نتائج البحث عن (ديش) 33 نتيجة

ديش: الدِّيشُ: قبيلة من ابني الهُونِ. الليث: دِيش قبيلة من بني الهون بن خزيمة وهم من القارَةِ، وهم الدِّيشُ والعَضَلُ ابنا الهون بن خزيمة، قال الجوهري: وربما قالوه بفتح الدال، وهو أَحد القارة، والآخَرُ عَضَلُ بنَ الهون يقال لهما جميعاً القارة.
د ي ش

الدِّيشُ قَبِيلةٌ من بَنِي الْهُونِ والْهُوزِ
ديش
. {{الدِّيشُ، بالكَسْرِ: الدِّيك، لُغَةٌ فِيهِ، عِنْدَ مَنْ يَقْلِبُ الكَافَ شِيناً، شَبَّه كافَه بكافِ المؤنّث لِكَسْرَتِهَا، وأَنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
(وإِنْ تَكَلَّمْتِ حَثَتْ فِي فِيشِ...حَتَّى تَنِقِّي كنَقِيقِ الدِّيشِ)
وسَيَأْتِي بَقِيَّةُ ذلِكَ فِي ك ش ك ش. والدِّيشُ ابنُ الْهُونِ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ وهُوَ أَحَدَ القَارَةِ، وقَدْ يُفْتَحُ، والآخَرُ: عَضَلُ بنُ الهُونِ، يُقَالُ لَهُمَا جَمِيعاً: القَارَةُ، كمَا فِي الصّحاح. قُلْتُ: والَّذِي فِي أَنْسَابٍ ابنِ الكَلْبِيّ: وَلَدَ الهُونُ بْنُ خُزَيْمَةَ مُلَيْحَ بنَ الهُونِ، مِنْ وَلَدِه حُلْمةُ والدِّيشُ أَوْلادُ مُحَلِّم بنِ غالِبِ بنِ عائِذَةَ، فَيُقَالُ لِبَنِي خُزَيْمَةَ: الأَبْنَاء، وبَنو الدِّيِش يُقَالُ لَهُم: القَارَة، ووَلَدُ الدِّيشُ بن مُحَلّم عَضَلَ بنَ الدِّيش والأَيْسَرَ بنَ الدِّيشِ.}}
ودَائشٌ: من أَعْلامِ النَّصارَى، وَقَالَ الصّاغَانِيّ: عَلَمٌ، واقْتَصَرَ عَلَيْه.
[ديش]الديش: ابن الهون بن خزيمة. وربما قالوه بفتح الدال. وهو أحد القارة، والآخر عضل بن الهون، يقال لهما جميعا: القارة.
(الكديش) الْفرس غير الْأَصِيل (محدثة)
ديش: دِيْشُ: اسْمٌ. دوش: الدَّوَشُ: ضَعْفُ البَصَرِ وضِيْقُ العَيْنِ، دَوِشَتْ عَيْنُه دَوَشاً: فَسَدَتْ، ورَجُلٌ أدْوَشُ. وقيل: هُوَ حَوَلُ إحْدى العَيْنَيْنِ.
ديش: دايش: بادل، قايض، (داكش) (بوشر، بربرية، همبرت ص104 بربرية).
ديش بوداق، (تركية): مُرّان، دردار (بوشر).
أنديشة: شارة (شريط يوضع على الكتف دلالة على درجة السلطة) (همبرت 20) - انديشة صفراء: شارة ذهبية - انديشة بيضاء: شارة فضية (بوشر).
جُنْدَيْشَاهبُور:
هي التي قبلها بعينها جاء ذكرها في الشعر هكذا.
نَدِيشيّ
من (ن د ش) نسبة إلى نَدِيش بمعنى الكثير البحث وتناول الشيء، والكثير ضرب القطن ليرق.
قُدَيْش
صورة كتابية صوتية من كُدَيْش تصغير الكَدْش بمعنى الكد، والكسب.
قَدِيش
صورة كتابية صوتية من كَديش بمعنى الطارد، والكاسب، والدافع دفعا شديدا.
كديش
صورة كتابية صوتية من الكلمة أكديش أو الكديش، أو أكديج أو ايكديج. يستخدم للذكور.
كُدَيْش
من (ك د ش) تصغير ترخيم الكداش بمعنى الشحاد، أو تصغير الكدش بمعنى الجرح.
كَدِيش
من (ك د ش) الكثير الكدح والإحتيال لعياله.
بديش
عن الفارسية باديش بمعنى تورم يظهر على الوجه والتهاب.
الدِّيشُ: بالكسر: الديكُ، وابنُ الهُونِ بنِ خُزَيْمَةَ، وقد يُفْتَحُ. ودائشُ: من أعْلامِ النَّصارَى.

الجماعات اليهودية التحديث والثقافة - ثقافات الجماعات اليهودية - الأدب اليديشي

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

الأدب اليديشي
‏Yiddish Literature
إذا كان يَصُعب الحديث عن «أدب عبري» حتى عام 1948، باعتبار أنه أدب يتبع عدة تشكيلات حضارية مختلفة، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الأدب اليديشي المرتبط بتشكيل حضاري واحد في شرق أوربا، روسيا وبولندا على وجه الخصوص. ولذا، فإن مصطلح «الأدب اليديشي» مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية، خصوصاً إن ذُكر الانتماء القومي للكاتب باليديشية (بولندي، روسي، ... إلخ) . وظهرت أول أعمال أدبية يديشية في القرن السادس عشر، وكانت ترجمات للآداب الغربية وكُتُب الصلوات. وقد استخدم بعض دعاة حركة التنوير اللغة اليديشية، بدلاً من العبرية، كلغة للتعبير الأدبي باعتبار أنها لغة حية وتتحدث بها الجماهير اليهودية من يهود اليديشية. ثم ظهر أساطين الأدب اليديشي وأهمهم إسحق بيريتس، وشالوم عليخيم، ومندلي موخير سيفوريم، الذين كتبوا أعمالاً روائية بالأساس. كما ظهر مسرح يديشي عام 1870 (مع تعثُّر التحديث في الإمبراطورية الروسية) ، ولكنه لم يتطور وينمو إلا في الولايات المتحدة والأرجنتين حيث حمل المهاجرون الروس اليهود اللغة أو اللهجة اليديشية معهم، والتي أصبحت لغة الشارع اليهودي في المهجر. وكانت هناك مراكز للأدب اليديشي أينما هاجر يهود اليديشية، لكن المركز الأساسي كان في بولندا وروسيا ثم الولايات المتحدة. وربما كان الاستثناء الوحيد من القاعدة هو فلسطين حيث كانت المؤسسة الصهيونية تعارض اللغة اليديشية.

تمتع الأدب اليديشي بمرحلة من الازدهار والإبداع الأدبي ساعد عليها حزب البوند والتنظيمات العمالية اليهودية التي تبنت اليديشية كلغة للجماهير اليهودية في شرق أوربا. لكن فترة الازدهار هذه كانت قصيرة للغاية، فاليديشية لم تُستخدَم كلغة للتعبير الأدبي إلا في نهاية القرن التاسع عشر، أي أنه لم يكن هناك تراث أدبي يديشي. وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ظهرت عوامل حضارية وسياسية قضت على فرص هذا الأدب في التطور من أهمها أن يهود اليديشية أنفسهم اندمجوا في محيطهم الحضاري (السوفيتي والأمريكي) ، واختفت اليديشية كلغة للتعامل. كما أن العقول المبدعة من بين أعضاء الجماعات اليهودية تبدع عادةً من خلال التشكيل الحضاري الذي تنتمي إليه ومن خلال لغة المجتمع الذي تعيش في كنفه، خصوصاً إذا كان المجتمع متسامحاً معهم، ويتيح لهم بعض فرص الحراك الاجتماعي والاقتصادي. ولذا، يُلاحَظ أن أساطين الأدب اليديشي الذين ماتوا مع أواخر الحرب العالمية الأولى، مثل: بيريتس (1915) وشالوم عليخيم (1916) ومندلي موخير سيفوريم (1917) ، لم يَخلُفهم أحد في مستواهم الأدبي. ومما لا شك فيه أن الإبادة النازية لليهود، خصوصاً يهود اليديشية، والتصفيات الستالينية في الاتحاد السوفيتي، ساهمت في القضاء على كثير من كُتَّاب اليديشية. ولكن يظل العنصر الأساسي اختفاء جماهير اليديشية. ولذا، لم يَعُد من المجدي للأدباء الكتابة بهذه اللغة، ونجد كاتباً مهماً وشهيراً (مثل باشيفيس سنجر) ينتقل إلى الكتابة بالإنجليزية، أو يكتب باليديشية مدركاً أن عمله الأدبي سيترجم إلى الإنجليزية. هذا، رغم عدم تعرض يهود الولايات المتحدة لإبادة أو تصفية أو اضطهاد. وكانت تَصدُر في الاتحاد السوفيتي مجلة سوفيتيش هايملاند، وهي مجلة أدبية يديشية.
مندلي موخير سفوريم (1836-1917 (
‏Mendle Mocher Sephorim

أديب يكتب بالعبرية واليديشية اسمه الحقيقي «شالوم جيكوب أبراموفيتش» ، أما اسمه الأدبي فهو «مندلي موخير سفوريم» وهي عبارة عبرية تعني «مندلي بائع الكتب» . وُلد في روسيا وتلقى تعليماً تقليدياً. ويُعَدُّ مندلي أحد مؤسسي الأدب اليديشي. قابل وهو بعد في سن السابعة عشرة متسولاً يُسمَّى أبراهام الأعرج أقنعه بأن ينضم إلى جماعة المتسولين التي كان يرأسها أو يديرها. وبعد فترة من التسول والتنقل بين المدن، فرَّ مندلي من الجماعة والتقى بأحد دعاة حركة التنوير الذي لقنه تعليماً حديثاً بما في ذلك الروسية والألمانية والرياضيات وأثر فيه تأثيراً عميقاً إذ استوعب مندلي مُثُل الحركة والفلسفة الوضعية. ودعا مندلي إلى علمنة أسلوب حياة اليهود، وكان من أوائل دعاة حركة التنوير ثم الصهيونية.
تأثر مندلي بأعمال تورجينيف وفيكتور هوجو، وكتب بالعبرية دون أن يحالفه النجاح. وفي عام 1864، قرر أن يكتب باليديشية وهو قرار كان يُعَدُّ خطوة جريئة نظراً لأن اليديشية كان يُنظَر إلىها باعتبارها رطانة فاسدة لا تستحق أن يكتب بها المثقفون، كما لم يكن هناك أدب جاد مكتوب بها إذ اقتصرت الأعمال المكتوبة بهذه الرطانة على الصلوات وبعض القصص الشعبية. ولكن مندلي ارتأى أن هذه هي لغة الجماهير اليهودية التي يجب أن يصل إليها. وحتى ينجز ذلك، خلق شخصية أدبية هي شخصية بائع كتب، واختار لنفسه هذا الاسم الأدبي الذي اشتهر به. أحدثت كتاباته ثورة في عالم الأدب اليديشي، إذ صور الجيتو بطريقة واقعية وشاملة: شخصياته وعاداته ونكاته ومآسيه، ولكنه كان تصويراً مشوباً بالتعاطف رغم قسوته في الوصف.

