ حَنْكَلَةٍ يسِيلُ ذَنِينُها حُبُّ السِّبابِ وطَوْفُها يَتَقَطَّعُ (212) وقالَ كَعْبُ بنُ زُهَيْرٍ (213) : (173) مَنْ ليَ مِنْهَا إِذا مَا جُلْبَةٌ أَزَمَتْ وَمن أُوَيْسٍ إِذا مَا أَنْفُهُ رَذَما الجُلْبَةُ: الشِّدَّةُ من الزمانِ. [و] أُويس: اسمٌ للذئبِ. وكُلُّ قاطِرٍ [من الأنفِ] فَهُوَ رَذَمٌ. ويُقالُ لَهُ من الإبلِ: الذُّنانُ والزِّخْرِطُ [أَيْضا] .
|
المخصص
|
كتاب - المخصص
(الْمُقدمَة) بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ الأندلسي الْمَعْرُوف بِابْن سَيّده: الْحَمد لله المميت ذِي الْعِزَّة والملكوت ملهم الأذهان إِلَى الِاسْتِدْلَال على قدمه ومعلمها أَن وجوده لم يَك وَاقعا بعد عَدمه ثمَّ معجزها بعظيم قدرته على مَا منحها من لطيف الفكرة ودقيق النّظر وَالْعبْرَة عَن تَحْدِيد ذَاته وَإِدْرَاك محمولاته وَصِفَاته نحمده على مَا ألهمنا إِلَيْهِ وَفطر أَنْفُسنَا من الْإِقْرَار بألوهيته وَالِاعْتِرَاف بربوبيته ونسأله تَخْلِيص أَنْفُسنَا حَتَّى يلحقنا بعالمه الْأَفْضَل لَدَيْهِ وبجواره الأزلف إِلَيْهِ ثمَّ الصَّلَاة على عَبده الْمُصْطَفى وَرَسُوله المقتفى سراجنا النير الثاقب وَنَبِينَا الْخَاتم العاقب مُحَمَّد خيرة هَذَا الْعَالم وَسيد جَمِيع ولد آدم وَالسَّلَام عَلَيْهِ وعَلى آله الطيبين المنتخبين صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ أما بعد فَإِن الله عز وَجل لما كرم هَذَا النَّوْع المرسوم بالإنسان وشرفه بِمَا آتَاهُ من فَضِيلَة النُّطْق على سَائِر أَصْنَاف الْحَيَوَان وَجعل لَهُ رسماً يميزه وفضلاً يُبينهُ على جَمِيع الْأَنْوَاع فيحوزه أحوجه إِلَى الْكَشْف عَمَّا يتَصَوَّر فِي النُّفُوس من الْمعَانِي الْقَائِمَة فِيهِ المدركة بالفكرة ففتق الْأَلْسِنَة بضروب من اللَّفْظ المحسوس ليَكُون رسماً لما تصور وهجس من ذَلِك فِي النُّفُوس فَعلمنَا بذلك أَن اللُّغَة اضطرارية وَإِن كَانَت مَوْضُوعَات ألفاظها اختياريةً فَإِن الْوَاضِع الأول الْمُسَمّى للأقل جزأً وللأكثر كلا وللون الَّذِي يفرق شُعَاع الْبَصَر فيبثه وينشره بَيَاضًا وللذي يقبضهُ فيضمه ويحصره سواداً لَو قلب هَذِه التَّسْمِيَة فَسمى الْجُزْء كلا وَالْكل جزأً وَالْبَيَاض سواداً والسواد بَيَاضًا لم يخل بموضوع وَلَا أوحش أسماعنا من مسموع وَنحن مَعَ ذَلِك لَا نجد بدا من تَسْمِيَة جَمِيع الْأَشْيَاء لتحتاز بأسمائها وينماز بَعْضهَا من بعض بأجراسها وأصدائها كَمَا تباينت أول وهلة بطباعها وتخالفت قبل ذَلِك بصورها وأوضاعها وَنِعما مَا سددت الْحُكَمَاء إِلَيْهِ فِي ذَلِك من دَقِيق الْحِكْمَة ولطيف النّظر والصنعة لما حرصوا عَلَيْهِ من الْإِيضَاح وأغذوا إِلَيْهِ من إِيثَار الْإِبَانَة والإفصاح. فَأَما الَّتِي تدل على كميتين مختلفتين منفصلتين أَو متصلتين كالبَشَر الَّذِي يَقع على الْعدَد الْقَلِيل وَالْكثير والجَلَلِ الَّذِي يَقع على الْعَظِيم وَالصَّغِير واللفظة الَّتِي تدل على كيفيتين متضادتين كالنَّهل الْوَاقِع على الْعَطش والرّيّ واللفظة الدَّالَّة على كيفيات مُخْتَلفَة كالجَونِ الْوَاقِع على السوَاد وَالْبَيَاض والحمرة وكالسُّدفة المقولة على الظلمَة والنور وَمَا بَينهمَا من الِاخْتِلَاط فسآتي على جَمِيعهَا مستقصىً فِي فصل الأضداد من هَذَا الْكتاب مثبتاً غير جَاحد ومضطراً إِلَى الْإِقْرَار بِهِ على كل ناف معاند ومُبَرِئاً للحكماء المتواطئين على اللُّغَة أَو الملهمين إِلَيْهَا من التَّفْرِيط ومنزهاً لَهُم عَن رَأْي من وسمهم فِي ذَلِك بالذهاب إِلَى الإلباس والتخليط. وَكَذَلِكَ أَقُول على الْأَسْمَاء المترادفة الَّتِي لَا يَتَكثّر بهَا نوع وَلَا يَحدُثُ عَن كثرتها طبع كَقَوْلِنَا فِي الْحِجَارَة حَجَرٌ وصفاةٌ ونَقلةٌ وَفِي الطَّوِيل طَوِيل وسَلِبٌ وشَرحَبٌ وعَلى الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة الَّتِي تقع على عدَّة أَنْوَاع كَالْعَيْنِ المقولة على حاسة الْبَصَر وعَلى نفس الشَّيْء وعَلى الرَّبيئةِ وعَلى جَوْهَر الذَّهَب وعَلى ينبوع المَاء وعَلى الْمَطَر الدَّائِم وعَلى حر الْمَتَاع وعَلى حَقِيقَة الْقبْلَة وَغير ذَلِك من الْأَنْوَاع المقولة عَلَيْهَا هَذِه اللَّفْظَة وَمثل هَذَا الِاسْم مشتَرَكٌ كثيرٌ وكل ذَلِك ستراه وَاضحا أمره مُبيَّناً عُذَرهُ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله. وَقد اخْتلفُوا فِي اللُّغَة أََمُتواطَأ عَلَيْهَا أم مُلهَمٌ إِلَيْهَا وَهَذَا مَوضِع يُحتاج إِلَى فضل تَأمل غير أَن أَكثر أهل النّظر على أَن أصل اللُّغَة إِنَّمَا هُوَ تَواضُعٌ واصطلاح لَا وَحي وَلَا تَوْقِيف إِلَّا أَن أَبَا عَليّ الْحسن بن أَحْمد بن عبد الْغفار بن سُلَيْمَان الْفَارِسِي النَّحْوِيّ قَالَ هِيَ من عِنْد الله واحتَجَّ بقوله سُبْحَانَهُ وعَلَّمَ آدمَ الأسماءَ كُلَّها وَهَذَا لَيْسَ باحتجاجٍ قاطعٍ وَذَلِكَ أَنه قد يجوز أَن يكون تَأْوِيله أقدر آدم على أَن واضَعَ عَلَيْهَا وَهَذَا الْمَعْنى من عِنْد الله سُبْحَانَهُ لَا محَالة فَإِذا كَانَ ذَلِك مُحْتملا غير مستنكر سقط الِاسْتِدْلَال بِهِ وعَلى أَنه قد فسر هَذَا بِأَن قيل إِن الله عز وَجل عَلَّمَ آدمَ أسماءَ جميعِ المخلوقاتِ بِجَمِيعِ اللُّغَات الْعَرَبيَّة والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية وَغير ذَلِك من سَائِر اللُّغَات فَكَانَ آدم صلى الله عَلَيْهِ وَولده يَتَكَلَّمُونَ بهَا ثمَّ إِن وَلَده تفَرقُوا فِي الدُّنْيَا وعلق كل وَاحِد مِنْهُم بلغَة من تِلْكَ اللُّغَات فَغلبَتْ عَلَيْهِ واضمحلَّ عَنهُ مَا سواهَا لبعدهم بهَا وَإِذا الْخَبَر الصَّحِيح قد ورد بِهَذَا فقد وَجب تلقيه باعتقاده والانطواءِ على القَوْل بِهِ. فَإِن قيل فاللغة فِيهَا أسماءٌ وأفعالٌ وحروفٌ وَلَيْسَ يجوز أَن يكون المُعَلِّمُ من ذَلِك الأسماءَ دون هذَيْن النَّوْعَيْنِ الباقيين فَكيف خصَّ الأسماءَ وَحدهَا قيل اعْتمد ذَلِك من حَيْثُ كَانَت الْأَسْمَاء أقوى الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة أَلا ترى أَنه لابد لكل كَلَام مُفِيد من الِاسْم وَقد تَستَغني الْجُمْلَة المستقلة عَن كل وَاحِد من الْفِعْل والحرف فَلَمَّا كَانَت الْأَسْمَاء من الْقُوَّة والأوَّلية فِي النَّفس والرتبة بِحَيْثُ لَا خَفَاء بِهِ جَازَ أَن تكتفي بهَا مِمَّا هُوَ تال لَهَا ومحمول فِي الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ عَلَيْهَا وَهَذَا كَقَوْل المَخْزُومِي: اللهُ يعلمُ مَا تَرَكتُ قتالَهُم حتّى عَلَوا فَرسِي بأَشقَرَ مُزبِدِ أَي وَإِذا كَانَ الله يُعلمهُ فَلَا أُبَالِي بِغَيْرِهِ أَذَكَرتُه واستَشهدتُه أم لم أذكرهُ وَلم أستشهد بِهِ وَلَا نُرِيد بذلك أَن هَذَا أَمر خَفِي فَلَا يُعلمهُ إِلَّا الله عز وَجل وَحده بل إِنَّمَا نحيل فِيهِ على أَمر وَاضح وَحَال مَشْهُورَة حِينَئِذٍ متعالمة وَإِنَّمَا الْغَرَض فِي مثل هَذَا عُمُوم معرفَة النَّاس لفشوه وَكَثْرَة جَرَيَانه على ألسنتهم. وَأما الَّذين قَالُوا إِن اللُّغَة لَا تكون وَحيا فَإِنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى أَن أصل اللُّغَة لابد فِيهِ من الْمُوَاضَعَة وَذَلِكَ أَنه كَانَ يجْتَمع حكيمان أَو ثَلَاثَة فَصَاعِدا يُرِيدُونَ أَن يبينوا الْأَشْيَاء المعلومات فيضعوا لكل وَاحِد مِنْهَا سمةً ولفظاً إِذا ذكر عرف بِهِ مَا مُسَمَّاهُ ليمتاز بِهِ من غَيره وليغني بِذكرِهِ عَن إِحْضَاره وإظهاره إِلَى مرْآة الْعين فَيكون ذَلِك أسهل من إِحْضَاره لبلوغ الْغَرَض فِي إبانة حَاله بل قد نحتاج فِي كثير من الْأَحْوَال إِلَى ذكر مَا لَا يُمكن إِحْضَاره وَلَا إدناؤه كالفاني وَحَال اجْتِمَاع الضدين على الْمحل الْوَاحِد فكأنهم جَاءُوا إِلَى وَاحِد من بني آدم فأومؤا إِلَيْهِ فَقَالُوا إِنْسَان فَأَي وَقت سمع هَذَا اللَّفْظ علم أَن المُرَاد بِهِ هَذَا النَّوْع من الْجِنْس الْمَخْلُوق. وَإِن أَرَادوا تَسْمِيَة جُزْء مِنْهُ أشاروا إِلَى ذَلِك الْجُزْء فَقَالُوا عينٌ أنفٌ فمٌ وَنَحْو ذَلِك من أَجْزَائِهِ الَّتِي تتحلل جملَته إِلَيْهَا وتتركب عَنْهَا فَمَتَى سَمِعت اللَّفْظَة من هَذِه كلهَا علم مَعْنَاهَا وَصَارَت لَهُ كالسمة المميزة للموسوم والرسم المحتاز لما تَحْتَهُ من المرسوم وكالحد الْمُمَيز لما تَحْتَهُ من الْمَحْدُود وَإِن كَانَت تِلْكَ الْإِبَانَة طبيعيةً وَهَذِه تواضعية غير طبيعية ثمَّ هَلُمَّ جراً فِيمَا سوى ذَلِك من الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال والحروف ثمَّ لَك من بعد ذَلِك أَن تنقل هَذِه الْمُوَاضَعَة إِلَى غَيرهَا فَتَقول الَّذِي اسْمه إِنْسَان فليجعل مرد وَالَّذِي اسْمه رَأس أَو دماغ فليجعل سر وَكَذَلِكَ لَو بدئت اللُّغَة الفارسية فَوَقَعت الْمُوَاضَعَة عَلَيْهَا جَازَ أَن تنقل وتتولد مِنْهَا عدَّة لُغَات من الرومية أَو الزنجية وَغَيرهمَا وعَلى هَذَا مَا نشاهد الْآن من اختراعات الصناع لآلات صنائعهم من الْأَسْمَاء كالنجار والصائغ والحائك والملاح قَالُوا وَلَكِن لابد لأولها أَن يكون متواضعها بِالْمُشَاهَدَةِ والإيماءِ قَالُوا وَالْقَدِيم سُبْحَانَهُ لَا يجوز أَن يُوصف بِأَن يواضع أحدا من عباده لِأَن الْمُوَاضَعَة بالإشارةِ والإيماءِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بالجارحةِ المحدودةِ كَأَنَّهُمْ يذهبون إِلَى أَنه لَا جارحةَ لَهُ. وَجَمِيع مَا ذكرته من هَذَا الْفَصْل إِنَّمَا هُوَ نقل عَن هَؤُلَاءِ قَالُوا وَلكنه قد يجوز أَن ينْقل الله تَعَالَى اللُّغَة الَّتِي قد وَقع التَّوَاضُع من عباده عَلَيْهَا بِأَن يَقُول الَّذِي كُنْتُم تعبرون عَنهُ بِكَذَا عبروا عَنهُ بِكَذَا وَجَوَاز هَذَا مِنْهُ تَعَالَى كجوازه من عباده وعَلى ذَلِك أَيْضا اخْتلف أَقْلَام ذَوي اللُّغَات كَمَا اخْتلفت أنفس الْأَصْوَات المترتبة على مذاهبهم فِي المواضعات وَاخْتلفت الأشكال المرسومة على حد اخْتِلَاف الْأَصْوَات الْمَوْضُوعَة. وَقد تهَيَّأ لنا أَن نقُول لمن نفى المُواضَعَة عَن الْقَدِيم لِعِبَادِهِ وَاحْتج على ذَلِك بِأَن الْمُوَاضَعَة لابد فِيهَا من الإيماءِ والإيماءُ إِنَّمَا هُوَ بالجارحة وَهُوَ سُبْحَانَهُ عِنْده على رَأْيه سُبْحَانَهُ لَا جارحة لَهُ مَا تنكر أَن يَصح الْمُوَاضَعَة سُبْحَانَهُ وَإِن لم يكن ذَا جارحة بِأَن يحدث فِي جسم من الْأَجْسَام خَشَبَة أَو غَيرهَا من الْجَوَاهِر إقبالاً على شخص من الْأَشْخَاص وتحريكاً لَهَا نَحوه وَيسمع فِي تحّرك ذَلِك الْجَوْهَر إِلَى ذَلِك الشَّخْص صَوتا يَضَعهُ اسْما لَهُ وَيُعِيد حَرَكَة ذَلِك الْجَوْهَر نَحْو ذَلِك الشَّخْص دفعات مَعَ أَنه عز اسْمه قَادر أَن يقنع فِي تَعْرِيفه ذَلِك بالمرة الْوَاحِدَة فَيقوم ذَلِك الْجَوْهَر فِي ذَلِك الإيماءِ وَالْإِشَارَة مقَام جارحة ابْن آدم فِي الْإِشَارَة بهَا للمواضعة وكما أَن الْإِنْسَان أَيْضا قد يجوز إِذا أَرَادَ المواضَعَة أَن يُشِير بِغَيْر جُزْء من جِسْمه بل بجوهر آخر كالقضيب وَنَحْوه إِلَى المُرَاد المتواضع عَلَيْهِ فيقيمه فِي ذَلِك مقَام يَده وَسَائِر جوارحه الْمشَار بهَا كالحاجب وَالْعين لَو أَرَادَ الإيماءَ بهما نَحْو الشَّيْء وَقد عُوِرضَ أحدهم بِهَذَا القَوْل فَوَقع عَلَيْهِ التَّبكيت وَلم يُحِر جَوَابا وَلم يزدْ على الِاعْتِرَاف لخصمه شَيْئا وَهُوَ على مَا ترَاهُ الْآن لَازم لمن قَالَ بامتناع مواضعة الْقَدِيم وَقد يَنْبَغِي للمتأمل الْمنصف والدقيق النّظر غير المُتَعَسّفِ وَلَا البَرِمِ المتعجرف فِيمَا بعد أَن لَا يقتاد لمُمِوَّه الْبَرَاهِين وَأَن لَا يقنع مَا دون أَعلَى طبقَة من الْيَقِين وَأَن يقف بِحَيْثُ وقف بِهِ الْإِدْرَاك فَوَجَبَ عَلَيْهِ عِنْد ذَلِك الْإِمْسَاك وَإِن كَانَ قد أفْضى بِهِ النّظر إِلَى الشكائك الجدلية أَنه نَاقص عَن منزلَة الْحَقِيقَة لِأَن الشكائك الجدلية لَا يقنع بهَا أَو يجلو لَيْلهَا تباشير صبح الْبُرْهَان وَقد أدمت التنقير والبحث مَعَ ذَلِك عَن هَذَا الْموضع فَوجدت الدَّوَاعِي والخوالج قَوِيَّة التجاذب لي مُخْتَلفَة جِهَات التغول على فكري وَذَلِكَ لأَنا إِذا تأملنا حَال هَذِه اللُّغَة الشَّرِيفَة الْكَرِيمَة اللطيفة وجدنَا فِيهَا من الْحِكْمَة والدقة والإرهاف والرقة مَا يملك علينا جَانب الْفِكر حَتَّى يطمح بِنَا أَمَام غلوة السحر فَمِنْهُ مَا نبه عَلَيْهِ الْأَوَائِل من النَّحْوِيين وحذاه على أمثلتهم الْمُتَأَخّرُونَ فَعرفنَا بتبينه وانقياده وَبعد مراميه وآماده صِحَة مَا وفقوا لتقديمه مِنْهُ ولطف مَا أسعدوا بِهِ وَفرق لَهُم عَنهُ وانضاف إِلَى ذَلِك وَارِد الْأَخْبَار المأثورة بِأَنَّهَا من عِنْد الله تبَارك وَتَعَالَى فقوي فِي أَنْفُسنَا اعْتِقَاد كَونهَا تَوْفِيقًا من الله تَعَالَى وَأَنَّهَا وَحي. فَإذْ قد بَينا مَا اللُّغَة أَمتواطأ عَلَيْهَا أم موحىً بهَا ملهم إِلَيْهَا فلنقل على حَدهَا وَهُوَ عَام لجَمِيع اللُّغَات لِأَن الْحَد طبيعي ثمَّ لنردف ذَلِك بالْقَوْل على اشتقاق الِاسْم الَّذِي سمته الْعَرَب بِهِ وَهُوَ خَاص بلسانها الْآن الْأَسْمَاء تواطئية، أما حَدهَا ونبدأ بِهِ لشرف الْحَد على الرَّسْم فَهُوَ أَنَّهَا أصوات يعبر بهَا كل قوم عَن أغراضهم وَهَذَا حد دائر على محدوده مُحِيط بِهِ لَا يلْحقهُ خلل إِذْ كل صَوت يعبر بِهِ عَن الْمَعْنى الْمَنْصُور فِي النَّفس لُغَة وكل لُغَة فَهِيَ صَوت يعبر بِهِ عَن الْمَعْنى المتصور فِي النَّفس وَأما وَزنهَا وتصريفها وَمَا تحلل إِلَيْهِ من الْحُرُوف وتتركب عَنهُ فَهِيَ فعلة مركبة من ل، غ، و، هـ. وإليها تَنحَلُّ لِأَن التَّحَلُّل إِنَّمَا هُوَ إِلَى مثل مَا يَقع عَلَيْهِ التركب يُقَال لَغَوتُ أَي تَكَلَّمت وَأَصلهَا لُغوةٌ ونظيرها قُلَةٌ وكُرَةٌ وثُبَةٌ كلهَا لامها وَاو لقَولهم قَلَوتُ بالقُلَةِ وكَرَوتُ بالكُرَةِ وَلِأَن الثُّبةَ كَأَنَّهَا من مقلوب ثابَ يثوبُ وَالْجمع لُغاتٌ ولُغُونَ كَكُراتٍ وكُرينَ يجمعونها بِالْوَاو وَالنُّون إشعاراً بِالْعِوَضِ من الْمَحْذُوف مَعَ الدّلَالَة على التَّغْيِير وَرُبمَا كسروا أَوَائِل مثل هَذَا وَقَالُوا لَغَي يَلغَي والَّلغوُ الْبَاطِل من قَوْله تَعَالَى: (وَإِذا مروا بالَّلغو مروا كراماً) . فَلَمَّا رَأَيْت اللُّغَة على مَا أريتك من الْحَاجة إِلَيْهَا لمَكَان التَّعْبِير عَمَّا نتصوره وتشتمل عَلَيْهِ أَنْفُسنَا وخواطرنا أَحْبَبْت أَن أجرد فِيهَا كتابا يجمع مَا تنشر من أَجْزَائِهَا شعاعاً وتنثر من أشلائها حَتَّى قَارب الْعَدَم ضيَاعًا وَلَا سِيمَا هَذِه اللُّغَة المكرمة الرفيعة المحكمة البديعة ذَات الْمعَانِي الحكيمة المرهفة والألفاظ اللدنة القويمة المتفقة مَعَ كَون بَعْضهَا مَادَّة كتاب الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ سيد الْكَلَام لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه. وتأملت مَا أَلفه القدماء فِي هَذِه اللِّسَان المعربة الفصيحة وصنفوه لتقييد هَذِه اللُّغَة المتشعبة الفسيحة فوجدتهم قد أورثونا بذلك فِيهَا علوماً نفيسة جمة وافتقروا لنا مِنْهَا قلباً خسيفةً غير ذمَّة إِلَّا أَنِّي وجدت ذَلِك نشراً غير ملتئم ونثراً لَيْسَ بمنتظم إِذْ كَانَ لَا كتاب نعلمهُ إِلَّا وَفِيه من الْفَائِدَة مَا لَيْسَ فِي صَاحبه ثمَّ إِنِّي لم أر لَهُم فِيهَا كتابا مُشْتَمِلًا على جلها فضلا عَن كلهَا مَعَ أَنِّي رَأَيْت جَمِيع من مد إِلَى تأليفها يدا وأعمل فِي توطئتها وتصنيفها مِنْهُم ذهناً وحلداً قد حرمُوا الارتياض بصناعة الْأَعْرَاب وَلم يرفع الزَّمن عَنْهُم مَا أسدل عَلَيْهِم من كثيف ذَلِك الْحجاب حَتَّى كَأَنَّهُمْ موَات لم يمد بحيوانيه أَو حَيَوَان لم يحد بإنسانيه فَإنَّا نجدهم لَا يبينون مَا انقلبت فِيهِ الْألف عَن الْيَاء مِمَّا انقلبت الْوَاو فِيهِ عَن الْيَاء وَلَا يحدون الْموضع الَّذِي انقلاب الْألف فِيهِ عَن الْيَاء أَكثر من انقلابها عَن الْوَاو مَعَ عكس ذَلِك وَلَا يميزون مِمَّا يخرج على هَيْئَة المقلوب وَمَا هُوَ مقلوب وَمَا هُوَ من ذَلِك لُغَتَانِ وَذَلِكَ كجذب وجَبَذَ ويئِسَ وأَيِسَ ورَأَى ورَاءَ وَنَحْوه مِمَّا ستراه فِي مَوْضِعه مفصلا محللاً محتجاً عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَا ينبهون على مَا يسمعونه غير مَهْمُوز مِمَّا أَصله الْهَمْز على مَا يَنْبَغِي أَن يعْتَقد مِنْهُ تَخْفِيفًا قياسياً وَمَا يعْتَقد مِنْهُ بَدَلا سماعياً وَلَا يفرقون بَين الْقلب والإبدال وَلَا بَين مَا هُوَ جمع يكسر عَلَيْهِ الْوَاحِد وَبَين مَا هُوَ اسْم للْجمع وَرُبمَا اسْتشْهدُوا على كلمة من اللُّغَة بِبَيْت لَيْسَ فِيهِ شَيْء من تِلْكَ الْكَلِمَة كَقَوْل أبي عبيد النبيثة مَا أخرجته من تُرَاب الْبِئْر واستشهاده على ذَلِك بقول صَخْر الغَي، لصخر الغَي مَاذَا تَستَبيثُ، وَإِنَّمَا النَبِيثةُ كلمة صَحِيحَة مؤتلفة من ن، ب، ث، وتَستَبيثُ كلمة معتلة مؤتلفة من ب وث أَو من ب، ى ث، يُقَال بُثتُ الشَّيْء بَوَثاً وبِثتُه وأَبَثتُه إِذا استخرجته إِلَى غير ذَلِك من قوانين التصريف الَّتِي جَفتْ أذهانهم عَن رقتها وغلظت أفهامهم عَن لطفها ودقتها. فاشرَأبَّت نَفسِي عِنْد ذَلِك إِلَى أَن أجمع كتابا مُشْتَمِلًا على جَمِيع مَا سقط إِلَيّ من اللُّغَة إِلَّا مَا لَا بَال بِهِ وَأَن أَضَع على كلمة قَابِلَة للنَّظَر تعليلها وَأحكم فِي ذَلِك تفريعها وتأصيلها وَإِن لم تكن الْكَلِمَة قَابِلَة لذَلِك وضعتُها على مَا وَضَعُوه وتركتها على مَا وَدعوهُ تحبيراً أُقَيّنُه وأُرهفُه وتعبيراً أتقنُه وأُزَخرِفُه ثمَّ لم تزل الْأَيَّام بِي عَن هَذَا الأمل قَاطِعَة ولي دونه زابنةً مدافعه وَذَلِكَ بِمَا يسْتَغْرق زمني من جواهد الأشغال وَيَا طر متن قوتي من لَواهِدِ الأعباء والأثقال مَعَ مَا كنت أُلاحظه من موت الهمم وقلّة المُغلّينَ ثمنا بنفائس الحكم وتولي دولة إِعْمَال اللَّفْظ والقلم فِي طَاعَة الله وسبيل الْمجد والنفع بِالْمَالِ والجاه لاقتناء الْمجد واجتلاب الْحَمد حَتَّى نفذ مَا لَوَى من عِنانِي إِلَيْهِ وعَوَى من لساني وجنَانِي عَلَيْهِ وَهُوَ المُتَقَبَّلُ المُطَاع والمُتَقَيَّلُ غير المُضَاع أَمر الْمُوفق مَوْلَانَا الْملك الْأَعْظَم والهمام الأكرم تَاج المآثر وسراج المعارف محيي ميت الْفضل ومقيم مُنَاد السياسة بِالْعَدْلِ معيد دوائر الْكَرم بإيراقها بَعدَذَيّها ومُطلع نُجُوم الْفَهم بِإِقَامَة الهِمَمِ على حِين إخفاقها فالآفاق بثنائه عبقه والألسنة بِصفة علائه علقه والبلاد بميسور نعمه وآلائه معقوده وأيديهم فِيهِ إِلَى الله تَعَالَى بِالْقبُولِ ممدودة وَحقّ لَهُ ذَلِك مِنْهُم بِمَا أوسع الْعباد من فَضله وأفاض على الْبِلَاد من حسن سيرته وعدله فَالْكل مُسْتَقر فِي وارف ظلاله ومستمر مستدر لأهاليل واكف سجاله أوطأهم من التُّرَاب مَا كَانَ أقض وأساغهم من الشَّرَاب مَا كَانَ أغص وأجرض فَعَاد اللبب رخياً ولان لَهُم من أخادع الزَّمن مَا كَانَ أَبَيَا حِين ألحفهم ظلال كرمه الوافية وأسبغ عَلَيْهِم أذيال نعمه الضافية. أَطَالَ الله مُدَّة بَقَائِهِ وَحفظ عَلَيْهِم دولة عزه وعلائه وَحمى حوزة الْإِسْلَام بسلامة ذَاته وَحفظ حَيَاته وتبكيت عداته وإمضاء شباته وَجعل المناوين لَهُ من حساده ومعانديه وأضداده حصائد قلمه وحسامه وأغراض أسنته وسهامه وأدام ثبات الدولة السعيدة وَالْملَّة الحميدة بِبَقَاء أَيَّامه. وَكَانَ الَّذِي دَعَاهُ أنمى الله سعده وَأَعْلَى جدَّه وأعز نَصره وَأَحْيَا فِي الصَّالِحَات ذكره إِلَى الْأَمر بِجمع هَذَا الْكتاب أَنه لما نظر نظر الْحُكَمَاء وَتعقب تعقب الْعلمَاء رأى الْعلم أَعلَى طَبَقَات الْفَضَائِل النفسانية وَقبُول تعلمه جزأً من أَجزَاء حد الإنسانية ووجده أنفس علق نوفس فِيهِ فنبث عَن ذخائره ونهم على محاسنه فَهَذَا مَا نتج لَهُ لطف حسه وَشرف نَفسه وصفاء جَوْهَر طبعه واعتدال كَيْفيَّة وَضعه ثمَّ قرن إِلَى مَا أبدت إِلَيْهِ النَّفس اعْتِبَار مَا روى لَهُ من حَدِيث الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونمى إِلَيْهِ من آحَاد عُلَمَاء أَصْحَابه رَضِي الله عَنْهُم كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الْعلم يشفع لصَاحبه يَوْم الْقِيَامَة) . وَقَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ: قيمَة كل امْرِئ مَا يحسن. فَلَمَّا ثلجت نَفسه بتيقن ذَلِك وَشرح الله صَدره لقبوله لم تزل الْعِنَايَة بِالْعلمِ قَصده ومجالسه المهرة من حَملته وكده حَتَّى فاق كل بارع فُلَقَه وناطق قَوْله فَأخْرج الْعلم من الْفساد إِلَى الْكَوْن وَمن الْعَدَم إِلَى الْوُجُود كَمَا فعل ذَلِك فِي غَيره من أَجزَاء الْفَضَائِل الَّتِي أعلقت بِهِ الْقُلُوب وأصبت إِلَيْهِ النُّفُوس كالكرم وَالْعدْل وَالْعَفو والتجاوز وَحسن السياسة والرفق وَالرَّحْمَة وإيساع الصفح وَبث الْفضل والإعراض عَن الْجَهْل ثمَّ إِنَّه أيده الله لما تَصَفَّح هَذَا اللِّسَان الْعَرَبِيّ رأى الْعلم بِهِ معينا على جَمِيع الْعُلُوم عَامَّة وعَلى كتاب الله تَعَالَى وَسنة نبيه خَاصَّة فَأَرَادَ حصر مَا حكت مِنْهُ ثِقَات الْأَئِمَّة عَن فصحاء الْعَرَب وَتَأمل مَا صنفته فِي ذَلِك أَعْيَان رواتهم ومشاهير ثقاتهم فَجلت لَهُ دقة نظره عَن مثل مَا جلت لي من إغفالهم لما ذكرت وَهُوَ أَنهم لم يضعوا فِي ذَلِك كتابا جَامعا وَلَا أبانوا مَوْضُوعَات الْأَشْيَاء بحقائقها وَلَا تحرزوا من سوء الْعبارَة وإبانة الشَّيْء بِنَفسِهِ وَتَفْسِيره بِمَا هُوَ أغرب مِنْهُ فهامت بِهِ همته إِلَى تجميع ذَلِك وقرع لَهُ ظُنبُوب فكره فَمَا ضَاقَ بذلك ذِرَاعا وَلَا نبا عَنهُ طباعاً لكنه تَأمل فَوجدَ غير وَاحِد من مقلدي فَضله ومطوَّقي طوله مُبزياً بذلك مقيتاً عَلَيْهِ وكلا عَجَمَ فوجدني أعتق تِلْكَ القداح جوهراً وَأَشْرَفهَا عنصراً وأصلبها مكسراً وأوفرها قسما وأعلاها عِنْد الإجالة اسْما فأهلني لذَلِك واستعملني فِيهِ وَأَمرَنِي باللزوم لَهُ والمُثافَنَة عَلَيْهِ بعد أَن هَدَانِي سَوَاء السَّبِيل إِلَى علم كَيْفيَّة التَّأْلِيف وَأرَانِي كَيفَ تُوضَعُ قوانين التصريف وعرفني كَيفَ التَّخَلُّص إِلَى الْيَقِين عِنْد تَخَالَجَ الْأَمر لما يعْتَرض من الظنون من تعاضد وتعاند وَعقد عَليّ فِي ذَلِك إيجاز القَوْل وتسهيله وتقريبه من الأفهام بغاية مَا يُمكن فَدَعَا مني إِلَى كل ذَلِك سميعاً وَأمر بِهِ مُطيعًا وَحقّ لمن تَسَربَلَ من نعْمَته مَا تَسَربَلت واشتمل مِنْهَا بِمَا اشْتَمَلت أَن يبْذل الوسع فِي الطَّاعَة ويتكلف فِي ذَلِك أقْصَى الطَّاقَة. وَأَنا واصف لفضائل هَذَا الْكتاب ومُعَدّد لمحاسنه ومُنَبِه على مَا أَودَعتُه من جسيم الْفَائِدَة ومُبَيّنٌ مَا بَان بِهِ من سَائِر كتب اللُّغَة حَتَّى صَار كالفصل الَّذِي تتباين بِهِ الْأَنْوَاع من تَحت الْجِنْس وَذَا كرماً راعيت فِيهِ من ركُوب أساليب التَّحَرِّي وَحفظ نظام الصدْق وإيثار الْحق ومُبَيّنٌ قبل ذَلِك لم وَضعته على غير التَّجْنِيس بِأَنِّي لما وضعت كتابي الموسوم بالمُحكَم مُجَنَّسا لأدُلَّ الباحث على مَظَنَّة الْكَلِمَة الْمَطْلُوبَة أردْت أَن أعدل بِهِ كتابا أَضَعهُ مُبَوَّباً حِين رَأَيْت ذَلِك أجدى على الفصيح المدره والبليغ المُفَوَّه والخَطيب المصقع والشاعر الْمجِيد المدقع فَإِنَّهُ إِذا كَانَت للمسمى أَسمَاء كَثِيرَة وللموصوف أَوْصَاف عديدة تنقى الْخَطِيب والشاعر مِنْهَا مَا شاءا واتسعا فِيمَا يحتاجان إِلَيْهِ من سجع أَو قافية على مِثَال مَا نجده نَحن فِي الْجَوَاهِر المحسوسة كالبساتين تجمع أَنْوَاع الرياحين فَإِذا دَخلهَا الْإِنْسَان أهوت يَده إِلَى مَا استحسنته حاستا نظره وَشمه. فَأَما فَضَائِل هَذَا الْكتاب من قبل كَيْفيَّة وَضعه فَمِنْهَا تَقْدِيم الْأَعَمّ فالأعم على الْأَخَص فالأخص والإتيان بالكليات قبل الجزئيات والابتداء بالجواهر والتقفية بالأعراض على مَا يسْتَحقّهُ من التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وتقديمنا كم على كَيفَ وَشدَّة الْمُحَافظَة على التَّقْيِيد والتحليل مِثَال ذَلِك مَا وَصفته فِي صدر هَذَا لكتاب حِين شرعت فِي القَوْل على خلق الْإِنْسَان فَبَدَأت بتنقله وتكونه شَيْئا فَشَيْئًا ثمَّ أردفت بكلية جوهره ثمَّ بطوائفه وَهِي الْجَوَاهِر الَّتِي