وكان من أوليات أعماله اليديشية رواية الرجل الصغير (1864)
، ومسرحية ضريبة اللحم (1869) ، وهي مسرحية انتقادية يسخر فيها من المؤسسة اليهودية التي صارت أداة في يد القهر القيصري. ومن أهم أعماله الأخرى فيشكه المتسول (1869) التي تستند إلى تجربته الشخصية وتروي قصة حب حزينة بين فشكه وفتاة متسولة. أما رواية المهر العجوز (1873) ، فهي قصة رمزية عن تجربة يهود شرق أوربا، أي يهود اليديشية.
وعاد مندلي إلى الكتابة بالعبرية بعد عام 1886 وحقق نجاحاً لا بأس به. وكانت أولى رواياته العبرية هي مكان الرعد الخفي (1886) . ومن أهم أعماله الأخرى بالعبرية الحلقات التلمودية السماوية والأرضية (1894 - 1895) حيث يصف انقسام أعضاء الجماعة اليهودية بين الاندماجيين والأرثوذكس والصهاينة ويقدم وجهات نظرهم المتصارعة. ويظهر المؤلف نفسه كأحد شخصيات الرواية، ولكن موقفه يتسم بالتردد، فيدافع عن حركة التنوير تارة وعن الأرثوذكسية طوراً وعن الصهيونية مرة ثالثة.
ولكن، مع هذا، يمكن القول بأن ما يسم أعماله ليس تردده وإنما سخريته العميقة من حياة أعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا، الأمر الذي حدا ببعض النقاد إلى المطالبة بتطهير قصصه من تلك الفقرات التي يعدونها شرسة في هجومها. وقد ترك مندلي أثراً عميقاً في الأدباء الذين كتبوا بالعبرية واليديشية من بعده.
إسحق بيريتس (1851-1915 (
‏Isaac Peretz

شاعر ومؤلف وُلد في بولندا وكتب بالعبرية واليديشية. تأثر بالفكر الحسيدي في مقتبل حياته، لكنه اطلع على فكر حركة التنوير وتأثر به، وكان أول أعماله الأدبية مجموعة من القصائد بالعبرية (1877)
ثم نشر في عام 1888 قصيدة «مونيش» باليديشية، وهي قصيدة طويلة تتناول حياة الجماعة اليهودية في شرق أوربا أي يهود اليديشية. وقد ذاع صيته بعد ذلك، واُعتبر أحد مؤسسي الأدب اليديشي. ومن أهم أعماله النثرية صور من رحلة ريفية (1891) حيث وصف الفقر والذل في منطقة الاستيطان. وقد كتب أيضاً قصصاً قصيرة باليديشية من أشهرها «مناظر مألوفة» عام 1890. وكتب مسرحية بالعبرية ثم ترجمها إلى اليديشية بعنوان في السوق القديم ليلاً (1907) ، وهي صورة بانورامية للوجود اليهودي في بولندا.
شالوم عليخيم (1859-1916 (
‏Shalom (Sholem)
Aleichem
كاتب يديشي اسمه الحقيقي «شالوم رابينوفتس» ، أما اسمه الأدبي فهو «شالوم عليخيم» ، وهي عبارة عبرية تعني «السلام عليكم» . وُلد في أوكرانيا وكان أبوه تاجراً ميسور الحال، مهتماً بفكر حركة التنوير. وقد تدهورت الأحوال المالية للأسرة، كما ماتت أم شالوم وتزوج أبوه مرة ثانية. وكان أول أعمال شالوم، الذي كان يتمتع بموهبة السخرية، معجم باليديشية للشتائم واللعنات التي عادةً ما كانت تصبُّها زوجة الأب على رؤوس أولاد زوجها. كما كتب شالوم بعض المقالات وبعض الأعمال الأدبية بالعبرية. ولكنه، ابتداءً من عام 1883، قرَّر أن تكون كل أعماله باليديشية، وأصبح بذلك أحد مؤسسي الأدب اليديشي. واتخذ لنفسه اسماً أدبياً ينشر به لأنه لم يكن يجرؤ على أن ينشر بهذه الرطانة التي كانت محط احتقار المثقفين اليهود الذين كانوا يكتبون إما باللغات الأوربية أو بالعبرية، لغة النخبة.

وقد نجح شالوم عليخيم في أن يخلق عالماً مُحدَّد المعالم، سجل فيه حياة يهود شرق أوربا بكل تفاصيلها وبطريقة تختلط فيها المأساة بالملهاة. وأصبحت شخصياته جزءاً من مصطلح يهود اليديشية، فمثلاً إن أشار أحدهم إلى أن فلاناً أصبح «مناحيم مندل» فإن هذا يعني أنه شخص خيالي صاحب مشاريع لا يمكن أن تتحقق. وقد حاول مناحيم هذا، كما رسمه شالوم عليخيم، أن يعمل كخاطبة نظير أجر، لكنه اكتشف أنه كان يرتب زواجاً بين فتاتين. ومن أهم شخصياته «طوبيا اللبان» ، وهو فلاح جاهل يضرب بجذوره في الأرض لا تتعدى ثقافته ثقافة يهود اليديشية، وهو يقتبس كلمات العهد القديم دون أن يدرك معناها على وجه الدقة ولكنه يعرف معناها على وجه العموم. وقد استُخدمت هذه الشخصية في المسرحية الغنائية الشهيرة «عازف الكمان على السطوح» بعد أن أُعطيت بُعْداً صهيونياً. ويُعَدُّ شالوم عليخيم من أهم كُتَّاب اليديشية إن لم يكن أهمهم على الإطلاق.
س. آن-سكي (1863-1920 (
‏S. An-Ski
واحد من أهم أدباء اليديشية ومن المهتمين بفلكلور يهود اليديشية اسمه الحقيقي شلوبيم زانفيل رابابورت. وُلد في روسيا البيضاء وكان أبوه وكيلاً لأحد المُلاَّك الزراعيين من بقايا يهود الأرندا، وكانت أمه تُسمَّى حنا أو أنَّا (وقد يكون هذا هو مصدر اسمه المستعار)
. تأثر بفكر حركة التنوير وحركة الشعبيين الروس (نارودنكي) وبالفكر الاشتراكي، فترك منزله وهو بعد في السادسة عشرة وذهب ليعيش بين العمال والفلاحين الروس حيث عمل حداداً وعاملاً ومدرساً. واضطر إلى الهرب إلى باريس عام 1892 بسبب نشاطه الثوري، وعاد منها عام 1905.

كتب أن سكي مؤلفاته بالروسية، ولكنه انضم عند عودته إلى حزب البوند وبدأ يكتب باليديشية قصصاً وأساطير عن فقر يهود روسيا، كما نظم أنشودة حزب البوند (القَسَم) . وبدأ يهتم بالفلكلور، فانضم إلى بعثة لجمع الفلكلور اليديشي (نظمها المليونير الروسي اليهودي البارون جونزبورج) . وقد مات أن سكي في وارسو.
تبلغ الأعمال الكاملة لآن سكي خمسة عشر جزءاً، لكن أهم أعماله وأشهرها هي مسرحية الديبوق (الالتصاق) التي نُشرت عام 1919. وقد ترجمت هذه المسرحية إلى عدة لغات، وتدور أحداثها حول رجل وحبيبته لا يتم زواجهما بسبب جشع والدة الحبيبة، ويموت الحبيب لكنه بمساعدة آليات القبَّالاه ينجح في أن يتلبَّس جسد حبيبته، وحينما ينجح الحاخامات في طرد روحه تموت الحبيبة وتلتحم روحاهما. ولم تُمثَّل المسرحية إلا بعد وفاة آن سكي، لكنها لاقت نجاحاً كبيراً. وتم إخراجها سينمائياً عدة مرات، كما أن هناك أوبرات ومسرحيات موسيقية مُقتَبسة منها.
شوليم آش (1880-1957)
‏Sholem Asch

روائي وكاتب مسرحي. تلقى تعليماً دينياً حتى سن السابعة عشرة، ثم تعرَّف على فكر حركة التنوير. كتب أول أعماله بالعبرية، ولكن أهم أعماله كتبه باليديشية. أحرز شهرة في الأوساط اليديشية بروايته المدينة. ومن رواياته الأخرى أمريكا، وموتكي اللص. وتُعَدُّ مسرحيته رب الانتقام من أهم المسرحيات اليديشية. هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1910 حيث استمر في الكتابة باليديشية. وتصور روايتاه المدن الثلاث والخلاص جوانب من حياة يهود اليديشية في أوربا. أما روايته النهر الشرقي فتتناول حياة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. حاول في رواياته الأخيرة، موسى والنبي والناصري أن يضيق الهوة العقائدية بين اليهود والمسيحيين بأن يبيِّن ما تصوَّره تراثهم الروحي المشترك. وأثار هذا غيظ الأوساط الأرثوذكسية واليديشية عليه، فاتُهم بالقيام بنشاط تبشيري. استقر شوليم في إسرائيل قبل وفاته بعامين، ولا ندري سبب اتخاذه هذه الخطوة مع أن أدبه ذو نزعة يديشية وإنسانية عالمية معادية للصهيونية. ولعل ذلك يعود إلى اختفاء قراء اليديشية في الولايات المتحدة.
سولومون ميخولز (1890-1948 (
‏Solomon Mikhoels
ممثل في المسرح اليديشي. وكان المدير اليهودي لمسرح الدولة، ورئيس لجنة معاداة الفاشية في الاتحاد السوفيتي. قُتل في حادث سيارة، ويُقال إن البوليس السري السوفيتي قام بتدبير ذلك الحادث. وفي عهد جورباتشوف، تم تأسيس مركز ثقافي في الاتحاد السوفيتي سُمِّي باسمه ولكنه أُغلق بعد قليل.
بيريتس ماركيش (1895-1952 (
‏Peretz Markish

شاعر وروائي وكاتب مسرحي روسي كان يكتب باليديشية. وُلد في فولينيا وتلقَّى في صباه تعليماً دينياً يهودياً تقليدياً، ثم تلقَّى بعض الدراسات الجامعية في أوديسا. وكان ماركيش العضو الأصغر في ثلاثي كييف الأدبي الذي ضم إلى جانبه الأديبين هوفشتاين وكفيكو. وقد أصدر معهما مجموعة من الأعمال الأدبية والشعرية تضم الشعر والأدب اليديشي الحديث، وتشيد بالثورة والدولة السوفيتية الجديدة، كما تعبِّر عن تجارب الحرب العالمية الأولى وأعمال الهجوم ضد اليهود. وترك ماركيش روسيا عام 1919، فانتقل إلى بولندا وزار فرنسا وانجلترا وفلسطين. وأسس في وارسو مجلة أدبية. وفي عام 1922، شارك مع الكاتب إسرائيل جوشوا سنجر في تحرير أول مجموعة من المختارات الأدبية، وأصدر مجموعة ثانية في باريس بالتعاون مع فارشافسكي ومارك شاجال الذي شارك برسومه.
عاد ماركيش مرة أخرى إلى الاتحاد السوفيتي عام 1926 بعد أن أصيب بخيبة أمل من وضع الجماعة اليهودية في بولندا وتزايد الاتجاهات المعادية لهم. وقد أصبح من الشخصيات الأدبية البارزة في الاتحاد السوفيتي وأصدر قصائد عديدة تشيد بالنظام السوفيتي وبستالين، كما تم عرض العديد من مسرحياته على المسارح اليديشية والروسية في أنحاء الاتحاد السوفيتي حيث كانت تتناول مواضيع تحول الجماهير اليهودية إلى العمل المنتج سواء في الزراعة أو الصناعة واستيعابهم في البناء الاشتراكي الجديد.
عمل ماركيش سكرتيراً لجمعية الكتاب اليهود، وتلقَّى وسام لينين عام 1939. وفي عام 1942، عمل كمراسل صحفي على الجبهة الروسية الألمانية. وقد كانت أعماله خلال فترة الحرب تتسم بوطنيتها الشديدة والحزن على مصير اليهود. وتم إلقاء القبض عليه عام 1948 مع غيره من الكُتَّاب والأدباء الروس اليهود، وأخيراً أُعدم عام 1952. ورُدَّ الاعتبار إليه بعد موت ستالين ونُشرت قصائده بالروسية عام 1957.
إسحق فيفر (1900-1952)

‏Isaac Fefer

شاعر وناقد وكاتب مسرحي روسي كان يكتب باليديشية. وُلد في أوكرانيا وعمل منذ وقت مبكر في مطبعة. وانضم إلى حزب البوند كما اشترك في الحرب الأهلية الروسية التي أعقبت ثورة 1917. وفي سنة 1919، انضم إلى الحزب الشيوعي، وهي السنة نفسها التي نشر فيها أول أشعاره في جريدة العلم الشيوعي في كييف. وأصبح فيفر من أبرز أدباء اليديشية السوفييت، وكانت قصائده تتناول تجاربه خلال الحرب الأهلية وعمليات الهجوم ضد اليهود، كما كانت تتناول التحولات الاجتماعية بين الجماعة اليهودية في ظل الدولة السوفيتية. ومن بين قصائده قصيدة «ستالين» الشهيرة، و «أنا اليهودي» التي كتبها خلال الحرب العالمية الثانية، و «ظلال جيتو وارسو» . كما كتب قصائد حول تجربة بيروبيجان. وفي عام 1933 أصدر كتاباً حول الأدب اليديشي في الدول الرأسمالية هاجم فيه بحدة كُتَّاب اليديشية البارزين في هذه البلاد.
وقد خدم فيفر في الجيش الروسي خلال الحرب العالمية الثانية، كما زار الولايات المتحدة وكندا كممثل للجنة اليهودية المعادية للفاشية من أجل كسب دعم وتأييد الجماعة اليهودية في هذين البلدين للاتحاد السوفيتي في حربه ضد ألمانيا النازية.
تم إلقاء القبض على فيفر عام 1948 في ظل حكم ستالين، ضمن غيره من الكُتَّاب الروس اليهود، وأُعدم في عام 1952. وقد رُدَّ الاعتبار إليه بعد وفاة ستالين، كما تم إصدار أعماله مُترجَمة إلى الروسية في الاتحاد السوفيتي عام 1958.
إسحق باشيفيس سنجر (1904-1990 (
‏Isaac Bashevis Singer
صحفي وكاتب روائي يديشي. وهو شقيق الكاتب اليديشي إسرائيل سنجر. وُلد في بولندا لأسرة حاخامية، وكان أبوه يعقد بيت دين (محكمة شرعية)
في منزله. وتلقى باشيفيس تعليماً دينياً تقليدياً، وانغمس في الدراسات القبَّالية، إلا أنه درس أيضاً بعض العلوم الدنيوية. وتركت فيه هذه العناصر المختلفة والمتناقضة أعمق الأثر.

من أهم الموضوعات في رواياته ما سُمِّي بالنزعة المضادة للبروميثية (أو الفاوستية) التي تتبدَّى في روايته الشيطان في جوري (1953) حيث يستخدم البطل العارف بأسرارالقبَّالاه الصيغ القبَّالية المختلفة للسيطرة على الواقع ولكنه يقع، في نهاية الأمر، في قبضة الشيطان، تماماً مثل فاوستوس. وأبطال باشيفس لا سلطان لهم على عواطفهم الشيطانية التي تتملكهم.
هاجر باشيفيس سنجر إلى الولايات المتحدة عام 1935، وبدأت رواياته تظهر باليديشية (على هيئة حلقات في الصحف اليديشية) وكذلك بالإنجليزية، أي أنه كان يكتب لجمهورين مختلفين. ويُلاحَظ أن باشيفيس سنجر يربط بين العنصر الشيطاني البروميثي والجنس، وهذا يعود إلى أثر القبَّالاه فيه. وقد نُشرت أولى رواياته في الولايات المتحدة عام 1950 وهي رواية ملحمية واقعية عن وارسو قبل الحرب العالمية الثانية. وقد ظهرت روايات عديدة لباشيفيس، الضيعة (1967) ؛ وهي رواية واقعية تؤرخ لأسرة يهودية بولندية في القرن التاسع عشر، ولكنها رواية مُفكَّكة في بنيتها، ثم ظهرت لها تتمة بعنوان الضيعة (1970) . أما رواية ساحر لوبلين (1960) ، فهي تتناول مرة أخرى الموضوع الفاوستي ومخاطره. وتدور أحداث رواية العبد (1962) إبّان انتفاضة شميلنكي، وتتناول شخصية يهودي يحب ابنة الفلاح الذي استعبده. لكن تميُّز باشيفيس يتجلى في رواياته القصيرة جمبل (1957) ،وإسبينوزا شارع السوق (1961) ،والجمعة القصيرة (1964) .وكل هذه الروايات خلفيتها هي الشتتل الذي عادةً ما يزوره رسل الشيطان، وهي تتضمن تحليلات في المرض النفسي والشر الإنساني. وقد حصل باشيفيس سنجر على جائزة نوبل في الأدب.

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - بولندا قبل التقسيم ظهور يهود اليديشية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

يهود اليديشية أو يهود شرق أوربا
‏Yiddish or East European Jews....
«يهود اليديشية» مصطلح نستخدمه في معظم الأحيان بدلاً من مصطلح «يهود شرق أوربا» . وهذا المصطلح الأخير هو المصطلح الشائع في الدراسات التي تتناول الجماعات اليهودية، وهو مصطلح مطاط غير محدَّد ولكنه يشير عادةً إلى الجماعات اليهودية الموجودة شرق ألمانيا، (في بولندا وروسيا) . ولذا، فهو لا يتفق بالضرورة مع الحدود السياسية المعروفة بمنطقة شرق أوربا في الوقت الحالي والتي تضم، على سبيل المثال، رومانيا وتشيكوسلوفاكيا. وأصل المصطلح ألماني، ويعبِّر عن إحساس يهود ألمانيا بأنهم ينتمون إلى الغرب، أي غرب أوربا، وأنهم يختلفون عن يهود الشرق. وقد انتشر المصطلح مع القرن التاسع عشر وبداية حركة القومية السلافية.
ونحن نفضل استخدام مصطلح «يهود اليديشية» الذي استخدمه يهود إنجلترا، من السفارد وغيرهم، للإشارة إلى المهاجرين الجدد من روسيا وبولندا. ويهود اليديشية يشكلون أغلبية يهود العالم، وتعود أصولهم إلى القرن الثاني عشر، مع حروب الفرنجة، حين بدأت تهاجر جماعات من اليهود الألمان، مع التجار الألمان، واستوطنت بولندا بدعوة من حكامها لتشجيع حركة التجارة وحملت معها لغتها وثقافتها الألمانية. وقد دخلت على لغتهم الألمانية بعض الكلمات السلافية والعبرية، ثم كتبوها بالحروف العبرية حتى أصبح يُشار إليها باللغة اليديشية، وهي في واقع الأمر لهجة ألمانية وحسب. وأصبحت هذه اللهجة، التي يُقال لها لغة، سمتهم الثقافية الأساسية التي حملوها معهم أينما ذهبوا ومن هنا كانت التسمية. ويذهب آرثر كوستلر إلى أن أصل يهود اليديشية ما يسميه هو «الدياسبورا الخزرية» ، أي تشتُّت أو انتشار يهود الخزر واستقرار أعداد منهم في شرق أوربا.

وينقسم يهود اليديشية إلى تقسيمات فرعية مثل يهود البولاك والليتفاك والجاليسيانر، وهي كلمات يديشية تعني «البولندي والليتواني والجاليشي» . (كانت جاليشيا وليتوانيا أجزاء من بولندا) . وثمة اختلافات دقيقة بين الأنواع الثلاثة لها دلالاتها، ولكن هناك وحدة أساسية وخصوصية يستمدها أعضاء الجماعة اليهودية من وجودهم داخل التشكيل السياسي الحضاري البولندي بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف المال والتجارة وبمهن وحرف معيَّنة. والجماعات الوظيفية عادةً ما تحتفظ بعزلتها وبسماتها الإثنية (التي أحضرتها معها من وطنها الأصلي، وهو ألمانيا) حتى يتسنى لها الاضطلاع بوظيفتها في المجتمع التقليدي التي وفدت إليه. وكان يهود شرق أوربا يتحدثون اليديشية في وسط يتحدث إما البولندية وإما الأوكرانية، ويرتدون أزياء مميَّزة، ويؤمنون باليهودية في وسط يؤمن بالمسيحية. وقد عاشوا في مدن صغيرة تُسمَّى «شتتل» وفرت لهم تربة يهودية يديشية معزولة نسبياً عن عالم الأغيار. ولكن عقيدتهم اليهودية نفسها، بدأت تدخلها عناصر صوفية بتأثير القبَّالاه وبتأثير المسيحية الأرثوذكسية الشعبية والهرطقات الدينية المختلفة التي وجدوها بين الفلاحين السلاف.
ومما يجدر ذكره أن المستوى المعيشي ليهود اليديشية حتى بداية القرن الثامن عشر، كان مرتفعاً قياساً إلى عامة الشعب من الفلاحين والأقنان، بل إلى أعضاء الطبقات الوسطى الهزيلة في بولندا. وكان لا يفوقهم في مستواهم المعيشي سوى النبلاء البولنديين (شلاختا) . بل إن النخبة الثرية بين اليهود كانت تعيش في مستوى اقتصادي يفوق صغار النبلاء. ولكن بعد ذلك التاريخ، ونتيجة تحولات عديدة، أخذ مستواهم الاقتصادي ينحدر.

وتعرَّض تَماسُك يهود اليديشية لعدة هجمات وضربات من الخارج كانت أولاها هجمات شميلنكي عام 1648، التي بدأت تُخلخل وضع الجماعة اليهودية، ثم كانت الضربة الثانية تقسيم بولندا (الأول والثاني والثالث) في الفترة 1772 ـ 1795 والذي انتهى باختفاء بولندا عام 1795 بوصفها وحدة سياسية مستقلة، وبتقسيمها بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية النمساوية وألمانيا (بروسيا) . وكانت الأراضي التي ضمتها روسيا تضم أكبر عدد من يهود اليديشية.
وكانت البلاد الثلاثة التي اقتسمت بولندا فيما بينها بلاداً زراعية متخلفة. ومع هذا، بدأت تظهر فيها، بتشجيع من الملكيات المطلقة، اتجاهات نحو التصنيع. ورغم ضعف النظام الإقطاعي، فإن الأرستقراطية الزراعية ظلت ممسكة بزمام السلطة. وشهدت هذه الفترة حركة تحرير الأقنان في روسيا، الأمر الذي أدَّى إلى خلل في الأوضاع الاجتماعية، وخصوصاً أن الرقعة الصالحة للزراعة لم تكن واسعة، وهو ما أدَّى إلى زيادة الصراعات الاجتماعية وإلى ظهور توترات بين النبلاء والفلاحين. وقد ازداد بؤس الفلاحين وزاد تعاطيهم للخمور. ومع تركز أعضاء الجماعة اليهودية في صناعة الخمور، وجدوا أنفسهم في مركز الأزمة الاجتماعية، وأشارت أصابع الاتهام إليهم باعتبارهم مسئولين عن بؤس الفلاحين. وقد كانت حكومات البلاد الثلاثة، التي اقتسمت بولندا وسكانها اليهود فيما بينها، يحكمها حكام مطلقون مستنيرون (فريدريك الثاني في بروسيا، وجوزيف الثاني في النمسا، وكاترين الثانية في روسيا) ، فتبنت هذه الحكومات مقياس مدى نفع اليهود وإمكانية إصلاحهم وتقليل عزلتهم. فتم تقسيمهم إلى نافعين وغير نافعين. وكان الهدف هو إصلاح اليهود، وزيادة عدد النافعين بينهم، وطرد الضارين منهم أو منع زيادة عددهم. وارتبطت هذه العملية بعملية إعتاق اليهود، فلم يكن يُعتَق منهم سوى النافعين.