تأتلف مِنْهَا كليته ثمَّ مَا يلْحقهُ من الْعظم والصغر ثمَّ الكيفيات كالألوان إِلَى مَا يتبعهَا من الْأَعْرَاض والخصال الحميدة والذميمة. على المصنفين فِي اللُّغَة قبلي لأَنهم إِذا أعوزتهم التَّرْجَمَة لاذوا بِأَن يَقُولُوا بَاب نَوَادِر وَرُبمَا أدخلُوا الشَّيْء تَحت تَرْجَمَة لَا تشا كُله وأبدلوا الْحَرْف بِحرف لَا يُؤَاهِلُه وكتابُنا من كل ذَلِك بِحَيْثُ الشَّمْس من الْعَيْب والنجم من الْهَرم والشيب وَمن طريف مَا أودعته إِيَّاه بغاية الِاسْتِقْصَاء وَنِهَايَة الاستقراء وإجادة التَّعْبِير والتأنق فِي محَاسِن التحبير والممدود والمقصور والتأنيث والتذكير وَمَا يَجِيء من الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال على بناءين وَثَلَاثَة فَصَاعِدا وَمَا يُبدل من حُرُوف الْجَرّ بَعْضهَا مَكَان بعض وَمَا يصل من. وَمن ذَلِك إِضَافَة الجامد إِلَى الجامد والمنصرف إِلَى المنصرف والمشتق إِلَى الْمُشْتَقّ والمرتجل إِلَى المرتجل والمستعمل إِلَى الْمُسْتَعْمل والغريب إِلَى الْغَرِيب والنادر إِلَى النَّادِر. وَمن ذَلِك أَن تكون اللَّفْظَة منقولة عَن مَعْنيين مُخْتَلفين فَصَاعِدا فَإِذا قيلت على معنى مُتَقَدم نبه على أَن لَهَا معنى بَاقِيا يُؤْتى بِهِ فِيمَا يسْتَقْبل أَو مَعْنيين أَو مَعَاني وَإِذا قيلت على معنى مُتَأَخّر عَن ذَلِك الْمَعْنى نبه على أَن لَهَا معنى آخر قد تقدم أَو مَعْنيين أَو مَعَاني. الأنسان قد تعجز طَبِيعَته عَن إِدْرَاك مَا لَا تعجز فِي صِحَة الْوَضع وَقُوَّة الطَّبْع وَلذَلِك مَا رَأينَا الْمُتَأَخِّرين يتتبعون أوضاع الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم وَلَا يعدمهم التصفح مَكَانا يبين لَهُم خلله فِي بادئ الرَّأْي لما يجرونَ إِلَيْهِ من الْإِنْصَاف ويحيدون عَنهُ من. فيعاندون إناءهم بَينهم وَبَين أنفسهم وَبَين غَيرهم حَتَّى إِذا وضح لَهُم صدق مَا بدى إِلَيْهِم لما أعلموه من الطاف التطلب وبذلوه من الوسع فِي ضروب التعقب فارتفعت الظنون وَقتل الشَّك الْيَقِين، من الْوَاو إِلَّا على المعا لَا لعِلَّة غَيرهَا وَمن غَرِيب ذَلِك إِذا جِئْت باسم الْفَاعِل على غير الْفِعْل عقدته بِالْوَاو أَو جِئْت بِهِ على الْفِعْل عقدته بِأَو لِأَن مؤذنة بِأَن مَا قبل. وَالْوَاو لَيست بِسَبَب إِلَّا أَنِّي أجيء باسم الْفَاعِل إِذا كَانَ على الْفِعْل لِأَن صِيغَة الْفِعْل دليلة على صِيغَة اسْم الْفَاعِل الَّذِي بني على الْفِعْل وَهَذَا مِمَّا لم يتقدمني إِلَيْهِ لُغَويُّ وَلَا أَشَارَ إِلَى الْأَشْعَار بِهِ نحوي وَإِنَّمَا هُوَ من مقاطع القدماء المتفلسة الْحُكَمَاء وَذَلِكَ مقطع إِذا تأملته ظريف ومنزع إِذا اهتَبَلت بِهِ لطيف وَرُبمَا كَانَ أبي حنيفَة فِي الأنواء والنبات وككتاب يَعْقُوب فِي النَّبَات. وَفِي الْآبَاء والأمهات وَالْأَبْنَاء والفروق والأصوات وككتب أبي حَاتِم فِي الْأَزْمِنَة وَفِي الحشرات وَفِي الطير وككتب الْأَصْمَعِي فِي السِّلَاح وَفِي الْإِبِل وَفِي الْخَيل وككتاب أبي زيد فِي الغرائز والجرائم وَنَحْو ذَلِك من الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي الْأَلْفَاظ المفردة وَكِتَابنَا هَذَا مُغتَرفٌ جَمِيع هَذِه الْفُنُون كل فن مِنْهَا فِيهِ مستوعب تَامّ محتو لما انْتهى إِلَيْنَا من الْأَلْفَاظ المقولة عَلَيْهِ عَام وَكَذَلِكَ أَيْضا أفردوا كتبا فِي القوانين المركبة من هَذِه الْأَلْفَاظ فلحقهم من التَّقْصِير والإغفال. وحاش لله مَوْجُودَة فِي طباع جَمِيع الْبشر من غابر وَآت وحاضر وَمَا الَّذِي يفصل بَين الْمُتَقَدّم والمتأخر من جنس أَو صُورَة وَإِنَّمَا نَحن كلنا أشخاص يجمعنا نوع وَاحِد لم يؤتَ فِي إِدْرَاك الْأُمُور كَبِير قُوَّة وَلَا جسيم منَّة فَهُوَ يُخطئ أَحْيَانًا ويصيب أَحْيَانًا وإخطاؤه أَكثر من إِصَابَته وظنه أغلب من يقينه وَعلمه أنقص من جَهله ونسأل الله إعاذتنا من الْعجب بِمَا نحسبه مَحْذُوف ثَلَاثَة أسطر إِلَى قَوْله: كتابا ركب بِهِ أحد هَذِه الأساليب من التَّرْتِيب والتهذيب فِي التَّحْلِيل والتركيب وَإِنَّمَا أنبأت بحسنه من قبل وَضعه لِأَنَّهُ بَاب من الْعلم عَظِيم وَنَوع مِنْهُ جسيم فَيَنْبَغِي أَن يعْنى بِهِ ويُرتاض فَإِن المهارة بِهِ وَالْوُقُوف عَلَيْهِ كثير الغَنَاءِ فِي الْعلم بالتأليف كَمَا أَن إغفاله وَالْجهل بِهِ عَظِيم الْمضرَّة فِي ذَلِك ولعلك أَيهَا الباحث المُتَفَهِم والناظر الْمُتَقَدّم من جَهَابذة الْأَلْفَاظ. قبل تأملك ونظرك فقولك مُطَّرَحٌ وَإِن كَانَ ذَلِك بعد ذَلِك فَقُصار أَنا أَن إِلَى حكم إِن قَالَ فَصَل وَإِن فصل عَدَل وَإِلَى الله نَبتَهِلُ أَن يُعفينَا من دَاء الحَسَد وَمَا يَحدُثُ عَنهُ من أَلِيم الكَمَد وإياه نسألُ أَن لَا يُشعِرَنا نقمة وَلَا يبطرنا نعمه الَّتِي يزِيد مِنْهَا كل من شكر ويغيرها على من كفر لَا شريك لَهُ، فأمَّا مَا نثرتُ عَلَيْهِ من الْكتب فالمصنف وغريب الحَدِيث لأبي عبيد وَغَيره وَجَمِيع كتب يَعْقُوب كالإصلاح والألفاظ وَالْفرق والأصوات والزبرج والمكني والمبني وَالْمدّ وَالْقصر ومعاني الشّعْر وكتاباً ثَعْلَب الفصيحُ والنوادر وكتاباً أبي حنيفَة فِي الأنواء والنبات وَغير ذَلِك من كتب الْفراء والأصمعي وَأبي زيد وَأبي حَاتِم والمُبَرّد وكُراع والنَّضر وَابْن الْأَعرَابِي واللحياني وَابْن قُتَيْبَة وَمَا سقط إِلَيّ من ذَلِك وَأما من الْكتب المُجنَّسة فالَجمهَرة والعَينُ وَهَذَا الْكتاب الموسوم بالبارع صَنْعَة أبي على إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم القالي اللّغَوِيّ الْوَارِد على بني أُميَّة بأندلس وأضفت إِلَى ذَلِك كتاب أبي بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي الموسوم بالزاهر وحليته بِمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ كتاب سِيبَوَيْهٍ من اللُّغَة المعللة الممثلة وَالنَّظَر مِمَّا لم يرد بِهِ شَيْء من كتبهمْ اللُّغَة وأضفت إِلَى ذَلِك مَا تضمنه من هَذَا الضَّرْب كل كتاب سقط إِلَيْنَا من كتب أبي عَليّ الْفَارِسِي النَّحْوِيّ كالإيضاح وَالْحجّة والإغفال ومسائله المنسوبة إِلَى مَا حلّه من كالحَلَبيَّات والقصريات والبغداديات والشيرازيات وَغَيرهَا من المنسوبات وككتاب أبي سعيد السيرافي فِي شرح الْكتاب وَكتب أبي الْفَتْح عُثْمَان بن جني مَا سقط إِلَيّ مِنْهَا وَهِي التَّمام والمُعرب والخصائص وسر الصِّنَاعَة والمتعاقب وَشرح شعر المتنبي وَتَفْسِير شعر الحماسة وككتب أبي الْحسن على ابْن إِسْمَاعِيل الرماني وَهِي الْجَامِع فِي تَفْسِير الْقُرْآن والمبسوط فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ وَشرح موجز أبي بكر مُحَمَّد بن السّري مَعَ أَنِّي أودعته مَا لم أسبق إِلَيْهِ وَلَا غلب قدحي عَلَيْهِ من تعاريف الْمنطق ورد الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول وَحمل الثواني على الْأَوَائِل وَكَيْفِيَّة اعتقاب الْأَلْفَاظ الْكَثِيرَة على الْمَعْنى الْوَاحِد وقصدت من الِاشْتِقَاق أقربه إِلَى الْكَلِمَة المشتقة وأليَقَه بهَا وأدَلَّه عَلَيْهَا بقول بليغ شاف وَشرح مُقنِع كَاف وَقد وجدت فِي ذَلِك اخْتِلَافا كثيرا فَأَما مَا اقتصرت على أَصَحّه عِنْدِي وَإِمَّا ذكرت اخْتلَافهمْ وأحضرت جَمِيع ذَلِك من الشواهد مَا لحقه فكري وَأعلم أَنه غَابَ عني كثير مِنْهُ فَإِنَّهُ كثر عَليّ لَيْسَ مِمَّا تحيط بِهِ الأسوار أَو تحصره القوانين فأدعي بل لَو كَانَ من هَذَا لما ادّعيتُ الْإِحَاطَة أَيْضا إِذْ ذَاك مُمْتَنع إِلَّا على الله عز وَجل الَّذِي أحَاط بِكُل شَيْء علما لكني أَعمَلتُ فِي ذَلِك الِاجْتِهَاد وسَلَوتُ عَن الرَّاحَة وأَلِفتُ التَّعَب فَإِن كنت أصبت فَذَلِك مَا إِلَيْهِ قصدت وإياه اعتمدت وَإِن تكن الْأُخْرَى فقد قيل إِن الذَّنب عَن الْمُخطئ بعد التَّحَرِّي مَوْضُوع وَمن الْإِنْصَاف الَّذِي هُوَ مُنْتَهى كل ثلة ومُقتَنَى كل همة طائلة أَن أعلم أَنه رُبمَا وَقعت فِي أثْنَاء كتابي هَذَا كلمة متغيرة عَن وَضعهَا فَإِن كَانَ ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف على الحملة ومصروف إِلَى النقلَة لِأَنِّي وَإِن أَملَيتُه بلساني فَمَا خَطَّتهُ بناني وَإِن أوضَعتُ فِي مجاريه فكري فَمَا أَرتَعتُ فِيهِ بَصرِي مَعَ أَنِّي لَا أَتَبَرَّأُ أَن يكون ذَلِك من قبلي وَأَن يكون موضعا قد ألوى فِيهِ بثباتي زللى فَإِن ذَوَات الْأَلْفَاظ لَا تُؤْخَذ بِالْقِيَاسِ وَلَا يُستَدَلُّ عَلَيْهَا بِالْعقلِ والإحساس إِنَّمَا هِيَ نَغَمٌ تُقَيَّد وكَلِمٌ تُسمَع فَتُقَلَّد هَؤُلَاءِ أهل اللُّغَة حَمَلَتُها وحُمَاتُها ونَقَلتُها ورواتها مشافهو الفصحاء ومفاوهو الصرحاء المغبرون إِلَى أَقْدَامهم المكسرون على ضَبطهَا أقلامهم الْأَصْمَعِي والمفضل وَأبي عُبَيْدَة والشيباني قد غلطوا بأَشْيَاء تسكعوا مِنْهَا فِي عمياء هَذَا وَلَا يعْرفُونَ علما سواهَا وزلا يتحملون من الْعُلُوم شَيْئا مَا خَلاهَا فَكيف بِي مَعَ تَأَخّر أواني وَبعد مَكَاني ومصاحبتي للعجم وكوني من بلادي فِي مثل الرَّجْم روض الهمم قَافِلًا وأرنو إِلَى نجم آفلاً وَأنْشد. فَأَصْبَحت من ليلى الْغَدَاة كناظر مَعَ الصُّبْح فِي أعقاب نجم مغرب مَا اقتصرت على اللُّغَة وَحدهَا وَلَا قصدت بنفسي جَمْعَاء قَصدهَا إِنَّمَا هُوَ جُزْء مِمَّا أحكمت وذرء مِمَّا فِيهِ تقدّمت وَإِذا أردْت علم ذَلِك من كتابي ضمنته مَا يدل على تقدمي فِي جَمِيع أَبْوَاب الْآدَاب كالنحو وَالْعرُوض والقافية وَالنّسب وَالْعلم بالْخبر إِلَى غير ذَلِك من الْعُلُوم الكلامية الَّتِي بهَا أبذ المؤلفين وأشذ عَن المصنفين وَأما مَا يشْتَمل عَلَيْهِ هَذَا الْكتاب فَعلم اللِّسَان الَّذِي تقدّمت ذكره وَقد رَأَيْت أَن أشرف قدر خطبتي هَذِه بِذكر مَا يَنْقَسِم إِلَيْهِ هَذَا الْعلم لاشتمال هَذَا الْكتاب على قسيمه المحيطين بِهِ وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي نذكرهُ هَهُنَا مَقْصُورا على اللِّسَان الْعَرَبِيّ فَحسب بل هُوَ حد شَامِل لَهُ ولعلم كل لِسَان فَأَرَدْت أَن أفيد المولع بِطَلَب هَذِه الْحَقَائِق هَذَا الْفَصْل اللَّطِيف وَالْمعْنَى الشريف. فَعلم اللِّسَان فِي الْجُمْلَة ضَرْبَان أَحدهمَا حفظ الْأَلْفَاظ الدَّالَّة فِي كل لِسَان وَمَا يدل عَلَيْهِ لشَيْء شَيْء مِنْهَا وَذَلِكَ كَقَوْلِنَا طَوِيل وقصير وعامل وعالم وجاهل وَالثَّانِي فِي علم قوانين تِلْكَ الْأَلْفَاظ وَمعنى القوانين أقاويل جَامِعَة تَنْحَصِر فِي كل وَاحِد مِنْهَا أَشْيَاء كَثِيرَة مِمَّا تشْتَمل عَلَيْهِ تِلْكَ الطَّرِيقَة حَتَّى يَأْتِي على جَمِيع الْأَشْيَاء الَّتِي هِيَ مصوغة للْعلم بهَا أَو على أَكْثَرهَا وَحفظ هَذِه الْأَشْيَاء الْكَثِيرَة أَعنِي هَذِه الْأَلْفَاظ المفردة إِنَّمَا يَدعِي علما بِأَن يكون مَا قصد بحفظه محصوراً بِتِلْكَ القوانين وَتلك القوانين كالمقاييس الَّتِي يعلم بهَا الْمُؤَنَّث من الْمُذكر وَالْجمع من الْوَاحِد والممدود من الْمَقْصُور والمقاييس الَّتِي تطرد عَلَيْهَا المصادر وَالْأَفْعَال وَيبين بهَا الْمُتَعَدِّي من غير الْمُتَعَدِّي وَاللَّازِم من غير اللَّازِم وَمَا يصل بِحرف وَغير حرف وَمَا يقْضِي عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أصل أَو زَائِد أَو مبدل وكالاستدلالات الَّتِي يعرف بهَا المقلوب والمحول والاتباع وَلذَلِك ذكرت هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا بعد ذكر الْأَلْفَاظ المفردة الدَّالَّة ليَكُون ذَلِك مستغنياً فِي نَفسه غَرِيبا فِي جنسه وَلذَلِك تكَرر فِيهِ مَا تكَرر لَا لسهو وَلَا لنسيان إِلَّا مَالا بَال بِهِ مِمَّا لابد أَن يلْحق الْإِنْسَان إِذْ هُوَ غير معفىً من ذَلِك وَمن هُنَا يجب على من أنصف أَن لَا يعيب علينا أمرا حَتَّى يعرف سره فَلِكُل عِلّة سَبَب لَا يخفى عَليّ من لطف الفطن وَكرر الْبَصَر واطرح الضجر والتوفيق للصَّوَاب فِي كل أَمر من بارئنا جلّ وَعز إِلَيْهِ أَرغب فِيهِ وَبِه تَعَالَى أستعين لَا غنى لأحد عَنهُ فِي ميسر الْأُمُور وَلَا معسرها كَمَا أَبْرَأ إِلَيْهِ من الْحول وَالْقُوَّة إِلَّا بِهِ وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم كثيرا. صفحة فارغة. (كتاب خلق الْإِنْسَان) الْإِنْسَان لفظ يَقع على الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث بِصِيغَة وَاحِدَة فَمَا يدلك أَنه يَقع على الْوَاحِد قَوْلهم فِي تثنيته إنسانان فلولا أَن إنْسَانا قد يَقع على الْمُفْرد لم يَقُولُوا إنسانان وَلذَلِك اسْتدلَّ سِيبَوَيْهٍ على أَن دلاصاً وهجاناً ليسَا من بَاب جُنُب لقَولهم دلاصان وهجانان فَلَو كَانَ بِمَنْزِلَة جُنُب لم يثن وَمِمَّا يدلك على أَنه يَقع على الْجَمِيع معْنيّاً بِهِ النَّوْع قَوْله تَعَالَى (إِن الْإِنْسَان لفي خُسْر) ثمَّ قَالَ (إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات) وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى (إِن الْإِنْسَان خلق هلوعاً) ثمَّ قَالَ (إِلَّا الْمُصَلِّين) فَفِي اسْتثِْنَاء الْجَمَاعَة من هَذَا الِاسْم الْمُفْرد دلَالَة بَيِّنَة على أَن المُرَاد الْعُمُوم وَالْكَثْرَة وَفِي وُقُوع الْمُفْرد مَوضِع الْجَمِيع دلَالَة يعلم بهَا أَن المُرَاد الْجمع وَذَلِكَ أَن الْأَسْمَاء الدَّالَّة على الْكَثْرَة على ضَرْبَيْنِ فأحدهما اسْم مَبْنِيّ للْجمع وَالْآخر اسْم أصل بنيته وَوَضعه للْوَاحِد ثمَّ يقْتَرن بِمَا يدل على الْكَثْرَة، وَالضَّرْب الأول وَهُوَ الَّذِي بني للْجمع على قسمَيْنِ أَحدهمَا من غير لفظ الْوَاحِد وَذَلِكَ نَحْو قوم من رجل وَنسَاء من امْرَأَة وَالْآخر أَن يكون من لفظ الْوَاحِد الْمَجْمُوع وَذَلِكَ كَرْكب من رَاكب ورَجْل من راجل وَأما الضَّرْب الثَّانِي من الْقِسْمَة الأولى وَهُوَ الِاسْم الَّذِي أصل بنيته أَن يكون للْوَاحِد ثمَّ يقْتَرن بِمَا يدل على الْكَثْرَة فينقسم أَيْضا إِلَى ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون اسْما مُبْهما مَقْصُور لَا يقْتَصر بِهِ على أمة كَالَّذي وَمن وَمَا إِذا اقْترن بِمَا يدل على الْكَثْرَة كَقَوْلِه تَعَالَى (وَالَّذِي جَاءَ بالصِدْق وصَدَّق بِهِ) فَهَذَا قد اقْترن بِهِ مَا يدل على الْكَثْرَة وَهُوَ قَوْله (أُولَئِكَ هم المتقون) وَالْآخر أَن يكون اسْما مُتَمَكنًا أَولا مَقْصُورا على أمة كالجون وَالْإِنْسَان وَالْفرس وَهَذَا الضَّرْب من أَسمَاء الْأَنْوَاع على ضَرْبَيْنِ نكرَة وَمَعْرِفَة وَهِي الَّتِي تقع فِي غَالب الْأَمر وَالْجمع كَمَا قدمنَا وَجه تَعْرِيفه فَإِنَّمَا يذهب إِلَى تَخْصِيص النَّوْع وَنَظِيره قَوْلهم أهلك الناسَ الدينارُ والدِّرهمُ وكَثُر الشاءُ وَالْبَعِير لَيْسَ المُرَاد درهما بِعَيْنِه وَلَكِن الْمَعْنى أهلكهم هَذَا النَّوْع وَكثر هَذَا النَّوْع فقد تبين أَن الْقَصْد فِي التَّعْرِيف إِنَّمَا هُوَ الْإِشَارَة إِلَى مَا يثبت فِي النُّفُوس فَلَيْسَ الدِّرْهَم فِي هَذَا وَنَحْوه كدرهم وَاحِد قد عهدته محسوساً ثمَّ أَشرت إِلَيْهِ بعد لِأَن معرفَة كُلية النَّوْع بالحس ممتنعة وَإِنَّمَا يعلم بِهِ بعض الْأَشْخَاص فَهَذَا الْفرق بَين تَعْرِيف الشَّخْص وتعريف هَذَا شَيْء عرض ثمَّ نعود إِلَى لفظ الْإِنْسَان فَنَقُول وَمِمَّا يدل على أَنه يَقع للمؤنث قَول الشَّاعِر: أَلا أَيهَا البيتان بالأجرع الَّذِي بِأَسْفَل غضى وكثيب من النَّاس إِنْسَان لَدَى حبيب فَهَذَا قد أوقعه على الْمُؤَنَّث إِنْسَان عِنْدِي مُشْتَقّ من أنس وَذَلِكَ أَن أنس الأَرْض وتجملها وبهاءها إِنَّمَا هُوَ بِهَذَا النَّوْع الشريف اللَّطِيف الْمُعْتَمِر لَهَا والمعني بهَا فوزنه على هَذَا فعلان وَقد ذهب بَعضهم إِلَى أَنه إفْعِلانٌ من نَسِيَ لقَوْله تَعَالَى (وَلَقَد عَهِدْنا إِلَى آدم من قبل فَنَسِيَ) وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ إنْسِيَاناً وَلم تحذف الْيَاء مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَالك مَا يُسْقِطهَا فَأَما قَوْلهم أناسي فَجمع إِنْسَان شابهت النُّون الْألف لما فِيهَا من الخفاء فَخرج جمع إِنْسَان على شكل جمع حِرْباء وَأَصلهَا أنَاسِينُ وَلَيْسَ أناسي جمع إِنْسيٍّ كَمَا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم لدلَالَة مَا ورد عَنْهُم من قَول رويشد أنْشدهُ أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بن جني النَّحْوِيّ. أَهلا بِأَهْل وبيتا مثل بَيتكُمْ وبالأناسِينِ أبدالَ الأناسِينِ قَالَ يَاء أناسي الثَّانِيَة بدل من هَذِه النُّون وَلَا تكون نون أناسِين هَذِه بَدَلا من يَاء أناسي كَمَا كَانَت نون أثانين بَدَلا من يَاء أثاني جمع أثْنَاء الَّتِي هِيَ جمع الاثْنِ بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ لِأَن معنى الأثانين ولفظها من بَاب ثنيت وَالْيَاء هُنَا لَام الْبَتَّةَ فَهِيَ ثمَّ ثَابِتَة وَلَيْسَت أناسين مِمَّا لامه حرف عِلّة وَإِنَّمَا الْوَاحِد إِنْسَان فَهُوَ إذْنَ كضِبْعانٍ وضَبَاعِين وسِرْحانٍ وسَرَاحِين وَلَا يكون إِنْسَان جمع إنسي لِأَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ: (ونسقيه مِمَّا خلقنَا أنعاماً وأناسىَّ كثيرا) . بني آدم، ان ... . مِنْهُ بانسي ... إِنْسَان ... جَمِيعًا من بني آدم ... وانسي قد يكون لغَيرهم على مَا أريتك فَقَوْلهم أَي الْإِنْسَان على غير قِيَاس أَو على حذف الزَّائِد وَأما الأنْسُ فَجمع إنسيٍّ كزِنْجيٍّ وزِنْجٍ وَذَلِكَ أَن يَاء النّسَب تسْقط فِي هَذَا الضَّرْب من الْجمع كَمَا تسْقط فِيهِ هَاء التَّأْنِيث كَقَوْلِهِم طَلْحة وطَلْح وَذَلِكَ للمناسبة الَّتِي بَين يَاء النّسَب وهاء التَّأْنِيث قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَقَالُوا أناسِيّ وأناسِيَةَ فَعَوَّضوا الْهَاء وَأما أُنَاس فَجمع إنْسٍ كظئْرٍ وظُؤَار وثنْىٍ وثنُاء جمع عَزِيز وَسَتَأْتِي مِنْهُ نَظَائِر مَعَ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِذا أدخلُوا الْألف وَاللَّام فِي أُناس قَالُوا النَّاس هَذَا قَول سِيبَوَيْهٍ وَذَلِكَ أَنه ذكر اسْم الله عز وَجل فَقَالَ الأَصْل إلهٌ فَلَمَّا أدخلُوا اللَّام حذفوا الْهمزَة وَصَارَت اللَّام كَأَنَّهَا خَلَفٌ مِنْهَا ثمَّ قَالَ وَمثله أُناس فَإِذا أدخلت اللَّام قلت النَّاس إِلَّا أَن النَّاس قد يُفَارِقهُ اللَّام وَيكون نكرَة وَالله تَعَالَى لَا يكون فِيهِ ذَلِك فَخَرَجَ ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ على أَن النَّاس لَا يجوز فِيهِ دُخُول الْهمزَة مَعَ اللَّام وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن اللَّام فِي الله تَعَالَى خلف من الْهمزَة وَلَيْسَت كَذَلِك فِي النَّاس ويدلك أَنَّهَا لَيست فِي النَّاس عوضا من الْهمزَة كَمَا هِيَ عوض مِنْهَا فِي اسْم الله تَعَالَى مَا أَنْت من اللَّام وَإِنَّمَا أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ الْهمزَة مَعَ اللَّام لَا أَنه مسَاوٍ لاسم الله تَعَالَى وَإِنَّمَا أَرَادَ مثل ذَلِك فِي بعض أَحْوَاله فَأَما قَوْلهم أَنَسٌ فَهُوَ اسْم جمع آنسٍ كعازبٍ وعَزَبٍ فإمّا أَن يكون هُوَ الَّذِي يَأْنَس بِمَا أُوتيَه من الْعقل والنطق وَإِمَّا أَن يكون هُوَ الَّذِي أَنِسَتْ بِهِ هَذِه الدُّنْيَا وعُمِرَتْ فَيكون أَنَسٌ اسْم جمع آنسٍ الَّذِي هُوَ فِي معنى مأنوسٍ بِهِ. |
المخصص
|
ثَابت الشَّخْص، جمَاعَة خلق الْإِنْسَان وَغَيره، ابْن دُرَيْد، وَالْجمع أَشْخاص وشُخُوص وشِخَاص.
أَبُو عبيد، الشَّخِيص، الْعَظِيم الشَّخْص بَين الشَّخَاصة. صَاحب الْعين، وَالْأُنْثَى شَخِيصة، ثَعْلَب، أَصله من قَوْلهم شَخَص الشيءُ يَشْخَص شُخُوصاً ظهر ومثَلَ، ثَابت، السَّمَامَة والسَّمَاوَة والآلُ، الشَّخْص. أَبُو حَاتِم، رَأَيْت آلَ الْقَوْم، أَي شُخوصهم الْجمع كالواحد الطَّلَل، الشَّخْص. الْأَصْمَعِي، وَجمعه أطْلال وطُلُول وَقد تَطالَلْت، تطاوَلْت فَنَظَرت، ابْن السّكيت، الشَّبحْ والشَّبحَ، الشَّخْص. أَبُو عَليّ، وَمِنْه قيل رجل مَشْبُوح وكل مَا عَرُض وشَخُص فَهُوَ مَشْبُوح ومُشَبَّح وَمِنْه كِساء مُشَبَّح وَهُوَ المُعَرَّض القَوِيُّ الشدِيدُ، ثَابت وَجمع الشَّبَح أشباحٌ وشُبُوح، قَالَ أَبُو عَليّ شُبُوح جمع شَبْح وأشْبَاح جمع شَبَح وَهَذَا مِنْهُ قطع بالأغلب، ثَابت، وَقد يكون الشَّبَح والسَّمَامة والسَّماوَةُ شُخُوصَ غير الْآدَمِيّين وَأنْشد: تَرَى شَبَحَ الأعلامِ فِيهَا كأَنَّها مُغَرَّقةٌ فِي ذِي غوارِبَ مُزْبِدِ وَأنْشد فِي السَّمَامَة: وعادِيَةٍ تُلْقِي الثيابَ كأنَّها تُزَعْزِعُها تحتَ السَّمَامةِ رِيحُ عاديَة جمَاعَة يَعْدون والسمامَة هُنَا شخص العَجَاجة وَأنْشد فِي السماوة: سَمَاوتُهُ أسْمالُ بُرْدٍ مُحَبَّرٍ وصَهْوتُهُ من أتْحَمِيّ مُعَصَّبِ يَعْنِي بَيْتا تَظلَّل فِيهِ قائلة فِي فَلاةٍ من الأَرْض، قَالَ: والشُّدُوفُ، الشُّخوص الْوَاحِد شَدَف وَأنْشد: مُوَكَّل بِشُدُوفِ الصَّوْمِ يَنْظُرها من المَغَارِبِ مَخْطوفُ الحَشَا زَرِمُ يصف ثوراً وَالصَّوْم: شجر إِذا رَآهُ الثور عِنْد اللَّيْل فَزِع من شخصه، قَالَ الْأَصْمَعِي، إِنَّمَا يفزع مِنْهُ لِأَن الصَّوْم يشبه خلق الْإِنْسَان، والزرم الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ فِي مَكَانَهُ، صَاحب الْعين، السَّوَادُ، الشَّخْصُ أُراه لظلِّهِ، أَبُو عبيد هُوَ شخص كلِّ شيءٍ من مَتَاع وَغَيره وَالْجمع أَسْوِدة وأساوِدُ جمع الْجمع والبَدَنُ جَسَد الْإِنْسَان، غَيره، لامُ الْإِنْسَان غَيْرَ مَهْمُوزَة شخصُه وَأنْشد. الْجمع صُوَر وصِوَر وَأنْشد: وهُنَّ أحْسَنُ من صِيَرانِها صِوَرا أَبُو عَليّ، وصُور كصُوفة وصُوف وَعَلِيهِ وَجه قَوْله تَعَالَى: (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ وَقد صَوَّرته فَتَصوَّر، عَليّ: التخْطِيطُ، الصورةُ وَلَيْسَت بِتِلْكَ الفاشية عِنْد أهل اللُّغَة وأراها عراقية. |
المخصص
|
ثَابت، يُقَال لوَسَط الْإِنْسَان الجُفْرة وَقيل الجُفْرة جَوْفُ الصَّدْر وَقيل الجُفْرة هِيَ الضُّلوع وَالْجمع جِفَار وَكَذَلِكَ البُهْرة والزُّفْرة والثُّجْرة وَقيل الثُّجْرة مُجْتَمَع أَعلَى حَشَاء وَقيل هِيَ اللَّبَّة، ثَابت، المَحْزِم كالثُّجْرة والكَبَد، عِظَم الوَسَط رجل أَكْبَدُ وامراة كَبْداءُ وَأنْشد:
ُبدِّلْتُ من وَصْل الحِسَانِ البِيضِ كَبْداءَ مِلْحاحاً على الرَّضِيض تَخْلأُ إِلَّا بِيَدِ القَبِيضِ. يَعْنِي الرَّحَى الغَلِيظة وَقَوله تَخْلأُ أَي تَحْرُن وَلم يُذْكر للكَبْداء فِعْل، أَبُو زيد، الأَخْزَل الَّذِي فِي وَسَطه خُزْلة، أَي كَسْر وَقد خَزِل خَزَلاً وَقَالَ حَرَكْتُه أَحْرُكُه أصبْتُ وسَطه غير مشتَقٍّ. |
المخصص
|
أَبُو عبيد، رجل مِعَنٌّ - يَعْرِض فِي كل شيءٍ ويَدْخُل فِيمَا لَا يَعْنِيه، قَالَ، وَهُوَ تَفْسِير قَوْلهم بِالْفَارِسِيَّةِ أنْدَرُويَسْت، ابْن دُرَيْد، إِنَّه ليَأخُذ فِي كُلِّ عَنٍّ وفَنٍّ وسَنٍّ وَأنْشد أَبُو عبيد: إنَّ لنا لَكَنَّه مِعَنَّةً مِفَنَّه وَقَالَ، المِتْيَحُ كالمِعَنِّ، ابْن دُرَيْد، وَهُوَ التَّيَّاح والتَّيَّحان والتَّيَّحَان، قَالَ أَبُو عَليّ، وَلَيْسَ لَهُ نَظِير، وَلَيْسَ لَهُ نَظِير إِلَّا حرفانِ رجل هَيِّبانٌ وَفرس شَيَّآنٌ قَالَ وَلَا أَدْرِي كَيفَ هَذَا الحرفُ وَأنْشد غَيره: وزَبُّوناتِ اَشْوَسَ تَيِّحانِ أَبُو زيد، رجُل مِتْيَح - كَثِير تنقُّل القَلْب وتقلُّبه وَبِه قيل للَّذي لَا يزَال يقَعُ فِي بَلِيَّة مِتْيَح وَمِنْه قَلْب مِتْيَح - مائِل إِلَى كلِّ شيءٍ، ابْن دُرَيْد، رجل مِعْنَجٌ - يَعتَرِض الأمُور، ابْن الْأَعرَابِي، الضيأَزُ - الَّذِي يَقْتَحِم الأُمُور، وَقَالَ، أَنا حُدَيَّا النَّاس - أَي أَتَحدَّاهم وأتعرَّصُ لَهُم، وَقَالَ، رجل مُقْدَعِرُّ - مُتَعَرِّض لحَدِيث النَّاس، غَيره، فَشَتْ عَلَيْهِ الضَّيْعة - إِذا دَخل فِيمَا لَا يَعْنِيه، كرَاع، كَرْتَعَ الرجُل - وقَعَ فِيمَا لَا يَعْنِيه، أَبُو عُبَيْدَة، المُكَلَّف - الوَقَّاع فِيمَا لَا يَعْنِيه، ابْن دُرَيْد، وَهُوَ المُتَكَلِّف.
|
المخصص
|
أَبُو عبيد: أعصَم الرجلُ بِصَاحِبِهِ وأخلَد وأزَمَ أزْماً وعَسِك عسِكاً وسدِك سدَكاً كُله - لزِمَه.