ومن السمات المشتركة الأخرى لهذه البلاد ظهور القوميات العضوية فيها جميعاً التي تدور حول مفهوم الشعب العضوي (فولك) ، وهي قوميات تنبذ الأقليات ولا تفتح أمامها فرصة الاندماج، كما حدث في إنجلترا وفرنسا وغرب أوربا بشكل عام. فالقوميات العضوية تنكر إمكانية تحول الإنسان واندماجه إذ أن الشخصية والهوية، حسب تصورها، ليست مكتسبة وإنما موروثة، وتكاد تكون بيولوجية.
وتتميَّز الدول الثلاث بأن الدولة المركزية فيها كانت مطلقة ومستنيرة على عكس البيروقراطيات التابعة لها، التي كانت متخلفة وغير مستنيرة بالمرة ومليئة بالأحقاد ضد الأقليات، وخصوصاً في ظروف التحول الاجتماعي. ولذا، فحينما حاولت الدولة إصلاح اليهود بإصدار قرارات كانت البيروقراطية تعوق تنفيذ هذه القرارات.
ولقد تلقَّى يهود اليديشية هذه الضربات من الخارج، في مرحلة كانت اليهودية تمر فيها بأخطر أزماتها الداخلية ابتداءً من القرن الثامن عشر. فقد رجَّت المناظرة الشبتانية الكبرى أرجاء العالم اليهودي، وظهرت الحركة الفرانكية والحسيدية التي تحدت سلطة مؤسسات اليهودية الحاخامية. ونشب صراع حاد بين الحسيديين والمتنجديم، كما كانت التوترات الاجتماعية على أشدها داخل الجماعة.
ومما أدَّى إلى تفاقم الأوضاع السيئة، الانفجار السكاني الذي حدث بين يهود العالم الغربي، وخصوصاً يهود اليديشية، إذ زاد عدد يهود العالم، في الفترة 1850 ـ 1935 ستة أضعاف. وحيث لم يكن يهود الغرب يتزايدون، بل كانوا آخذين في التناقص، فإن نسبة الزيادة بين يهود اليديشية كانت في واقع الأمر أكثر من ستة أضعاف.

ولكل ما تقدَّم، بدأت وحدة يهود اليديشية وخصوصيتهم في التداعي ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر. واستغرقت هذه العملية مرحلة زمنية طويلة (امتدت حتى منتصف القرن العشرين) وانتهت باختفاء اللغة والثقافة اليديشية ودمج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم حضارياً واقتصادياً وتَحوُّلهم من جماعة وظيفية وسيطة في المجتمع الروسي والبولندي إلى أعضاء في الطبقات الوسطى وغيرها من الطبقات في المجتمعات التي ينتمون إليها، وهذه المرحلة الزمنية هي في واقع الأمر مرحلة المسألة اليهودية التي كانت مسألة يهود شرق أوربا بالدرجة الأولى.
هاجرت أعداد كبيرة من يهود اليديشية، وخصوصاً في الفترة 1881 ـ 1914، فبلغت نحو 2.750.000؛ ذهب منهم 350 ألفاً إلى أوربا، وخصوصاً ألمانيا وفرنسا، و200 ألف إلى إنجلترا، و115 ألفا إلى الأرجنتين، و100 ألف إلى كندا و40 ألفاً إلى جنوب أفريقيا، ومليونان (أي حوالي 85%) إلى الولايات المتحدة. وهم بذلك يكّونون الأغلبية الساحقة من يهود تلك البلاد التي كانت تضم جماعات يهودية صغيرة جداً قبل وفود يهود اليديشية. وأدَّى وفودهم إلى زيادة معدلات معاداة اليهود نظراً لتخلفهم وتميزهم الوظيفي والإثني.

ومن هنا كان رد الفعل العنصري في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، الأمر الذي أدَّى إلى طرح الفكرة الصهيونية في إنجلترا في بداية الأمر، ثم بقية دول غرب أوربا ومنها إلى وسطها فشرقها. قام هرتزل بزيارته الأولى إلى إنجلترا لمناقشة موضوع يهود اليديشية وكيفية التخلص منهم أو حل مسألتهم، وفي هذا المناخ وُلد وعد بلفور. أما في الولايات المتحدة التي هاجر إليها الملايين، فكانت تُوجَد أمام المهاجرين من يهود اليديشية مجالات للعمل، ولذلك لم تحدث توترات اجتماعية. وقد تزايد عددهم حتى أصبحوا العنصر الغالب بين أعضاء الجماعة اليهودية هناك. وكان يهود اليديشية العنصر اليهودي الغالب في الإمبراطورية النمساوية المجرية وألمانيا. وغني عن القول أن يهود اليديشية كانوا هم أيضاً العنصر الغالب في الاتحاد السوفيتي حيث كانت تُوجَد جماعات يهودية أخرى مثل يهود جورجيا ويهود الجبال.
اختفت اليديشية تقريباً مع نهاية الثلاثينيات من هذا القرن، واختفى يهود اليديشية واختفت المسألة اليهودية معهم. أما أبناؤهم وأحفادهم فتم دمجهم في مجتمعاتهم. ومن هنا يُشار الآن إلى المهاجرين اليهود السوفييت إلى إسرائيل والولايات المتحدة بأنهم «الروس» لأن معظمهم يتحدث الروسية، كما أنهم روس من الناحية الثقافية.

ومن الملاحظات الجديرة بالذكر أن جميع الحركات الإصلاحية في العقيدة اليهودية، أو بين أعضاء الجماعات اليهودية، كان مصدرها دائماً وسط أوربا داخل صفوف اليهود الذين يتحدثون الألمانية في ألمانيا والنمسا. فحركة التنوير كان زعيمها مندلسون الألماني. وظهرت اليهودية الإصلاحية وكذا علم اليهودية في ألمانيا، كما أن الصهيونية نفسها، في أطروحاتها الأولى التي طرحها كل من موسى هس وماكس نوردو وتيودور هرتزل حمل لواءها ألمان. وكانت اللغة الرسمية للمؤتمرات الصهيونية هي الألمانية. ونظراً لأن الكثافة البشرية اليهودية كانت متركزة في شرق أوربا، فإن هذه الأفكار والحركات الفكرية كانت تظل مجرد أطروحات فكرية إلى أن تصل ليهود اليديشية الذين كانوا يحولونها إلى حركات سياسية وثقافية حقيقية. ويظهر هذا في تاريخ كل من حركتي التنوير والصهيونية. فالقيادات والزعامات كانت في البداية من أصل ألماني، لكن المفكرين والزعماء من يهود اليديشية بدأوا يستولون عليهما بالتدريج، وظهرت حركة تنوير يديشية وأدب يديشي وقومية يديشية (إن صح التعبير) دعا إليها دبنوف منطلقاً من مفهوم اصطلاح «قومية الدياسبورا» . وفكرة القومية اليديشية تَصدُر عن تجربة يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر، حين أصبح لهم ما يشبه الهوية القومية المستقلة التي استمدوها من وجودهم في وضع معيَّن داخل الحضارتين الروسية والبولندية إبان مرحلة الانتقال من وضعهم المتميِّز كجماعة وسيطة إلى أن تم دمجهم وصهرهم، وهي مرحلة اتسمت بتَعثُّر عملية التحديث في شرق أوربا. وهي تجربة تكاد تكون فريدة في تواريخ الجماعات اليهودية، ويتمثل تفردها في وجود كتلة بشرية يهودية بهذه الضخامة داخل رقعة أرض متصلة (منطقة الاستيطان) تتحدث لغة مختلفة عن لغة البلد الذي تعيش فيه.

وظهر حزب البوند ليعبِّر عن هذا الوضع الطبقي وشبه القومي المتميز. وحينما أسس الاتحاد السوفيتي منطقة بيروبيجان، فإنه كان يتحرك في إطار القومية اليديشية، ولم تنجح التجربة بسبب اختفاء اليديشية وثقافتها، واختفاء أية معالم للخصوصية اليديشية.
أما فيما يتصل بالصهيونية، فقد تولت العناصر اليديشية قيادتها ابتداءً من المؤتمر الحادي عشر عام 1913. وظل هذا العنصر هو المهيمن حتى إعلان الدولة الصهيونية، وتكوَّن منه عصب النخبة الحاكمة فيها. كما أنه يشكل ما يُسمَّى «الحرس القديم» ، ومن صلبه جاء جيل الصابرا. ويبلغ تعداد يهود شرق أوربا في الوقت الحالي (ما عدا كومنولث الدول المستقلة، أي الاتحاد السوفيتي سابقاً) 88.600. ولأول مرة في التاريخ الحديث يزيد عدد يهود غرب أوربا (دعاة الصهيونية التوطينية) عن يهود شرقها (المادة البشرية الاستيطانية) فيهود غرب أوربا يبلغ عددهم 1.036.300 أما يهود شرق أوربا (وضمن ذلك كومنولث الدول المستقلة) فهو 868.400.
يهود شرق أوربا
‏East European Jews
انظر: «يهود اليديشية» .
بولندا حتى القرن السادس عشر
‏Poland, to the Sixteenth Century

كانت حدود بولندا عبر تاريخها غير مستقرة لعدة أسباب من بينها موقعها الجغرافي بين القبائل الألمانية والقبائل الليتوانية والسلاف. ثم إنها واقعة على الحدود بين ثلاث دول عظمى (ألمانيا والنمسا وروسيا) ، بل على حدود الدولة العثمانية في نهاية القرن السابع عشر. كما أن غياب أية عوائق طبيعية تحيط بها، وكونها أساساً أرضاً مستوية يجعلها عرضة للغزوات المستمرة. ولم يكن العنصر السكاني في بولندا متجانساً، فالعناصر غير البولندية كانت تشكل نسبة مئوية كبيرة تصل أحياناً إلى أكثر من الثلث. وبولندا، بذلك، فريدة بين دول العالم الغربي التي تتسم بتجانسها السكاني الشديد. ويُلاحَظ أن تاريخ بولندا السياسي العاصف وكذلك موقعها كمعبر وساحة للصراع بين القوى يجعلانها تشبه فلسطين قبل الفتح الإسلامي من بعض الوجوه. ولا يمكن دراسة تاريخ الجماعة اليهودية في بولندا إلا بأخذ كل هذه العناصر في الاعتبار.
وإذا كانت حدود بولندا غير مستقرة، فإن مصطلح يهود بولندا نفسه غير واضح، فهو مصطلح فضفاض للغاية له معنيان أساسيان:
1 ـ المعنى الضيق: اليهود الذين يقطنون بولندا الكبرى (بوزنان) والصغرى (كراكوف) ، وهي الأجزاء الأساسية في بولندا.
2 ـ المعنى الواسع: اليهود الذين كانوا يعيشون في المنطقة الشاسعة التي كانت تضمها مملكة بولندا وليتوانيا المتحدة.
وبالتالي، فإن هذا المعنى الأخير يشير إلى اليهود الذين وقعوا تحت الحكم البروسي والروسي والنمسوي بعد تقسيم بولندا، وهذا هو التعريف الذي سنأخذ به. وهو، بهذا المعنى، مرادف تقريباً لمصطلح «يهود اليديشية» .
ولم يكن يهود بولندا عنصراً واحداً متجانساً بل كان يُشار إلى أقسام ثلاثة أساسية منهم باليديشية «البولاك» ، وهم: يهود بولندا، و «الليتفاك» وهم يهود ليتوانيا الذين كانت معظم القيادات الصهيونية منهم، و «الجاليسيانر» . وهم يهود جاليشيا.