ابْن دُرَيْد: وسَدْكاً. أَبُو عبيد: لكِئَ بِهِ لكَأً كَذَلِك وَقد تقدم أَن لكِئَ - أَقَامَ. وَقَالَ: ألظَظْتُ بِهِ - لزمْتُه. ابْن دُرَيْد: لظَظْتُ بِهِ لظّاً وتلاظّ الْقَوْم لِظاظاً ومُلاظّة - لزم بعضُهم بَعْضًا. قَالَ الْفَارِسِي: هُوَ من بَاب تطوّيْت انطِواء. أَبُو عبيد: ضرِيتُ بِهِ ضرًى وضراوة كَذَلِك. ابْن السّكيت: وَفِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ إياكُم وَهَذِه المجازِر فَإِن لَهَا ضَراوة كضَراوة الخَمر، وَقد ضرّيْتُه بِالْأَمر. أَبُو عُبَيْدَة: وَكَذَلِكَ درِبْت بِهِ درَباً وَالِاسْم الدُرْبة ولهِجْت بِهِ لهَجاً وأولعْتُ بِهِ واعتَدْتُه. أَبُو زيد: لهِج وألهَجَ وألهَجْتُه بِهِ وَقد تقدم اللهَج والإلهاج فِي رَضاع الفَصيل. أَبُو عبيد: لطَطْت بِالْأَمر ألطُّ لَطّاً - لزِمْتُه. عَليّ: أرى اللّطّ الَّذِي هُوَ العِقْد سمي بذلك للزومه العُنُق كَمَا سُمّيت القِلادة تِقْصاراً. أَبُو عبيد: لذمْت بِهِ لَذَماً وألذَمْتُه. ابْن دُرَيْد: أُلذِمَ بفلان - لم يُفَارِقهُ. ابْن السّكيت: ذَئر بذلك - ضرِي. صَاحب الْعين: إنّ للّحْم سَرَفاً كسَرَف الْخمر - ضراوة. الْفَارِسِي: مسكْت بِهِ وتمسّكْت واستمْسَكْت وامتسَكْت. أَبُو عبيد: مسّكْت. قَالَ: وَفِي التَّنْزِيل) وَالَّذين يمسّكون بِالْكتاب (وَمثله كثير. أَبُو عبيد: حجِيت بالشَّيْء وتحجّيْت بِهِ يفهمَز وَلَا يهمز - لزِمْته وتمسّكْت بِهِ وَأنْشد: أصَمّ دُعاءُ عاذلَتي تحجّى بآخرِنا وتَنْسى أوّلينا وَهُوَ يحجو وَقَوله: فهُنّ يعكُفْن بِهِ إِذا حجا أَي أَقَامَ وَمِنْه قَوْله: وَكَانَ بأنفِه حجِئاً ضَنينا أَبُو الْحسن: تحجّبْت من لفظ حَجا أنْشد الْفَارِسِي: حيثُ تحجّى مُطرَقٌ بالفالِق ابْن دُرَيْد: الحَجْو - الضّنّ بالشَّيْء وَبِه سمّي الرجل حَجْوة. ابْن السّكيت: غلِثَ فلَان بفلان - لزِمَه يُقاتِله وغلِثَ الذِّئْب بِغنم آل فلَان - لَزِمَهَا يفرِسُها وَقد تقدم فِي افتراس الْغنم. وَقَالَ: لغِيَ بالشَّيْء لغًى - أولِع بِهِ وخَصّ أَبُو عبيد بِهِ المَاء. ابْن دُرَيْد: غرِهَ بِهِ كغَري. وَقَالَ: رجل بلُّ بالشَّيْء - لهِجٌ بِهِ. أَبُو زيد: أدته بأَخيه - ألزَمتُه إِيَّاه وأولعْتُه بِهِ. عَليّ: هَذِه حكايته وَالْمَعْرُوف فِي أولعت صِيغَة مَا لم يُسمّ فَاعله وَلم يَقُولُوا أولعْتُه بالشَّيْء. ابْن دُرَيْد: السّدَم - اللهج بالشَّيْء. وَقَالَ: عرِسَ الصّبيُّ بأمّه - ألِفَها وَمِنْه اشتقاق العُرْس تفاؤلاً بذلك. وَقَالَ: فغِم فلَان بِكَذَا فَهُوَ فغِمٌ - أولِعَ بِهِ وَأنْشد: تؤمّ ديارَ بني عَامر وَأَنت بآلِ عَقيلٍ فغِم صَاحب الْعين: طفِق طَفَقاً - لزم وطفِقَ يفعل كَذَا وطفَقَ - أَي جعل وَلَا يُقَال مَا طفِق والرّكُّ - إلزامُك الشَّيْء إنْسَانا تَقول ركَكْت هَذَا الجرّ فِي عُنُقه وركَكْت الأغلال فِي أَعْنَاقهم. قَالَ: وألسَمْتُه الحُجّة - ألزَمْته إِيَّاهَا وَأنْشد: لَا تُلْسِمَنّ أَبَا عِمرانَ حجَّتَه وَلَا تكونَنْ لَهُ عوْناً على عُمَرِ أَبُو زيد: صبَرْت الرجلَ أصبِرُه صبْراً - لزِمْته. ابْن السّكيت: صَار الْأَمر ضربةَ لازِب فَهَذِهِ اللُّغَة الفصيحة واللازبُ واللاتِب - الثَّابِت ولازم لُغَة وَأنْشد: وَلَا يحسَبون الخيرَ لَا شرّ بعدَه وَلَا يحسَبون الشّرّ ضربةَ لازِبِ أَبُو عبيد: قفَوْتُه - إِذا كنت مَعَه على أَثَره. وَقَالَ: ماظَظْتُه - إِذا لزِمْتَه وشقَقْت عَلَيْهِ فِي خُصومة وَغَيرهَا. أَبُو زيد: لَا تكون المُماظّة إِلَّا مُقَابلَة فِي خُصُومَة وَغَيرهَا. أَبُو عبيد: شِنْتُه بِالْأَمر شَيْناً - عِبْتُه. وَقَالَ: قَنيتُ الحَياءَ - لزمتُه فَأَما أَبُو الْعَبَّاس فَقَالَ تقنّيْت الحَياء - لزمْتُه وقنيتُ بالشَّيْء - لزمْتُه. أَبُو عبيد: غريتُ بِهِ غَراً - أولِعْتُ. سِيبَوَيْهٍ: غرِيتُ بِهِ غَراءً نَادِر. غَيره: غرِيتُ بِهِ واغتريتُ وأغرَيْت بِهِ غَيْرِي. أَبُو عَليّ: ياءُ غريتُ بِهِ منقلبة عَن وَاو لِأَنَّهُ لُزوق من الغِراق الَّذِي يطلى بِهِ لِأَنَّهُ يُقَال غروْت السّهم والقوْس وَقَول كثير: إِذا قلتُ أسْلو غارَت العينُ بالبُكا غِراءً ومدّتْها مدامِعُ حُفّلُ قيل هُوَ من الغِراء الَّذِي هُوَ الوِلاء وَقيل فاعَلْت من قَوْلك غريتُ بالشَّيْء. صَاحب الْعين: عضّ صاحبَه عضاً - لزِمَه. وَقَالَ: عكفَ على الشَّيْء يعكُف عكْفاً وعُكوفاً - إِذا أقبل عَلَيْهِ لَا يصرِف عَنهُ وَجهه. غَيره: عرِشَ بغريمه عرَشاً - لزمَه. وَقَالَ أَبُو عَليّ: هَذَا تَصْحِيف إِنَّمَا هُوَ عرِسَ. أَبُو عبيد: أولعْتُ بِهِ وأوزِعْت وَلوعاً ووَزوعاً. ابْن الْأَعرَابِي: نُشِعْتُ بِهِ كَذَلِك. صَاحب الْعين: قلّدته الْأَمر - ألزَمْتُه إِيَّاه وتقلّدَه هُوَ - احتملَه. |
المخصص
|
لزِمتُه لَزْماً ولُزوماً ولازمْتُه مُلازَمة ولِزاماً والتزَمْتُه وألزَمْتُه إِيَّاه وَرجل لُزَمة - يلزمُ الشيءَ فَلَا يُفارِقه.
ابْن السّكيت: صَار ذَلِك ضرْبة لازِبٍ ولازمٍ ولاتِب. أَبُو عبيد: أقبِل على خيْدَبَتك - أَي فِي أَمرك الأول وخُذ فِي هِديَتك وقِديَتك - أَي فِيمَا كنتَ فِيهِ. وَقَالَ: ارْقأ على ظَلْعِك وارْقَ وفِئْ وقِ - أَي الزَمْه واربَع عَلَيْهِ. وَقَالَ: مازال فلَان على شرَبّة وَاحِدَة. وَقَالَ: ثَكَم الأمرَ يثكُمه ثَكْماً - لزِمه وثكِمَه كَذَلِك وَلم يَعدّ بعضُهم ثَكِم. صَاحب الْعين: التّشبّث - لُزوم الشَّيْء والتعلق بِهِ. ابْن السّكيت: مازال على وَتيرة وَاحِدَة - أَي على طَريقَة وَاحِدَة. ابْن دُرَيْد: دَعْه على شَكيمته وشاكلَته - أَي على طَرِيقَته. وَقَالَ: أبصِرْ وسْمَ قِدْحِك - أَي لَا تُجاوزَنّ قدْرَك. أَبُو زيد: مضَيْتُ عَليّ مكانتي ومَكينَتي - أَي على وَجْهي. وَقَالَ: ركِب جَديلة رَأْيه - أَي عَزِيمَة رَأْيه. |
المخصص
|
ابْن دُرَيْد: أرَّه ودعْمَظَه - ألْقاه فِي شرّ.
أَبُو زيد: وأرَه كَذَلِك. قَالَ أَبُو عَليّ: أوحَلَه فِي شرّ كَذَلِك. قَالَ: وَأرَاهُ مشتقاً من الوحَل. ابْن دُرَيْد: أورَطْته - أوقعْتُه فِيمَا لَا خَلاص لَهُ مِنْهُ وتورّط الرجل من ذَلِك والورْطَة - الْأَمر تقَع فِيهِ وَجَمعهَا وِراط. أَبُو عبيد: صلَيْت لَهُ - محلْت بِهِ وأوقعْته فِي هلَكَة. |
المخصص
|
أَبُو عبيد: لقيتُ مِنْهُ الأزابيَّ وَاحِدهَا أُزْبيّ والبَجاريّ وَاحِدهَا بُجريّ وَذَات العَراقي وَأنْشد: لقيتُمْ من تدرّئكم علينا وقتْلِ سَراتِنا ذاتَ العَراقي وَقَالَ: لقيتُ مِنْهُ الأمرّين والفُتَكْرِين والفِتَكْرين والأقورين والأقوَريّات كلّه - الشرّ وَالْأَمر الْعَظِيم.
ابْن السّكيت: لقيتُ مِنْهُ البِرَحين والبُرَحين وَلَقِيت مِنْهُ برْحاً بارِحاً وَبَنَات بَرْح وبَني برْح. أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة: قَالُوا بَني برْح وَإِن كَانَ لما لَا يعقِل لقَولهم البُرَحين. قَالَ: وَقَالُوا البُرَحين فجمعوه جمْع مَا يعقِل لقَولهم برْحاً بارِحاً حِين أنزلوا الحدَث منزلَة الْعين. ابْن السّكيت: لقِيت مِنْهُ الذّرَبين وعرَقَ القِربة - أَي أمرا شَدِيدا وَأنْشد فِي ذَلِك: ليستْ بمَشْتَمة تُعدّ وعَفْوُها عرَقُ السِّقاء على القَعود اللاغِب قَالَ: وَلَا يعرِف الْأَصْمَعِي أصلَه. ابْن دُرَيْد: أَرَادَ عرَق القِرْبة فَلم يستقِم لَهُ الشِعر. |
المخصص
|
ابْن دُرَيْد: أثنيتعليه وَالِاسْم الثَّنَاء وَلَا يكون إِلَّا فِي الْخَيْر.
قَالَ أَبُو عَليّ: الثّناء - فِي الْخَيْر وَالشَّر والنّثاء - فِي الشَّرّ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: نَثا ينْثو نَثاه ونثاً. أَبُو عبيد: مدحْته أمدحُه مدْحاً ومِدْحة ومدَهْته أمدَهه مدْهاً ومِدْهةً وَأنْشد: لله دَرّ الغانِيات المُدّهِ وَهُوَ مُبدَل. ابْن دُرَيْد: مديح وأماديح. قَالَ ابْن جني: وَنَظِيره حَدِيث وَأَحَادِيث وَرجل مديح - ممدوح والمُثْني يمدَح لَا غير والشاعر يمدَح ويمتدِح وَالرجل يمتدّح بِمَا لَيْسَ عِنْده. صَاحب الْعين: المدْه - فِي نعت الْهَيْئَة وَالْجمال والمدْح فِي كل شَيْء وَقيل مدَهْته - فِي وَجهه ومدحْته - إِذا كَانَ غَائِبا. أَبُو عبيد: قرّظْته - مدحْته وأثنَيْت عَلَيْهِ. ابْن السّكيت: هما يتقارضان المدحَ والثّناء. أَبُو عبيد: أبّنْت الرجلَ - مدحتُه بعد الْمَوْت خاصّة وَأنْشد: لعَمْري وَمَا دهْري بتأبين هالكٍ وَلَا جزَعاً منّي وَإِن كنتُ موجعا ويروى مِمَّا أصَاب فأوجعا. ابْن السّكيت: لم يأتِ التّأبين الثّناء على الحيّ إِلَّا فِي قَول الرَّاعِي: فرفّع أَصْحَابِي المطيّ وأبّنوا هُنيدة فاشْتاق العُيونُ اللوامح ابْن جني: التأبيل كالتّأبين. ابْن دُرَيْد: رثأتُ الميْت ورتأتُه لُغَة همْدان. ابْن السّكيت: ورثَوْته. أبوزيد: رثيتُه رثْياً ورثاء ومرْثاة ومرثية ورثيْته. ابْن السّكيت: امْرَأَة رثّاءة. قَالَ: وَهُوَ مِمَّا همزوه وَلَيْسَ أَصله الْهَمْز. عَليّ: الْقيَاس يوجِب همزه لأَنهم قد قَالُوا رَثّاه وَإِنَّمَا انقلبت الْوَاو وَالْيَاء همزَة لوقوعهما بعد الْألف وَلَا يُعتدّ بِالْهَاءِ لِأَنَّهَا مُنْفَصِلَة كاسم ضم إِلَى اسْم وَمن قَالَ رثّاية اعتدّ بِالْهَاءِ من الِاسْم مَعَ أَنهم قد قَالُوا رثأت فرثّاءة على هَذَا همزته غير منقلبة. أَبُو عبيد: التثْبية - الثّناء فِي حَيَاته وَأنْشد: يُثَبّي ثَناءً من كريم وَقَوله أَلا انعِمْ على حُسن التَّحِيَّة واشرَبِ قَالَ أَبُو عَليّ: مَعْنَاهُ جمعت محاسِنه من الثُبة وَهِي الْجَمَاعَة. ابْن السّكيت: ذرّيتُه - مدحْته ومجّدته وأطريته - أثنيت عَلَيْهِ وعظّمته. ابْن دُرَيْد: أطرأته - مدحته. ابْن السّكيت: فلَان يخُمّ ثيابَ فلَان - أَي يثني عَلَيْهِ. ابْن دُرَيْد: الهرْف - المدْح وَالثنَاء. قَالَ أَبُو عَليّ: هرَف يهرِف هرْفاً وَهُوَ - الإطناب فِي الْمَدْح والتنوّق فِي إطابة الثَّنَاء. صَاحب الْعين: الهرْف - شبه الهذَيان من الْإِعْجَاب بالشَّيْء وَقد هرَفْت بِهِ وَله أهرِف هرْفاً وَفِي الْمثل) لَا تهرِف بِمَا لَا تعرِف (. الْأَصْمَعِي: الصّفَد - الثَّنَاء. ابْن دُرَيْد: الفنَع - حُسن الذِكر وَقد تقدم أَنه الكرَم. وَقَالَ: بارأْت الرجل - إِذا ذكر محاسِنه فعارضته بِذكر محاسِنك. ابْن السّكيت: السِمْع والصّيت - الذِكر. ابْن جني: الصّوت لُغَة فِي الصِيت وَهُوَ - الذكرالحسَن خاصّة. |
المخصص
|
أَبُو عبيد: التمَط بحقي - ذهب بِهِ.
الرياشي: التمظه والتمظ بِهِ بالظاء الْمُعْجَمَة. أَبُو عبيد: أحبضَ حَقي - أبطَله حبَض يحبِضُ حُبوضاً وَهُوَ من قَوْلهم حبضَ ماءُ الرّكيّة يحبِض - إِذا انحدر وَنقص. ابْن السّكيت: ألاح بحقي - ذهب بِهِ. أَبُو عبيد: ألوى بحقي ولَواني - ذهب بِهِ. قَالَ أَبُو عَليّ: كل مَا ذُهِب بِهِ فقد ألوي بِهِ وَمِنْه ألوى بهم الدَّهْر. صَاحب الْعين: ضازَه حقّه - مَنعه وَمِنْه قَوْله تَعَالَى) قِسمة ضِيزَى (أَي نَاقِصَة. وَقَالَ بَعضهم: ضازَه ضيْزاً وأصل الضّيز الْميل والاعوجاج وضأزه يضأزه. أَبُو زيد: سَمِعت رجلا من غَنِي يَقُول هَذِه قسْمَة ضِئزى مَهْمُوز. قَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يجوز الْهَمْز لِأَن ضئزى إِذا هُمِزَت صَارَت صفة وفعْلى لَا تكون صفة وَلَو كَانَت مَهْمُوزَة لكَانَتْ ضؤزى. وَقَالَ: بخسته حقّه أبخسه بخْساً - نقصته وَفِي الْمثل) تحسبها حمقاء وَهِي باخِس أَو باخِس (. ابْن دُرَيْد: لطّ على حقّ فلَان - حجده وكل شَيْء سترتَه فقد لططته وَقَوْلهمْ لاطّ ملِطّ كَقَوْلِهِم خَبِيث مُخبِث - أَي لَهُ أَصْحَاب خبثاء. غَيره: نكعه حقّه - حَبسه عَنهُ وَمِنْه أنكعتني بُغيتي - إِذا طلبتها ففاتتْك وَلم تدرِكْها وأمعن بحقي - ذهب. صَاحب الْعين: المحاضَرة - أَن يغالبَك على حقّك فيغلبك عَلَيْهِ وَيذْهب بِهِ. أَبُو عبيد: مصحْت بالشَّيْء - ذهبت بِهِ وَأنْشد: والهجْر بالآل يمصَحُ. وَقَالَ: ألمعت بالشيءذهبت وَأنْشد: وعمْراً وجَزْءاً بالمُشقّر ألْمَعا يَعْنِي ذهب بهم الدَّهْر وَيُقَال أَرَادَ الَّذين مَعًا فَأدْخل عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام صلَة. قَالَ أَبُو عَليّ: لَا نَظِير لَهَا إِلَّا كلمتان إِحْدَاهمَا مَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل من قَوْله مَا أَنا قَائِل لَك شَيْئا وَأما الْأُخْرَى فقياسها من هَذِه الْكَلِمَة لعدم التَّوَجُّه على غير ذَلِك وَهُوَ قَوْله تَعَالَى) وَهُوَ الَّذِي فِي السّماء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه (أَرَادَ مَا أَنا بِالَّذِي هُوَ قَائِل لَك وَهُوَ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاء إِلَه. قَالَ الْخَلِيل: وقلْ مَن يتَكَلَّم بذلك. أَبُو عبيد: التمعتُه كَذَلِك. قَالَ: وَفِي الحَدِيث) مَا أَدْرِي لعلّ بصرَ هَذَا سيُلتمعُ قبل أَن يرجع إِلَيْهِ. أَبُو عَليّ: زاح الشَّيْء زيْحاً - ذهب وأزحْته فانزاح والضِمار من المَال - مَا لَا يُرجى ارتجاعه. أَبُو زيد: ذهب بغلامي طَليفاً ? أَي لم يُعطىن بِهِ ثمنا. صَاحب الْعين: ذهب مَاله طلَفاً وطَليفاً - أَي هدَراً. أَبُو عبيد: متَعتُ بالشَّيْء - ذهبت يُقَال لَئِن اشتريتَ هَذَا الْغُلَام لتمْتعنّ مِنْهُ بِغُلَام صَالح - أَي لتذهبنّ. صَاحب الْعين: احتنكْت لرجل - أخذت مَاله. ابْن السّكيت: التحصْتُ الشيءَ - ذهبت بِهِ ولَحاصِ - السّنة الشَّدِيدَة من ذَلِك وَأنْشد: لم تلتحِصْني حيْصَ بيصَ لَحاص أَي لم أنْشَبْ فِيهَا وَحكى فِي الْمثل) أَرَادَ فلَان أَن يقِر بحقي فنفث فلَان فِي صفحتَي عُنُقِه فأفسده (. أَبُو زيد: من أمثالهم فِي ذهَاب الشَّيْء وانقطاعه) ذهبَتْ هيفٌ لأديانِها (. |
المخصص
|
ابْن السّكيت: أجررته رسَنَه - تركته يصنع مَا يَشَاء.
أَبُو عبيد: حبلُك على غارِبك - أَي أَنْت مملّك أمرَك وَمِنْه قَول عَائِشَة مَاتَت فُلَانَة وَتركت حبلَك على غاربك. |
المخصص
|
غير وَاحِد: أحسَنت إِلَيْهِ وَرجل مِحسان - كثير الْإِحْسَان.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَا يُقَال مَا أحْسنه يَعْنِي من هَذِه الصِّيغَة لِأَن هَذِه الصِّيغَة عِنْده قد اقْتَضَت التكثير فأغْنت عَن صِيغَة التَّعَجُّب. صَاحب الْعين: أيْدَيت عِنْده يدا - من الْإِحْسَان. قَالَ أَبُو عَليّ: هُوَ من بَاب استجعَر الطين وأشعر الْجَنِين - أَي أَنه لم يسْتَعْمل بِغَيْر الزِّيَادَة. قَالَ: يَد وأيْدٍ وأيادٍ جمع الْجمع. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو جمع اليدِ من الْإِحْسَان أيادٍ وَمن الْعُضْو أيدٍ فذُكِر ذَلِك لأبي الْخطاب فَقَالَ لم يسمع أَبُو عَمْرو قَول عديّ: ساءَها مَا تأمّلت فِي أياد ينا وإشناقُها إِلَى الْأَعْنَاق أَبُو عبيد: جمع اليدِ من الْإِحْسَان يديُّ وَأنْشد: فإنّ لَهُ عِنْدِي يديّاً وأنعُما وَقد تقدم تَعْلِيل هَذَا فِي أول الْكتاب. أَبُو زيد: أزللت إِلَيْهِ نعْمَة - أسديتها. صَاحب الْعين: اتّخذْت عِنْده زلّة - أَي صَنِيعَة. غير وَاحِد: هِيَ النِعمة وجمعُها نِعَم وأنعُم وَهُوَ من الْجمع الْعَزِيز وَنَظِيره شدّة وأشُدّ وَيُقَال النُعْمى والنَّعْماء وَأنْشد: وَإِن كَانَت النّعماءُ فيهم جزَوا بهَا وَإِن أنعموا لَا كدّروها وَلَا كدّوا صَاحب الْعين: منّ عَلَيْهِ يمنّ منّاً - أحسن إِلَيْهِ وأنعم وَالِاسْم المنّة وَالْجمع منن ومنّ عَلَيْهِ منّاً وامتنّ - قرّعه بمنّ وَهِي المِنّينَى. أَبُو عبيد: الآلاء - النّعم وَأنْشد: همُ المُلوك وأبناءُ الْمُلُوك لَهُم فضلٌ على النَّاس فِي الآلاء والنِعَم وَحكى أَبُو عَليّ عَن ثَعْلَب فِي وَاحِدهَا ألْي وإلْي وَإِلَى وَنَظِيره مِعيٌ ومعًى وإنْي وإنَى وَحكى كرَاع حِسْي وحسًى. صَاحب الْعين: صنعت إِلَيْهِ عُرْفاً أصنعه واصطنعته لنَفْسي - اتخذته وَفُلَان صَنِيعَة فلَان - إِذا اصطنعه وخرّجه. أَبُو عَليّ: جبرْت الرجل - أغنيته بعد فقر وَقد استجبر واجتبر. صَاحب الْعين: الفواضِل - الأيادي الجميلة وَقد تفضّلْت عَلَيْهِ وأفضلت وَرجل مِفضال - كثير الْفضل. وَقَالَ: النِّعْمَة الْبَاطِنَة - الْخَاصَّة وَالظَّاهِرَة - الْعَامَّة. وَقَالَ: رففت الرجل أرفّ رفاً - أَحْسَنت إِلَيْهِ وأسديْت عِنْده يدا وَفِي الْمثل) مَن حفّنا أَو رفّنا فليتْرِك (. أَبُو عبيد: فلَان يحففّنا ويرُفّنا - أَي يُعْطِينَا. |
معجم علوم القرآن - الجرمي
|
تعرفة وبيان ترتيبها المصحفي: 76 نوعها: مدنية آيها: 31 ألفاظها: 243 ترتيب نزولها: 98 بعد الرحمن جلالاتها: 5 مدغمها الكبير: 3 مدغمها الصغير: 1 من أسمائها: سورة هل أتى، وسورة الدهر |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
تؤكد العقلانية المادية عناصر التجانس والتكرار والكم والسببية والآلية، ولذا فهي تتسم بمقدرة عالية، نوعاً ما، على رصد حركة الأشياء ودراستها. فالعقلانية المادية تتحرك في إطار الواحدية المادية التي تخضع لها الأشياء، أما الإنسان فهو ظاهرة تتجاوز حدود الواحدية المادية. ولذا، فإن سلوكه، سواء في نُبله أو ضعته، في بطولته أو خساسته، ليس ظاهرة مادية محضة وإنما ظاهرة مركبة لأقصى حد:
1 ـ فعقل الإنسان له مقدرات تتحدى النموذج التفسيري المادي، حتى أننا نجد عالماً مثل تشومسكي ينكر تماماً أن عقل الإنسان مجرد صفحة بيضاء سلبية (وهو الافتراض الوحيد المتاح أمام الماديين) وإنما هو عقل نشيط يحوي أفكاراً كامنة فطرية. ولذا، نجد أن تشومسكي يتحدث عن «معجزة اللغة» باعتبارها ظاهرة لا يمكن تفسيرها في إطار مادي وإنما لابد من تفسيرها في إطار نموذج توليدي يفترض كمون المقدرة اللغوية في عقل الطفل بما يعني أن العقل ليس مجرد المخ، مجموعة من الخلايا والأنزيمات. ويقدم جان بياجيه رؤية توليدية لتطور الإنسان وتطوُّر إحساسه بالزمان والمكان. وتزايد الاعتماد على النماذج التوليدية، مقابل النماذج التراكمية، هو دليل على تراجُع النموذج المادي. 2 ـ ثم نأتي إلى مشكلة الفكر. يدَّعي الماديون أن الفكر صورة من صور المادة أو أثر من آثارها (فالعقل صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات الحسية وتتحول إلى أفكار كلية بطريقة آلية) . وهي مقولة قد تبدو معقولة ولكنها تخلق من المشاكل أكثر مما تحل. والسؤال هو: لماذا يأخذ الفكر هذه الصورة بالذات؟ ولماذا تختلف أفكار شخص عن أفكار شخص آخر يعيش في نفس الظروف؟ وهل الأفكار عصارات وأنزيمات تتحرك أم أنها شيء آخر؟ وما علاقة المؤثر المادي بالاستجابة الفكرية أو العاطفية؟ ولنأخذ فكرة مثل «السببية» . المعطيات الحسية المادية غير مترابطة ولا علاقة لها بأية كليات، ومع هذا يُدرك العقل الواقع لا كوقائع متناثرة وإنما كجزئيات تنضوي تحت كلٍّ متكامل، ولا يمكن أن يتم الإدراك إلا بهذه الطريقة، ولذا نجد أن الماديين (في عصر ما بعد الحداثة) ينكرون تماماً فكرة الكل، ويعلن نيتشه موت الإله الذي يعني في الواقع نهاية الكل. وهجوم الماديين والطبيعيين على الكل أمر مُتوقَّع، ففكرة الكل تُذكِّرنا بمعجزة الإنسان الذي يتجاوز النظام الطبيعي وحركة الأنزيمات والذرات والأرقام، ومن ثم فإنها تخلق ثنائية فضفاضة تستدعي مرجعية متجاوزة للنظام الطبيعي هي الإله. فالكل يؤكد تجاوز الإنسان، وتجاوز الإنسان يؤكد وجود الإله كمقولة تفسيرية معقولة. ولذا، لابد أن تهاجم هذه الفلسفة فكرة الكل حتى يعود الإنسان إلى الطبيعة ويُستوعَب فيها. وهكذا بدأت المادية بمحاولة تحطيم خرافة الميتافيزيقا، وانتهت بالهجوم على فكرة الحقيقة نفسها. 3 ـ وهناك حس الإنسان الخُلقي والديني، والجمالي، وقلقه، وتساؤله عن الأسئلة النهائية الكبرى. وهي أحاسيس لا يمكن تفسيرها على أساس مادي، فالأمر أكثر صعوبة من مجرد تفسير وجود الأفكار. وكما ينتهي الفكر المادي بإنكار الفكر، وإنكار الكل، فهو ينكر أيضاً الحس الخُلقي والجمالي ويُسقط الأسئلة النهائية. وعلى هذا، فإن عبارات مثل «القتل شر» و «هذه اللوحة جميلة» و «قلق الإنسان على مصيره في الكون» هي عبارات لا معنى لها من منظور مادي، تماماً مثل عبارة «الله رحيم» أو «الله موجود» ، فكلها عبارات لا يمكن إثباتها أو دحضها من خلال المنهج العلمي المادي. 4 ـ المادية تفشل في تفسير إصرار الإنسان على أن يجد معنى للكون ومركزاً له. والحقيقة أنه حينما لا يجد هذا المعنى، فإنه لا يستمر في الإنتاج المادي مثل الحيوان الأعجم وإنما يتفسخ ويصبح عدمياً ويتعاطى المخدرات وينتحر ويرتكب الجرائم دون سبب مادي واضح. وتزداد قضية المعنى حدة مع ازدياد إشباع الجانب المادي في الإنسان، فكأن إنسانية الإنسان لصيقة بشيء آخر غير مادي. والبحث عن المعنى عبَّر عن نفسه على هيئة فنون وعقائد. وكما يقول علي عزت بيجوفيتش، فإن "الدين والفن مرتبطان بالإنسان منذ أن وُجد على وجه الأرض، أما العلم (المادي) فهو حديث، وفشل العلم المادي (الذي يدور في إطار نماذج مادية) في تفسير الإنسان وفي التحكم فيه هو دليل فشله في إدراك الظاهرة الإنسانية وإدراك أن الحلول التي يأتي بها حلول ناقصة". 5 ـ والفلسفات المادية تدور في إطار المرجعية المادية، ولذا فإنها ترسم صورة واحدية للإنسان إما باعتباره شخصية صراعية دموية قادرة على خرق كل الحدود وعلى إعلاء إرادتها وتوظيف قوانين الحركة لحسابها، أو باعتباره شخصية قادرة على التكيف مع الواقع والخضوع لقوانين الحركة. وهذه صورة ساذجة غير حقيقية: أ) الصورة الأولى تفشل في رصد تلك الجوانب النبيلة في الإنسان مثل مقدرته على التضحية بنفسه من أجل وطنه أو من أجل أبيه أو أمه، ومقدرته على ضبط نفسه من أجل مُثُل عليا. ب) الصورة الثانية تؤكد أن الإنسان غير قادر على الثورة والتجاوز. وبالفعل، يُلاحَظ في العصر الحديث هيمنة نظم سياسية تسيطر عليها رؤى تكنوقراطية محافظة. ومع هذا، لم تنجح المادية تماماً في قمع الإنسان وتسويته بالأمر الواقع. فالإنسان لا يزال قلقاً وغير راض، وهو إن لم يُعبِّر عن قلقه من خلال الثورة الناضجة فهو يُعبِّر عن هذا القلق بأشكال مرضية. وفي محاولة لتفسير هذه الجوانب الإنسانية غير المادية من الوجود الإنساني، يذهب الماديون إلى أن كل هذا حدث بالصدفة من خلال عملية كيميائية بسيطة ثم وصلت الكائنات بعد ذلك إلى درجة من التركيب من خلال قانون التطور. وهو ما يعني أن قانون الصدفة وقانون التطور هما القانونان الأساسيان؛ فالصدفة هي سفر التكوين أو قصة الرؤية المادية بشأن الخلق، والتطور هو تاريخها غير المقدَّس، الزمني المكاني. والتطور نفسه خاضع للصدفة وصراع القوة، فكأن الصدفة أو القوة (أو كلتيهما) محرك للكون وضمنه الإنسان. هذا التفسير المادي للأمور هو تفسير ميتافيزيقي رغم إنكاره للميتافيزيقا؛ وهو يهدف إلى سد الثغرة في النظام الطبيعي وإلى تصفية ظاهرة الإنسان وإلغاء الحيز الإنساني، ذلك لأن التفسيرات المادية غير قادرة على استيعاب أية ثنائية أو أي تركيب يتحدى النظام الواحدي المادي البسيط (فهي تفسيرات تُؤثر البساطة والواحدية على التركيب والتعددية) . ولكن ليست هناك أية ضرورة لرفض مقولة الإنسان المركب الذي لا يُرَدُّ إلى المادة أو الاستغناء عنها، وخصوصاً أنها جزء من تجربتنا الوجودية وإدراكنا لذاتنا وواقعنا الإنساني. ولذا، وبدلاً من التأرجح بين العقلانية المادية التي تحاول تفسير كل شيء من خلال السببية الصلبة المطلقة من جهة واللاعقلانية المادية التي تعجز عن تفسير أي شيء من جهة أخرى، وبدلاً من الإصرار على إلغاء الثنائية نشعر (نحن البشر) بوجودها في عالمنا المادي، وذلك باسم البساطة والواحدية والتناسق الهندسي القاتل، قد يكون من الأمانة أن نُسمِّي هذا الجانب في الوجود الإنساني «الجانب الرباني» ، وعلينا من ثم أن نستدعي ثنائية أخرى ذات مقدرة تفسيرية عالية لا يمكن إلغاؤها. وبدلاً من مجرد استخدام مقولات مادية تفسيرية تفرض الواحدية على الواقع، وتُسوي الإنسان بالطبيعة والكيف بالكم وغير المادي بالمادي، يمكن استخدام مقولات تفسيرية مركبة تحوي عناصر مادية وغير مادية، كما يمكن استدعاء مدلول متجاوز للنظام الطبيعي ولقوانين المادة نصنف تحته كل الظواهر التي لا تخضع للقياس ونفسر من خلاله كل ما لا يدخل شبكة السببية الصلبة المطلقة وندرك من خلاله كل التجليات التي تظهر في عالمنا الطبيعي دون أن نتمكن من تفسير جميع جوانبها، أي مقولة غير مادية تكمِّل (ولا تَجبُّ) المقولات المادية، مقولة تتجاوز العقل المادي دون أن تحطمه، وهذه المقولة هي ما يُطلَق عليه «الإله» ؛ مركز الكون الموجود خارج المادة، والذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد، يُعنَى بدنيانا وبمسار التاريخ ولكنه ليس كمثله شيء، ووجوده تعبير عن وجود كل من الطبيعة وما وراء الطبيعة، وما يُقاس وما لا يُقاس، ووجود الإنسان كإنسان يستند إلى وجوده. النزعة الربانية نذهب إلى أن الإنسان تتنازعه نزعتان كامنتان فيه: النزعة الجنينية نحو إزالة الحدود والحيز الإنساني والهوية الإنسانية والذات المتعينة ومحو الذاكرة التاريخية والذوبان في الطبيعة/المادة والهرب من المسئولية الأخلاقية والمقدرة على التجاوز من ناحية، ومن ناحية أخرى، النزعة الربانية نحو تجاوز الطبيعة/المادة وتقبُّل الحدود والمسئولية وعبء الوعي وتأكيد الهوية الإنسانية وتركيبيتها. والنزعة الربانية تعبير عن وجود عنصر غير مادي غير طبيعي داخل الإنسان، وهو عنصر لا يمكن رده إلى الطبيعة/المادة نسميه «القبس الإلهي» ، وهو ذلك النور الذي يبثه الإله الواحد المتجاوز في صدور الناس (بل في الكون بأسره) ، فيمنحه تركيبيته اللامتناهية، ويولِّد في الإنسان العقل الذي يدرك من خلاله أنه ليس بإله، وأنه ليس بالكل، وأنه مكلف بحمل الأمانة، وأن عليه أعباء أخلاقية وإنسانية تشكل حدوداً وإطاراً له. ولكن هذه الحدود هي نفسها مصدر تميزه، فهي تفصله عن كل من الإله والكائنات الطبيعية، وتميِّزه عن هذه الكائنات بعقله ووعيه والمسئولية المناطة به. فكأن الحدود هي حيزه الإنساني الذي يمكن للإنسان أن يحقق فيه إمكانياته أو يجهضها. وهو الحيز الذي يتحول فيه الإنسان إلى كائن اجتماعي قادر على أن يرجئ رغباته ويُعلي غرائزه ولا يطلق لشهواته العنان حتى يمكنه أن يعيش مع الآخرين ويتواصل معهم، وأن ينتج أشكالاً حضارية إنسانية تتجاوز عالم الطبيعة/المادة وعالم المثيرات والاستجابات العصبية والجسدية المباشرة. والإنسان الإنسان، ثمرة النزعة الربانية، يقف على طرف النقيض من الإنسان الطبيعي/المادي ثمرة النزعة الجنينية، فهو ذو هوية محدَّدة يكتسبها من خلال الحدود المفروضة عليه ولكنه لا يتمركز حول ذاته، وفي إطار المرجعية المتجاوزة يمكنه تأكيد إنسانيته لا بالعودة إلى ذاته الضيقة (الطبيعية) والرغبة في التحكم في الكون، وإنما بالإشارة إلى النقطة المرجعية المتجاوزة. وهو أيضاً لا يفقد ذاته ولا يتمركز حول الموضوع (الطبيعة/المادة) ، أي أنه لا يتأرجح بين الواحدية والثنائية الصلبة ولا بين الصلابة والسيولة. فوجود المركز المتجاوز ضمان لأن يحتفظ بهويته وذاته ولا يغوص في حمأة المادة ولا يذعن لقوانينها وحتمياتها. والإنسان الإنسان، على عكس الإنسان في الحالة الجنينية، قادر على تفسير العالم والنصوص، فاللغة ليست أيقونات تُشير إلى ذاتها، وإنما مفردات وجُمل لها قواعدها، وهو للسبب نفسه قادر على التواصل مع الآخرين، ومن ثم قادر على تجاوز ذاته والتحرك مع الآخرين داخل الحدود التاريخية والاجتماعية والحضارية، التي تشكل حيزنا الإنساني الذي نحقق فيه جوهرنا الإنساني. فهو إنسان فرد له قصته الصغيرة، ولكنها صدى للإنسانية المشتركة وللقصة الإنسانية الكبرى. الثنائية الفضفاضة: نمط إنسانى (ربانى) عام «النزعة الربانية» تعني خروج الإنسان من نطاق المرجعية الكامنة المادية ودخوله في نطاق المرجعية المتجاوزة مما يعني ظهور ثنائية أساسية لا يمكن محوها، هي ثنائية الخالق والمخلوق الفضفاضة. هذه الثنائية تعني زوال أية واحدية ذاتية كانت أم موضوعية. لأن في إطار المرجعية المتجاوزة لا يمكن للإنسان أن يسقط في الجنينية التي تحطم الحدود بين الكل والجزء، ولا يمكن أن يتمركز حول ذاته. كما لا يمكن للموضوع (المادي) أن يتمركز حول نفسه، إذ يظل مركز الكون خارجه. وثنائية الخالق والمخلوق الفضفاضة ينتج عنها ثنائية أخرى هي ثنائية الإنسان والطبيعة، فالإله يزود الإنسان بالعقل الذي يميِّزه عن سائر الكائنات، وهذا ما يجعله إنساناً إنسان (أو إنساناً ربانياً) ، أي إنساناً غير طبيعي/ مادي، له جوهره الإنساني المتميز عن الطبيعة/المادة، يعيش في الحيز الطبيعي/المادي نفسه ولكنه قادر على تجاوزه وتجاوز ذاته الطبيعية. وهذا الكائن الذي يحوي داخله الأسرار، يستعصي على التفسيرات الطبيعية/المادية ولا يمكن اختزاله أو رده إلى مبدأ واحد ولا يمكن التحكم فيه تحكماً كاملاً، إنه إنسان يبحث عن المعنى في الكون ولا يستسلم للعبث أو العدمية أو الواحدية المادية، إنسان حر قادر على اتخاذ قرارات أخلاقية وعلى تحمُّل المسئولية، ومن ثم يشكِّل ثغرة في النظام الطبيعي وتحدياً للمنظومات المعرفية والأخلاقية الواحدية المادية. كل هذا يعني انفصال الإنسان عن الطبيعة وأسبقيته وأفضليته عليها. ولكنها تفترض أيضاً وجوده فيها واعتماده عليها واحترامه لها، فهو ليس بمركز الكون، وهو ليس سيد الطبيعة، فمالكها هو الله. ولذا فهو مستخلف فيها يتفاعل معها. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
إن الثنائية الفضفاضة (ثنائية الخالق والمخلوق والإنسان/الطبيعة) ليست اثنينية أو ثنائية صلبة لأن الإنسان، من خلال النزعة الربانية داخله، ينفصل عن الإله وعن الطبيعة ولكنه يتفاعل ويتجاوب معهما، ومن خلال تفاعله يكتسب المقدرة على التجاوز وتزداد حريته. والوجود الإنساني الأمثل ليس محو النزعة الجنينية والتعبير الخالص عن النزعة الربانية، ولا هو محو النزعة الربانية والتعبير الخالص عن النزعة الجنينية، وإنما التكامل والتقابل بينهما. وهذه الثنائية الوجودية الأنطولوجية الأساسية الفضفاضة تتجلى في المنظومات المعرفية (مجهول/معروف ـ غيب/علم ـ مطلق/نسبي ـ روح/جسد) والمنظومات الأخلاقية (خير/شر) والدلالية (دال/مدلول) والجمالية (جميل/قبيح) ، وعلى كل المستويات (ذكر/أنثى ـ أعلى/أسفل ـ سماء/أرض) . وهناك ثنائية غير متعادلة تُفترَض فيها أسبقية العنصر الأول على العنصر الثاني (جميل/قبيح) ولكن هناك أيضاً ثنائيات لا تُفترَض فيها أسبقية عنصر على الآخر (ذكر/أنثى) وإن كانت تفترض الاختلاف.