ويعود تاريخ بولندا إلى القرن العاشر حين قامت أسرة بياست بتوحيدها. ويُعَدُّ عام 966 عام تأسيس بولندا إذ اعتنق مايسكو الأول (963 ـ 992) فيه المسيحية. وخضعت بولندا لنفوذ الكنيسة الكاثوليكية في روما عام 990 حتى لا تخضع للكنيسة الألمانية.
وأدَّى الغزو التتري لبولندا في 1241 ـ 1242 إلى تدميرها تماماً، كما قام الليتوانيون الوثنيون بالغارات عليها. وفقدت بولندا كثيراً من أراضيها، ولكنها استعادت وحدتها، مع بداية القرن الثالث عشر، وبدأت حركة لإعادة بناء الاقتصاد وتشييد المدن. ففي حكم كاسيمير الثالث ـ الأعظم (1333 ـ 1370) ، تم بناء سبع وأربعين مدينة جديدة. وأقيمت في المدن مبان حجرية على النمط القوطي، كما شيدت قلاع حجرية للدفاع عن المدن. ولذا، يشار إلى كاسيمير في التاريخ البولندي بأنه «وجد بولندا خشباً وتركها حجراً» . وقد عُيِّن كاسيمير حاكماً ملكياً لكل مقاطعة يُسمَّى باللاتينية «ستاروستا كابيتانيوس Starosta Capitanus» ، ويُسمَّى بالبولندية «فويفود» ، وظل هذا أهم المناصب الإدارية مدة 470 عاماً. وجمع كاسيمير القوانين وصنفها في القانون البولندي (إيوس بولونيكم Ius Polonicum) والقانون التيوتوني (إيوس تيوتونيكم Ius Teutonicum) . وكان الأول يطبق على النبلاء والثاني على سكان المدن. ووسع كاسيمير أطراف مملكته، وأصبحت إمبراطورية تعددية تضم بولنديين كاثوليك وألمان وروثينيان (سكان أوكرانيا، أو روثينيا، الأصليون) ، كما ضمت الأرثوذكس والفلمنك واليهود والأرمن والتتر المسلمين واليهود القرّائين ممن كانوا من أصل خزري ويتحدثون التركية، أي أن السكان كانوا يتبعون عدداً كبيراً من الديانات وكانوا يتحدثون اثنتى عشرة لغة. وتأسست أسرة ياجيلون (1386 ـ 1572) حينما تُوِّجت يادفيجا «ملكاً» لبولندا عام 1384 وتزوجت من دوق ليتوانيا الوثني الذي اعتنق المسيحية بعد موتها. وقد ظلت الوحدة أساساً وحدة بين أسرتين مالكتين

ولكنها مع ذلك أدَّت إلى تحويل بولندا إلى دولة كبيرة بلغت أربعة أضعاف حجمها الأصلي. وتُعَدُّ إمبراطورية ياجيلون أكثر تعددية من سابقتها إذ ضمت عناصر سكانية جديدة. وأدَّى الاتحاد إلى حماية بولندا من هجمات التتار، ولكنه كان يعني أيضاً الاشتباك مع فرسان التيوتون الذين كانوا يهددون ليتوانيا. وقد ضمت بولندا روسيا الحمراء (جاليشيا) وبودوليا، وأكدت سيادتها على دوقية مولدافيا، وامتدت حدودها من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، أو «من البحر إلى البحر» . ومع سقوط القسطنطينية في يد القوات العثمانية عام 1453، أصبحت بولندا معبراً أساسياً للتجارة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وخصوصاً أنها كانت تضم كثيراً من الأنهار التي تربط بين أراضيها وموانيها على البلطيق وتسهل انتقال السلع. وبذلك سيطرت بولندا على تجارة أوربا الدولية.
عاش اليهود في بولندا منذ القرن التاسع. لكن مصدرهم غير معروف على وجه الدقة، هل جاءوا من ألمانيا وبوهيميا أم من الإمبراطورية البيزنطية وكيف؟ والأرجح أن بعض يهود الخزر انضموا إليهم، بل ويذهب آرثر كوستلر إلى أن معظم يهود بولندا، في واقع الأمر، من أصل خزري. وكان المستوطنون الأوائل من التجار. وتدل النقوش العبرية التي ظهرت على بعض العملات على مدى أهميتهم في عالم المال.

ويبدأ الوجود اليهودي الحقيقي في بولندا بعد الغزو التتري الذي أفرغ بعض المناطق من سكانها. وفي محاولتهم إعادة تعمير بلدهم قام ملوك بولندا، بتشجيع تجار ألمانيا على الهجرة لتأسيس مدن تتبع قانون ماجدبرج الألماني (الأمر الذي كان يعني استقلالها النسبي) وأُصدرت لهم المواثيق حسب هذا القانون. وكان من بين المهاجرين الألمان تجار يهود هاجروا ومعهم لغتهم الألمانية (التي أصبحت اليديشية فيما بعد) والتلمود والطقوس الإشكنازية في العبادة. ومما شجع اليهود على الهجرة إلى بولندا، تدنِّي وضعهم في أوربا الغربية إبّان حروب الفرنجة، وفقدانهم وظيفتهم كتجار، وتَحوُّلهم إلى مرابين وتجار صغار. كما أن بولندا كانت البلد الوحيد تقريباً في أوربا الذي لا يتوقف فيه حق المواطنة على الانتماء إلى الكنيسة، كما كان الحال في بقية أوربا. وقد أصدر بوليسلاف التقي ميثاقاً عام 1264 يعرف باسم «ميثاق كاليسكي» لتنظيم الأحوال القانونية لأعضاء الجماعة اليهودية وتحديد إطار التعامل الاقتصادي والثقافي بينهم وبين المسيحيين، وكذلك حمايتهم وحماية أملاكهم. وكان هذا الميثاق نفسه ميثاقاً مهاجراً مثل الجماعة اليهودية، إذ كان على نمط ميثاق فريدريك الثاني دوق النمسا والمواثيق المماثلة التي مُنحت لأعضاء الجماعة في وسط أوربا في بوهيميا والمجر. وضمن لهم الميثاق حرية الإقامة في أي مكان والحرية الدينية وحرية الاتجار وحرية التقاضي، كما حرَّم اتهام اليهود بتهمة الدم دون سند قوي. ثم قام كاسيمير الثالث بتوسيع نطاق هذا الميثاق عام 1334 بحيث أصبح يتمتع به يهود روسيا البيضاء وبولندا الصغرى ثم يهود ليتوانيا (1388) وسائر يهود المملكة. وأُعفي اليهود من الخدمة العسكرية، ولم يكن عليهم تزويد الجنود بالمؤن في زمن الحرب، ولكن كان يتعين عليهم دفع ضريبة إضافية نظير ذلك، وهو الوضع الذي استمر حتى تقسيم بولندا. وفي حالة التقاضي، لم يكن للبلديات أو الكنيسة سلطة

قضائية عليهم، إذ كانوا خاضعين للملك مباشرة من خلال وكيله أي الحاكم الملكي (فويفود) . وكان الحاكم الملكي يضطلع بنفسه بوظيفة قاضي اليهود، أو يُعيِّن أحد النبلاء للقيام بهذه المهمة. وكل هذه القوانين تفترض أن اليهود جماعة متماسكة، وطبقة اجتماعية منفصلة عن كل الطبقات الأخرى تتمتع بوصاية التاج مباشرة وتقوم أساساً بالعمليات المالية، وخصوصاً جمع الضرائب والإقراض. ومعنى هذا أن أعضاء الجماعة اليهودية أصبحوا أقناناً للبلاط الملكي برغم أن هذا المصطلح نفسه لم يكن مستخدماً.
ولعب أعضاء الجماعة اليهودية نتيجةً لذلك دوراً مهماً في اقتصاد بولندا. وتُوجَد إشارات إلى أنهم كانوا يشتغلون بالزراعة وأنهم امتلكوا الضياع وأداروها. ولكن دورهم الأساسي كان في تطوير الاقتصاد النقدي والتجاري، فكانت معظم التجارة الداخلية والدولية في يدهم، وكانوا يُصدِّرون المحاصيل الزراعية المحلية مثل: الماشية والحبوب والجلود والأخشاب وخيوط القنب، وكانوا يستوردون السلع المصنوعة من الغرب وسلعاً أخرى مثل: التوابل والأصباغ والحرير والمنسوجات القطنية من الشرق. كما احتفظوا بعلاقات تجارية نشيطة مع ألمانيا والدولة العثمانية ومدن شبه جزيرة القرم وجنوا والبندقية. وكانوا إما منافسين للنبلاء في التجارة الدولية أو وكلاء لهم، وأصبحوا ملتزمين بجمع الضرائب، كما استأجروا مناجم الملح. وكان الإقراض بالربا من أهم وظائفهم. ومع هذا، لم تكن هذه الوظيفة حكراً عليهم. كما كان يوجد بين اليهود جزارون وخياطون. وقد بلغ ازدهار اليهود في بولندا درجة أن أحد الحاخامات فسَّر اسمها (من قبيل اللعب بالألفاظ) فقال: إن بولندا بالعبرية هي «بوه لين» ، أي «هنا ستستريح» .

أدَّى استقلال أعضاء الجماعة اليهودية، وتمتعهم بحماية التاج، وتنظيمهم كجماعة تجارية، إلى تَحوُّلهم إلى طبقة ثالثة لها نشاطها وحيويتها ووجودها الملحوظ في كل المجالات التجارية والمالية. ووجد التجار البولنديون أن من الصعب التنافس مع التجار من أعضاء الجماعة اليهودية، وخصوصاً أنهم كثيراً ما كانوا يجدون ثغرات في القانون يتسللون منها، كما كانت لهم شبكة اتصالات بتجار آخرين خارج بولندا، الأمر الذي يَسَّر لهم عملية التصدير والاستيراد. كما كان التجار اليهود يتسمون بالجسارة التي تقترب من الوقاحة في عملية التسويق، فكانوا لا يتورعون عن الذهاب إلى منازل الزبائن، وكان هذا يُعدُّ أمراً مشيناً حينذاك لا يليق بتاجر يحترم نفسه. كما كانوا يحتكرون بعض المواد الخام التي يحتاج إليها الحرفيون، ويستوردون من الخارج سلعاً أرخص من السلع المنتجة محلياً. وأدَّى هذا الوضع إلى ظهور التوترات بينهم وبين معظم الطبقات الأخرى في المجتمع. فحاول التجار الألمان والبولنديون الحد من نطاق التجارة اليهودية، كما أن البلديات كانت تقف ضد توسيع حدود الجيتو، كما حدَّت من عدد البيوت التي يمكنهم تَملُّكها. كما أن الكنيسة الكاثوليكية كانت تطالب بعزلهم عن المجتمع المسيحي. وانعكس ذلك الصراع في شكل توجيه اتهامات الدم وتدنيس خبز القربان إلى اليهود. وفي عام 1454، تعرَّض التجار في بعض المدن لبعض الهجمات، وخصوصاً في الأماكن التي كانوا يمثلون فيها منافسة اقتصادية للتجار المحليين، ثم طُردوا من وارسو عام 1483 ومن كراكوف بعد ذلك بفترة وجيزة.