الباب الرابع: الفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية في كل المداخل السابقة حاولنا أن نبيِّن أن ثمة ثنائية فضفاضة تسم الوجود الإنساني (الخالق/المخلوق ـ النزعة الربانية/النزعة الجنينية ـ الإنسان/الطبيعة) . وثنائية الإنسان/الطبيعة هي أهم هذه الثنائيات. وقد عبَّرت عن نفسها في الجدل المثار في العلوم الإنسانية منذ بداية ظهورها في القرن التاسع عشر وهل هناك «علم طبيعي» مختلف عن «العلوم الإنسانية» أم أن هناك وحدة (أي واحدية) للعلوم. ويُطلَق مصطلح» العلم الطبيعي» على كل دراسة تتناول معطيات الواقع المادي بكلياته وجزئياته. ووسيلة هذه الدراسة هي منهج الملاحظة المباشرة والتجربة المتكررة والمتنوعة. والدراسة وكذلك عمليات التجريب تتم بهدف التفسير من خلال التوصل إلى تعميمات وقوانين تحقق الانتقال من الخاص إلى العام وتكشف عن العلاقات المطّردة الثابتة بين الظواهر. وهذه القوانين يتم التعبير عنها عن طريق تحويل صفات الكيف (التي لا تُقاس) إلى صفات كم بحيث يتم التعبير عنها برموز رياضية. وتتميَّز قوانين العلوم الطبيعية بأنها دقيقة وعامة تتخطى الزمان والمكان، وهي حتمية (ولكنها، بعد اهتزاز الحتمية، أصبحت احتمالية ترجيحية: ترجيحية تقارب اليقين وتظل صالحة للاستعمال حتى يثبت بطلانها (. ويذهب البعض إلى أن نموذج العلوم الطبيعية (بما ينطوي عليه من واحدية موضوعية مادية) لابد أن يُطبَّق في كل العلوم الأخرى (وضمن ذلك العلوم الاجتماعية والإنسانية) . وقد لاحظ كثير من العلماء في الشرق والغرب خلل مثل هذه المحاولة نذكر منهم د. حامد عمار، د. توفيق الطويل، د. حسن الساعاتي (الذين يعتمد هذا المدخل على كتاباتهم) وبينوا الاختلافات بين الظاهرة الإنسانية والظاهرة الطبيعية، ونوجزها فيما يلي: 1ـ أ) الظاهرة الطبيعية مُكوَّنة من عدد محدود نسبياً من العناصر المادية التي تتميَّز ببعض الخصائص البسيطة، وهذا يعني أنه يمكن تفتيتها إلى الأجزاء المكوِّنة لها. كما أن الظاهرة الطبيعية توجد داخل شبكة من العلاقات الواضحة والبسيطة نوعاً والتي يمكن رصدها. ب) الظاهرة الإنسانية مُكوَّنة من عدد غير محدود تقريباً من العناصر التي تتميَّز بقدر عال من التركيب ويستحيل تفتيتها لأن العناصر مترابطة بشكل غير مفهوم لنا. وحينما يُفصَل الجزء عن الكل، فإن الكل يتغيَّر تماماً ويفقد الجزء معناه. والظاهرة الإنسانية توجد داخل شبكة من علاقات متشابكة متداخلة بعضها غير ظاهر ولا يمكن ملاحظته. 2ـ أ) تنشأ الظواهر الطبيعية عن علة أو علل يسهل تحديدها وحصرها، ويسهل بالتالي تحديد أثر كل علة في حدوثها وتحديد هذا الأثر تحديداً رياضياً. ب) الظاهرة الإنسانية يصعب تحديد وحصر كل أسبابها، وقد تُعرَف بعض الأسباب لا كلها، ولكن الأسباب تكون في العادة متداخلة متشابكة، ولذا يتعذر في كثير من الحالات حصرها وتحديد نصيب كل منها في توجيه الظاهرة التي ندرسها. 3ـ أ) الظاهرة الطبيعية وحدة متكررة تَطَّرد على غرار واحد وبغير استثناء: إن وُجدت الأسباب ظهرت النتيجة. ومن ثم، نجد أن التجربة تُجرَى في حالة الظاهرة الطبيعية على عينة منها ثم يُعمَم الحكم على أفرادها في الحاضر والماضي والمستقبل. ب) الظاهرة الإنسانية لا يمكن أن تَطَّرد بنفس درجة الظاهرة الطبيعية لأن كل إنسان حالة متفردة، ولذا نجد أن التعميمات، حتى بعد الوصول إلىها، تظل تعميمات قاصرة ومحدودة ومنفتحة تتطلب التعديل أثناء عملية التطبيق من حالة إلى أخرى. 4ـ أ) الظاهرة الطبيعية ليس لها إرادة حرة ولا وعي ولا ذاكرة ولا ضمير ولا شعور ولا أنساق رمزية تُسقطها على الواقع وتدركه من خلالها، فهي خاضعة لقوانين موضوعية (برانية) تحركها. ب) الظاهرة الإنسانية على خلاف هذا، ذلك لأن الإنسان يتسم بحرية الإرادة التي تتدخل في سير الظواهر الإنسانية، كما أن الإنسان له وعي يسقطه على ما حوله وعلى ذاته فيؤثر هذا في سلوكه. والإنسان له ذاكرة تجعله يُسقط تجارب الماضي على الحاضر والمستقبل، كما أن نمو هذه الذاكرة يُغيِّر وعيه بواقعه. وضمير الإنسان يجعله يتصرف أحياناً بشكل غير منطقي (من منظور البقاء والمنفعة المادية) ، كما أن الأنساق الرمزية للإنسان تجعله يُلوِّن الواقع البراني بألوان جوانية. 5ـ أ) الظواهر الطبيعية ينم مظهرها عن مخبرها ويدل عليه دلالة تامة بسبب ما بين الظاهر والباطن من ارتباط عضوي شامل يُوحِّد بينهما فيجعل الظاهرة الطبيعية كلاًّ مصمتاً تحكمه من الداخل والخارج قوانين بالغة الدقة لا يمكنها الفكاك منها، ولهذا تنجح الملاحظة الحسية والملاحظة العقلية في استيعابها كلها. ب) الظواهر الإنسانية ظاهرها غير باطنها (بسبب فعاليات الضمير والأحلام والرموز) ولذا فإن ما يَصدُق على الظاهر لا يَصدُق على الباطن. وحتى الآن، لم يتمكن العلم من أن يُلاحظ بشكل مباشر التجربة الداخلية للإنسان بعواطفه المكبوتة وأحلامه الممكنة أو المستحيلة. 6ـ أ) لا يوجد مكوِّن شخصي أو ثقافي أو تراثي في الظاهرة الطبيعية؛ فهي لا شخصية لها، مجردة من الزمان والمكان تَجرُّدها من الوعي والذاكرة والإرادة. ب) المكوِّن الشخصي والثقافي والذاتي مكوِّن أساسي في بنية الظاهرة الإنسانية. والثقافة ليست شيئاً واحداً وإنما هي ثقافات مختلفة، وكذا الشخصيات الإنسانية. 7ـ أ) معدل تحوُّل الظاهرة الطبيعية يكاد يكون منعدماً (من وجهة نظر إنسانية) ، فهو يتم على مقياس كوني، كما أن ما يلحق بها من تغير يتبع نمط برنامج محدد، ولذا فإن الظواهر الطبيعية في الماضي لا تختلف في أساسياتها عنها في الحاضر، ويمكن دراسة الماضي من خلال دراسة الحاضر. ب) معدل التغيُّر في الظواهر الإنسانية أسرع بكثير ويتم على مقياس تاريخي، وما يطرأ عليها من تغير قد يتبع أنماطاً مسبقة ولكنه قد ينسلخ عنها. وعالم الدراسات الاجتماعية لا يستطيع أن يرى أو يسمع أو يلمس الظواهر الإنسانية التي وقعت في الماضي، ولذا فهو يدرسها عن طريق تقارير الآخرين الذين يلونون تقاريرهم برؤيتهم، فكأن الواقعة الإنسانية في ذاتها تُفقَد إلى الأبد فور وقوعها. 8ـ أ) بعد دراسة الظواهر الطبيعية والوصول إلى قوانين عامة، يمكن التثبت من وجودها بالرجوع إلى الواقع. ولأن الواقع الطبيعي لا يتغيَّر كثيراً، فإن القانون العام له شرعية كاملة عبر الزمان والمكان. ب) بعد دراسة الظواهر الإنسانية، يصل الإنسان إلى تعميمات. فإن هو حاول تطبيقها على مواقف إنسانية جديدة فإنه سيكتشف أن المواقف الجديدة تحتوي على عناصر جديدة ومكونات خاصة إذ من غير الممكن أن يحدث في الميادين الاجتماعية ظرفان متعادلان تماماً، ومتكافئان من جميع النواحي. 9ـ أ) لا تتأثر الظواهر الطبيعية بالتجارب التي تُجرَى عليها سلباً أو إيجاباً، كما أن القوانين العامة التي يُجرِّدها الباحث والنبوءات التي يطلقها لن تؤثر في اتجاهات مثل هذه الظواهر، فهي خاضعة تماماً للبرنامج الطبيعي. ب) تتأثر العناصر الإنسانية بالتجربة التي قد تُجرَى عليها، فالأفراد موضوع البحث يحوِّلون من سلوكهم (عن وعي أو عن غير وعي) لوجودهم تحت الملاحظة، ففي إمكانهم أن يحاولوا إرضاء صاحب التجربة أو يقوضوا نتائجه. كما أن النبوءات التي يطلقها الباحث قد تزيد من وعي الفاعل الإنساني وتغيِّر من سلوكه. 10ـ أ) بإمكان الباحث الذي يدرس الظاهرة الطبيعية أن يتجرد إلى حدٍّ كبير من أهوائه ومصالحه لأن استجابته للظاهرة الطبيعية وللقوانين الطبيعية يَصعُب أن تكون استجابة شخصية أو أيديولوجية أو إنسانية، ولذا يمكن للباحث أن يصل إلى حدٍّ كبير من الموضوعية. ب) أما الباحث الذي يدرس الظاهرة الإنسانية فلا يمكنه إلا أن يستجيب بعواطفه وكيانه وتحيزاته، ومن خلال قيمه الأخلاقية ومنظوماته الجمالية والرمزية، ولذا يَصعُب عليه التجرد من أهوائه ومصالحه وقيمه التي تعوقه في كثير من الأحيان عن الوصول إلى الموضوعية الصارمة. ولكل ما تقدَّم، فإن من الممكن إجراء التجارب المباشرة المنضبطة المتكررة على العناصر الطبيعية ويمكن قياسها بمقاييس كمية رياضية فهي تخلو من الاستثناءات والتركيب والخصوصيات، ويمكن التَوصُّل إلى قوانين عامة تتسم بالدقة تنطبق على الظاهرة في كليتها وفي جوانيتها وبرانيتها. أما الظاهرة الإنسانية، فلا يمكن إجراء التجارب المباشرة المنضبطة عليها ويستحيل تصويرها بالمعادلات الرياضية الدقيقة إذ لا تخلو من الاستثناءات والتركيب والخصوصيات، ولذا لا يمكن التَوصُّل إلى قوانين عامة (وإن تم التوصل إلى قوانين فلابد أنه تعوزها الدقة والضبط) . وهناك عدد كبير من الكُتَّاب الغربيين من أوائلهم فيكو ومن أهمهم كانط وديلتاي وريكرت ينطلقون من محاولة التمييز بين الإنسان والطبيعة. ولكن غالبية المفكرين الغربيين يدورون في إطار الواحدية المادية (أو الواحدية المثالية) ويحاولون القضاء على هذه الثنائية تماماً وإلغاء الحيز الإنساني وبالتالي يدافعون عن وحدة (أو واحدية) العلوم. إشكالية الإنسانى والطبيعى في العالم العربى ثمة وعي عميق بإشكالية التمييز بين الإنساني والطبيعي في الأدبيات العربية، فالمفكر الماركسي د. فؤاد مرسي يدعو بوضوح في كتاب إشكالية العلوم الاجتماعية (في دراسة له بعنوان "المنهج بين الوحدة والتعدد") إلى عدم التمييز بين الإنسان والطبيعة فيُعرِّف الإنسان بأنه "قوة من قوى الطبيعة"؛ إنسان طبيعي/مادي يتكيف معها ولكنه في الوقت نفسه يُعيد صياغتها. وهذه هي الإشكالية الكبرى التي تواجه الماديين ودعاة العلمانية الشاملة: هل الإنسان الطبيعي/المادي يزعن للطبيعة أم يهيمن عليها؟ وتتضح الإشكالية في كتابات د. فؤاد مرسي نفسه، فهو يؤكد أن الإنسان سيزداد وعياً ومن ثم سيزداد بُعداً عن الحيوان. ولكنه يعود ويُعرِّف الإنسان في إطار طبيعي مادي ويجد أن "الاقتصاد هو مجال رئيسي للعلاقة المتبادلة بين الطبيعة والمجتمع"، فبعد أن "ابتعد" الإنسان عن الحيوان، وهو ما يعني ابتعاده عن الطبيعة وتفوقه عليها فإنه يعود فيدخل في علاقة "تبادلية" تفترض المساواة الكاملة. وتظهر هذه التبادلية بشكل أوضح حين يُوحِّد د. فؤاد مرسي بين الطبيعة والمادة فيقول "لهذا أصبح العلم كله، طبيعياً واجتماعياً، علماً ذا طابع اجتماعي". و"أصبح تَقدُّم البشرية حالياً رهناً إلى حدٍّ كبير بالتداخل الأكبر والتفاعل بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية". والتداخل والتفاعل قد يعني ثنائية (وهو ما يرفضه الفكر المادي) ، وقد يعني مساواةً وتَوحُّداً، وهو الأرجح، ولذا نجده في السطر التالي يقول: "إن كل محاولة للفصل بين المجتمع والطبيعة تصبح محاولة وهمية. فوجود المجتمع هو جانب من وجود الطبيعة". ولكنه يعود للثنائية فيقول: "وتاريخ المجتمع هو تاريخ امتلاك الإنسان للطبيعة"، ثم يعود للواحدية فيقول: "إن وحدة الثورتين التكنولوجية والاجتماعية كفيلة في المستقبل أن تجعل من البشر لأول مرة في التاريخ، السادة الحقيقيين للطبيعة". ثم يتحدث عن احتدام الصراع بين الطبيعة والإنسان وعن "الإنسان الشامل الذي يختزن في نفسه قدراً لا مثيل له من المعرفة بالكون كله". ولكن ما هي النتيجة النهائية لهذا التأرجح الكوميدي بين الاندماج العضوي في الطبيعة والإذعان لها من جهة، والانفصال عنها وتملكها والهيمنة عليها من جهة أخرى. يختتم الدكتور مرسي مقاله بقوله "هناك يتوحَّد الإنسان تماماً مع المجتمع والطبيعة"، أي أن الحالة الجنينية والواحدية المادية تنتصر تماماً. وعلى كلٍّ، فإن عنوان هذا الجزء من المقال هو "نحو وحدة الكون" وليس "نحو مركزية الإنسان في الكون أو هيمنته عليه". ولكن العدد الأكبر من علمائنا الأجلاء كانوا من المدافعين عن الإنسان ضد المادية والطبيعية. فعلى سبيل المثال، يقول الدكتور حامد عمار في كتابه من همومنا التربوية والثقافية: "إن منهج التفكير العلمي الذي أرسته العلوم الطبيعية قد شاع باعتباره المنهج الصحيح الوحيد في الوصول إلى المعرفة الصحيحة. واصطنعت العلوم الاجتماعية الإنسانية هذا المنهج في دراستها وبحوثها. بيد أن معظمها قد توقف عند المرحلة النيوتونية من مناهج البحث العلمي الطبيعي، واختزال المنهج إلى تجزئة الظواهر وتفكيك أجزائها، ومحاولة فرض الفروض المرتبطة بذلك الجزء أو ذاك، وإخضاع الفروض حوله للقياس والاختبار. وجرى العُرْف عند الكثيرين على اعتبار النتائج علمية ثابتة غير قابلة للتعديل. "وأُطلق على هذه التجزئة للظواهر وإخضاعها للدراسة الميدانية العينية ما عُرف باسم المنهج الإمبيريقي أو الوصفي، محللاً للظاهرة كما تُوجَد في موقعها الزماني والمكاني ... ودون تَصوُّر لأنواع العلاقات ودينامياتها في الظاهرة المدروسة مع سياقها الثقافي الاجتماعي. ومن ثم فقدت الدراسة منظوماتها العضوية الدينامية في إطار الزمان والمكان والبُعد التاريخي لنشأتها وتطورها وتوظيفها الاجتماعي. واستقر في أذهان كثير من الباحثين الاجتماعيين أن نتائجهم علمية لا يرقى إليها التصحيح ... وأصبح من المسلمات في الرسائل الجامعية في العلوم الاجتماعية الإنسانية ألا تُعاد دراسة الموضوع؛ لأن ما سبق من بحوث قد استقر [باعتباره] حقائق علمية. ثم إن هذه البحوث تدَّعي الموضوعية العلمية المطلقة، وأن لا شأن لذات الباحث أو أيديولوجيته أو تحيزاته أي تدخُّل في مختلف مراحل البحث وتفسيراته، فالنتائج جاءت «علمية» من خلال معطيات الواقع العيني. "ومع هذا الاختزال الإمبريقي الوضعي الوظيفي للمنهج العلمي الطبيعي في آفاقه الرحبة والمتجددة، فإن ثمة مناهج أخرى للمعرفة العلمية تبدأ من الملاحظة والمشاركة الملاحظة (بكسر الحاء) امتداداً إلى الحس التاريخي والوعي الذاتي. والبصيرة والحدس، والفهم الكيفي في السياق الثقافي الاجتماعي التاريخي والخبرة الإنسانية. وليس بالضرورة أن تلجأ تلك المناهج إلى البيانات الرقمية والقياس؛ إذ أن تلك الأدوات كثيراً ما تُشوِّه المعرفة بعالم الوعي والخبرة والفهم النوعي للواقع وإمكانات المستقبل، فضلاً عن قصورها عن فهم القيم وديناميات الدوافع والأخلاق. "إن هذه الأساليب والأدوات المعرفية تصبح علمية طالما قامت على ملاحظة منتظمة أو خبرة مطردة، وطالما كانت بياناتها وشواهدها منطقية ومتسقة في نموذج مفاهيمي. وتتدعم علميتها مع اختبارها وتقييمها على أرض الواقع ومن خلال الممارسة، وقد تتدعم فيما بعد بجوانب كمية للتوضيح والتعزيز. ومن هنا فإن على العلوم الاجتماعية الإنسانية أن تُعنَى بمعالجة القضايا النوعية والقيمية المستمدة من الخبرة الإنسانية ومجالاتها فيما يستقر بها من الشعور والوعي ومن اللاشعور والحدس دون أن تُنقص عوامل الذاتية من جدوى المعارف المُتوَلدة من مثل هذه المناهج. وفي قضايا التربية والاجتماع وعلم النفس مساحات عريضة لجدوى توظيف تلك المناهج بما فيها من ضبط وتنظيم وقابلية للمراجعة والتفنيد والتطوير". وفي كتاب إشكالية العلوم الاجتماعية، يُبيِّن الدكتور حسن الساعاتي في مقال بعنوان "إشكالية المنهج في العلوم الاجتماعية" أن علماء الاجتماع الذين تأثَّروا بمناهج الدراسة والعلوم الطبيعية يذهبون إلى "أن العلوم الاجتماعية، وعلى رأسها علم الاجتماع، لا تكوِّن علوماً بمعنى الكلمة، أي دقيقة ومضبوطة النتائج، إلا إذا تَرسَّم علماؤها خطى الباحثين في العلوم الطبيعية التي يرتكز محور التفكير في ظواهرها على التجريب، أي ما يجرونه عليها من تغيير مقصود وبطريقة مرسومة من قبل، مستهدفين أهدافاً معيَّنة يستنتجون منها الحقائق، إذا تكرر استقراؤها من تجارب مماثلة صارت نظريات علمية أو قوانين ثابتة. "وقد فات هؤلاء العلماء ... ، وغيرهم ممن قلدوهم في مسارهم الفكري بدون رويّة واستبصار، أن الظواهر الاجتماعية تختلف تماماً عن الظواهر الطبيعية التي لا عقل ولا إرادة لعناصرها، والتي ينمُّ مظهرها عن مخبرها، لأنها، في رأينا، أحادية النسق، تحكمها كلاًّ أو جزءاً قوانين ونظريات واحدة لا تتبدل. ولذلك نجد أن كلاًّ من الملاحظة الحسية، أي المشاهدة، والملاحظة العقلية، أي التأمل والاستبصار، وجميع خطوات التجريب التي تُجرَى عليها، بوصفها ظواهر طبيعية أحادية النسق، تستوعبها كلها في جميع مظاهرها، لأن ظاهرها لا يختلف عن باطنها في شيء، حتى إنه ليدل عليه دلالة تامة، لما بين الظاهر والباطن من ارتباط عضوي شامل متكامل. "أما الظواهر الاجتماعية فتختلف عن الظواهر الطبيعية في أنها، بوصفها ظواهر عنصرها الأساسي الإنسان الاجتماعي العاقل ذو الإرادة، الذي يعيش مُعاشراً لغيره من البشر ومرتبطاً بهم بشتى العلاقات الاجتماعية، نقول تختلف في أنها ثنائية النسق. فكما أن للإنسان جوانية وبرانية، فهي بالمثل ذات نسقين، أحدهما جواني أي باطن، والآخر براني أي ظاهر. ومادامت كذلك، فإن البحث فيها ينقسم إلى قسمين: أحدهما يُعنَى بالنسق البراني، أي بما يتبدَّى من الظاهرة الاجتماعية للحواس فتدركه وتتعقله، والآخر يُركِّز على النسق الجواني الخفي منها، الذي يُعدُّ غرفة عمليات للنسق البراني، ليستجلبه ويدركه ويتعقله". إشكالية الموضوعية والذاتية: مقدمة تترجم الإشكاليات السابقة نفسها إلى إشكالية الموضوعي والذاتي، فإذا كان الإنسان كياناً طبيعياً مادياً فبالإمكان رصده بشكل مادي براني وكأنه شيء بين الأشياء، وهو شيء لا تفرُّد فيه ومن ثم يمكن رده باعتباره جزءاً إلى الكل الطبيعي/المادي يسري عليه ما يسري على الكائنات المادية الأخرى، ومن ثم لا يوجد فارق بين الجزء الإنساني والكل الطبيعي/المادي، فتمحي كل الثنائيات وتُرد كل الظواهر إلى مبدأ (مادي) واحد وننتهي في الواحدية الموضوعية المادية. أما إذا كان الإنسان كياناً مركباً يحوي عناصر مادية تُرد إلى عالم الطبيعة/المادة وعناصر غير مادية، فالرصد البراني، الموضوعي المادي، يصبح غير كاف، ويصبح كل إنسان فرد كيانه مستقل عن الكل، ولا يسقط الإنسان في قبضة الواحدية الموضوعية المادية. وليام ديلتاى (1833 – 1911 ( عالم اجتماع ألماني، كان قليل الكتابة، ويعود إسهامه الأساسي في محاولته التنبيه إلى أن ثمة فارقاً جوهرياً بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية. وقد أكد ديلتاي أن معرفة الإنسان من خلال الملاحظة البرانية وتبادل المعلومات الموضوعية المادية عنه أمر غير ممكن، فهو كائن ذو قصد، أي أن سلوكه تحدده دوافع إنسانية جوانية (معنى ـ ضمير ـ إحساس بالذنب ـ رموز ـ ذكريات الطفولة ـ تأمل في العقل) يصعب شرحها وشرح أسبابها. والإنسان لا يعيش منعزلاً وإنما يتفاعل مع الآخرين وتتحدد تجربته الشخصية من خلال هذا التفاعل. ولكل هذا، لا يمكننا أن نشرح الإنسان وسلوكه بشكل براني أو نخضعه للتجريب. ولكن ديلتاي يشير إلى حقيقة أساسية وهي أننا قد لا نعرف العقل البشري بنفس الدرجة أو الطريقة التي تُعرَف بها الأشياء ولكن هناك مناهج أخرى غير مناهج العلوم الطبيعية. فالعلوم الطبيعية لا تنفذ إلى كينونة الأشياء والعمليات الفيزيائية، أما الجوهر الإنساني فيمكننا الوصول إليه مباشرةً من خلال تَفهُّم ومعايشة تجربة الآخر والتعاطف معها وتخيلها وفهم المعنى الذي يسقطه الفاعل الإنساني على فعله. كما أن ثمة ثنائية جوهرية تبين الفرق بين الإنساني والطبيعي وبين مناهج العلوم الاجتماعية ومناهج العلوم الطبيعية، وهي ثنائية تتبدَّى في قول دلتاي ليس بإمكاننا أن نشرح الإنسان وإنما نحن نشرح الطبيعة بطريقة برانية ونفهم أو نتفهم (فرشتيهن) الإنسان، أي نُفسِّره بطريقة اجتهادية جوانية. الهرمنيوطيقا «هرمنيوطيقا» من الكلمة اليونانية «هرمنويين hermeneuin» بمعنى «يُفسِّر» أو «يُوضح» . والفعل مشتق من كلمة «هرمنيوس» وهي كلمة مجهولة الأصل وإن كان يُقال إنها تعود إلى الإله هرميس رسول الإله زيوس. وفي اللاهوت المسيحي، تشير الكلمة إلى ذلك الجزء من الدراسات اللاهوتية المَعْنيِّ بتأويل النصوص الدينية بطريقة خيالية ورمزية تبعد عن المعنى الحرفي والسطحي المباشر وتحاول اكتشاف المعاني الحقيقية والخفية للنصوص المقدَّسة (وخاصةً الإنجيل) والقواعد التي تحكم التفرُّد المشروع للنص المقدَّس. وقد استخدم هايدجر هذا المصطلح ليشير إلى أن دراسته في طبيعة الوجود الإنساني هي دراسة ميتافيزيقية (أي هرمنيوطيقية (. والكلمة، في الوقت الحاضر، تعني محاولة فهم العالم لا باعتباره نظاماً ميتافيزيقياً وإنما باعتباره موضوع الفكر والعقل الإنساني وباعتباره تجربة معاشة (بالألمانية: ليبنزفلت Lebenswelt، أي عالم الحياة) كما أصبحت مرتبطة بالمعنى العميق (والروحي) للنصوص وتَميُّز الظاهرة الإنسانية عن الظواهر الطبيعية. وقد قام ديلتاي بنقل المصطلح من اللاهوت إلى الفلسفة ثم إلى العلوم الإنسانية. واستخدمه للإشارة إلى المناهج الخاصة بالبحث في المؤسسات الإنسانية والسلوك الإنساني باعتباره سلوكاً تحدده دوافع إنسانية جوانية يَصعُب شرحها عن طريق مناهج العلوم الطبيعية. ومن ثم، فإن الهرمنيوطيقا لا تتناول فقط المعطيات الخام للحواس وإنما تحاول فهم معناها الداخلي. وأصبحت الهرمنيوطيقا بالنسبة لبعض العلماء هي الطريقة الوحيدة الممكنة لقراءة النصوص الدينية والشعرية والتاريخية والفلسفية وأي نص يتحدث عن الإنسان. والأطروحات الأساسية للهرمنيوطيقا هي (كما لخصها ديلتاي (: 1 ـ التفسير العلمي ليس هو الشكل الوحيد للتفسير. فالتفسير العلمي ينظر للإنسان باعتباره كياناً عضوياً تحركه الدوافع الفيزيقية، بينما يُفترَض أن ننظر إليه باعتبار أن له دوافع داخلية وقيماً. 2 ـ إننا نفهم العالم الإنساني من خلال طرح أسئلة عليه. ويتحدد كل سؤال، من ناحية الشكل والمضمون، بمقدار الاهتمام الكامن وراءه. 3 ـ السؤال ذاته يمثل تفسيراً جزئياً للظاهرة موضع السؤال. ومن هذه الأطروحات، يظهر ما يُسمَّى «الدائرة الهرمنيوطيقية» : 1 ـ لا يمكن أن نفهم أجزاء أية وحدة أو أن نتعامل معها إلا وعندنا إدراك مسبق بالمعنى الكلي، لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع معرفة المعنى الكلي إلا من خلال معرفة معاني أجزائه. 2 ـ ويمكن طرح القضية بطريقة أخرى فنقول: إن التفسير لا يمكن أن يكون إلا بعد أن يبدأ التفسير، فالعالم لا يوجد كموضوع لوعينا إلا من خلال اللغة. ودائرة الهرمنيوطيقا ليست حلقة مفرغة، إذ أن فهمنا يتعمق من خلال عملية حلزونية تبدأ بالإحساس بالمعنى الكلي، ثم ندرس المكونات الجزئية في ضوء المعنى الكلي فيتعمق المعنى الكلي من خلال معرفة معنى الأجزاء، ثم نعود للأجزاء مرة أخرى ... وهكذا. الشرح والتفسير (فرشتيهن ( أصبحت كلمة «يشرح» تعني «يشرح تماماً» أو «يُزيل اللبس تماماً» . بل أصبحت لها أبعاد تفكيكية، فهي تعني «تعريف أسباب الظاهرة وردها إلى مبدأ عام واحد أو عدة مبادئ» . كما أنها قد تعني «يفضح» أو «ينزع السر عن» . وهذه الأبعاد ليست واضحة في اللغة العربية بالقدر الكافي، إلا أنها أكثر وضوحاً في اللغة الإنجليزية. فكلمة «يشرح» باللغة الإنجليزية هي «إكسبلين explain» من الفعل اللاتيني «إكسبلاناري explanare» بمعنى «يُسطِّح الشيء» أو «يسويّه» أو «يجعله مستوياً» (كلمة «بلين plane» الإنجليزية تعني «السطح المستوي» ) . هذا على عكس فعل «إنتربريت interpret» (من الفعل اللاتيني «إنتربريتاري interpretari» وهو يعني «يُفاوض» ) . ففعل «إنتربريت» يعني «يُبرز المعنى الكامن ويوضحه» و «يؤول النص» و «يعطي تفسيراً للموضوع» و «يترجم» أو «يقوم بدور المترجم» ، ومن الواضح أن كلمة «يشرح» تدور في إطار المرجعية الموضوعية: يُسطِّح وىُسوِّي حتى يستوي مع معيارية برانية، أما كلمة «يُفسِّر» ، فهي لا تنفي الأبعاد الذاتية الاجتهادية لعملية الإدراك. وهذا التداخل بين التفسير (بمعنى الاجتهاد في فهم الظاهرة وجعلها مفهومة إلى حدٍّ ما من خلال التعاطف معها وفهمها أو تفهمها من الداخل) والشرح (بمعنى إدخال الظاهرة في شبكة السببية الصلبة المطلقة والقوانين الطبيعية وكشف العلاقة الموضوعية بين السبب والنتيجة) يعود إلى أن العلوم الطبيعية والرياضة بنماذجها الواحدية الموضوعية المادية تلقي بظلالها الكثيفة على العلوم الإنسانية. فالاستنباط (العقلاني) هو منهج العلوم الرياضية، والاستقراء (التجريبي) هو منهج العلوم الطبيعية، وكلاهما يحاول أن يصل إلى درجة عالية من الدقة والعمومية في نتائجه. ومن ثم، يحاول بعض علماء الدراسات الإنسانية تبني المناهج السائدة في العلوم الطبيعية والرياضية (العلوم الدقيقة!) ويحاولون تفسير الظواهر الاجتماعية والإنسانية تماماً مثلما تُفسَّر الظواهر الطبيعية بطريقة كمية، فيتبنون نماذج رصد موضوعية واحدية مادية تُسقط الأبعاد الجوانية والخاصة والكيفية للظاهرة الإنسانية وتُهمل الدوافع والوعي والقيمة تماماً، ثم تُرَدُّ الظاهرة في كل تفاصيلها إلى قانون أو مبدأ عام واحد، وتُزال كل المسافات والثغرات والثنائيات والخصوصيات حتى نصل إلى ما يُتصوَّر أنه التفسير الموضوعي الكامل أو شبه الكامل للظاهرة، أي أن دراسة سلوك الإنسان لا يختلف عن دراسة سلوك اليرقات فكلاهما يُدرَس من خلال سلوكه البراني وحركته الخاصة (ومع هذا، ينبغي الإشارة إلى أن العلوم الطبيعية نفسها قد انسلخت عن هذه الرؤية وأصبحت أكثر احتمالية في رؤيتها، كما أنها أخذت بالتدريج تكوِّن لنفسها عالماً خاصاً بها مؤلفاً من كيانات عقلية ورياضية لا تستطيع أن تجد لها وجوداً في عالم الظواهر. ويبدو أن الفرض العلمي، الذي كان يمثل الخطوة الثانية التي تلي خطوة الملاحظة والتجربة والذي كان يشير إلى مُدرَكات حسية، أصبح في المنهج العلمي المعاصر فرضاً صورياً لا يشير إلى مدركات حسية ويأتي سابقاً على الملاحظة والتجربة. لكن الفرض العلمي لم يعد تعميقاً لوقائع تجريبية ـ كما كان شائعاً في الماضي ـ وإنما هو نتاج العبقرية العلمية الخلاقة التي تأتي به بأية طريقة أو بأي منهج. وما يهم في الفرض العلمي مدى مقدرته على أن تجعل هذا العالم مفهوماً ومعقولاً، أي أن الحاجة إلى حقائق صلبة أو سببية