ويُلاحَظ أن هذه الفترة شهدت ظهور طبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) التي قُدِّرت لها السيطرة في مراحل لاحقة على الحياة السياسية في بولندا وارتبط بها أعضاء الجماعة اليهودية ارتباطاً كاملاً. ولكن السلطة المركزية الملكية نجحت في هذه المرحلة في تأكيد نفسها والسيطرة على بولندا والمجتمع البولندي. ولأن اليهود، كجماعة وظيفية وسيطة، يرتبطون دائماً بالطبقة الحاكمة، فإننا نجد أنهم كانوا تابعين للتاج في هذه الفترة وأن علاقتهم بالنبلاء كانت أحياناً كثيرة تتسم بالعداء.
بولندا من القرن السادس عشر حتى انتفاضة القوزاق
‏Poland, from the Sixteenth Century to the Uprising of the Cossacks
كان يوجد في بولندا وليتوانيا في نهاية القرن الخامس عشر نحو ستين جماعة يهودية. وبلغ عدد اليهود الإجمالى فيها 16 ألفاً، منهم 13 ألفاً في المدن و3 آلاف في القرى. وقد تحسَّن وضعهم حينما اعتلى الملك ألكسندر (1501 ـ 1506) العرش، فبعث ميثاق بوليسلاف الثاني لليهود وجعله جزءاً من قوانين بولندا عام 1506. وفي العام الذي سبقه، فرض النبلاء البولنديون (شلاختا) على الملك أن يقبل أن يكون البرلمان (سييم) مصدراً وحيداً للتشريع.
وتحت حكم سيجسموند الأول (1506 ـ 1548) ملك بولندا ودوق ليتوانيا، انتشرت البروتستانتية في بولندا الأمر الذي أدَّى إلى خلق جو من التعددية والتسامح. واستمر سيجسموند في سياسة تشجيع التجارة، فأصدر مراسيم تؤكد المزايا التي حصل عليها أعضاء الجماعة اليهودية. وأكد سيجسموند الثاني (1548 - 1572) حقوق أعضاء الجماعة اليهودية، وزادت أهمية الدور الذي كانوا يلعبونه في الأعمال المالية كملتزمي ضرائب وصيارفة يعملون في الأمور المالية، وكان منهم عدد كبير من الأطباء.

وكان أعضاء الجماعة اليهودية حتى ذلك التاريخ يعتمدون اعتماداً كاملاً على الملك، فكانوا يحصلون منه على المزايا والامتيازات ويتبعونه بشكل مباشر، وكان هو يزودهم بالحماية من بطش الطبقات المعادية لهم. وكانت مجالس القهال الإطار التنظيمي الذي مارس اليهود من خلاله الإدارة الذاتية. وازدادت قوة القهال الاقتصادية وتم تنظيمها في إطار مجالس البلاد الأربعة، وهو ما أدَّى إلى زيادة مقدرتها على التنافس مع المدن البولندية. وأدَّى وضع أعضاء الجماعة اليهودية المتميِّز، بقربهم من الملك، إلى زيادة التوتر بينهم وبين الكنيسة وطبقات المجتمع الأخرى سواء طبقة النبلاء (شلاختا) أو سكان المدن أو الكنيسة. وفي منتصف القرن السادس عشر، بعد موت سيجسموند الثاني، تحوَّلت بولندا إلى «جمهورية ملكية» يُنتَخب فيها الملك من قبل برلمان يضم كل النبلاء ولا يرث أبناؤه العرش. وكانت معظم القرارات تُتَخذ داخل البرلمان، وانتقلت السلطة الفعلية إلى أيدي كبار النبلاء. وتزامن هذا التطور مع ظهور الملكيات المطلقة في أوربا التي أسَّست حكومات مركزية قوية تُعَدُّ نواة الدولة القومية الحديثة. وهذه الحكومات اهتمت بالتجارة المحلية والدولية وشجعتها فيما يُعدُّ تعبيراً عن الثورة التجارية التي خرجت من رحمها حركات الاكتشاف والاستعمار من إسبانيا والبرتغال ثم إنجلترا وهولندا وفرنسا، الأمر الذي حوَّل طريق التجارة وجعل الدول الأطلسية مراكز للتجارة العالمية. وقد أدَّى ذلك إلى اضمحلال المدن البولندية في بادئ الأمر ثم إلى اضمحلال بولندا نفسها.

وازدادت الدول المحيطة ببولندا قوة في تلك الحقبة أيضاً، كما كان هناك السويد والإمبراطورية النمساوية التي كان لها أطماع في الأراضي البولندية. ولكن بزوغ نجم بروسيا من ناحية، وتَعاظُم القوة الروسية من ناحية أخرى، كانا العنصر الحاسم في مسار التاريخ البولندي إذ أن التفكك الذي أصاب بولندا كان يقابله تَزايُد في تماسك الكتل السياسية المحيطة وتَعاظُم قوتها. لذا، لم يكن من الغريب أن يتم تقسيم بولندا في أواخر القرن الثامن عشر وأن تختفي تماماً ككيان سياسي مستقل خلال القرن التاسع عشر كله.
وقد انتُخب الدوق ستيفن باثوري (1576 - 1586) ملكاً لبولندا، فكان ثاني الملوك المنتخبين. ورغم أنه كان متعصباً دينياً وصديقاً لليسوعيين، فإنه تَبَنَّى سياسة التسامح تجاه اليهود وأكد كل المواثيق الممنوحة لهم، وأصدر عام 1576 قرارات تُحرِّم تهمة الدم. ورغم استمرار سياسة التسامح هذه، استمر تدهور وضع أعضاء الجماعة اليهودية، وزادت محاولات الحد من نشاطهم التجاري والحرفي، وبدأت المدن تعطي نفسها السلطة القضائية على اليهود فأصدرت قرارات للحد من حرية إقامتهم فيها. وفي عام 1633 أُسِّس أول جيتو. ونتيجة ضعف نفوذ الملك، وتَصاعُد نفوذ النبلاء (شلاختا) ، أصبح هؤلاء حماة الجماعة اليهودية واقترنت مصالح الأرستقراطية الاقتصادية بأعضاء الجماعة. وأدَّى هذا التقارب بين النبلاء واليهود إلى تغيير وضع يهود بولندا بشكل جوهري، وهو الوضع الذي وسمهم بميسمه. ولا يمكن فهم التطورات اللاحقة التي أدَّت إلى ظهور الصهيونية إلا بفهم طبيعة هذا التحول.

كان النبلاء في بولندا، برغم سطوتهم وقوة نفوذهم، يتبعون قوانين جامدة، فكانوا يتمتعون بمكانتهم (إذا كانوا من صلب إحدى الأسر النبيلة) ماداموا لا يعملون بالتجارة، وكان اشتغالهم بالتجارة يعني فقدانهم مكانتهم ووضعهم. ولذا، كان يوجد نبلاء فقراء (النبلاء الحفاة) معدمون يفضلون الجوع والفاقة على العمل بالتجارة. وأدَّى ذلك إلى التحالف بين قطاعات منهم وبين اليهود كعنصر تجاري نشيط يمتلك الخبرات والأموال المطلوبة للأعمال التجارية. وبلغت أهمية أعضاء الجماعة اليهودية درجة كبيرة حتى أنه حينما فكرت أعداد منهم في الهجرة إلى الدولة العثمانية في القرن السادس عشر، منعهم ملك بولندا بالإقناع والقوة.

ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون أية خطورة على النبلاء لأنهم لم يكن بوسعهم، كعنصر غريب أجنبي، المطالبة بنصيب في السلطة السياسية يتناسب مع وزنهم الاقتصادي، وذلك على عكس العناصر البورجوازية المحلية التي عادةً ما تطالب بمزيد من الحقوق كلما تزايدت قوتها الاقتصادية. وشهدت الفترة 1539ـ 1549 قيام النبلاء الإقطاعيين بتوزيع السلطة القانونية على أعداد كبيرة من اليهود الذين لم يعودوا تحت الحماية الملكية. وبلغ عدد اليهود الذين يعيشون على أراض يملكها النبلاء الإقطاعيون ما يزيد على نصف أعضاء الجماعة الذين أصبحوا منقسمين إلى نصفين: يهود النبلاء ويهود الملك. وكان لكليهما إطاره القانوني. ولكن عدد يهود النبلاء أخذ في الزيادة، ومع منتصف القرن الثامن عشر، بلغ عددهم ثلاثة أرباع يهود بولندا. فكان إذا طردت إحدى المدن الملكية اليهود منها انتقلوا إلى مدن النبلاء أو إلى جيوب شبه حضرية داخل ضياع النبلاء. وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية يستقرون في مدن صغيرة أسسها النبلاء، فكانوا يمنحونهم حق السكنى فيها نظير الدفاع عنها، وهي المدن التي عُرفت باسم «الشتتل» . وكان سكان هذه المدن من اليهود أساساً. والواقع أن التطور الأساسي الذي ربط مصير أعضاء الجماعة اليهودية بالنبلاء البولنديين هو إبرام اتحاد برست ليتوفسك (ويُسمَّى أيضاً اتحاد لوبلين) عام 1569 بين ليتوانيا وبولندا. وهو الاتفاق الذي حوَّل الوحدة الإسمية (وحدة الأسرتين المالكتين) بين البلدين إلى وحدة حقيقية. وقامت بولندا بضم أوكرانيا نتيجة هذه الوحدة. وكانت أوكرانيا، حتى ذلك الوقت، تُسمَّى «روثينيا» . أما كلمة «أوكرانيا» فتعني «منطقة الحدود» ، وتمتد من جاليشيا إلى نهر الدون حتى البحر الأسود، وتقع بين روسيا وبولندا والدولة التترية في القرم.

وكانت أوكرانيا النقطة التي التقت فيها عناصر عديدة غير متجانسة أهمها النبلاء البولنديون الإقطاعيون الكاثوليك والفلاحون الأوكرانيون الأرثوذكس والتجار اليهود غير المنتمين لهذا أو ذاك، إلى جانب الغجر والتتار وبعض الأرمن. ثم بدأت عملية استيطان بولندية في أوكرانيا، وكانت تتطلب خبرات ورؤوس أموال كبيرة لاستصلاح الأراضي وتأمين الطرق، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور ما نسميه «نظام الإقطاع الاستيطاني» . وكانت حاجة النبلاء الإقطاعيين إلى المال تزداد يوماً بعد يوم، فكانوا يقترضون من اليهود. وأدَّى هذا كله إلى ظهور نظام الأرندا (الاستئجار) كشكل أساسي من أشكال الإقطاع الاستيطاني. فكان النبيل الإقطاعي يستدين من المرابي اليهودي مبالغ طائلة للوفاء باحتياجاته بضمان ضيعته وغلتها وعوائدها. وبالتدريج، اضطلع أعضاء الجماعة اليهودية بعملية استئجار المزرعة وإدارتها نيابةً عن النبيل الإقطاعي الغائب في وارسو، والذي كان يترك زمام الأمور في يد الوكيل. وكانت مدة عقود الإيجار تصل أحياناً إلى عدة سنوات. وأدَّى هذا إلى تَحوُّل الأرندا إلى نظام استثمار تجاري استغلالي لا تخفف من حدته الروابط الإقطاعية بما تحمل من مسئولية أخلاقية مباشرة من النبيل الإقطاعي تجاه فلاحيه وأقنانه وتراث ثقافي وديني مشترك، فهو إقطاعي في علاقاته الاقتصادية الأساسية بين النبيل والأقنان، ولكنه إقطاع بلا علاقات اجتماعية أو ثقافية إقطاعية، إذ أن الطبيعة الاستيطانية للنظام ووجود عنصر سكاني غريب يكون بمنزلة همزة الوصل بين الإقطاعي وفلاحيه قضيا على احتمال قيام مثل هذه العلاقات المباشرة وقضيا على الرقعة الثقافية والدينية المشتركة. ولا شك في أن النبلاء البولنديين كانوا ينظرون إلى أعضاء الجماعة كعنصر ريادي استيطاني كفء ونافع يساهم في تعمير المناطق غير المأهولة بالسكان وكأداة تُستخدَم لتنشيط الاقتصاد الزراعي الخامل وإدخال بعض النشاطات التجارية فيه حتى

يزيد ريع الأراضي الزراعية.
لكل ما تقدَّم، أصبحت السلطة المباشرة شبه المطلقة في يد اليهودي الذي كان يدير الضيعة، فهو الذي يُطبِّق القانون ويقرر العقوبات والغرامات وينفذها بمساعدة الجنود البولنديين. وكان الملتزم أو الأرنداتور اليهودي يحصل على كل الامتيازات الممكنة مثل إدارة الحانات وطواحين الغلال ومعامل الألبان ومعامل التقطير وصناعة الكحول ومناجم الملح وقطع الأخشاب وصنع الغراء ودبغ الجلود وصنع الصابون. كما كانوا يجمعون ضرائب المرور على الكباري والبوابات. بل لم تكن إقامة الصلوات الأرثوذكسية ممكنة إلا بعد العودة للوكيل اليهودي إذ لم يكن بمقدور القساوسة الحصول على مفتاح الكنيسة أو استعارة ردائهم الكهنوتي لإقامة شعائر الصلاة إلا بعد دفع ضريبة. وكان اليهود يشترون أيضاً المحصولات من الفلاحين. ولأنهم كانوا يمتلكون وسائل النقل النهري، فقد كانوا هم أيضاً الذين يقومون بنقلها. وكان أعضاء الجماعة اليهودية هم أيضاً تجار القرية الذين يبيعون الفلاحين ما يريدونه من السلع الضرورية مثل الملح والسلع التَرَفية. وأصبح بعض يهود بولندا وروسيا من كبار تجار الأخشاب والحبوب في أوربا. ونشأت علاقة قوية بين يهود البلاط في دول أوربا الوسطى، ويهود الأرندا إبّان حرب الثلاثين عاماً، حيث كان يهود البلاط يستوردون الحبوب من بولندا. وكان يهود الأرندا يقومون بتدبير الغلال المطلوبة التي كانت تتزايد حاجة أوربا إليها. وهذا يبين كيف كانت العلاقات بين الجماعات اليهودية تسهل اتصالاتهم وتجعلهم شبكة قوية ووحيدة للتجارة الدولية.