صلبة لم تَعُد موجودة) . وفي العالم الغربي، اكتشف كثير من العلماء سذاجة بل تفاهة الرؤية التجريبية والوضعية (الواحدية الموضوعية المادية) التي تصر على الحقائق الصلبة وعلى السببية الصلبة والمطلقة والتي ذهبت إلى أن قوانين التاريخ والمجتمع الإنسانيين تشبه قوانين الطبيعة (بالمعنى الساذج لفكرة القانون العلمي) وحاولت اكتشاف هذه القوانين وصياغتها بطريقة "علمية" دقيقة كمية، وأصر هؤلاء العلماء الذين رفضوا مثل هذه الرؤية الساذجة على ضرورة التمييز بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية وعلى ضرورة رفض فكرة وحدة (أي واحدية) العلوم. ومن مظاهر هذه الثورة محاولة التمييز بين الشرح من جهة والفهم (بمعنى «التفهم» و «التفسير الاجتهادي» ) من جهة أخرى. وقد بدأ استخدام الفعل الألماني «فرشتيهن verstehen» بمعنى «يفهم» أو «يتفهم» مقابل «إركليرين erklaren» بمعنى «يشرح من خلال ملاحظة الحوادث وربطها بالحوادث الأخرى حسب القوانين الطبيعية» ، وذلك لوصف عملية فهم السلوك الإنساني المركب من خلال التعاطف وإدراك الدوافع الإنسانية الجوانية (مقابل شرح الأسباب البرانية) . وقد استخدم هذا المصطلح كلٌّ من فلهلم ديلتاي وجورج زيميل وكارل ياسبرز وماكس فيبر وآخرون. وقال ياسبرز: "إن الحياة النفسية [الإنسانية] لا يمكن دراستها من الخارج، كما أن الحقائق الطبيعية لا يمكن دراستها من الداخل. الأولى يمكن فهمها من خلال النفاذ النفسي، أما الثانية فيمكن شرحها من خلال دراسة العلاقة الموضوعية المادية". وقارن ياسبرز بين دراسة حَجَر يَسقُط من عل (من جهة) ودراسة علاقة تجارب الإنسان في طفولته ببعض الأمراض النفسية في شبابه وشيخوخته (من جهة أخرى) ، فالأول لا يمكن أن نراه إلا بشكل براني (في إطار قانون الجاذبية) ، أما الثاني فيتطلب عمليات فكرية وعقلية أكثر تركيباً. ولكن المصطلح ارتبط أساساً باسم ماكس فيبر. فقد بيَّن فيبر الفرق بين الرصد الموضوعي المتلقي المادي وعمليات التفسير الاجتهادية حين قال إن دراسة حظيرة الدجاج أمر جدُّ مختلف عن دراسة المجتمع الإنساني، فعلم اجتماع الدجاج لن يدرس سوى أنماط سلوكية متكررة من الخارج يمكن فهمها في إطار المثير المادي والاستجابة السلوكية. ونحن لا نعرف شيئاً عن العالم الجواني للدجاج وعواطفه وأفكاره وتأملاته إن كان هناك مثل هذا العالم. أما في حالة المجتمع الإنساني، فنحن مزودون بقدر كبير من المعرفة عن العالم الجواني للإنسان (نتوصل إليه من خلال معرفتنا لذواتنا ومن خلال ألفتنا للطبيعة البشرية) وعن الدوافع الداخلية المركبة وعالم المعنى الذي ينبع منه السلوك الإنساني. ولذا، إذا كان من الممكن شرح سلوك الدجاج في إطار شبكة السببية الصلبة المطلقة ومن خلال الملاحظة البرانية المباشرة، فلن يكون هذا كافياً بالنسبة للبشر. والمحاولة الوضعية السلوكية لوصف عالم الإنسان من خلال سلوكه البراني محكوم عليها بالفشل ومحكوم عليها بأن تظل سطحية تافهة، فهي بإصرارها على ضرورة الشرح البراني الموضوعي ستستبعد قضايا إنسانية أساسية مثل انشغال الإنسان بمصيره وتجربته في الكون وإحساسه بالاغتراب. ولكن هذا لا يعني أن السلوك الإنساني لا يخضع لأية سببية وإنما يعني أن الرصد البراني لا يكفي، والمطلوب هو عملية تفسير لا تدور في إطار الواحدية الموضوعية المادية وتسعى إلى الفهم العميق من خلال التعاطف المستمر والإدراك المبدع لتركيبية الدوافع الإنسانية وغموضها. التحول عن التنظير المركب إلى الممارسة الاختزالية هناك وعي محدد بقضية الفرق بين الطبيعي والإنساني واستقلال الحيز الإنساني عن الحيز الطبيعي في العالم العربي (كما أسلفنا) ، ولكننا مع هذا نجد أن النموذج الاختزالي المعلوماتي التراكمي (الواحدي الموضوعي المادي) الذي لا يُفرِّق بين الظاهرة الطبيعية البسيطة والظاهرة الإنسانية المركبة يهيمن على الدراسات والبحوث في جامعاتنا ومراكزنا البحثية بل يكتسحها تماماً. وأعتقد أن ما يحدث هو أنه رغم وجود الوعي النظري بالاختلاف الجوهري بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية إلا أنه لا يتم تفعيله ولا ينتقل إلى مستوى الممارسة البحثية نفسها. وأعتقد أن كثيراً من الباحثين يتخلون عن وعيهم هذا ويَسقُطون في الممارسة الاختزالية التي لا تُفرِّق بين الطبيعي البسيط والإنساني المركب. وعادةً ما يحدث هذا في مرحلة صياغة الفروض. وقد عُرِّف الفَرْض العلمي بأنه منطوق أو مقولة أو تقرير مبدئي لما نعتقد أنه علاقة بين متغيرين أو أكثر، ويعكس الفرض تكهنات الباحث بالنسبة لنتائج البحث المرتقبة. ويَتبنَّى الباحث الفرض بشكل مؤقت حتى يتحقق صدقُه أو كَذبه عن طريق الملاحظة والتجريب. ويقوم الفرض بتوجيه الباحث إلى المعلومات والبيانات التي يتعين جمعها وهو ما يوفر كثيراً من الوقت والجهد كان يمكن أن ينفقه في الحصول على بيانات محدودة أو عديمة القيمة تتصل بالمشكلة قيد الدراسة. فمن الواضح أن مرحلة صياغة الفروض هي من أهم مراحل البحث إن لم تكن أهمها. ولكنها، بدلاً من أن تكون المرحلة التي يبدأ الباحث فيها عملية التفكيك والتركيب بشكل مُتعمِّق وبلورة الإشكالية التي سيتناولها، أصبحت (في كثير من الأحيان) المرحلة التي يَتبنَّى فيها الباحث النماذج الاختزالية الواحدية المادية التي تقتل الواقع الإنساني وتميته وتقضي على أبعاده المركبة وتقذف بالباحث في براثن النماذج المعلوماتية التراكمية والموضوعية المتلقية. وقد صدرت بعض الدراسات التي تُميِّز بين الظواهر الطبيعية والإنسانية بحماس شديد وبراديكالية صارمة على المستوى النظري. ومع هذا، حينما وصلت هذه الدراسات إلى قضية الفروض، وصفتها في عبارات مثل: ـ كلما كانت الفروض واضحة، ساعد ذلك الباحث على دقة تحديد أهداف البحث وحسن اختيار عينة البحث وأسلوبه وأدواته. ـ يجب أن تُصاغ الفروض في كلمات بسيطة كلما أمكن. ـ يجب أن تكون الفروض محدَّدة في منظورها لا واسعة عريضة. ـ يجب أن تكون الفروض متمشية مع معظم الحقائق المعروفة السابقة التي ثبت صدقها أو صحتها. ولابد أن نقرر أن الأمثلة السابقة حالة متطرفة من الاختزالية ولكنها حالة متطرفة ممثِّلة. وما يهمنا تقريره هنا أن النموذج المهيمن في مرحلة صياغة الفروض هو عادةً نموذج اختزالي يستبعد الإنسان كإنسان ويحدد ويُشيِّئ الظاهرة الإنسانية ليجعلها تشبه الظاهرة الطبيعية في بساطتها وبرانيتها، وهو ما يخلق لدى الباحث وهماً مفاده أن الظاهرة الإنسانية يمكن رصدها بشكل براني، عن طريق مراكمة المعلومات التي تتوافر عنها. بل يمكننا القول بأن العلوم الإنسانية في بلادنا أصبحت تعيش في ظلال النماذج المستمدة من العلوم الطبيعية باعتبارها نماذج بسيطة وواضحة ودقيقة، وأصبح الطموح الخفي للعلوم الإنسانية أن تصبح في بساطة ووضوح ودقة وموضوعية العلوم الطبيعية مما يعني افتراض أن الإنسان ظاهرة طبيعية وأنه جزء لا يتجزأ منها، مما يعني ضمور بل اختفاء الحيز الإنساني (وعلى العكس من هذا نجد أن افتراض انفصال الإنسان عن الطبيعة هو تأكيد للتركيب على حساب البساطة، وللكيف على حساب الكم، وللعمق على حساب الوضوح والدقة) . ومما ساعد على هذا الاتجاه نحو «تطبيع» الظاهرة الإنسانية (أي النظر إليها كما لو كانت ظاهرة طبيعية) اتساع قاعدة المعلومات وما يُسمَّى «ثورة المعلومات» أو "انفجارها". فإذا كان على الأستاذ الجامعي (أو المؤلف) أن يقرأ عشرات الكتب والحوليات ويحضر عشرات المؤتمرات ويشرف على عشرات المشاريع البحثية والرسائل الجامعية، فلابد أن يفضل التعامل مع المسلمات البسيطة الواضحة والدقيقة فمعالجتها أمر سهل، وتقبُّلها أمر حتمي، أما مناقشتها واختبارها فأمر يحتاج جهداً مركباً ووقتاً طويلاً. والخطاب التحليلي لنفس الأستاذ لابد أن يتسم بنفس البساطة والوضوح والدقة، والرسائل التي يناقشها لابد أن تتسم بالخصائص نفسها حتى يتمكن خط التجميع الأكاديمي من أن يستمر في السير وأن تستمر آلة المؤتمرات في الدوران. ولذا فكثيراً ما تُعزَل الفرضية عما حولها حتى يمكن "معالجتها" في رسالة أو كتاب. ويتحول الفكر إلى مجموعة أفكار متراصة، وكأن كل فكرة ليست سوى شيء لا يربطه رابط بالأفكار الأخرى، وكأنها ليست جزءاً من رؤية للكون. إن النموذج الفعال، الذي يُستخدَم أثناء صياغة الفروض في الرسائل الجامعية وفي عملية التأليف، يعيش في ظلال النماذج المستقاه من العلوم الطبيعية، ولذا نجده لا يُفرِّق في كثير من الأحيان بين مناهج البحث في العلوم الطبيعية وفي العلوم الإنسانية، ولا بين الظواهر الطبيعة والظواهر الإنسانية. وحيث إن النموذج الفعال مستبطن بشكل غير واع فإنه لا يُعلن عن نفسه بصراحة إلا في حالات نادرة (وعلى كل، من يجرؤ أن يصرح بالقول بأن الإنسان والشيء لا فرق بينهما؟) إلا أنه مع هذا يتبدَّى من خلال مجموعة من الافتراضات والآراء والاختيارات. فيُلاحَظ على سبيل المثال أن ثمة إيماناً في حقل العلوم الإنسانية بأن هناك معنى واحداً نهائياً صائباً ننجح في الاقتراب منه إن تحلينا بالموضوعية والحياد. ويسود الاعتقاد بأن المعرفة سلسلة مترابطة الحلقات كل حلقة تؤدي إلى التي تليها، ولا يمكن تَخطِّي الحلقات المتجاورة لأن سلسلة المعرفة ـ حسب هذا التصوُّر ـ سلسلة تراكمية صلبة (تماماً كما هو الحال في حقل العلوم الطبيعية) ، ومفهوم السببية الذي يسود فيها هو بنفس الصلابة. وتأخذ عملية التأليف من ثم شكل إضافة معلومات الواحدة للأخرى ومراكمتها، ويصبح التأليف هو إجراء تجارب في إطار النظرية العامة السائدة حتى نزداد اقتراباً من الحقيقة الواحدة (التي تعادل القانون الطبيعي أو الرياضي في العلوم الطبيعية) . ويتبدَّى هذا النموذج الفعال في اقتراحات الرسائل الجامعية في حقل العلوم الإنسانية. أذكر في الماضي (أي حتى أواخر الستينيات) حينما كان طالب الماجستير أو الدكتوراه يسجل موضوع بحثه كان يكتفي باختيار عنوان الموضوع (أي الإشكالية التي سيتناولها الباحث) في سطر أو سطرين، ويُترَك بعد ذلك هو وأستاذه، فالمسألة "بحث" والبحث لابد أن يكون منفتحاً، ولابد أن يؤدي إلى تحولات فكرية. أما الآن مع افتراض إجراء التجربة في إطار النظرية العامة السائدة، ومع افتراض فكرة التراكم المعلوماتي، فإن مشروع الرسالة يصل أحياناً إلى ستين صفحة حيث يذكر الباحث كل ما سيقوله مسبقاً، وكل المراجع بل فصول البحث. ولكن إذا كان "الباحث" يعرف ما سيقول، فلماذا يكتب الرسالة إذن؟ وانطلاقاً من نفس التصور التراكمي والطموح نحو البساطة والوضوح والدقة والموضوعية والإيمان بوجود معنى واحد نهائي صائب (يشبه القانون العام في العلوم الطبيعية) ، أصبح من الأمور الشائعة الآن في حقل الدراسات العليا في العلوم الإنسانية أن يتقدم الطالب باقتراح لكتابة دراسة عن "الفكر التربوي للشيخ محمد عبده"، على سبيل المثال، فيُقال له "إن هذا الموضوع قد دُرس من قبل" وأنه "تمت تغطيته". والافتراض هنا أن الدراسة تغطي موضوعاً (الفكر التربوي للشيخ محمد عبده بشكل عام) ، لا إشكالية أو إشكاليات محددة (علاقة فكر الشيخ محمد عبده التربوي بفكره الديني ـ التناقضات بينهما، إن كان ثمة تناقضات ـ علاقة فكر الشيخ محمد عبده التربوي بفكر من سبقه من المفكرين ومن أتوا بعده ـ علاقة فكره السياسي بفكره التربوي) . وإذا كان موضوع الرسالة هو موضوع بشكل عام (وليس إشكاليات محددة) يرصد بشكل موضوعي براني، فمن المنطقي أن يتحول كاتب الرسالة إلى عامل أرشيف ومن ثم يمكن أن يُقال له: "إن هذا الموضوع قد دُرس من قبل وتمت تغطيته"، بمعنى أن المعلومات الخاصة بهذا الموضوع تم جمعها، تماماً مثلما تُجمَع المعلومات البرانية عن إحدى الكائنات (وهي ـ في واقع الأمر ـ مرحلة دنيا من مراحل الدراسة في العلوم الطبيعية، لابد أن تعقبها مرحلة ربط المعلومات بعضها ببعض ثم التعميم منها، وهي عمليات عقلية تتطلب قدراً عالياً من الخيال والمقدرة على التجريد) . هذا الموقف يستبعد بطبيعة الحال الذات المركبة المُدركة المتفاعلة مع الموضوع التي تصوغ الإشكالية المحددة ويستبعد فكرة أن التساؤلات التي يطرحها باحث ما في العلوم الإنسانية، يحمل أعباءه النفسية والفلسفية الخاصة، لابد أن تكون مختلفة عن تلك التي يثيرها باحث آخر يحمل أعباء نفسية وفلسفية أخرى، وأن اختلاف التساؤلات لابد أن يؤدي إلى اختلاف النتائج. كما يعني هذا الموقف تجاه البحث والتأليف إنكار إمكانية التحولات الفكرية أثناء عملية البحث بسبب تركيبية الإنسان وتركيبية الظاهرة. ولذا انتهى الأمر بأن أصبحت عملية البحث والتأليف في العلوم الإنسانية هي مجرد إجراء تجارب في إطار النظرية والفروض العامة السائدة، وظهر ولع غير طبيعي بالأرقام والإحصاءات والجداول والرسوم البيانية، وأصبح الاستبيان سبيل الوصول إلى الدقة المزعومة والتوصل إلى الحقيقة الواحدة. وفي نهاية الأمر أصبح التأليف، عند الكثيرين، هو التوثيق: توثيق شيء معروف مسبقاً أو تطبيق لنظرية (ثبت صدقها تماماً) على جزئية ما دون أن تثمر عملية التطبيق الجديدة أي تعديل للنظرية أو اكتشاف للمنحى الخاص للظواهر موضع الدراسة، وهو ما أسميه التوثيق الأفقي: أن يأخذ الباحث مقولة معروفة مستقرة ويوثقها من كتب أخرى دون إبداع أو تساؤل، كأن يثبت الباحث بما لا يقبل الشك أن الصهيونية حركة عنصرية، وأن الرومانتيكية عودة للطبيعة والعواطف، وأن مصر هبة النيل، وأن حافظ إبراهيم شاعر الوطنية! وقد أصبح كثير من البحوث الأكاديمية التي يُقال لها «علمية» ، والتي يتقدم أصحابها من أساتذة الجامعة للترقية، ويحصلون عليها في معظم الأحيان، ليست إلا إعادة ترتيب لبعض الحقائق التي وردت في دراسات سابقة أو ربما اكتشاف حقيقة جديدة لا علاقة لها بنموذج أو نمط (وكأن الباحث مُخبر أو شرلوك هولمز) ، بحيث أصبح البحث العلمي مثل الكائن الطفيلي الذي يعيش على البحوث المنشورة أو مثل الطائر الجارح الذي ينقض على فريسته إن غفل الآخرون عنها. وأصبحت معايير الترقية مسألة كمية مثل: عدد المراجع ـ تاريخ نشرها ـ عدد اللغات التي كُتب بها ـ هل هي من آخر المراجع ... إلخ، وهي كلها تنم عن أن كثيراً من أساتذة الجامعة (من المتقدمين للترقيات وممن يقومون بمنحها) يدورون في هذا الإطار العقيم. وأصبحت الرسائل الجامعية دراسات في موضوعات عامة مثل "تاريخ ليبيا في النصف الأول من القرن العشرين" أو "المدرسة الطبيعية في الأدبين الإنجليزي والفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر". وتصبح القضية لبحث الطالب عن موضوع "لم يكتب عنه أحد من قبل". وحينما يختار "الموضوع" يقف الطالب مدهوشاً في حيرة من أمره لا يدري ماذا يفعل وأين يبدأ وأين ينتهي. ولكن عادةً ما يتم التغلب على هذه الحيرة عن طريق صيغة نمطية محددة: تحديد عدد الصفحات ـ كتابة فصل عن حياة الكاتب ـ فصل آخر عن خلفيته ـ فصل ثالث عن أفكاره ـ فصل رابع عن أعماله الأولى ـ فصل خامس عن أعماله في شبابه، وهكذا. وتبدأ الآلة في الدوران وفي مراكمة المعلومات ولا تتوقف إلا حينما يشعر الأستاذ أن الدارس قد أُنهك بما فيه الكفاية وجمع من المعلومات الكثير. ولابد أن تأتي الإشارة من الأستاذ لأن مثل هذه الدراسة لا يمكن أن تكون لها نهاية، فهي ليست لها بداية بسبب افتقار الإشكالية وعدم وجود أسئلة محددة. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة مناقشة الرسالة والتي لا تختلف عادةً في منهجها عن المنهج المتبع في كتابتها (وذاك الشبل من ذاك الأسد) ،فالمناقشات تدور في الغالب حول حصر آخر المراجع وآخر المعلومات وكم المعلومات. و"النقد الموضوعي" يأخذ شكل نقد معلوماتي كميّ، إذ يُحصي الأستاذ المناقش الأخطاء المطبعية والمعلوماتية التي وقع فيها الكاتب والمَرَاجع التي لم يَطلِّع عليها، أما وجود أو غياب الإشكالية، أما العملية الإبداعية الأساسية، عملية التفكيك والتركيب، فهذه أمور تُترَك وشأنها وكأنها أمر ثانوي لا أهمية له. وغني عن القول أن مناهجنا التعليمية تَصدُر عن فلسفة تراكمية ذرية مماثلة فكتبنا الدراسية تركز على المعلومات وكمها، لا على طريقة تصنيفها والربط بينها والتعميم منها وتفسيرها ونقدها، والهدف من العملية التربوية هو تلقين الطالب حشداً هائلاً من المعلومات (معلومة بجوار معلومة، درساً بعد درس) فيبرز متوسطو الذكاء الذين لا يتمتعون إلا بموهبة الحفظ والتكرار والاجترار، وتفقد الأجيال مقدرتها على التفسير والإبداع والنقد. ويصل النظام التربوي إلى قمته أو هوته في ظاهرة الدروس الخصوصية، حيث تصبح الكفاءة الأساسية هي الكفاءة في تلقِّي الحقائق البسيطة الواضحة الدقيقة. وعلى مستوى الجامعة يقوم الأستاذ بإملاء محاضراته فيدوِّنها الطلبة بكفاءة عالية، ثم تتطور الأمور فيطبع الأساتذة محاضراتهم فيما يُسمَّى «المذكرات الجامعية» فيقوم الطلبة بحفظها ويقوم الأساتذة بجَمْع "فائض القيمة". وتدور العملية التربوية بأسرها حول الامتحانات: أي كفاءة تلقِّي الحقائق البسيطة الواضحة الدقيقة وكفاءة كتابتها في بساطة ووضوح ودقة في ورقة الامتحانات في أسرع وقت! وتدريجياً تصبح القضية التربوية الأساسية هي الأرباح التي يتقاضاها المدرسون عن دروسهم الخصوصية والأساتذة عن مذكراتهم الجامعية. ويطالب بعض "المصلحين" بضرب هذه العملية الاستغلالية عن طريق تنظيم مجموعات في المدارس وعن طريق دعم الكتاب الجامعي، ويسقط الجميع في الموضوعية المتلقية حيث يصبح المعلم شيئاً مسيطراً ويصبح الطالب شيئاً مذعناً، ويتحرك الجميع داخل إطار جامد لا يؤدي إلى أية تحولات فكرية أو إثراء فكري أو معرفة جديدة، فما يُعرَف هو عادةً مجموعة من الحقائق المتناثرة (البسيطة الواضحة الدقيقة) التي ينساها الطالب بعد الامتحان ويصبح عقله مرة أخرى صفحة بيضاء من غير سوء، ويضمر الإبداع وتضيع الحقيقة. ولحسن الحظ فإن كثيراً من الباحثين الأذكياء يفلتون من قبضة هذه النماذج، ولكن هناك العديد أيضاً ممن يسقطون صرعى لها، فيسقطون الإبداع والخيال والمقدرة على التفكيك والتركيب ويراكمون المعلومات بشكل موضوعي متلق، محايد بارد. وترتبط هذه القضية ارتباطاً وثيقاً بمشكلة الموضوعية والذاتية في العلوم الإنسانية. الموضوع «الموضوع» بالإنجليزية «أوبجيكت object» من الفعل اللاتيني «أوبجيكتاري objcetare» ، ومعناه «يُعارض» أو «يُلقي أمام» ، المشتق من فعل «جاكري jacere» بمعنى «يلقي بـ» ، و «أوب ob» بمعنى «ضد» . و «الموضوع» هو الشيء الموجود في العالم الخارجي وكل ما يُدرَك بالحس ويخضع للتجربة وله خارجيته وشيئيته، وكل ما هو مستقل عن الإرادة ويوجد خارج الوعي الإنساني مستقلاً عن رغائبنا وآرائنا. والموضوع ينطوي على طبيعته وحقيقته، ووجوده ليس رهناً بمعرفته ولا بتسميته. وعادةً ما يجري تصوُّر الموضوع على أنه ثابت مستقر. ويمكن القول بأن «الموضوع» في الفلسفات التي يمكن تصنيفها على أنها «موضوعية» هو الركيزة الأساسية للعالم، وهو المطلق الموجود بذاته، وهو الكل المركب المتجاوز للأجزاء، فليس له سبب متقدم عليه ولا فاعل ولا صورة ولا مادة ولا غاية فهو بمقام المحرك الأول. ويرى البعض أن الذات هي التي تضفي الحقيقة على الموضوع. وعند بعض المفكرين المحدثين، الموضوع هو الفعل وعند الآخرين هو نتائج وآثار الفعل. وتُستخدَم كلمة «موضوع» للإشارة إلى أي شيء نتحدث عنه وإلى المادة التي يَبني عليها المتكلم أو الكاتب كلامه وإلى مادة البحث، فنقول مثلاً: "موضوع هذا البحث هو كذا". وموضوع العلم هو معطياته ومادته وظواهره وحقائقه. وموضوع القضية (بالإنجليزية: سابجيكت subject) يقابل المحمول (بالإنجليزية: بردكيت predicate) ، فهو الذي يُتحدَث عنه ويُحكَم عليه في أي قضية إما إثباتاً أو نفياً. ونحن نذهب إلى أن الفلسفات العلمانية الشاملة تفترض الطبيعة/المادة كنقطة مرجعية نهائية وكركيزة أساسية، فهو الموضوع النهائي الذي يستوعب كل شيء بما في ذلك الذات الإنسانية. وتشير كلمة «موضوع» في هذه الموسوعة إلى هذا المطلق باعتباره الموضوع النهائي المتجاوز، كما تشير أيضاً إلى أية مجردات ومطلقات مادية لا إنسانية هي في جوهرها تنويع على الطبيعة/المادة ومرجعيتها النهائية واحدية مادية. وهذه المطلقات المادية تتجاوز الإنسان ولا يتجاوزها وتستوعب الإنسان ولا يستوعبها. ونشير إليها أحياناً بتعبير «المطلق العلماني» ، فهي مرجعية ذاتها (الدولة القومية ـ السوق/المصنع ـ الدافع الاقتصادي ـ المنفعة ـ اللذة ـ حتمية التاريخ (. كما نذهب إلى أن المنظومات الحلولية الكمونية، حيث يكون المركز كامناً حالاً في المادة، تنطوي على صراع حاد بين الذات والموضوع، فتتمركز الذات حول نفسها باعتبار أنها هي المركز ولكنها تفقد حدودها وتجد نفسها متمركزة حول الموضوع مذعنة له. الذات «الذات» بالإنجليزية «سابجيكت subject» عن نفس أصل كلمة «أوبجيكت object» ، وهما من فعل «جاكري jacere» بمعنى «يُلقي» . ولكن، بدلاً من «أوب ob» والتي تعني «فوق» التي تضاف لكلمة «أوبجيكت object» ، يضاف مقطع «سب sub» بمعنى «تحت» أو «مع» . والأصل الإنجليزي يشير إلى حالة الاستقطاب بين الموضوعي والذاتي. والذاتي هو ما يُنسَب إلى الذات، أي ما يتصل بها أو يخضع لها: 1 ـ ذات الشيء هي جوهره وهويته وشخصيته. والذات هي حقيقة الموجود ومقوماته. ويقابله «العَرَض» ، أي التبدلات الظاهرة على سطح الأشياء. والذات ثابتة أما الأعراض فمتبدلة. 2 ـ ما به الشعور والتفكير، فتقف الذات على الواقع وتتقبل الرغبات والمطالب وتُوجِد الصور الذهنية وتُقابِل العالم الخارجي (غير موضوعي) الذي يقع خارج نطاق الوعي. 3 ـ العقل أو الأنا أو الفاعل الإنساني المفكر وصاحب الإرادة الحرة أو الكيان الذي يتصف بصفات محدَّدة (الموضوع هو المفعول به (. 4 ـ العقل الديكارتي أو الكانطي الذي يُدرَك العالم الخارجي من خلال مقولاته. 5 ـ صانع التاريخ كفرد أو طبقة (باعتبار أن التاريخ هو الموضوع (. ونحن نشير في هذه الموسوعة إلى الذات باعتبارها الذات الإنسانية الحرة الفاعلة المسئولة. وفي إطار المنظومة العلمانية العقلانية المادية، يمكن القول بأن الذات الإنسانية ذات طبيعية مادية ليس لها أصول ربانية. ومع أنها لا توجد إلا في الزمان والمكان، فإنها تصر على أنها مركز الكون وأنها ستحقق تجاوزاً لقوانين الطبيعة. ولكنها، لأنها ذات طبيعية، تفقد حدودها وتتفكك ويهيمن الموضوع النهائي على الطبيعة/المادة، وبذا يؤدي التمركز حول الذات (الإنسانية) داخل المنظومة المادية إلى التمركز حول الموضوع (الطبيعة/المادة) وتحل الموضوعية المادية محل الواحدية الذاتية الإنسانية. إشكالية الموضوعية والذاتية «الموضوعية» مصدر صناعي من كلمة «موضوع» . والموضوعية هي إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوهها نظرة ضيقة أو أهواء أو ميول أو مصالح أو تحيزات أو حب أو كره. ولذا، فإن وُصف شخص بأن "تفكيره موضوعي"، فإن هذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه تستند إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل وبعد معرفة كل الملابسات والظروف والمكونات. والموضوعية هي الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجوداً مادياً خارجياً في الواقع، وبأن الحقائق يجب أن تظل مستقلة عن قائليها ومدركيها، وبأن ثمة حقائق عامة يمكن التأكد من صدقها أو كذبها، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المُدركة) إدراكاً كاملاً، وأن بوسعه أن يحيط بها بشكل شامل، هذا إن واجه الواقع بدون فرضيات فلسفية أو أهواء مسبقة، فهو بهذه الطريقة يستطيع أن يصل إلى تَصوُّر موضوعي دقيق للواقع يكاد يكون فوتوغرافياً. وكلمة «الذاتي» تعني «الفردي» ، أي ما يخص شخصاً واحداً، فإن وُصف شخص بأن "تفكيره ذاتي" فهذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على شعوره وذوقه. ويُطلَق لفظ «ذاتي» توسعاً على ما كان مصدره الفكر لا الواقع، ومنه الأحكام الذاتية (مقابل الأحكام الموضوعية) وهي الأحكام التي تعبِّر عن وجهة نظر صاحبها وشعوره وذوقه. فمعرفتنا بالواقع محدودة تماماً عن طريق خبرتنا الذاتية الخاصة وتجربتنا الفريدة ووعينا وإدراكنا. و «الذاتي» في الميتافيزيقا هو رد كل وجود إلى الذات، والاعتداد بالفكر وحده. أما «الموضوعي» ، فهو رد كل الوجود إلى الموضوع، المبدأ الواحد المتجاوز للذات. أما في نظرية المعرفة، فإن «الذاتية» تعني أن التفرقة بين الحقيقة والوهم لا تقوم على أساس موضوعي، فهي مجرد اعتبارات ذاتية، وليس ثمة حقيقة مطلقة، أما «الموضوعية» فترى إمكانية التفرقة. وفي عالم الأخلاق، تذهب الذاتية إلى أن مقياس الخير والشر إنما يقوم على اعتبارات شخصية إذ لا تُوجَد معيارية متجاوزة، أما الموضوعية فترى إمكانية التوصل إلى معيارية. وفي عالم الجمال، تذهب الذاتية إلى أن الأحكام الجمالية مسألة ذوق، أما الموضوعية فتحاول أن تصل إلى قواعد عامة يمكن عن طريقها التمييز بين الجميل والقبيح. ورغم أن هذه التعريفات تبدو سلسة وبسيطة، ورغم أن التعارض بين الذاتي والموضوعي سلس وواضح، فإن ثمة مفاهيم معرفية كلية نهائية متضمَنة غير واضحة تجيب على الأسئلة الكلية النهائية (ما الإنسان؟ ما العناصر المكونة له؟ ما علاقة عقله بالواقع؟ ما الهدف من وجوده؟ أيهما يسبق وجوده وجود الآخر ـ الإنسان أم الطبيعة؟) . وسنلاحظ ابتداءً أن هناك أشكالاً كثيرة من الموضوعية (تماماً كما أن هناك أشكالاً كثيرة من العقلانية) ، ولكن المرجعيات عادةً غير واضحة. فإذا قلنا "فلنكن موضوعيين" أو "فلنُحكِّم العقل" ولم نزد، فنحن نقول في واقع الأمر "فلنكن موضوعيين ولنُحكِّم العقل في إطار المنظومة المعرفية السائدة التي تسبق كلاًّ من الموضوع والعقل". وفي العصر الحديث، نجد أن المنظومة المهيمنة هي المنظومة المادية ونموذج الطبيعة/ المادة حيث لا فرق بين الطبيعة والإنسان. ولذا، فإن عبارة بريئة مثل «فلنكن موضوعيين» تعني في واقع الأمر «فلنتجرد من عواطفنا وذكرياتنا ومنظوماتنا الأخلاقية وتراثنا ولنرصد الواقع الإنساني والطبيعي كما هو» ، أي أن كلمة «موضوعية» بشكل مجرد تعني عادةً «الموضوعية المادية» أو «المتلقية» (تماماً كما أن كلمة «عقل» بشكل مجرد تعني «العقل المادي» ) . وبهذا المعنى، فإن الموضوعية هي، في واقع الأمر، العقلانية المادية في مرحلة التمركز حول الموضوع (لا التمركز حول الذات) . وأنها نتاج الرؤية المتمركزة حول الطبيعة/المادة، وعادةً ما تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة في الطبيعة/المادة (على عكس الذاتية، فهي نتاج الرؤية المتمركزة حول الذات والإنسان، وعادةً ما تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة في الذات) . ويمكن تلخيص الأبعاد الكلية والنهائية (المعرفية) للموضوعية (المادية) بأنها الإيمان بأن العالم (الإنسان والطبيعة) كل متجانس مكتف بذاته. وتبدأ المتتالية النماذجية للموضوعية المادية (شأنها شأن أية منظومة حلولية كمونية مادية) بمرحلة إنسانية ذاتية (واحدية ذاتية ـ تَمركُز حول الذات) . ومع تحقُّق المتتالية وبعد مرحلة قصيرة من الثنائية الصلبة تصبح الطبيعة/المادة هي المركز وتهيمن الواحدية الموضوعية المادية (التمركز حول الموضوع) وهذا يعني في واقع الأمر استبعاد الإنسان كعنصر فاعل وتحويله إلى عنصر سلبي متلق، والطبيعة نفسها تتحول إلى كيان بسيط منبسط مُسطَّح يستوعب هذا الإنسان، أي أن ثنائية الإنسان والطبيعة الفضفاضة يتم القضاء عليها لصالح الطبيعة وتسود الواحدية المادية. وتتبدَّى هذه الأبعاد التفكيكية للموضوعية (المادية) في موقفها من القضايا التالية: 1 ـ عقل الإنسان: أ) العقل السليم من منظور الرؤية الموضوعية (المادية) إن هو إلا صفحة بيضاء أو سطح شمعي (باللاتينية: تابيولا رازا tabula rasa) ، وهو ما يعني أنه مادة محضة، فهو دماغ أو مخ أكثر منه عقلاً (فالعقل مفهوم فلسفي وليس مجرد وجود فسيولوجي) . ب) العقل سلبي بسيط محايد، فهو كالآلة تنطبع عليه المعطيات والمدركات الحسية وتتراكم. جـ) عقل الإنسان لا متناه في قدرته الاستيعابية والامتصاصية والتسجيلية. د) العقل السليم يسجل ويمتص ويرصد بحياد شديد دون أن يُشوِّه أو يغيِّر أو يُعدِّل ما يصله من معطيات حسية وحقائق صلبة. هـ) هذا العقل جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة، أي أن الحيز الإنساني ليس له وجود مستقل، ولهذا السبب تسري على عقل الإنسان القوانين المادية العامة التي تسري على الأشياء، فهو لا يتمتع بأي استقلال عنها ومن ثم فلا هوية له ولا شخصية ولا حدود (حدوده تتطابق تماماً مع حدود الطبيعة/المادة) ، وهو مثل الطبيعة يتحرك في إطار القانون المادي العام ويرى العالم في إطار التشابه والتجانس. وهذا هو المعنى الحقيقي للقول بأن ثمة تقابلاً بين قوانين العقل وقوانين الواقع، وبين الذات والموضوع. و) ولهذا السبب نفسه، فإن العقل قادر على التعامل مع العالم الموضوعي الخارجي، أي العالم المحسوس، بكفاءة بالغة، أما حينما يتعامل مع عالم الإنسان الداخلي، فهو أقل كفاءة. 2 ـ الواقع: أ) الواقع الموضوعي (الطبيعة) واقع خام بسيط (يأخذ في أغلب الأحوال شكل ذرات متحركة) ، وهو مجموعة من الحقائق الصلبة والوقائع المحددة (التي تنطبع على العقل) . ب) ثمة قانون طبيعي واحد يسري على الظواهر الطبيعية وعلى الظواهر الإنسانية، وعلى جسد الإنسان وعقله، وعلى الأمور المادية والمعنوية. وهذا يعني أيضاً أن تُعامَل الظاهرة الإنسانية تماماً مثلما تُعامَل الظواهر الطبيعية، وتُزال الفروق بين الإنسان والطبيعة بحيث يتحول الإنساني إلى طبيعي، أي أن الموضوعية تَصدُر عن الإيمان بوحدة (أي واحدية) العلوم بحيث يصبح الإنسان موضوعاً لا يختلف عن الموضوع الطبيعي، يُوصَف ويُرصَد من الخارج وتُستخدَم مناهج العلوم الطبيعية لدراسته. جـ) الحقائق، لهذا السبب، عقلية وحسية (فالعقل جزء من الطبيعة) وقابلة لأن تُعرَف من جميع جوانبها، والموجود هو ما نحسه ونعقله وما وراء ذلك فأوهام. المعرفة، إذن، عقلية وحسية فقط (ولكن العقلي والحسي متقابلان فهما شيء واحد) . د) أجزاء الواقع الموضوعي تترابط من تلقاء نفسها حسب قوانين الترابط الطبيعية/المادية العامة، وحسب حلقات السببية الواضحة المطلقة، وبشكل صلب لا تتخلله ثغرات أو فجوات، فكل شيء يدخل شبكة السببية الصلبة ومن ثم يمكن رد كل الأجزاء المتعينة المتفردة إلى الكل العام المجرد. هـ) هذه السببية كامنة في الأشياء أو لصيقة بها تماماً. 3 ـ الإدراك: أ) عملية الإدراك تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة، ولذا فهي عملية اتصال بسيطة مباشرة (جسدية مادية؟) بين صفحة العقل البيضاء والواقع البسيط الخام (منبه فاستجابة) ، وهي عملية محكومة مسبقاً بقوانين الطبيعة/المادة، تلك القوانين التي تسري على الإنسان سريانها على الأشياء. ب) وهي عملية تلقٍ موضوعية مادية تراكمية (ذرية) إذ يقوم العقل بتلقي الحقائق الصلبة والوقائع المحددة المتناثرة التي تأتي من الواقع الموضوع الطبيعي/المادي الذي يتراكم فوق عقل الإنسان. جـ) وبإمكان هذا العقل أن يقوم بعمليات تجريبية، أي أن يختار عناصر من الواقع ويستبعد عناصر أخرى ثم يربطها ببعضها البعض. ولكنه، حتى في نشاطه هذا، لا يمكنه أن يكون مستقلاً عن قوانين الطبيعة/المادة. ولذا، سيختار العقل (بشكل تلقائي أو آلي) الجوانب العامة والمشتركة والمتشابهة في الظواهر (فهي وحدها المحسوسة والقابلة للقياس والنظر العقلي) وهي التي تساعد على التوصل إلى القانون العام. د) ونحن حين نقول «العقل يربط» فهذا من قبيل التجاوز. فالأشياء ـ كما أسلفنا ـ مرتبطة في الواقع برباط السببية الواضح. والواقع والمعطيات الحسية ترتبط في عقل الإنسان من تلقاء نفسها، بشكل آلي، حسب قوانين الترابط المادية الألية العامة. إذ تترابط الأحاسيس الجزئية وتتحوَّل إلى أفكار بسيطة، ثم تترابط الأفكار البسيطة لتتحوَّل إلى أفكار مركبة تترابط بدورها لتصبح أفكاراً أكثر تركيباً، وهكذا حتى نصل إلى الأفكار الكلية. هـ) عملية الإدراك عملية عامة لا تتأثر بالزمان والمكان أو بموقع المدرك من الظاهرة. و) العقل قادر على زيادة التجريد إلى أن يصل إلى القوانين العامة للحركة ويصوغ هذه القوانين في لغة بسيطة عامة يُستحسن أن تكون لغة الجبر، حتى لا تختلف لغة الإفصاح من مدرك لآخر. 4 ـ بعض نتائج الموضوعية) المادية: ( تُلغي الموضوعية (المادية) كل الثنائيات، وخصوصاً ثنائية الإنسان والطبيعة، وتُرجِّح المرجعية الكامنة الموضوعية على المرجعية الكامنة الذاتية: أ) تدور الموضوعية (المادية) في إطار الواحدية السببية (المرتبطة تمام الارتباط بوحدة [أي واحدية] العلوم) ، فثمة سبب واحد أو عدة أسباب لتفسير كل الظواهر. ب) ثمة إيمان بضرورة الوصول إلى درجة عالية من اليقينية وشمولية التفسير تتفق مع الواحدية السببية. جـ) تنقل الموضوعية (المادية) مركز الإدارك من العقل الإنساني إلى الشيء نفسه، ولذا فإن هناك اتجاهاً دائماً نحو تأكيد الحتميات الموضوعية المادية المختلفة. د) تستبعد النماذج الموضوعية (المادية) الإنسان كعامل قادر على تَجاوُز المعطيات المادية حوله، بل ترده في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير لهذه المعطيات. هـ) الموضوعية (المادية) لا تعترف بالخصوصية، ومنها الخصوصية الإنسانية، فهي تُركِّز على العام والمشترك بين الإنسان والطبيعة، ولذا فإن الفكر الموضوعي يُعبِّر عن نفور عميق من الهوية والخصوصية. و) لا تعترف الموضوعية (المادية) بالغائيات الإنسانية ولا بالقصد، فالغائيات لا يمكن دراستها أو قياسها، كما أنها مقصورة على الإنسان دون عالم الطبيعة، ولذا تستبعد الموضوعية فكرة المعنى. ز) لا تعترف الموضوعية (المادية) بالإبهام، فهي تُفضِّل الدقة الكمية التي يمكن استخدامها في دراسة كلٍّ من الإنسان والطبيعة، ولذا فهي تستبعد، بقدر الإمكان، عناصر الإبهام وعدم التحدد في الطبيعة والإنسان. ح) تفضل الموضوعية (المادية) البراني (فهذا هو المشترك بين الإنسان والحيوان) وتهمل الجواني. ط) دوافع الإنسان بسيطة واضحة برانية مستمدة إما من البيئة الاجتماعية أو من العناصر الوراثية، وهي دوافع يمكن رصدها ببساطة. ي) المعرفة نتاج تراكم براني للمعلومات. ك) يمكن تفسير سلوك الإنسان وأفكاره في إطار التأثير والتأثر (البراني) لا التوليد أو الإبداع (الجواني) . ل) تفضل الموضوعية الاستمرار (استمرار عالم الطبيعة والإنسان كعنصر أساسي في وحدة العلوم) وترفض الانقطاع (أي تَميُّز الإنسان عن الطبيعة) ، أو تنظر له بكثير من الشك. م) الالتزام بالموضوعية (المادية) يعني أن يتجرد الباحث من ذاتيته وخصوصيته الحضارية بل الإنسانية، ومن عواطفه وحواسه وحسه الخلقي وكليته الإنسانية، بحيث يمكنه أن يُسجِّل ويصف بحياد شديد لدرجة تموت معها الأشياء، ويتشيأ الإنسان ويُرصَد من الخارج كما تُرصَد الأشياء. فالالتزام يُعبِّر عن موقف مسبق قد يؤثر في الرؤية الموضوعية، كما أنه يفترض غائية إنسانية لا أساس لها في الطبيعة/المادة. 5 ـ الموضوعية (المادية) والنموذج التراكمي: النموذج الكامن في الرؤية الموضوعية (المادية) نموذج تراكمي: أ) فثمة إيمان بأن كل المشتركين في العلوم (إن توافرت لهم الظروف الموضوعية) يفكرون بنفس الطريقة ويسألون نفس الأسئلة، وهذا يعني أن ثمة حقيقة موضوعية ثابتة واحدة نحاول الوصول إليها جميعاً وبنفس الطريقة، وهو ما يؤدي إلى تراكم الإجابات وتشابكها على مستوى الجنس البشري بأسره، وهذا التراكم والتشابك سيؤدي إلى تزايد رقعة المعلوم تدريجياً ويؤدي بالتالي إلى تَقلُّص رقعة المجهول. ب) عملية التراكم ستوصلنا إلى نموذج النماذج، القانون العام، الإجابة الكلية (النهائية) ، فما هو مجهول في الطبيعة (المادية والبشرية) هو أمر مؤقت، إذ سيصبح من خلال تراكم المعلومات معلوماً، وتتراجع رقعة المجهول، وسيؤدي تزايد رقعة المعلوم والتراكم المعرفي المستمر إلى سد كل الثغرات والتحكم الكامل أو شبه الكامل وإلى معرفة الطبيعة البشرية المادية معرفة كاملة أو شبه كاملة بحيث تصبح كل الأمور (إنسانية كانت أم طبيعية) أموراً نسبية مادية معروفة ومحسوبة ومبرمجة، ويصبح العالم مادة استعمالية لا قداسة لها. جـ) يُحكَم على المعرفة من منظور مدى قُربها أو بُعدها من النقطة النهائية الواحدية التي يتحقق فيها القانون العام وتتطابق الكليات مع الجزئيات. د) هدف الإنسان من الكون هو عملية التراكم والتحكم هذه، وهدف العلم هو السيطرة على الأرض وهزيمة الطبيعة وتسخير مواردها وتحقيق الهيمنة الكاملة للإنسان على الطبيعة. ولتحقيق هذا، لابد من إدخال كل الأشياء (الإنسان والطبيعة) في شبكة السببية الصلبة والمطلقة حتى يتم شرحها وإخضاعها للقوانين الطبيعية. ويعني تزايد الدراسة الموضوعية تزايُّد التحكم وصولاً إلى الفردوس الأرضي ونهاية التاريخ أو على الأقل إلى النظام العالمي الجديد. هـ) العقل قادر على إعادة صياغة الإنسان وبيئته المادية والاجتماعية في ضوء ما تراكم عنده من معرفة وبما يتفق مع القوانين الطبيعية العامة التي أدركها الإنسان من خلال دراسته الموضوعية لعالم الطبيعة والأشياء (وهذا ما يسمى عملية الترشيد، أي تنميط الواقع من خلال فرض الواحدية المادية عليه حتى يمكن التحكم الكامل فيه ثم حوسلته، أي تحويله إلى وسيلة ومادة استعمالية يمكن توظيفها بكفاءة عالية كما يمكن تعظيم فائدتها (. ويُلاحَظ أن ثمة استقطاباً حاداً في كل المنظومات الحلولية الكمونية المادية. يتضح هذا في الاستقطاب بين الموضوعية (في تأليهها للكون وإنكارها للذات) والذاتية (في إنكارها للكون وتأليهها للذات) . فالموضوعية تَفترض أن الواقع معقول وأنه مكمن الحقيقة وأنه يمكن معرفته وتفسيره في ضوء القوانين العامة التي يستخلصها الإنسان من خلال إذعان الذات للموضوع. أما الذاتية فترى أن الواقع غير موجود أو لا يمكن الوصول إليه ولا يمكن إدراكه أو تفسيره ولا يمكن التوصل إلى أية قوانين أو حقائق عامة، ومن ثم تصبح علاقة الذات بالموضوع واهية، وقد تختفي تماماً. وقد واجه الفلاسفة مشكلة الاستقطاب الحاد بين الذات والموضوع (الواحدية الذاتية والواحدية الموضوعية) ، وطُرحت القضية التالية: هل الذات قادرة على معرفة الموضوعات، أم أن الموضوعات برانية بحيث لا يمكن الوصول إليها؟ وهل الذات هي مقياس حقيقة الأشياء (أي معقوليتها) أم أن الموضوع يحتوي نظامه (ومعقوليته) دون ارتباطه بالذات الإنسانية؟ وقد حاول كثير من فلاسفة القرن العشرين حل إشكالية ثنائية الذات والموضوع عن طريق إلغائها تماماً، فقالوا بعدم انفصال الذات عن الموضوع، فالموضوع ليس شيئاً مستقلاً عن الإرادة البشرية وإنما هو الفعل الناجم عن ممارسة القوة (فلسفات القوة) . وقال البعض الآخر إن الفعل ليس هو في ذاته ولكنه نتائج وآثار الفعل (الفلسفة البرجماتية) . والأمر عند فريق ثالث لا هذا ولا ذاك وإنما هو ما يتجه نحوه الوعي (الفلسفة الفينومينولوجية) . ومن ثم، فإن الذات لا وجود لها خارج الموضوع، وهي تستمد وجودها من تقابلها معه. ولكن، ورغم الاستقطاب الشديد، فإن ثمة نقط تشابه بين الذاتية والموضوعية، فكلاهما يدور في إطار الحلولية الكمونية التي تفترض وجود مركز الكون داخله (الذات أو الموضوع) ، ومن ثم فإن كليهما واحدي يُلغي المسافة وإمكانية التجاوز. وتؤكد الموضوعية (المادية) أن الأشياء المحسوسة مادية ولها وجود موضوعي. ولكن هل العلاقة بين هذه الأشياء المحسوسة علاقة مادية وموضوعية تماماً أم أن رصدها يتطلب إجراء عمليات عقلية (ذاتية) تختلف من شخص لآخر؟ وجوهر الموضوعية هو الاستقراء، أي التعميم من عدد من الحالات الموضوعية، ولكن يمكننا أن نسأل: كيف يَحق للإنسان أن ينتقل من عدد من الظواهر الفردية إلى كل الظواهر التي تندرج تحت هذا النوع في الماضي (الذي لم يرصده الإنسان) والحاضر (الذي رصد بعض حالاته) والمستقبل (المجهول تماماً) ؟ ألا يشكل هذا الانتقال شكلاً من أشكال الإيمان بالثبات؟ وإذا كانت الحواس الفردية للإنسان مصدر المعرفة، فهل هي مصدر يمكن الاعتماد عليه؟ كل هذا يُبيِّن أن الحديث عن معارف كلية يقينية (نتوصل إليها من خلال عمليات الربط والتعميم) أمر يتنافى مع الموضوعية، وأن أي حديث عن معرفة نتوصل إليها من خلال الحواس يفتقد إلى المصداقية، ولذا تنحل الموضوعية في اتساقها مع نفسها وتسقط في ذاتية كاملة إذ أن كل واحد فينا (حسب الرؤية الموضوعية المادية نفسها) حبيس حواسه وحبيس التفاصيل التي يرصدها. ويمكن أن تحل الموضوعية (المادية) هذه الإشكالية بأن تُضيِّق نطاقها بقدر المستطاع فتقتصر وظيفتها على تعريف الظواهر ووصفها واكتشاف قوانينها (المادية) وترتيب القوانين من الخاص إلى العام، وتحل الملاحظة محل الخيال والتأمل والاستدلال النظري، وتقوم التجربة المادية مقام التصورات والافتراضات. ثم تضيق الحلقة وتصبح الموضوعية (المادية) هي تسجيل التفاصيل والحقائق المتناثرة. وفي هذه الحالة، تصبح الموضوعية موضوعية متلقية سلبية لا تستطيع التمييز بين مختلف المعطيات الحسية والمعطيات العقلية. ويصبح الرصد الموضوعي رصداً لأمور غير مهمة وربما تافهة ولكنها، مع هذا، "موجودة" موضوعياً ومادياً في الواقع. ويمكن أن يكون الرصد أفقياً بمعنى أن تُوضَع كل التفاصيل جنباً إلى جنب دون ربط أو ترتيب هرمي. كما يمكن أن تصبح الموضوعية (المادية) احتمالية تماماً، تضع الحقائق والتعليمات دون أن تَنسب لها أي ثبات. ولهذا يجب ألا يُطرَح السؤال على هذا النحو: هل الحقائق موجودة بالفعل أم لا؟ وإنما يجب أن يُطرَح بهذه الطريقة: ما دلالة الحقائق ومعناها وأهميتها؟ وهل تستحق التسجيل أم لا؟ فإن قلنا مثلاً إن الأساتذة الجامعيين يلبسون بذلاً زرقاء أما غيرهم فيلبسون بذلاً خضراء، فهل يصلح هذا أساساً لتصنيف أساتذة الجامعة؟ إن أساس اختيار الحقائق أكثر أهمية ودلالة من الحقائق في ذاتها. وكم المعلومات (مهما تضخَّم) لا علاقة له بالصدق أو الدلالة، فالصدق والكذب ليسا كامنين في الحقائق الموضوعية (أي من حيث هي كذلك) وإنما في طريقة تناولها وفي القرار الخاص باختيارها أو استبعادها. ومن هنا قولي بأن الحقائق شيء والحقيقة شيء آخر والحق شيء ثالث. فالحقائق أشياء مادية صرفة تُوجَد في الواقع على هيئة تفاصيل متناثرة منعزلة عن ماضيها التاريخي وسياقها الحاضر وعن الحقائق الأخرى، أما الحقيقة فهي لا توجد في الواقع وإنما يقوم العقل المبدع بتجريدها واستخلاصها من خلال عمليات عقلية تُجرَى على كم المعلومات والوقائع والحقائق المتناثرة فيقوم العقل بربط الوقائع والحقائق والتفاصيل ببعضها البعض الآخر ويراها في علاقتها بالحقائق المشابهة ومعارضتها للحقائق الأخرى كما يربطها بماضيها التاريخي وواقعها الاجتماعي ثم يربطها بحقائق وأنماط مماثلة حتى يصل إلى النموذج التفسيري الذي يُفسِّر أكبر قدر ممكن من الحقائق المتناثرة (أما الحق، فهو ينتمي إلى عالم المُثُل والإيمان وهو يشكِّل المنظور الأخلاقي [المطلق] الذي لا يجده الإنسان جاهزاً في الواقع المادي وإنما يُحاكم على أساسه كلاًّ من الحقائق المادية والحقيقة الفكرية العقلية) . ولنضرب مثلاً مثيراً من واقع أعضاء الجماعات اليهودية يبرهن على انعدام جدوى عملية الرصد الموضوعي (المتلقي) مهما بلغ من دقة وأمانة ونزاهة. ولنتخيل باحثاً (سنشير إليه بعبارة «الباحث الافتراضي» ) قرر أن يتخذ موقفاً موضوعياً تماماً من هجرة أعضاء الجماعات اليهودية وأن يرصدها بأمانة. سيبدأ هذا الباحث الافتراضي بعمل جدول يدرج فيه أسماء الجماعات اليهودية في العالم، وبجانب كل جماعة سيدرج الأرقام الخاصة بعدد اليهود الذين هاجروا منها ثم قد يضيف جدولاً آخر بأسماء البلاد التي هاجروا إليها. وقد يقرر أن يعمل جدولاً تاريخياً يضم أسماء الجماعات اليهودية وأسماء البلاد التي هاجروا إليها وتواريخ الهجرة والنسب المئوية المختلفة. وستكون النهاية أو الثمرة جدولاً ضخماً أو عدة جداول ضخمة أو متوسطة الحجم. ولا شك في أن مثل هذه الجداول، باختلاف أحجامها وأشكالها مرحلة أساسية في عملية الرصد. ولكن أن نكتفي بهذه الخطوة، فهذا هو التلقي السلبي بعينه، فالجدول قد يحتوي على كل شيء ولكنه لا يقول شيئاً، إذ يجب أن يُنظَر له باعتباره مادة خام، مجرد حقائق، يتعامل معها العقل لا كنهاية في حد ذاتها وإنما كي يفسرها ويجردها ويستخرج الأنماط منها حتى نصل إلى الحقيقة، ولكن لا يمكن أن نتصور أن المادة الخام هي النمط وأن الحقائق هي الحقيقة. ولكن صاحبنا، الباحث الموضوعي الافتراضي الذي أشرنا إليه، يكتفي بالرصد ولا يُعمل عقله ولا يجتهد ولا يسأل ولا يطرح الإشكاليات ولا يربط ولا يجرد ولا يبقي ولا يستبعد، ولعله لو فعل لاكتشف أن هجرة اليهود في العالم القديم لم تكن مجرد أرقام متراكمة بلا شكل أو اتجاه وإنما جزءاً من نمط، فقد كانت في معظم الأحيان هجرة من المناطق المتقدمة إلى المناطق المتخلفة، ولاكتشف أن هذا النمط انعكس مع بداية القرن السادس عشر. ولاكتشف أيضاً أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يهاجرون والسلام وإنما يتحركون عادةً داخل حدود إمبراطورية ما، تُيسِّر لهم الحركة وتؤمِّنهم، وأن هذا ما حدث لهم في العصر الحديث مع التشكيل الاستعماري الإمبريالي (الإمبراطوري) الغربي، وأن ما يحدد حركتهم (هجرتهم) هو حركيات التشكيل الاستيطاني الغربي. ولذا هاجر 80% من المهاجرين اليهود في العالم الغربي إلى الولايات المتحدة (تماماً كما هاجر 85% من مهاجري العالم الغربي إليها) . ولعل باحثنا الافتراضي هذا لو أعمل عقله قليلاً لاكتشف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يتحركوا داخل هذا التشكيل الاستعماري الغربي على وجه العموم وإنما داخل التشكيل الأنجلو ساكسوني على وجه التحديد، ومن هنا تواجدهم المكثف في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا، ومن هنا أيضاً إسرائيل، فهي ليست جزءاً من الحركة العامة لليهود وإنما هي جزء من التشكيل الاستعماري الأنجلو ساكسوني. الرصد الموضوعي سيُعطي كل البيانات ويُرهقنا تماماً (حقائق بلا حقيقة) ، أما الاجتهاد فسيُعطينا الحقائق داخل أنماط قد لا تضم كل الحقائق وقد لا تنطق بكل الحقيقة ولكنها بلا شك ستُفسِّر لنا كثيراً من جوانب الواقع. والافتراضات التي يستند إليها الفكر الموضوعي تنبع من العقلانية المادية لعصر الاستنارة، وقد ثبت أنها افتراضات إما خاطئة تماماً أو بسيطة إلى درجة كبيرة، ولذا فمقدرتها التفسيرية ضعيفة. وهذا يعود لعدة أسباب: 1 ـ تركيبية الواقع وخصوصية الظواهر: الواقع المادي ليس بسيطاً ولا منبسطاً ولا صلباً ولا صلداً وإنما مركب ومليء بالثغرات والنتوءات، ولا ترتبط معطياته الحسية برباط السببية الصلبة الواضحة إذ ثمة عناصر مبهمة فيه وثمة احتمالات وإمكانيات كثيرة يمكن أن يتحقق بعضها وحسب ولا يتحقق البعض الآخر. وكما بيَّن الدكتور حامد عمار فإن صورة عالم نيوتن المادي الآلي الثابت لم تَعُد الصورة المهيمنة في العلوم الطبيعية، فقد جاءت نظرية النسبية والحركة والطاقة لتكمل مفهومنا عن عالم المادة التي تبدو في السطح مستقرة ثابتة، لكن استقرارها إنما هو نتيجة لدينامية في انتظام الحركة داخل مكوناتها. والجُزَيْءُ النووي يتمثل في مادة كما يتمثل في موجات، ويتوقف التعامل معه على نوع السؤال الموجه له في أي من البُعدين. كذلك أدَّت نظرية أينشتاين في النسبية إلى القضاء على المفهوم المطلق لكل من الزمان والمكان، وإلى اعتبارهما بُعداً واحداً رابعاً يعمل في سياق بيئة معيَّنة. وامتدت أبحاث الفيزياء الحديثة من خلال نظرية الكم (كوانتوم) إلى أن الحقائق الكونية تتحدد أكثر ما تتحدد بعلاقتها بغيرها. وأن تعريفها يعتمد أكثر ما يعتمد على نوع علاقتها المتبادلة مع غيرها. أضف إلى ذلك أن تحديد المادة وفهمها إنما يتأثر إلى حدٍّ ما بالمشاهد نفسه، فهو مشارك في تحديد طبيعة ما يراه، وليس مجرد ملاحظ سلبي لما يراه. وهذا يعني أننا لا يمكن أن نفصل العقل عن إدراك عالم الإلكترون كما يقول علماء الفيزياء، باعتبار أن له خصائص مستقلة عن الشخص المُدرك، وأننا لا يمكن أن نتحدث عن عالم الطبيعة والمادة دون أن نتحدث عن أنفسنا وطبيعة ذواتنا، ووعينا ومقاصدنا. ومن خلال هذه الجهود والنظريات العلمية في عالم الفيزياء الحديثة أصبح التوجه العام في النظر إلى الكون نظرة يمكن وصفها بأنها عضوية وكلية بيئية، أي من خلال نظرية المنظومة العامة. وهذا المنطلق العلمي يناقض النظرة الميكانيكية التي تنظر إلى الكون باعتباره (آلة ـ ماكينة) تتألف من أجزاء منفصلة بعضها عن بعض، لكنها أجزاء مترابطة في علاقات متبادلة في هذا الكل الكوني الموحد. فالأشياء إنما هي علاقات بين أشياء، وأن هذه الأشياء إنما هي علاقات بين أشياء أخرى، وهكذا. وينبع قدر كبير من الخلل في تَصوُّر الكائنات الحية عموماً باعتبارها آلات، مع أن هناك خلافاً جوهرياً بينهما، فالآلات تُصنَع وتُركَّب، بينما الكائنات الحية تنمو وتتطور. كذلك فبينما تتحدد أنشطة الآلة من خلال بنية أجزائها، فإن نشاط الكائنات الحية، وبخاصة الإنسان، إنما يتحدد بالعكس، أي أن بنيتها تتحدد من خلال العمليات التي تقوم بها. ثم إن عمل الآلة محكوم بسلسلة خطية من السبب والنتيجة، وحين يحدث خلل يمكن التعرف على السبب في ذلك الخلل، أما في الكائن الحي فإن جسمه يعمل من خلال علاقات دائرية يؤثر بعضها في البعض، ثم يعود ليؤثر مرة أخرى في المؤثر الأول من خلال التغذية الراجعة. ومن ثم يصبح الخلل ناجماً عن مجموعة مركبة من العوامل يعزز بعضها بعضاً، وبالتالي يصبح التعرف على السبب الأول غير ذي موضوع، وإنما الأهم هو محصلة العلاقات المتداخلة". ولذا، لا يمكن فهم الواقع من خلال القوانين البسيطة الصلبة المطلقة وإنما من خلال الافتراضات والقوانين الاحتمالية والسببية الترابطية، ولذا أصبحنا ندرك خطورة التجريب العلمي وأنه ليس من الممكن القيام بكل التجارب الممكنة التي تغطي كل الاحتمالات. ولعل ظهور مفهوم الـ «إيكو سيستم eco-system» ، أي «النظام البيئي» ، تأكيد لتركيبية هذا العالم الذي نعيش فيه وأنه لن يقع في قبضة السببية الصلبة المطلقة التي توهمها العلم الغربي في القرن التاسع عشر، قبل أن يصل إلى قدر من النضوج فيما يتصل بقدراته وحدوده. ومما يزيد من تركيبية الكون وجود أهم الثغرات طُراً فيه، أي الإنسان، فهو أكثر الكائنات تركيباً، لا يقف في الكون كشيء ضمن الأشياء الأخرى، ظاهرة مثل الظواهر، وإنما يقف شامخاً في مركز الكون تأتي عنده القوانين الطبيعية فتُعدِّل من مسارها وتتغير وتتحور، بل قد تتوقف أحياناً تماماً. 2 ـ خصوصية وتركيبية الإدراك: ما ينطبق على الإنسان ينطبق، بطبيعة الحال، على عقله الذي يرصد الكون، فقد اكتشفنا أن العقل قاصر وله حدوده الخاصة ولا يمكنه تسجيل كل المعطيات المادية المحيطة به ولا الإحاطة بكل جوانب الفعل. نعم ينطبع الواقع على خلايا المخ، ولكن عدد الانطباعات الحسية في أية لحظة يكون هائلاً لدرجة يستحيل معها تسجيله. والعقل، رغم هذا، بل بسبب هذا، أبعد ما يكون عن السلبية والبساطة، فهو ليس بصفحة بيضاء تتراكم عليها المعلومات وتصبح معرفة من تلقاء نفسها، فالعقل في أبسط العمليات الإدراكية فاعل فعال، مبدع حر، يتمتع بقدر من الاستقلال عن المعطيات المادية المحيطة به وعن قوانين الطبيعة/المادة، فاللحظة الحسية في عملية الإدراك ليست سوى لحظة. وعملية الإدراك ليست بسيطة تأخذ شكل منبه أو مثير فاستجابة فهي مسألة تبلغ الغاية في التركيب، فبين المنبه المادي والاستجابة الحسية والعقلية والإدراكية يُوجَد عقل نشيط مبدع ينظم وهو يتلقى. والمعرفة تتضمن فهماً وتركيباً وتنظيماً، والحواس عاجزة بذاتها عن فهم المحسوسات وتنظيمها إذ أن التنظيم يستدعي قدرة أخرى وفاعلية أخرى تصل وتفصل وتقارن وترتب وتنظم، ولن تكون هذه القوة ناشئة عن المحسوسات لأن الحواس لا تمدنا إلا ببعض الصفات الظاهرة للمُعطَى الحسي كاللون والرائحة والطعم والحجم. وهي معطيات جزئية فردية منعزلة لا تؤلف وحدة متكاملة ومترابطة. وما يحدث أن الكم الهائل والحصيلة الضخمة للمعطيات الحسية التي تُسجَّل على عقل الإنسان، والتي تصل إليه على هيئة جزئيات غير مترابطة، هذا الكم يفرض عليه جهازه الحسي والعصبي ترشيحها وفرزها وترتيبها (فهو لا يستوعب إلا الكليات المترابطة) ، ثم يجري العقل عملية تجريدية تفكيكية تركيبية تتضمن استبعاد بعض العناصر وإبقاء البعض الآخر، ثم يقوم بترتيب ما تم إبقاؤه من معطيات فيُبرز بعضها باعتباره مركزياً ويُهمِّش البعض الآخر باعتباره ثانوياً بحيث تصبح الجزئيات المتناثرة كلاً مفهوماً وتصبح العلاقات بين المعطيات المادية التي أدركها العقل تتشاكل، ولا تتطابق بالضرورة، مع ما يتصور الإنسان أنه العلاقات الجوهرية في الواقع. وعملية الإبقاء والاستبعاد هذه لا تتم بشكل عشوائي (ذاتي) محض، ولا تتم بشكل آلي (موضوعي) محض، وإنما على أساس مجموعة من المسلمات الكلية النهائية التي استبطنها المُدرك (وهي مفطورة في عقل الإنسان) . وهذه العملية ليست عملية محايدة، مفرغة تماماً من القيم (بالإنجليزية: فاليو فري value-free) وإنما تدور في إطار المنظومة القيمية للمدرك. ومما يزيد عملية الإدراك تركيباً أن عقل الإنسان لا ينظم المعطيات الحسية ويفككها ويركبها وحسب، بل يختزن ذكريات عن الواقع هي في حقيقة الأمر صورة مثالية وذاتية لهذا الواقع، وهو يُولِّد من المعطيات الحسية رموزاً وأساطير، وتصبح الذكريات والمثل والرموز والأساطير جزءاً من آليات إدراكه. كما أن وضع المُدرك في الزمان والمكان يؤثر ولا شك في علاقته بالظاهرة التي يدرسها. وعملية رصد الإنسان عملية تبلغ الغاية في التركيب. فالحقائق الإنسانية لا يمكن فهمها إلا من خلال دراسة دوافع الفاعل وعالمه الداخلي والمعنى الذي يُسقطه عليه، فالإنسان ليس مجرد سلوك براني مادي وحسب يُرصَد من خارجه وإنما هو سلوك براني تُحركه دوافع جوانية يَصعُب الوصول إليها مباشرةً من خلال الوصف الموضوعي وغيره، ولذا يحاول العقل البشري أن يصل إليها من خلال عملية حدس وتخمين وتعاطف وتخيُّل وتركيب عقلي ومقاربات ذهنية يَصعُب أن نسميها «موضوعية» . وقد قيل إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يستجيب للمنبهات وإنما لفهمه لها ولدلالتها وللمعنى الذي يُسقطه هو عليها. والبُعد الجواني في الظاهرة الإنسانية يفوق في أهميته السلوك البراني الخاضع للرصد المادي، فكأن الموضوعية عاجزة عن رصد الإنسان باعتباره كائناً مركباً، وتنجح فقط في تحويله إلى كائن طبيعي، وهو ما يُبيِّن أنها تدور في إطار المرجعية الواحدية المادية الكامنة. 3 ـ خصوصية القول وتركيبية الإفصاح: ويمكن أن نضيف لكل هذا أن اللغة التي يستخدمها المُدرك للإفصاح عن إدراكه للواقع يمكن أن تكون لغة جبرية دقيقة في المواقف التافهة البسيطة أو في وصف بعض الظواهر الطبيعية. أما إن انتقلنا إلى الظواهر الأكثر تركيباً، فنحن عادةً ما نستخدم لغة مركبة قد تكون مجازية أو رمزية أو غير لفظية، وهي لغة تختلف من شخص لآخر. الواقع مركب لا يمكن رصده ببساطة، والإنسان تبلغ الغاية في التركيب ويستحيل أحياناً رصد عالمه الجواني. وهو نفسه، كراصد للواقع، لا يتلقى المعطيات وإنما يفككها ويركبها ويعيد صياغتها، وحينما يفصح عنها، فإن لغة الإفصاح تكون مرتبطة به وبتجربته. ولذا، فقد اتضح تدريجياً أن فكرة الموضوعية الكاملة والانفصال الكامل للذات المدركة عن الموضوع المدرَك مجرد أوهام. وفي السنوات العشرين الأخيرة، اتضح لنا كل هذا على صعيد حياتنا اليومية، فرقعة المعلوم آخذة في التزايد بشكل مذهل ولكن رقعة المجهول تزايدت معها بشكل أكبر. وقد حقق الإنسان معدلات تقدم مادية مذهلة ولكن آدابه تتحدث عن نكبة الإنسان الحديث، وتحكي مدنه (بتلوثها وجرائمها) قصة مختلفة عما تقوله الإحصاءات. لكل هذا، أدركنا أن المعرفة الموضوعية النهائية هي حلم المستحيل وكابوسه، وأن التحكم الإمبريالي الموعود الذي يفترض انفصال الذات المتحكمة عن الموضوع المُتحكَّم فيه هي أضغاث أحلام. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
التفكيك والتقويض
«التفكيك» بالمعنى العام هو فصل العناصر الأساسية في بناء ما بعضها عن بعض بهدف اكتشاف العلاقة بين هذه العناصر والثغرات الموجودة في البناء واكتشاف نقط الضعف والقوة. ويمكن أن يتم التفكيك داخل إطار فلسفي إنساني بهدف زيادة إدراكنا للواقع. وفي هذه الحالة، فإن التفكيك أداة تحليلية لا تحمل أي مضمون أيديولوجي. ولكن يمكن أن يتم التفكيك في إطار نموذج الطبيعة/المادة والواحدية المادية بحيث يُرَدُّ كل شيء إلى ما هو دونه حتى نصل إلى الأساس المادي. ولكن عملية التفكيك يمكن أن تستمر فيتضح أن ما يُسمَّى «الأساس المادي» ليس أساساً على الإطلاق، فالمادة في حالة حركة وتَغيُّر ومن ثم لا يمكن أن تكون هناك حقيقة. والفلسفة التفكيكية (ما بعد الحداثة) فلسفة تهاجم فكرة الأساس نفسها (ولذا يُطلَق عليها بالإنجليزية أنتي فونديشناليزم anti-foundationlism) أي رفض المرجعية، وهي تحاول إثبات أن النظم الفلسفية كافة تحتوي على تناقضات أساسية لا يمكن تجاوزها، ومن ثم لا تصبح هذه النظم بذاتها طريقة لتنظيم الواقع وإنما علامة على عدم وجود حقيقة بل مجرد مجموعة من الحقائق المتناثرة فقط، وتصبح كل الحقائق نسبية، ولا يكون ثمة قيم من أي نوع. ومثل هذا التفكيك ليس مجرد آلية في التحليل أو منهجاً في الدراسة وإنما رؤية فلسفية متكاملة وهي فلسفة يؤدي التفكيك فيها إلى تقويض ظاهرة الإنسان وأي أساس للحقيقة. ورائد هذه الفلسفة هو جاك دريدا (تلميذ هايدجر) الذي استخدم في أولى دراساته الفلسفية اصطلاح «تخريب» أو «تقويض» (بالإنجليزية: ديستراكشن destruction) ، ثم استخدم مصطلح «تفكيك» (بالإنجليزية: دي كونستراكشن deconstruction) ربما ليخبئ الطبيعة العدمية لمشروعه الفلسفي. وفي هذه الموسوعة، نستخدم كلمة «تفكيك» بطريقتين: 1 ـ التفكيك باعتباره أداة منهجية تُستخدَم في اكتشاف البنية الكامنة لأي نظام فكري أو فلسفي. وعادةً ما يتلازم مع عملية التفكيك عملية تركيب أو إعادة تركيب، أي عملية تأسيس، لأن الهدف هو تعميق الفهم وليس التقويض. والتفكيك هنا ليس إعلاناً الفشل في التوصل للحقيقة وإنما هو فتح لباب الاجتهاد وإدراك لواقع أن ما هو قائم تمكن إعادة تركيبه حتى يمكن تفسيره بشكل أحسن، كما يمكن تغييره إلى الأفضل. 2 ـ «التفكيك» باعتباره تقويضاً (سعد البازعي ـ ميجان الرويلي) ، وهو هنا ليس مجرد آلية وإنما رؤية للكون. والاستخدام الثاني هو الأكثر شيوعاً في هذه الموسوعة. ونحن نذهب إلى أن عملية الانتقال من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة هي في جوهرها عملية تفكيك للإنسان، إذ يُرد الإنسان، الذي يتحرك داخل حيزه الإنساني والحيز الطبيعي، إلى المادة وقوانينها، فيُلغي الحيز الإنساني ولا يبقى سوى الحيز الطبيعي/المادي، وبدلاً من أن يكون الإنسان كائناً مركباً متكاملاً، الإنسان الإنسان، فإنه يصبح الإنسان الطبيعي أو الإنسان الوظيفي الذي يمكن تفسيره من خلال النماذج الموضوعية الرياضية والذي تحركه غرائزه الوحشية المظلمة القابعة فيه (وهذه هي الاستنارة المظلمة) . وقد تحدَّث هوبز عن الإنسان باعتباره "ذئباً" لأخيه الإنسان، وتحدَّث داروين عن علاقة القرد بالإنسان، وأجرى بافلوف تجاربه على "الكلاب" وافترض أن النتائج التي توصل لها تنطبق على الإنسان، وهذه هي عملية التقويض التي يقوم بها الفكر العلماني الشامل. ويُلاحَظ أنه يوجد في معجم الحضارة الغربية الحديثة عدد كبير من الأفعال تبدأ بمقطع «ديde» أو «ديسdis» وكلها أفعال ذات طابع تفكيكي تقويضي، تُعبِّر عن جوهر المشروع التحديثي التفكيكي الغربي. ومع هذا يمكن القول بأن المشروع التحديثي الغربي ليس تفكيكياً وحسب وإنما هو أيضاً مشروع تأسيسي، فهو يعيد تركيب الكون على أساس نموذج الطبيعة/المادة والمطلقات العلمانية المختلفة التي تَرُد الإنسان إلى هذا العنصر المادي أو ذاك. فالمنظومة الداروينية، على سبيل المثال، تعيد تركيب المجتمع على أساس أنه غابة مظلمة ظالمة يتصارع فيها الإنسان مع الحيوان والإنسان مع الإنسان، فهي حرب يخوضها الجميع ضد الجميع. نزع القداسة عن العالم (الإنسان والطبيعة ( » نَزْع القداسة عن العالم» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي سانكتيفاي desanctify» أو «دي ساكرالايز desacralize» التي تعني نزع القداسة عن الظواهر كافة (الإنسان والطبيعة) بحيث تصبح لا حرمة لها ويُنظَر لها نظرة طبيعية/مادية صرفة لا علاقة لها بما وراء الطبيعة. أي أن نزع القداسة عن العالم هو نتيجة حتمية للإيمان بفعالية القانون الطبيعي في مجالات الحياة كافة (الطبيعية والإنسانية، العامة والخاصة) . وإذا ما تم ذلك، فإن العالم (الإنسان والطبيعة) يمكن أن يصبح مادة استعمالية يمكن توظيفها والتحكم فيها وترشيدها وتسويتها وحوسلتها، وهو أمر يستحيل إنجازه إن كانت هناك قداسة في المادة وإن كانت هناك حرمات تضع حدوداً على سلوك الإنسان وعلى حريته. ونزع القداسة يعني فرض الواحدية المادية على الكون بحيث يسري قانون واحد على كل الأشياء. ونزع القداسة يؤدي إلى ظهور نزعة إمبريالية لدى الإنسان، فهو ينظر إلى العالم باعتباره مادة نافعة له يمكنه توظيفها لحسابه ويصبح الهدف من المعرفة هو زيادة التحكم. وحيث لا توجد قداسة أو حرمات أو مرجعيات أخلاقية، فلا حدود لعملية الغزو. نزع السر عن الظواهر » نزع السر عن الظواهر» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي ميستفاي demystify» ، وهي من كلمة «ميستري mystery» التي تعني «السر» بالمعنى الديني (ويُقال «ميستري ريليجنز mystery religions» أي «ديانات الأسرار» ) . ويمكن القول بأن أقرب كلمة لها في معجمنا الثقافي هي كلمة «غيب» . وتُستخدَم كلمة «سر» لتشير إلى أن الإنسان، والظواهر كافة، تحوي داخلها من الأسرار والغيب ما لا يمكن الوصول إليه، وأن على الإنسان أن يدرك هذا ويدرك أن عقله لن يحيط بكل شيء. ولأن العالم يحوي أسراراً، فهو عالم متنوع كل ظاهرة فيه تحوي قدراً من التفرد. أما كلمة «مستفاي mystify» ، فهي كلمة ذات طابع قدحي، إذ تشير إلى عملية تعمية واعية مقصودة. ويرى كثير من دعاة الاستنارة (في الإطار المادي) أن أهم مهام العقل هي نزع الأسرار عن كل الظواهر (ومنها الإنسان) وتفكيكها وردها إلى قوانين الحركة المادية العامة (ورؤيتها في إطار الواحدية الكونية المادية) ، وبذا تصبح الظواهر كافة متشابهة واضحة قابلة للدراسة. وتُعبِّر كلمات مجنون نيتشه عن ألم الإنسان الحديث الناجم عن نجاحه في نزع السر، فهو يسأل كيف تَأتَّى للإنسان أن يمحو الأفق ويجفف البحار بحيث أصبح العالم من حولنا مادة خراب لا أسرار فيها ولا قداسة؟ كشف حقيقة الأسطورة «كشف حقيقة الأسطورة» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي بنك debunk» ، وهي تُستخدَم عادةً للإشارة إلى أية عملية تهدف إلى تحطيم أية مثاليات أو أي نُبل أو أية أحلام نبيلة بالتجاوز قد يشعر بها الإنسان، وذلك حتى يكتشف بصورة لا تقبل الشك حقيقة دوافعه المادية/الطبيعية. وهذه عملية قد تتم في الواقع، ولكن المصطلح يشير عادةً إلى الأعمال الأدبية. ففي أعمال برنارد شو ـ على سبيل المثال ـ كثيراً ما تتصور إحدى الشخصيات أنها مدفوعة بحب مثالي حقيقي لشخصية أخرى، ولكنها تكتشف بعد قليل أنها مدفوعة في واقع الأمر بحب القوة والسيطرة والشهوة الجنسية وحسب، أي أن الشخصية تكتشف أن الإنسان إن هو إلا مجموعة من الدوافع الطبيعية/المادية. وكثيراً ما يشار إلى هذا بأنه «واقعية» ، وتَقبُّله هو تَكيُّف مع الأمر الواقع الذي لا أسرار فيه والذي يضرب بجذوره في عالم الطبيعة/المادة. وهذا يُفسِّر تزايد استخدام «الأيروني irony» في الآداب الغربية الحديثة، فهو صيغة أسلوبية تهكمية تهدف إلى تنبيه الإنسان إلى وجود فرق شاسع بين أحلامه النبيلة التي تُحلِّق في السماء وواقعه الخسيس الذي لا أسرار فيه، الساقط في حمأة المادة، الخاضع لقوانينها. تحرير العالم من سحره وجلاله «تحرير العالم من سحره وجلاله» ترجمة للعبارة الإنجليزية «ديس إنتشامنت أوف ذي ورلد disenchantment of the world» التي تَرد في كتابات ماكس فيبر. ويشير هذا المصطلح إلى عملية استبدال المجتمع الغربي للتصورات الدينية الغيبية والوسائل السحرية بتصورات علمية، بحيث يدرك الإنسان أن العالم يتحرك وفقاً لقوانين عقلانية مادية قابلة للاكتشاف لا وفق قوى غامضة غير محسوبة مستعصية على الفهم. وفعل «ديس إنتشانت disenchant» باللغة الإنجليزية فعل مبهم، فهو يعني «إزالة الغشاوة» ، وهو معنى إيجابي بمعنى أن يرى الإنسان الأمور على ما هي عليه. ولكنها تعني أيضاً «خيبة الأمل والظن» ، وهو معنى سلبي بمعنى أن الإنسان حينما يعرف حقيقة شخص ما، فإن الصورة المثالية المضيئة تسقط لتحل محلها صورة واقعية مظلمة. وإبهام المصطلح مناسب جداً، فهو يصف المشروع التحديثي الغربي الذي بدأ بأوهام الاستنارة المضيئة في أن يعتمد الإنسان على عقله (المادي) وحسب، فيزيل كل الغشاوات التي تراكمت عليه عبر عصور الظلام السابقة ويرفض أية غيبيات أو مثاليات أو مطلقات ليصل إلى الجوهر (المادي الحقيقي) للأشياء ويُدرك هيمنة الواحدية المادية. وكان المفروض أن هذا سيؤدي إلى سعادة الإنسان وسيطرته على نفسه وعلى العالم. ولكن الإنسان عندما فعل ذلك، قام بتفكيك العالم ورده إلى عناصره المادية ففقد العالم (الإنسان والطبيعة) سحره وجلاله وجميع عناصر القداسة والسر فيه وأصبح مادة محضة، وأصبح كل شيء فيه محسوباً. ويمكن السيطرة عليه وحوسلته. ولذا، فإن المصطلح يُترجَم أحياناً بعبارة «خيبة العالم» و «تَشيُّؤ العالم» . تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية «تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي هيومانايزيشن dehumanization» وهي تعني إنكار وقمع تلك الصفات والأفكار والنشاطات التي تُميِّز الإنسان عن غيره من الكائنات ومنع تحقيق الإمكانيات الإنسانية للإنسان (مقابل خصائصه الطبيعية المادية التي يشترك فيها مع غيره من الكائنات) . ومن ثم، يمكن القول بأن العبارة مترادفة مع كلمة «اغتراب» . وتُستخدَم العبارة للإشارة إلى تلك الاتجاهات في الحضارة الحديثة التي تُجرِّد الإنسان من إنسانيته وتَحوِّله إلى شيء ضمن الأشياء، أي تستوعبه وتُسلِّعه وتُنكر عليه حرية الاختيار والمقدرة على التجاوز وتحقيق كليته الإنسانية المركبة المتجاوزة للحتميات الطبيعية المادية وللأنماط الطبيعية المتكررة. ورغم أن الكلمة تتواتر في العلوم الاجتماعية الغربية لوصف جانب مهم من حياة الإنسان في العصر الحديث، فإنها تظهر بشكل واضح في الأدب والنقد الأدبي. فقد رصد الأدب الحداثي بعناية فائقة الكيفية التي يتحول بها الإنسان إلى ما هو دون الإنسان في "الأرض الخراب" التي تكِّون العصر الحديث. أما في النقد الأدبي، فالموضوع أكثر تواتراً. وقد لاحظ لوكاتش ما سماه بسقوط الذات المتكاملة وسقوط الشخصية في الأدب، وهو ما يعبِّر عن تزايد معدلات تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية. فالشخصيات الأدبية في القرن التاسع عشر شخصيات لها سمات فريدة متكاملة تتطور فرديتها من خلال التفاعل الاجتماعي، أما شخصيات الأدب الحداثي فهي تعيش في عزلة كاملة بين عناصر مجردة متصارعة لا يستطيع الإنسان التحكم فيها أو تواجه ألغازاً لا حل لها أو عالماً عبثياً لا معنى له. ويُلاحظ لوكاتش أن الشخصية في الفن التعبيري والتكعيبي يتم تفكيكها ثم يعاد تركيبها على أسس هندسية ولكنها تختفي تماماً في الفنون التجريدية. وهذا أيضاً هو الموضوع الأساسي في مقال خوزيه أورتيجا يي جاسيت (1883 ـ 1955) "تجريد الفن من الخصائص الإنسانية". فهو يرى أن الفن الغربي (حتى القرن التاسع عشر) كان يتعامل مع الواقع المعاش، ولذا كان ممتلئاً بمضمونه الإنساني، وكانت الأفكار الفنية تشير إلى أشياء في عالم الطبيعة. أما في القرن العشرين، فقد جُرِّد الفن من خاصيته الإنسانية وأصبح فناً غير إنساني، لا لأنه لا يحتوي على أية سمات إنسانية وإنما لأنه متجرد بشكل واع من أية خاصية إنسانية. وتظهر لا إنسانية هذا الفن في تحاشيه الأشكال الحية (بل اشمئزازه منها، وهو ما يُعبِّر عن اشمئزاز كامل من الحضارة الإنسانية بأسرها) . وفي محاولة تحاشي أي مضمون إنساني أو حي، أصبح الفن يشبه اللعبة التي لا تخضع إلا لقوانينها هي. وهذا الفن لا يتعامل مع موضوعات الإنسان الكبرى وإنما هو فن صغير يرفض المحاكاة ويلجأ للرموز المغلقة ولكشف عناصر المفارقة. وهذا الفن لا رسالة له بل يؤكد أنه ليست له أية نتائج ذات طابع متجاوز. والسمة الأساسية هنا هي تراجع ما هو إنساني ومتعيِّن وحي وظهور ما هو نمطي شيئي مجرد، غير إنساني، واحديّ ماديّ. إزاحة الإنسان عن المركز «إزاحة الإنسان عن المركز» ترجمة للعبارة الإنجليزية «دي سنترينج مان decentering man» وهي عبارة تتواتر في الخطاب ما بعد الحداثي والتي تعني أن الإنسان قد وضع نفسه في مركز الكون وفرض نفسه كمرجعية نهائية عليه، دون وجه حق، ولذا تجب إزاحته عن المركز تماماً، بحيث يصبح مركز الكون إما الطبيعة/المادة وأية تنويعات عليها (في مرحلة الواحدية الموضوعية المادية الصلبة) ، أو يصبح الكون بلا مركز (في مرحلة السيولة الشاملة (. إسقاط السمات الشخصية «إسقاط السمات الشخصية» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي بيرسونالايزيشن depersonalization» (وهي تشير إلى سمة في الحضارة الحديثة، وهي حضارة جماهيرية تتسم بالاتجاه نحو التنميط الذي ينتقل من عالم الأشياء إلى عالم الإنسان) . والإنسان في المجتمع الحديث إنسان عملي مرن يحاول أن يتكيف مع واقعه، ولكن عملية التكيف هذه تعني في واقع الأمر تنميطه وفقدانه ما يُميِّزه كفرد متفرِّد حتى يصبح جزءاً من الحركة الجماهيرية، كتلة غير متميزة المعالم ليس له أية أبعاد جوانية، فهو سطح كامل لا شخصية له ولكنه قادر على أن يلعب أدواراً مختلفة بكفاءة عالية. على أن ما يساعد على إسقاط السمات الشخصية هو هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية في المجتمعات الحديثة. الداروينية الاجتماعية «الداروينية» ترجمة لكلمة «داروينيزم Darwinism» الإنجليزية، ويُقال لها أيضاً «الداروينية الاجتماعية» . وهي كلمة منسوبة إلى اسم تشارلز داروين (1731 ـ 1820) . وهي فلسفة علمانية شاملة، واحدية عقلانية مادية كمونية تنكر أية مرجعية غير مادية، وتستبعد الخالق من المنظومة المعرفية والأخلاقية وتَرُد العالم بأسره إلى مبدأ مادي واحد كامن في المادة وتدور في نطاق الصورة المجازية العضوية والآلية للكون. والآلية الكبرى للحركة في الداروينية هي الصراع والتَقدُّم اللانهائي وهو صفة من صفات الوجود الإنساني. وقد حققت الداروينية الاجتماعية ذيوعاً في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي تَعثَّر فيها التحديث في شرق أوربا، وبدأ فيها بعض يهود اليديشية في تبنِّي الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، كما بدأ التشكيل الإمبريالي الغربي يتسع ليقتسم العالم بأسره. ويمكن القول بأن الداروينية هي النموذج المعرفي الكامن وراء معظم الفلسفات العلمانية الشاملة، إن لم يكن كلها. ويرى دعاة الداروينية الاجتماعية أن القوانين التي تسري على عالم الطبيعة والغابة هي نفسها التي تسري على الظواهر الإنسانية، التاريخية والاجتماعية. وهم يذهبون إلى أن تشارلز داروين قد وصف هذه القوانين في كتابيه الكبيرين: حول أصل الأنواع من خلال الانتخاب الطبيعي وبقاء الأجناس الملائمة في عملية الصراع من أجل الحياة. وقد ذهب داروين إلى أن الكون بأسره سلسلة متواصلة في حالة حركة من أسفل إلى أعلى وأن الإنسان إن هو إلا إحدى هذه الحلقات، قد يكون أرقاها ولكنه ليس آخرها. ويرى داروين أن تَقدُّم الأنواع البيولوجية الحية يعتمد على الصراع من أجل البقاء الذي ينتصر فيه الأصلح. إن عالم داروين عالم مستمر مغلق لا ثغرات فيه ولا فراغات ولا مسافات، فكل حلقة تؤدي إلى التي تليها، تماماً كما هو الحال مع عالم إسبينوزا ونيوتن حيث تحرِّك كل عجلة العجلة التي بجوارها (وبالفعل، وصف أحدهم داروين بأنه نيوتن العلوم البيولوجية) . وهكذا تؤدي اليرقة إلى القرد، والقرد إلى الإنسان بطريقة آلية (تماماً كما تتحرك الأجسام تحت تأثير قانون الجاذبية وكما تتحول الأفكار الجزئية إلى أفكار كلية بطريقة آلية في منظومة لوك) . وهذا هو تَصوُّر داروين أو فرضيته. ولكنه كان في واقع الأمر عاجزاً تماماً من الناحية العلمية عن إثبات كثير من فرضياته. ولذا فهناك حديث عن الحلقة المفقودة، وهي تعني وجود مسافة بين القرد والإنسان، ولذا فقد تحدثوا عن الطفرة بمعنى سَد الثغرة في الزمان بدون سبب واضح، وتم فرض الاستمرارية والواحدية دون وجود شواهد مادية علمية. ومع هذا، ذهب دعاة الداروينية الاجتماعية إلى أن فرضية داروين نظرية وحقيقة علمية، ثم نقلوا هذه الفرضية من عالم الطبيعة إلى عالم الإنسان، وقرروا أن العلاقة بين الكائنات الحية في الطبيعة لا تختلف عن العلاقات بين الأفراد داخل المجتمعات الإنسانية، ولا عن العلاقات بين المجتمعات والدول. وعلى هذا، تم استخدام النموذج الدارويني لا لتفسير الطبيعة/المادة وحسب وإنما لتفسير حياة الإنسان الفرد في المجتمعات، وفي تفسير العلاقات بين الدول والمجتمعات على المستوى الدولي. وقد وُظِّفت الداروينية الاجتماعية في تبرير التفاوت بين الطبقات داخل المجتمع الواحد وفي الدفاع عن حق الدولة العلمانية المطلقة وفي تبرير المشروع الإمبريالي الغربي على صعيد العالم بأسره. فالفقراء في المجتمعات الغربية وشعوب آسيا وأفريقيا (والضعفاء على وجه العموم) هم الذين أثبتوا أن مقدرتهم على البقاء ليست مرتفعة، ولذا فهم يستحقون الفناء أو على الأقل الخضوع للأثرياء ولشعوب أوربا الأقوى والأصلح. ويمكن تلخيص الأطروحات الأساسية في الداروينية الاجتماعية على النحو التالي: 1 ـ كل الأنواع العضوية ظهرت من خلال عملية طويلة من التطور، وهي عملية حتمية شاملة تشمل كل الكائنات (وضمن ذلك الإنسان) وكل المجتمعات في المراحل التاريخية كافة. 2 ـ العالم كله في حالة تَطوُّر دائم، وهذا التطور يتبع نمطاً واضحاً متكرراً رغم أن التطور قد يكون بطيئاً وغير ملحوظ أحياناً، وقد يأخذ شكل طفرة فجائية واضحة أحياناً أخرى. 3 ـ تتم عملية التطور من خلال صراع دائم بين الكائنات والأنواع. فالصراع دموي حتمي، وهو صراع جماعي لا فردي. 4 ـ السبب الذي يؤدي إلى تَغيُّر الأنواع هو الاختيار الطبيعي الذي يؤثر في جماعات الكائنات العضوية ويترك عليها آثاراً مختلفة. 5 ـ الكائن أو النوع الذي ينتصر على الكائنات والأنواع الأخرى، ويحقق البقاء المادي لنفسه، يثبت بالتالي أنه أرقى من الأنواع الأخرى إذ حقق البقاء على حسابها، فبقي هو بينما كان مصيرها الفناء. 6 ـ تحقِّق الكائنات البقاء إما من خلال التكيف (البرجماتي) مع الواقع فتتلون بألوانه وتخضع لقوانينه، أو تحققه من خلال القوة وتأكيد الإرادة (النيتشوية) على الواقع، والبقاء من نصيب الأصلح القادر على التكيف والأقوى القادر على فرض إرادته. ومن أشكال التكيف، الانتقال من التجانس (البسيط) إلى اللاتجانس (المركب) . 7 ـ مهما كانت آلية البقاء، لا علاقة لها بأية قيم مطلقة متجاوزة، مثل الأمانة أو الأخلاق أو الجمال، فالبقاء هو القيمة المحورية في المنظومة الداروينية التي تتجاوز الخير والشر والحزن والفرح. 8 ـ النوع الذي ينتصر يورث الخصائص التي أدت إلى انتصاره (سر بقائه) إلى بقية أعضاء النوع، بمعنى أن التفوق يصبح عنصراً وراثياً. 9 ـ هذا يعني استحالة وجود مساواة مبدئية بين الأنواع أو بين أعضاء الجنس البشري. 10 ـ مع تزايد معدلات التطور، تصبح هناك كائنات أكثر رقياً من الكائنات الأخرى بحكم بنيتها البيولوجية، ومن ثم يصبح للتفاوت الثقافي أساس بيولوجي حتمي. ولعله لا توجد فلسفة أثرت في عصرنا الحديث أكثر من الفلسفة الداروينية، كما لا توجد فلسفة بلورت الرؤية العلمانية للكون أكثر من الفلسفة الداروينية: 1 ـ فقد رسخت الفلسفة الداروينية أفكار الواحدية المادية التي تذهب إلى أن العالم إن هو إلا مادة واحدة صدر عنها كل شيء، مادة خالية من الغرض والهدف والغاية ولا توجد داخلها مطلقات متجاوزة من أي نوع. فالعالم طبيعة، والطبيعة محايدة لا تعرف الخير أو الشر أو القبح أو الجمال. ولا توجد أية ثغرات في الكون إذ أن المنطق المادي حتمي شامل يشمل كل شيء. ولا توجد ثنائيات في الكون إذ يُرَد كل شيء إلى المادة ويُفسَّر كل شيء بالتطور المادي. ومع هذا، توجد الثنائيات الاجتماعية الصلبة: الأقوياء/الضعفاء ـ الأثرياء/الفقراء ـ السادة/العبيد ـ القادرون على البقاء/ضحايا الصراع. 