وساهم الوضع الاقتصادي العام في أوربا آنذاك في تحسين وضع بولندا، إذ كان سكان أوربا الغربية آخذين في الزيادة وهو ما اضطر دول هذه المنطقة إلى استيراد كميات كبيرة من الحبوب. واستفادت بولندا من هذا الوضع، فأصبحت في الفترة من 1577 إلى 1654 بمنزلة المصدر الأساسي للقمح في أوربا. فكان يتم تصدير القمح البولندي إلى فرنسا وإنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، وأحياناً إلى العالم الإسلامي من خلال أمستردام حيث كانت هناك أهم بورصة لبيع الحبوب. وأصبحت جدانسك أهم مدينة تجارية في أوربا بعد أمستردام إذ كانت تُصدِّر مواد عديدة مثل الحبوب والأخشاب والكتان والقنب والبوتاس والماشية.
واحتكر النبلاء البولنديون هذه السلع وطوروا ضياعهم لإنتاجها فشددوا قبضتهم على الأقنان وحولوهم إلى عبيد تقريباً. فكان كبار النبلاء الإقطاعيين يمتلكون الأرض في أوكرانيا ويؤجرونها، والألمان يديرون الموانئ على بحر البلطيق، والهولنديون يمتلكون السفن البحرية لنقل السلع. أما أعضاء الجماعة اليهودية، فقاموا ببقية العملية ومن بينها نقل المحاصيل بوسائل النقل النهري التي كانوا يمتلكونها. وقبل اتحاد ليتوانيا وبولندا عام 1569، كان لا يوجد سوى أربعة وعشرين تجمعاً يهودياً في أوكرانيا لا يزيد عدد أعضائها على أربعة آلاف. ولكن، مع حلول عام 1648، كان عدد التجمعات 115 تجمعاً يبلغ عدد سكانها 51.325، أي أن أعضاء الجماعة اليهودية زاد عددهم 13 مرة خلال ثمانين عاماً. ونظراً لأن أعضاء الجماعة اليهودية لم يكونوا مسلحين، فقد كانت تساندهم فرق مسلحة بولندية حتى يمكنهم الاستمرار في استغلال الفلاحين.

وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية بعلاقتهم القوية مع النبلاء والقوى التجارية الدولية محميين من تقلبات المجتمع الإقطاعي ومن غش وخداع البلديات والموظفين الملكيين، ووجدوا المناخ المستقر الذي يحتاج إليه النشاط التجاري والمالي دون ضغوط وتهديد. وتَحسَّن وضعهم ودخلوا دورة اقتصادية جديدة. وربما يُفسِّر سبب بقاء واستمرار الجماعة اليهودية وسبب استمرار أعضائها أهم عنصر في الاقتصاد النقدي رغم عمليات الطرد في أواخر القرن الخامس عشر. وقد ازدهرت الدراسات الدينية بحيث أصبحت بولندا مركز الدراسات التلمودية لا في العالم الغربي فقط وإنما في العالم بأسره. ولكنهم رغم ازدهارهم، بل وبسببه، ظلوا في نهاية الأمر عنصراً تجارياً إدارياً غريباً يعيش في بيئة فلاحية، وتحولوا إلى أداة استغلال كاملة مباشرة في يد الأرستقراطية الإقطاعية الغائبة المستفيدة من هذا الاستغلال، ومَثَّل هذا وضعاً متفجراً يتسم بعدم الاستقرار.
تسبَّب نظام الأرندا في عزل أعضاء الجماعة اليهودية داخل الشتتلات وإلى تَزايُد غرورهم تجاه الفلاحين، كما تزايد اعتمادهم على السلطة الحاكمة، وعلى القوة العسكرية البولندية. وكان القانون البولندي، بسبب الوضع المتفجر، يُلزم رب العائلة اليهودية بالاحتفاظ ببنادق بعدد الذكور، وبثلاث خرطوشات وثلاثة أرطال من البارود.

وكان أعضاء الجماعة اليهودية يبنون معابدهم على هيئة حصون تُوجَد بحوائطها كوات تخرج منها فوهات البنادق وتُنصَب فوقها المدافع ضد الأقنان والعبيد. ومع نهاية القرن السادس عشر، كان عدد كبير من يهود بولندا الموجودين في أوكرانيا يقوم بعملية الاستغلال هذه ويشكل جسماً غريباً يتحدث أعضاؤه اليديشية (في وسط سلافي) ويؤمنون باليهودية ويمثلون النبلاء البولنديين الكاثوليك (في وسط أوكراني أرثوذكسي) ويقومون بأعمال تجارية (في وسط زراعي فلاحي) مستغرقين إما في الدراسات التلمودية التي أصبحت شكلية وخالية من المضمون والروح منفصلة عن الحياة وإما في التأملات القبالية التي تمنح اليهود مركزية في الكون لا أساس لها في الواقع. وتواجد أعضاء الجماعة اليهودية بأعداد كبيرة في مدنهم التجارية الصغيرة (الشتتلات) الأمر الذي كرَّس عزلتهم بشكل يكاد يكون كاملاً. ويُلاحَظ مدى تَداخُل الانتماء الإثني والديني والطبقي في أوكرانيا وبولندا. ولعل هذا الوضع يشكل الأساس المادي لمقولة أبراهام ليون الخاصة بالشعب/الطبقة، ولبعض المقولات الصهيونية كقولهم " من الطبقة إلى الأمة "، ولحديث بوروخوف عن الهرم الإنتاجي المقلوب عند اليهود. ولكننا نفضل استخدام مفهوم الجماعة الوظيفية (المالية/الاستيطانية) في هذه الحالة.
ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن يهود الشتتل كانوا بمنأى عن الثقافة اليهودية الرفيعة (مقابل الثقافة الشعبية) التي كانت توجد مراكزها في المدن حيث كانت توجد المدارس التلمودية العليا (اليشيفات) . وقد بدأوا يتفاعلون مع محيطهم الثقافي واستوعبوا كثيراً من العادات والمعتقدات الفلاحية الشعبية المسيحية السلافية. وكان لهذا أعمق الأثر في التطور اللاحق لليهودية إذ أن الدراسات التلمودية الجافة لم تَعُد تلائم هذا الجو المشبع بالأساطير والخرافات.

وقد أخذ عدد أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا في التزايد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر زيادة كبيرة، فكان عددهم عام 1500 يتراوح بين 25 و30 ألفاً من مجموع خمسة ملايين بولندي. وفي عام 1575، زاد عدد سكان بولندا إلى سبعة ملايين نسمة. ولكن عدد أعضاء الجماعة اليهودية زاد إلى 150 ألفاً. ومع منتصف القرن السابع عشر، بلغ عددهم 350 ألفاً (ويُقال 500 ألف) يشكِّلون 5% من مجموع سكان بولندا. وحتى عام 1550، لم يكن هناك يهود يعيشون بشكل قانوني في إنجلترا أو فرنسا أو هولندا أو إسبانيا أو البرتغال أو الدول الإسكندنافية أو إمارة موسكوفي. وكان يهود أوربا كافة مركزين أساساً في بولندا وبعض أجزاء من ألمانيا أو إيطاليا بحيث كان يوجد، في القرن السابع عشر، مركزان أساسيان في العالم لليهود: أحدهما في الإمبراطورية العثمانية وهو الذي استوعب العديد من اليهود الذين طردوا من أوربا الغربية وشبه جزيرة أيبريا، وثانيهما في بولندا وليتوانيا. واستمر يهود بولندا في الزيادة، حتى أن أغلبية يهود العالم في بداية القرن العشرين كانت من نسل يهود بولندا.
النبلاء البولنديون (شلاختا)
‏(Polish Nobility (Szlachta

«شلاختا» كلمة بولندية معناها «نبلاء» . والشلاختا تركيب طبقي فريد يستمد تفرده من طبيعة التشكيل السياسي الحضاري البولندي. وظهرت بولندا بوصفها وحدة سياسية بعد أن قام ملوك أسرة بياست (966 ـ 1386) بتوحيد أقاليمها. وحافظت أسرة ياجيلون (1386 ـ 1572) على هذه الوحدة من خلال حكومة ملكية تتمتع بشيء من المركزية، وتفرض سلطتها على كل أطراف المملكة، وتتبع سياسة موحَّدة تجاه تطوير المجتمع وتعمير البلاد في الداخل وعمليات صد الغزاة وتوسيع رقعة البلاد في الخارج. وشهدت هذه الفترة توسيع رقعة بولندا حتى أصبحت أكبر دول أوربا وأقواها، تمتد من البحر إلى البحر، من بحر البلطيق إلى البحر الأسود. وفي محاولة تطوير البلاد، قام ملوك بولندا بتشجيع عناصر أجنبية (الألمان واليهود والأرمن) على الاستيطان وتشييد مدن تُحكَم بالقانون الألماني (قانون ماجدبرج) . واستقرت في هذه المدن أيضاً عناصر بولندية محلية صبغت هذه المدن بالصبغة البولندية. وكانت هذه المدن تتبع الملك مباشرة (ولذا سُمِّيت «مدن التاج» ) وكانت ذات شخصية اعتبارية مستقلة ولمجالسها البلدية صلاحيات كثيرة. وإلى جانب سكان المدن، كان يوجد الفلاحون الذين يعيشون داخل نظام الإقطاع البولندي كأقنان عليهم أن يعملوا في مزارع النبيل الإقطاعي. كما كان يُوجَد عدد كبير من الفلاحين الأحرار الذين يستأجرون الأرض من النبيل الإقطاعي. ولم تكن سلطة النبلاء (على الأقنان أو الفلاحين) مطلقة في بداية الأمر إذ كانت لهم أيضاً مجالسهم المستقلة ومحاكمهم، وكانت بعض القرى قد نجحت في الحصول على الحقوق والمزايا التي منحها القانون الألماني للمدن. بل إن بعض الفلاحين الأحرار كانوا ضمن العناصر الأجنبية التي استقرت خلال محاولة تعمير بولندا.