2 ـ الإنسان إن هو إلا جزء من هذه الطبيعة وهذه المادة، وقد صدر هو أيضاً عنهما من خلال عملية التطور، إذ لا يوجد سوى قانون طبيعي واحد يسري على الإنسان والأشياء، فالوجود الإنساني نفسه يتحقق من خلال الآليات التي يتحقق من خلالها وجود كل الكائنات الأخرى، أي الصراع والقوة والتكيف. وهو وجود مؤقت، تماماً مثل مكانته في قمة سلم التطور، إذ أنه حتماً سيفقد مكانته هذه من خلال سلسلة التطور التي دفعته إلى القمة. بل يمكن القول بأن الأميبا من منظور تطوري صارم أكثر تميزاً من الإنسان لأنها حققت البقاء لنفسها مدة أطول من الإنسان. والإنسان، شأنه شأن الأميبا، لا يتمتع بأية حرية ولا يحمل أية أعباء أخلاقية، فالقوانين الأخلاقية هي مجرد تَطوُّر لأشكال من السلوك الحيواني الأقل تطوراً والحرص الغريزي على البقاء البيولوجي. وهذا يعني أن القانون الأخلاقي، وكل القوانين، هي قوانين مؤقتة نسبية، ترتبط بحلقة التطور التي أفرزتها، ولذا يتم الاحتفاظ بالقوانين طالما أنها تخدم المرحلة. ومن ثم فإن الأخلاق المطلقة تقف ضد التقدم العقلاني المادي، وخصوصاً إذا كانت أخلاقاً دينية تدعو إلى حماية الأضعف والأقل مقدرة إلى الإشفاق عليه والعناية به. وهذا يعني أن كل الأمور نسبية تماماً ولا توجد أية مطلقات، ولذا يمكن القول بأن النظرية الداروينية هي الأساس العلمي للفكر النسبي. وإذا كان التطور يتم أحياناً عن طريق الصدفة، وتحدده الحوادث العارضة، فيمكن القول بأن النظرية الداروينية هي أيضاً أساس الفكر العبثي. 3 ـ إذا كان الأمر كذلك، فإن أفضل طريقة لتفسير سلوك الإنسان ووجوده لا يمكن أن تتم إلا من خلال النماذج الطبيعية المادية، ومن هنا حتمية وحدة العلوم. وإذا كان للظاهرة تاريخ، فهو تاريخ مادي يمكن دراسته من خلال دراسة بنية الظاهرة المادية. وقد قام داروين نفسه بتفسير الظواهر البيولوجية من خلال دراسة تاريخها البيولوجي. وكما قال أحد الباحثين فإن هذا يعني في واقع الأمر عدم وجود أي فارق أساسي بين مجموعة من الشبان الذين يختطفون فتاة ويغتصبونها ثم يقتلونها وقطيع من الذئاب تهاجم ظبياً وتلتهمه. فكلاهما تدفعه غريزة طبيعية مادية قوية. ولعل الفارق الثانوي الوحيد أن الشبان قد هاجموا عضواً من نفس نوعهم، وهو الأمر الذي يعوق عملية البقاء (وهذا هو المنطق الوحيد المقبول في إطار دارويني عقلاني مادي) . 4 ـ ورغم الواحدية المادية التي تَصدُر عنها الداروينية، ورغم رفضها لأن تكون أية نقطة متجاوزة للمادة مصدراً للحركة، ورغم أنها تفترض عدم وجود مخطط إلهي وراء الكون، فإنها مع هذا كله تفترض وجود غائية طبيعية كالتطور باعتباره حركة من نقطة أدنى إلى نقطة أعلى ومن التجانس البسيط إلى اللاتجانس المركب، حركة حتمية تماماً مثل التقدم الحتمي الذي تفترضه معظم الأيديولوجيات العلمانية. والغائية التي يطرحها داروين غائية غير متجاوزة تأخذ شكل إيمان بأن هناك غاية كامنة في الطبيعة نفسها. لكن هذه الغائية قد تكون زيادة في التركيب والتطور من البسيط إلى المركب، وقد تكون شيئاً يُسمَّى «إرادة الحياة» أو «القوة» ، وقد يكون شكلاً من أشكال الوعي ظهر بالصدفة من خلال عملية كيماوية زادت المادة تركيباً. والمهم أن التطور، مهما بلغ بالكائنات من ارتفاع ورقي، فليس ثمة تجاوز إذ أن كل شيء (وضمن ذلك الإنسان) أصله مادي ويُرَد إلى المادة. وينطبق الشيء نفسه على نظرية الأخلاق، فالبقاء هو القيمة الوحيدة، والصراع هو الآلية، والأنانية وحب الذات هما مصدر الحركة، ولذا فإن العالم هو ساحة قتال بين الذئاب من البشر (والإنسان ذئب يفترس أخاه الإنسان) وبين الأمم التي لابد أن تصرع بعضها بعضاً لغاية البقاء، فهي حرب الجميع ضد الجميع. ولا توجد قيمة مطلقة لأي شيء، إذ أن ما يحدد القيمة هو القدرة على الصراع والبقاء. ويمكن القول بأن النظرية الداروينية هي خليط من الصورة المجازية العضوية والصورة المجازية الآلية، فالكون في حالة تَطوُّر عضوي مستمر، يتبع نمطاً ثابتاً لا يتغيَّر، ومن ثم لا يختلف التطور العضوي عن الحركة الآلية في النمطية أو الرتابة. وقد تبدَّت هذه المنظومة الداروينية بشكل واضح في الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، من إنكار قيمة أي شيء أو أية مرجعية متجاوزة إلى تأكيد ضرورة التنافس والصراع والإصرار على حرية السوق وآلياته وعدم تدخُّل الدولة بحيث يهلك الضعفاء ولا يبقى سوى الأقوياء. والإمبريالية هي تدويل للرؤية الداروينية حيث أصبح العالم كله سوقاً، مسرحاً لنشاط الإنسان الأبيض المتفوق الذي أباح لنفسه قتل الآخر ضماناً لبقائه وتأكيداً لقوته. وقد ساهمت الداروينية أيضاً في تزويد النظريات العرْقية الغربية والتجارب الخاصة بتحسين الأجناس والنسل والقتل الرحيم على أساس علمي. كما هيمنت النظرية التطورية (ذات الأصل الدارويني) على العلوم الاجتماعية. فالإيمان بالتقدم والحتمية التاريخية جميعها أشكال من التطورية. وهناك كثير من النظريات التاريخية والاجتماعية تُعَد تطبيقات لمبدأ التطور من التجانس البسيط إلى اللاتجانس المركب. فقد درس هربرت سبنسر التاريخ باعتباره تطوراً من المجتمع العسكري إلى المجتمع الصناعي، ورآه دوركهايم تطوراً من التضامن الميكانيكي إلى التضامن العضوي، ورآه ماركس تطوراً من الشيوعية البدائية إلى الشيوعية المركبة (عبر حلقات محددة: المجتمع العبودي فالإقطاعي فالرأسمالي فالاشتراكي) . بينما بيَّن أوجست كونت أن التطور هو تَطوُّر من مجتمع يستند إلى السحر إلى مجتمع يستند إلى الدين وصولاً إلى المجتمع الحديث الذي يستند إلى العلم. والفكر العرْقي الغربي هو فكر تطوري إذ يرى أن الإنسان الأبيض هو آخر حلقات التطور وأعلاها، ولذا فله حقوق معينة. وقد تبلور الفكر التطوري العرْقي في الأيديولوجيا النازية التي تبنت تماماً فكرة وحدة العلوم وَطبَّقت القوانين الطبيعية بصرامة على الكافة، وحاولت الاستفادة من قوانين التطور من خلال قواعد الصحة النازية (إبادة المعوقين والمتخلفين عقلياً وأعضاء الأجناس الأخرى) ومن خلال محاولات تحسين النسل عن طريق التخطيط وعقد زيجات أو تنظيم علاقات إخصاب تؤدي إلى إنجاب أطفال آريين أصحاء. والفكر الصهيوني، مثله مثل الفكر النازي، ترجمة للرؤية الداروينية، فالصهاينة قاموا بغزو فلسطين باسم حقوقهم اليهودية المطلقة التي تَجُبُ حقوق الآخرين، كما أنهم جاءوا إلى فلسطين ممثلين للحضارة الأوربية يحملون عبء الرجل الأبيض. وهم، نظراً لقوتهم العسكرية، يملكون مقدرة أعلى على البقاء. أي أنهم جاءوا من الغرب مسلحين بمدفعية أيديولوجية وعسكرية داروينية علمانية ثقيلة، وقاموا بتسوية الأمور من خلال الموقع الدارويني النيتشوي فذبحوا الفلسطينيين وهدموا قراهم واستولوا على أراضيهم، وهي أمور شرعية تماماً من منظور دارويني علماني، بل واجبة. ولعل تَأثُّر معظم المفكرين الصهاينة بنيتشه أمر له دلالته في هذا المقام. الاغتراب «الاغتراب» (ويشار إليه أيضاً بـ «الاستلاب» ) ترجمة للكلمة الإنجليزية «إلينيشن alienation» التي تعني ببساطة «حالة انفصال» أو «غربة» أو «استلاب» والإحساس بأن الإنسان ليس في بيته وموطنه أو مكانه (ومن هنا نقول "الغريب أو المسافر يشعر بالغربة") . وهي من الفعل اللاتيني «إليناري alienare» بمعنى «ينزع» و «يأخذ عنوة» (من كلمة «إلينوس alienus» اللاتينية، أي «ينتمي إلى شخص آخر أو مكان آخر» من كلمة «أليوس alius» التي تعني «الآخر» ) . وقد تبلور معنى الكلمة ليشير إلى تلك الحقوق التي يتمتع بها المواطن ولا يملك أحد نزعها (كما في العبارة الإنجليزية: «إناليانبل رايتس inalienable rights» أي «الحقوق الثابتة» . وتعني الكلمة في الطب «الاضطراب العقلي الذي يجعل الإنسان غريباً عن ذاته ومجتمعه ونظراته» . أما في الفلسفة فإن الكلمة تشير إلى «غربة الإنسان عن جوهره وتنزُّله عن المقام الذي ينبغي أن يكون فيه» ، كما تشير إلى «عدم التوافق بين الماهية والوجود» ، فالاغتراب نقص وتشويه وانزياح عن الوضع الصحيح. ومع عصر النهضة وظهور المرجعية المادية الكامنة تمت علمنة معنى الاغتراب، فاغتراب الإنسان هو اغترابه عن ذاته وجوهره الإنساني وعن إمكانياته الإنسانية وعن الآخرين (المجتمع) . فالاغتراب في فلسفة هوبز مسألة خاصة بعلاقة الفرد بالمجتمع. فحالة الطبيعة هي حالة تربص ذئبية كاملة ولا يستطيع الإنسان أن يحقق أمنه وبقاءه (الحالة الإنسانية) إلا من خلال الدولة/التنين، فكأن الإنسان يمكنه أن يتجاوز الاغتراب من خلال الدولة العلمانية. أما روسو فقد رأى أن الاغتراب هو انقطاع الإنسان عن طبيعته الأصلية التي يمكن أن تكون إما أصوله البدائية أو طبيعته الجوهرية الثابتة، والتغلب على الاغتراب هو العودة إلى هذا الجوهر (الثابت أو البدائي) . ولعل طرح هيجل للموضوع هو أهم الأطروحات الحلولية الكمونية العلمانية. فالاغتراب عنده هو انفصال الجزء عن الكل، ويحدث هذا عندما يقوم العقل المطلق (الفكرة المطلقة ـ الإله) بخلق الطبيعة والإنسان، فهو بذلك قد طرح جزءاً منه خارجه وأصبح هذا الجزء غريباً عنه (وهذا ما يُسمَّى باغتراب الوعي عن عالم الطبيعة والأشياء الطبيعية، وانقسام الذات عن الموضوع) والخلاص هو عملية إنهاء الغربة وحالة النفي. وهي حالة لا يستطيع الإله أن يقوم بها إذ لابد للإنسان أن يقوم بها فيعيد للإله (العقل المطلق) سيطرته على الطبيعة من خلال فهمه لها وسيطرته عليها وتوحده بها (التوصل للغنوص) بحيث تصبح الذات موضوعاً والعقل واحداً مع الطبيعة، أي أن العقل المطلق يستعيد الطبيعة من خلال فهم العقل المتناهي (الإنسان) لها والسيطرة عليها. وليس التاريخ سوى محاولة الإنسان الدائبة أن يتعرف على الطبيعة ومن ثم تنمية وعيه بالمطلق. وقد رفض فيورباخ وحدة الوجود الروحية وطرح بدلاً منها وحدة وجود مادية، فأنكر أن يكون الإنسان إلهاً مغترباً عن ذاته، فالعكس هو الصحيح، فالإنسان خلق الإله وأسقط عليه جوهره الإنساني ثم خرّ له ساجداً وكأن الإله هو الذي خلقه. ولذا، لكي يتجاوز الإنسان غربته، عليه أن يُسقط فكرة الإله ويكتشف جوهره الإنساني. وافق ماركس على موقف فيورباخ وأضاف أن الغربة الدينية ليست إلا أحد أشكال غربة الإنسان عن ذاته، فالإنسان هو الذي يصنع طبيعته ويصوغها (فهو ليس له طبيعة أصلية أو جوهرية) . ولكنه بدلاً من أن يركز على مظهره الإنساني فإنه يخلق الإله من نفسه (كما يقول فيورباخ) والأكثر من هذا أنه يخلق من نفسه كذلك قوانين ومبادئ ومؤسسات اجتماعية وفلسفات وسلعاً مادية ورؤوس أموال وينفصل عنها فيشعر بالاغتراب وكأنها لم تكن له وكأنه ليس خالقها، ثم يبث فيها من روحه حتى تدب فيها الحياة فتتوثن هي ويتشيأ هو فتستحيل مخلوقات مستقلة يقوم هو بعبادتها. فالإنسان المغترب عن ذاته ليس في الحقيقة إنساناً، فهو لم يعرف نفسه ولم يع تاريخه أو إمكانياته. أما الإنسان غير المغترب، فهو الإنسان الحقيقي الذي يتجاوز حالة الانفصال هذه ويتحكم في الطبيعة وفي كل ما تنتجه يداه، ويحقق لنفسه الحرية ويتحكم في مصيره. وأسباب الاغتراب عند ماركس ذات طبيعة اقتصادية مادية كامنة في علاقات الإنتاج والهيمنة الطبقية: 1 ـ يغترب الإنسان عن عمله في المجتمع الرأسمالي لأنه يبيعه. 2 ـ يغترب الإنسان عن طبيعة عمله نفسها، فبدلاً من أن يكون العمل مصدراً لتحقيق ذاته وتجسيداً لقواه الإبداعية، فإنه في المجتمع البورجوازي يصبح شكلاً من أشكال السخرة. 3 ـ يغترب الإنسان عن الآخرين لأن جوهر العلاقات الاجتماعية في النظام الرأسمالي هو التنافس. 4 ـ يغترب الإنسان عن الطبيعة الإنسانية الجوهرية ويغترب أيضاً عن فكرة الكل وما يميِّز الإنسان عن الحيوان هو أن الحيوان يتكيف مع بيئته، أما الإنسان فإنه يسيطر عليها بوعي. وتحت حكم الرأسمالية، يفقد العامل عنصر السيطرة ويصبح في مرتبة الحيوان (أي أن المرجعية الإنسانية المتجاوزة تتهاوى لتحل محلها المرجعية الكامنة في الحيوان) . ويمكن إلغاء حالة الاغتراب من خلال الثورة وتغيير علاقات الإنتاج فيصبح العامل حراً ليعبِّر عن إمكانياته الإبداعية التي يجسدها ثمرة عمله، ولن تصبح حياة الإنسان شظايا مفتتة بل سيصبح كلاً متكاملاً. وثمة مشكلة أساسية في مفهوم ماركس للاغتراب وبخاصة جوهر الإنسان، وتتلخص فيما يلي: هل جوهر الإنسان محايث للإنسان من حيث هو إنسان، أي جوهر مطلق (متجاوز) لا يخضع في تحديده إلى التاريخ أو إلى الشروط الاجتماعية، أم أن الجوهر الإنساني هو محصلة للعلاقات الاجتماعية ومن ثم يؤدي تغيير هذه العلاقات إلى تغييره، وعليه لا يكون الجوهر الإنساني محايثاً للإنسان بل خاضعاً للتحديدات الاجتماعية، ومن ثم يجب عدم الحديث عن جوهر إنساني وينتهي أساس التجاوز الإنساني؟ يبدو أن ماركس، في أواخر حياته وبعد فترة تأرجح طويلة، حسم القضية لصالح إنكار الجوهر تماماً إذ قال: " لا تنطلق طريقتي في التحليل من الإنسان بل من الفترة الاجتماعية المعطاة اقتصادياً". وهذا ما فعله ستالين وألتوسير حينما أكدا العنصر الاقتصادي المادي. ولم يقنع علم الاجتماع الغربي بالتفسير الاقتصادي للاغتراب وطرح السؤال عما إذا كان الاغتراب حالة إنسانية دائمة أم حالة مؤقتة؟ أي أن السؤال هو: هل يمكن تجاوز الاغتراب تماماً أم لا؟ وإذا كان جوهر المنظومة العلمانية هي التقدم وتراكم المعرفة والسلع وتزايد التحكم في الذات والطبيعة، فهل يؤدي التقدم إلى تناقص الاغتراب أم تزايده؟ يرى فرويد، على سبيل المثال، أن الاغتراب هو اغتراب عن اللبيدو (ودوافع الإنسان الجنسية) ، ومن ثم فإن الاغتراب مرتبط تماماً بالحضارة ومتطلباتها وأن إنهاء الاغتراب أمر مستحيل حتى لو تم إلغاء المجتمع الطبقي. ويرى الوجوديون أن الاغتراب حالة نهائية، فكل إنسان يحيا ويموت وحيداً، غريباً عن نفسه وعن الآخرين. وثمة ارتباط (وأحياناً ترادف) بين التشيؤ والتوثن والاغتراب يظهر في بعض جوانب المجال الدلالي للاغتراب: 1 ـ فالاغتراب هو فقدان الإنسان العلاقة مع مشاعره الإنسانية الدفينة العميقة واحتياجاته الإنسانية. 2 ـ الاغتراب يعني إحساس الإنسان بتزايد هيمنة الإجراءات البيروقراطية اللا شخصية على حياته (بل إن ثمة ترابطاً بين الاغتراب والترشيد في الإطار المادي) . 3 ـ الاغتراب يعني إحساس الفرد بالعجز وشعوره بأنه غير قادر على التأثير في المواقف الاجتماعية المحيطة به. 4 ـ الاغتراب هو الإحساس بالعزلة وانفصال الفرد عن تيار الثقافة السائد. 5 ـ الاغتراب هو الإحساس بغياب المعنى واللا معيارية. ولعل إبهام مصطلح «الاغتراب» يعود إلى تأرجح مضمونه بين «المرجعية المتجاوزة» و «المرجعية المادية الكامنة» ، وإلى أن الحقل الدلالي متشعب يصف جوانب متعددة للظاهرة التي نشير إليها بمصطلح «العلمانية الشاملة» . اللامعيارية (اللاعقلانية المادية ( » اللامعيارية» (التي يُشار إليها أيضاً بـ «التفسخ» ) هي ترجمة للكلمة الفرنسية أو الإنجليزية «أنومي anomie» التي تُستخدَم بالهجاء الفرنسي في كلتا اللغتين، وهي من كلمة يونانية تعني «بلا قانون» أو «ناموس» . والكلمة تعني فقدان المعايير وغياب أي اتفاق جوهري أو إجماع بشأنها في المجتمع الحديث (الذي تتآكل فيه القيم والتقاليد) . وكان دوركهايم أول من َطوَّر المصطلح فبيَّن أن حالة اللامعيارية تنشأ في حالة انتقال المجتمع من التضامن الآلي إلى التضامن العضوي قبل اكتمال مؤسسات المجتمع العضوي. ويذهب دوركهايم إلى أن السعادة البشرية والنظام الاجتماعي يعتمدان على درجة من التنظيم الاجتماعي من قبَل المجتمع وعلى الإجماع، وبدونهما تسقط الطبيعة البشرية فريسة "لمرض التطلع اللامتناهي" ويفشل المجتمع في تحقيق الطمأنينة لأعضائه. ومما يزيد الأمر سوءاً أن المؤسسات الوسيطة التي تُوجَد في المجتمعات التقليدية تختفي تماماً في العصر الحديث، الأمر الذي يترك الفرد وحيداً في مواجهة حالة اللامعيارية هذه. وأحد أشكال تزايد معدلات اللامعيارية هو تزايد معدلات الانتحار. ويُستخدَم الاصطلاح أحياناً كمرادف لمصطلح «الاغتراب» حيث يصبح الفرد بلا جذور فيفقد الاتجاه، ويسبب له هذا اختلالاً نفسياً. وقد عدَّل روبرت مرتون معنى كلمة «أنومي» قليلاً. فبدلاً من الحديث عن غياب المعيارية، تحدَّث عن الصراع بين المعايير، أي أن حالة الأنومي تظهر حينما يواجه المرء أهدافاً غير متسقة في حياته، أو حينما يُطرَح عليه حلم مستحيل (هدف نهائي دون توفير الوسائل التي تُمكِّنه من تحقيق الهدف) ، أو حينما تتناقض الأهداف الاجتماعية مع المقاييس السلوكية التي تساعد على تحقيقها. ففي الولايات المتحدة ـ على سبيل المثال ـ يؤكد الحلم الأمريكي أن تحقيق الثروة هو الهدف من الحياة، وهو ما عُبِّر عنه بمقولة "من الأسمال إلى الثروة"، ولكن الوسائل المتاحة لتحقيق هذا محدودة جداً والفرد الأمريكي لا يتمكن من تحقيق حلمه من خلال القنوات الشرعية مهما قمع ذاته وبذل من تضحيات (على عكس ما تزعمه الأسطورة) . ولذا، تبدأ حالة الأنومي في الظهور ويلجأ الفرد لوسائل غير مشروعة مثل الانحراف والجريمة وتعاطي المخدرات، إما لتحقيق الهدف المستحيل أو لتحقيق التوازن الذي فقده الإنسان نتيجة الحلم المستحيل. ويمكن أن نضيف إلى كل هذا اكتشاف الفرد تفاهة الحلم أو المثل الأعلى الذي يسعى إلى تحقيقه. ففي المجتمعات الاستهلاكية، كثيراً ما يقوم الفرد بعملية قمع هائلة لإنسانيته وتلقائيته ويحقق النجاح المنشود ويصل إلى الفردوس الأرضي ويحقق الثراء ويمتلك كل ما يفترض فيه أنه سيحقق السعادة له (منزلاً كبيراً ـ منزلاً صيفياً ـ قارباً ـ سيارتين ـ زوجة ـ طفلين ـ كلب.. إلخ) . ولكنه يكتشف أن ثمة فراغاً في حياته، وأنه لا يمارس أي إشباع روحي رغم النجاح المادي الكامل (فالنجاح لم يحقق جوهره الإنساني المتكامل المركب المتجاوز) . وهنا يصاب المرء بحالة الأنومي، فيتمرد على وضعه بأن يقرر أن يجرب الفشل بدلاً من النجاح، والفقر بدلاً من الثراء، والحياة البوهيمية بدلاً من الانضباط الشديد الذي أدى إلى نجاحه. ويمكن أن نطور المصطلح ليكتسب بُعداً معرفياً ونقول إن اللامعيارية إمكانية كامنة في النماذج المادية التي تطمح لأن يولِّد الإنسان المعيارية إما من عقله أو من الطبيعة/المادة. ومن خلال التطور يكتشف الإنسان أن عقله بدون مرجعية يدور حول ذاته ويُقدس القوة وأن الطبيعة/المادة هي حركة بلا غاية أو هدف ومن ثم لا تَصلُح مصدراً للمعيارية. ومن ثم يتم الانتقال من العقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية ومن التحديث والحداثة إلى ما بعد الحداثة، واللامعيارية هي جوهر ما بعد الحداثة. |
|
في الفرنسية/ Homme
في الانكليزية/ Man في اللاتينية/ Homo الإنسان أصله انسيان، لأن العرب قاطبة قالوا في تصغيره (أنيسيان)، وهو إما فعليان من الانس، والألف فيه فاء الفاعل، وإما أفعلان من النسيان، حتى لقد قيل انه سمي انسانا، لأنه عهد اليه فنسي، والإنسان للذكر والانثى، ويطلق على أفراد الجنس البشري. ومن أساليب القرآن انه، اذا كان المقام مقام التعبير عن المفرد، يذكر الإنسان نحو كل انسان ألزمناه، وإذا كان مقام التعبير عن الجمع، يذكر الناس، نحو ان اللّه لذو فضل على الناس. وأكثر ما أتى في القرآن باسم الإنسان عند ذم وشر: قتل الإنسان ما أكفره، وكان الإنسان عجولا (راجع كليات أبي البقاء). والنسبة إلىالإنسان إنساني، كالنفس الإنسانية، والعقل الإنساني، والصورة الإنسانية، والقوى الإنسانية، والأعمال الإنسانية. الخ. والفرق بين الإنسان والرجل عند علماء الشريعة أن الإنسان جنس، والرجل نوع، كالمرأة، أما عند المناطقة فانّ الإنسان نوع، والحيوان جنس. وسواء أ كان الإنسان نوعا من الرئيسات ( Primates)، كما يقول علماء الحيوان، أم كان ذا مرتبة خاصة تميزه عن سائر الأنواع الحيوانية، فإنّ بنيته قريبة من بنية الثدييات العالية، ووظائفه العضوية شبيهة بوظائفها. والصفات التي يتميز بها الإنسان عن سائر الحيوانات هي انتصاب قامته، وضخامة فحقة، ووزن دماغه، وقدرته على الكلام، وبشرته العارية من الوبر، ورأسه المملوء من الشعر، وأنفه البارز فوق فمه، وذقنه البارزة، ويداه الممتدتان في استقامة ذراعيه، ورجلاه العموديتان على ساقيه، ونمو عضلات فخذيه وأوراكه الخ. وللانسان من حيث هو كائن حي عدة وظائف كالتغذي، والاحساس، والحركة، والتوليد. وظائف التغذي هي التنفس، ودوران الدم، والهضم، والتمثيل، والافراز. والإنسان، عند الفلاسفة، هو الحيوان الناطق (تعريفات الجرجاني)، الحيوان جنسه، والناطق فصله. قال (ابن سينا): ليس الإنسان إنسانا بأنه حيوان، أو مائت، أو أي شيء آخر، بل بأنه، مع حيوانيته، ناطق (النجاة، ص 11). وقال أيضا عند كلامه على المعاني التي تلتئم منها حقيقة الإنسان: مثال ذلك الإنسان، فإنه يحتاج أن يكون جوهرا، ويكون له امتداد في أبعاد تفرض فيه طولا وعرضا وعمقا، وان يكون مع ذلك ذا نفس، وأن تكون نفسه نفسا يغتذي بها، ويحس، ويتحرك بالارادة، ومع ذلك يكون بحيث يصلح أن يتفهم المعقولات ويتعلم الصناعات ويعلمها ... فإذا التأم جميع هذا حصل من جملتها ذات واحدة، هي ذات الإنسان (الشفاء، المدخل إلىالمنطق، ص 29، طبعة القاهرة). وقال الفارابي: ان الإنسان منقسم إلىسر وعلن، أما علنه، فهو الجسم المحسوس بأعضائه وامتساحه، وقد وقف الحس على ظاهره، ودل التشريح على باطنه، وأما سرّه، فقوى روحه (رسالة فصوص الحكم، 30). ويرى الفلاسفة الإلهيون ان الإنسان هو المعنى القائم بهذا البدن، ولا مدخل للبدن في مسمّاه، وليس المشار اليه بأنا هذا الهيكل المخصوص، بل الإنسانية المقومة لهذا الهيكل، فالإنسان إذن شيء مغاير لجملة أجزاء البدن. ولكن جمهور المتكلمين يرون أن الإنسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة المحسوسة، وعن هذا الهيكل المجسم المحسوس، فإذا قال: أنا أكلت، وشربت، ومرضت، وخرجت، ودخلت، وأمثالها، فانما يريد بذلك البدن، وعبارة الأشعري: ان الإنسان هو هذه الجملة المصورة ذات الأبعاض والصور. والحق ان الإنسان مؤلف من هذه الجملة الحسية المصورة، ومن تلك الجملة النفسية المؤلّفة من الحالات المتداخلة، كالانفعال، والاحساس، والادراك، والتعقل، والارادة، فهو إذن جسم، وعقل. قال (باسكال): ليس الإنسان ملكا ولا حيوانا، ومن تعاسته انه، اذا أراد أن يكون ملكا، صار حيوانا. ويرى بعض الصوفية أن الإنسان الكامل الحقيقي هو البرزخ بين الوجوب والامكان، والمرآة الجامعة بين صفات القدم، وصفات الحدثان، وهو الواسطة بين الحق والخلق. وبه، وبمرتبته يصل فيض الحق، والمدد الذي هو سبب بقاء ما سوى الحق، إلىالعالم كله علوا وسفلا، ولولاه لم يقبل شيء من العالم المدد الالهي. قال الجرجاني في تعريفاته: الإنسان الكامل هو الجامع لجميع العوالم الالهية، والكونية، والجزئية، وهو كتاب جامع للكتب الالهية والكونية، فمن حيث روحه وعقله كتاب عقلي مسمى بأم الكتاب، ومن حيث قلبه كتاب اللوح المحفوظ، ومن حيث نفسه كتاب المحو والاثبات ... فنسبة العقل الأول إلىالعالم الكبير وحقائقه بعينها نسبة الروح الإنساني إلىالبدن وقواه، وان النفس الكلية قلب العالم الكبير، كما ان النفس الناطقة قلب الإنسان، ولذلك يسمى العالم بالإنسان الكبير. الإنسان الصانع ( faber Homo) هو الإنسان من جهة ما هو صانع ماديا ومعنويا، انه يصنع الأشياء ويصنع نفسه، ويقابله الإنسان العاقل pensee La., Bergson. H). (105. p, mouvant le et والإنسان العاقل Homo) Sapiens) هو الإنسان الذي يتولد من تفكير الإنسان الصانع في صنعه، وهو تفكير ومعرفة وارادة. والإنسان الاقتصادي Homo) oeconomicus) هو الإنسان الذي يكون سلوكه محددا بالمصالح الاقتصادية وحدها دون أي دافع عاطفي أو اخلاقي أو ديني. |
|
في الفرنسية/ Humanite
في الانكليزية/، mankind, Humanity humaneness في اللاتينية/ Humanitas الإنسانية تدل على ما اختص به الإنسان من الصفات، وأكثر استعمال هذا اللفظ، في اللغة العربية، إنما هو للمحامد، نحو الجودة، والكرم، وغيرها. والإنسانية عند الفلاسفة القدماء هي المعنى الكلي المجرد الدال على ما تتقوم به ماهية الإنسان. والدليل على ذلك قول (ابن سينا): مثل الإنسانية، فانها في نفسها حقيقة ما، وماهية، ليس أنها موجودة في الأعيان، أو موجودة في الأذهان مقوما لها، بل مضاف اليها، ولو كان مقوما لها، لاستحال أن يتمثل معناها في النفس، خاليا عما هو جزؤها المقوم (الاشارات ص 8). والإنسان عندهم لا يبلغ أعلى مراتب الإنسانية إلا بإخراج ما في قوته إلىالفعل، حتى يصبح إنسانا كاملا. قال صاحب الرسالة الجامعة: و لذلك قال الحكيم إنه من كان للعلم ألزم، وعليه أحرص، وأدوم، وفيه أرغب، فهو إلىكمال الإنسانية أقرب (الرسالة الجامعة، الجزء الأول، ص 92). وقال (أبو حيان التوحيدي): الإنسانية أفق، والإنسان متحرك إلىأفقه بالطبع، ودائر على مركزه، إلا أنه مرموق بطبيعته، ملحوظ بأخلاق بهيمية. ومن رفع عصاه عن نفسه، وألقى حبله، وسيّب هواه في مرعاه، ولم يضبط نفسه عما تدعو اليه بطبعه، وكان لين العريكة لاتباع الشهوات الردية، فقد خرج عن أفقه وصار إلىأرذل من البهيمية لسوء ايثاره (المقابسات ص 137، المقابسة 37). وللانسانية في الفلسفة الحديثة ثلاثة معان: 1) الإنسانية هي المعنى الكلي الدال على الخصائص المشتركة بين جميع الناس، كالحياة، والحيوانية، والنطق، وغيرها. وهذا المعنى شبيه بالمعنى القديم الذي نجده عند فلاسفة العرب. 2) الإنسانية هي مجموع خصائص الجنس البشري المقومة لفصله النوعي، التي تميزه عن غيره من الأنواع القريبة. مثال ذلك قواعد أوغوست كومت): ان المثال الأساسي للتطور الإنساني فرديا كان أو جماعيا يقوم في علم الاجتماع الوضعي على تغلب إنسانيتنا على حيوانيتنا de Cours ,Comte Auguste ),lecon e 59 ,Positive philosophie( 721 ,VI ,edition e 4 ,finem ad( راجع أيضا لالاند، Lalande Humanite, art, Vocabulaire). 3) مجموع افراد النوع الإنساني من حيث انهم يؤلفون موجودا جماعيا، قال (اوغوست كومت): ان الفلسفة العامة المستنتجة من الدراسات الوضعية تعد الإنسان- أو الإنسانية- أول الكائنات المعلومة. وهو يقيد هذا اللفظ أحيانا، فيطلقه على مجموع أفراد الجنس البشري الذين أسهموا في تنمية الصفات الإنسانية إسهاما فعليا. وهذا المعنى الأخير هو المعنى المقصود بقوله: الإنسانية هي الموجود الأعظم. |