أما أهم الطبقات، من منظور التطور السياسي اللاحق لبولندا، ومن منظور تبلور المسألة اليهودية في شرق أوربا وظهور الصهيونية، فهي طبقة النبلاء. وهي طبقة لم تكن قط تابعة للملك وإن كان قد نجح بعض الوقت في فرض سلطته عليها. وإذا كان التطور اللاحق في معظم أرجاء أوربا هو تَعاظُم سلطة الملك داخل النظام الإقطاعي وتقليم أظافر النبلاء الإقطاعيين وتأسيس الدولة المطلقة تحت حكم الملوك المطلقين، فإن العكس هو الذي حدث في بولندا إذ تعاظم نفوذ النبلاء حتى أصبحوا الحكام الحقيقيين وأصحاب القرار في الدولة البولندية. وظهر أول اتحاد لهم في منتصف القرن الرابع عشر، وكونوا مجلس شورى للملك (1385 ـ 1493) ، ثم نجحوا في الفترة 1422 ـ 1433 في تدعيم امتيازاتهم، كالإعفاء من الضرائب وعدم سجن أي منهم إلا بعد المحاكمة. وتحوَّل مجلس شورى الملك عام 1493 إلى مجلس تشريعي يُسمَّى السييم أو البرلمان. وفي عام 1505، ساد العرف القائل «نيهيل نوفي nihil novi» (وهي عبارة لاتينية تعني «لا تجديد» ) ، الأمر الذي يعني تأكيد حق برلمان النبلاء وحده في إصدار القوانين والتشريعات. ومن خلال البرلمان (سييم) ، تَمكَّن النبلاء من تقويض دعائم النظام الملكي المركزي تماماً حتى تحولت بولندا من مملكة يحكمها ملك إلى مملكة تحكمها طبقة اجتماعية هي طبقة النبلاء.

ولعل تَزايُد نفوذ النبلاء يعود إلى سمة فريدة في بولندا بين الدول الغربية، وهي تعددية الإمبراطورية البولندية إثنياً وجغرافياً ودينياً، وهي تعددية زادت بعد توحيد ليتوانيا وبولندا عام 1386 باتحاد الأسرتين الملكيتين في البلدين. وكانت بولندا تضم بولنديين كاثوليك يتحدثون الألمانية، وليتوانيين يتحدثون لغتهم، ويهود يتحدثون اليديشية، وألمان يتحدثون الألمانية، وأرمن مسيحيين يتحدثون الأرمنية، وتتراً مسلمين يتحدثون لغتهم، وغير هؤلاء كثيرون، حيث بلغ عدد اللغات اثنتى عشرة لغة. كما وُجدت في بولندا الديانات التوحيدية الثلاث، وكذلك معظم الشيع المسيحية: الأرثوذكسية والكاثوليكية والأرمنية والبروتستانتية، ومثل هذه التعددية تتطلب إطاراً إدارياً فضفاضاً.

وانتهى حكم أسرة ياجيلون بتوقيع اتحاد لوبلين (برست ليتوفسك) عام 1569، والذي حوَّل الوحدة بين بولندا وليتوانيا من وحدة ملكية (من خلال الأسرة المالكة) إلى وحدة حقيقية بين البلدين. ولكن كان يُوجَد في كل من البلدين طبقتان من النبلاء، لكلتيهما مصالحها وظروفها التي لا تنوي التنازل عنها. ولإنجاز الاتحاد، كان لابد أن تتنازل السلطة المركزية الملكية عن كثير من سلطاتها الأمر الذي أدَّى إلى تَزايُد ضعف السلطة المركزية وتَزايُد نفوذ النبلاء. وبعد أن اتحدت مملكة بولندا ودوقية ليتوانيا، احتفظت كل منهما بقوانينها وإدارتها، ولكن أصبح لها حكومة واحدة تحت حكم ملك واحد ينتخبه البرلمان (سييم) . وقد سموا هذا الكيان «ريس بوبلكا res publica» وهي كلمة لاتينية معناها «الجمهورية» ، وأُطلَق عليها «جمهورية بولندا وليتوانيا المتحدة» ، أي أن المملكة الجديدة تحوَّلت من ملكية تتحكم فيها طبقة اجتماعية إلى جمهورية ملكية أي جمهورية يحكمها ملك منتخب، وهو أمر فريد في العالم الغربي وربما في العالم بأسره. وكان الملك يُنتخَب انتخاباً مباشراً من قبَل النبلاء. ولم يكن يتم تتويج الملك إلا بعد أن يُقسم على أنه سيلتزم بميثاق يحوي العديد من البنود، مثل: قبوله بأن يُختار الملك بالانتخاب وأن عليه دعوة البرلمان للاجتماع والموافقة على أن يقوم ستة عشر سناتوراً بالرقابة على السياسة الملكية وأن يحافظ على امتيازات النبلاء وحقهم في الموافقة على فرض الضرائب وإعلان الحروب وتوقيع المعاهدات. ومن ثم كانت السيادة الكاملة للنبلاء، وأصبح الملك مثل المدير الذي يتم التعاقد معه لتنفيذ خطة محددة موضوعة له. وكانت سلطة ملك بولندا أقل كثيراً من سلطة ملك إنجلترا الذي كان يملك ولا يحكم، فهذا كان لا يملك ولا يحكم. ووصل نظام الجمهورية الملكية إلى قمة سخفه في نظام الليبروم فيتو librum veto (وهي عبارة لاتينية تعني «الفيتو الحر» ) وهو نظام يعطي لأي عضو

في البرلمان حق الفيتو وهو ما كان يعني ضرورة أن تَصدُر القرارات بالإجماع. وقد أصاب هذا النظام البرلمان بالشلل وزاد تفكك بولندا وتحوُّلها إلى أقسام يحكم كلاًّ منها نبيل أو ربما يتحكم فيه.
وتزامنت عملية تقنين سلطة النبلاء مع عدة عمليات تاريخية داخلية وخارجية:
1 ـ شهدت سبعينيات القرن السادس عشر ازدهار بولندا التجاري نتيجة تحوُّلها إلى معبر للتجارة بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، فهي بلد يقع في قلب أوربا ويمتد من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، أي من السويد وروسيا وألمانيا وبمحاذاة العديد من بلاد أوربا ووسطها ليصل إلى حدود الدولة العثمانية. وبدأت بولندا في تصدير العديد من السلع الغذائية. واستفاد النبلاء من هذا الوضع إذ احتكروا الاتجار في هذه السلع وراكموا الثروات.
2 ـ شهدت الفترتان من 1496 إلى 1508 ومن 1520 إلى 1532 صدور عدة قوانين شددت قبضة النبلاء على الفلاحين وسلبتهم حريتهم وحولتهم إلى أقنان بحيث أصبحوا ملكية خاصة للنبلاء وأصبحوا مجرد مصدر للعمالة الرخيصة في مزارع البلاد.
3 ـ نجم عن الوحدة بين ليتوانيا وبولندا أن أُتيحت فرصة للاستثمار أمام النبلاء البولنديين في أوكرانيا (1569 ـ 1648) . وانحصر اهتمام النبلاء في ريع ضياعهم في أوكرانيا دون أيِّ إحساس بالمسئولية الإقطاعية تجاه فلاحيهم ودون أية مشاركة في ثقافتهم. وأدَّى هذا إلى تَزايُد استغلال النبلاء للفلاحين في أوكرانيا وخارجها، وتحوَّل نظام الأقنان إلى نظام عبودي إذ لم تكن هناك قوة تقف في وجه النبلاء وتضع حدوداً لاستغلالهم. وقد أصر النبلاء على حقهم المطلق في إقرار الحياة والموت بالنسبة إلى الأقنان. وظل رجال الكنيسة وسكان المدن اليهود (أي الجماعات التي كان يتقرر وضعها بموجب مواثيق ملكية) خارج نطاق تحكُّم النبلاء. واستمر استقلالهم، ولكنهم لم يشتركوا في البرلمان أو في انتخاب الملك باستثناء بعض كبار رجال الكنيسة.

وكانت ثقافة الشلاختا تدعو للمساواة التامة بين مختلف النبلاء دون تفرقة على أساس الثروة أو النفوذ. ولم يكن هناك تمييز بين كبار النبلاء والشريحة المتوسطة منهم أو ما كان يُسمَّى «النبلاء الحفاة» أو «سابلة النبلاء» وهو عدد هائل من النبلاء الذين كانوا لا يملكون أرضاً ولا ثروة، ومع هذا كانوا أعضاء في طبقة الشلاختا.
ويُلاحَظ أن طبقة النبلاء، في مختلف بلاد أوربا، كانت لا تزيد على 1 ـ 2% من مجموع السكان. أما الشلاختا، فكانت تصل إلى ما بين 8% و12%. ولذا، كانت تُعَدُّ أكبر طبقة لها حق الانتخاب في أوربا في ذلك الوقت.
ورغم مجموعة القيم الديمقراطية التي تَمسَّك بها أعضاء الشلاختا، أو ربما بسببها، فإنهم كانوا مسئولين إلى حدٍّ كبير عن ضعف بولندا واختفائها في نهاية الأمر. فقد اهتم النبلاء كل بمصلحته الخاصة وهو أمر لم يكن ليَخفَى على الدول المجاورة (ذات الأطماع في بولندا) التي أخذت تتدخل في السياسات الداخلية لبولندا من خلال النبلاء وتتحكم فيها، وهو ما أدَّى إلى تَزايُد النفوذ الأجنبي. وتزامنت هذه المرحلة مع ظهور الملكيات المطلقة ذات السلطة المركزية في بقية أوربا وظهور ألمانيا وروسيا والنمسا كإمبراطوريتين لهما أطماع في بولندا.

وحدث تَطوُّر مُتوقَّع داخل طبقة النبلاء ذاتها إذ أخذت شريحة كبار النبلاء (التي كانت تضم حوالي ثلاثمائة أسرة) في التبلور كأقلية تتحكم في طبقة النبلاء نفسها، وفي الوظائف الأساسية في الدولة ومن ثم في بولندا بأسرها. وكانت ثروات كبار النبلاء أكبر من ثروات الملك، كما كانت ضياعهم دولة داخل دولة فعلاً، ويعيش فيها مئات الألوف من الأقنان/العبيد. وكان حجم بعضها أكبر من حجم بعض الدوقيات الألمانية، كما كانت تتبع كل نبيل قوة مسلحة خاصة به لضمان الأمن الداخلي. وتحوَّل صغار النبلاء إلى موال لهم يمتثلون لأوامرهم. وقد أسس النبلاء مدناً خاصة بهم تتنافس مع المدن الملكية وتفوقها في الثروة والنفوذ، وساهموا في إضعاف الطبقة الوسطى إذ استوعبوا ثروات بولندا وركزوها في أيديهم. ومع اكتشاف أمريكا، وصلت إلى أيديهم كميات كبيرة من الذهب تم استيرادها من العالم الجديد. ولكن الثروات التي راكموها لم يُعَد استثمارها في الاقتصاد، بل بُدِّدت في مظاهر الترف، الأمر الذي أدَّى إلى التضخم وعدم الازدهار الاقتصادي.

وقد أدَّى كل هذا إلى استقطاب شديد في المجتمع البولندي بحيث كانت تُوجَد من ناحية طبقة الشلاختا التي على رأسها شريحة كبار النبلاء تتحكم في المجتمع بأسره (دون ضوابط) بمساندة القوى الأجنبية أحياناً، وكانت تُوجَد من ناحية أخرى طبقة عريضة من الفلاحين الذين تحولوا بالتدريج إلى أقنان/عبيد، كما كانت تُوجَد طبقة وسطى هزيلة غير قادرة على النمو بسبب سيطرة كبار النبلاء. ومع تَصاعُد نفوذ النبلاء وضعف نفوذ السلطة المركزية الملكية، تزايد اعتماد اليهود على النبلاء ابتداءً من القرن السابع عشر وانتقل مركز الجاذبية بالنسبة إليهم من غرب ووسط بولندا إلى المناطق الشرقية في أوكرانيا وغيرها. ومن منتصف القرن السابع عشر، أصبحوا الطبقة الثالثة، أو الجماعة الوظيفية الوسيطة بين النبلاء والأقنان. وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية أداة النبلاء في ممارسة سلطتهم الجائرة غير المستنيرة. فقام اليهود بمهمة إدارة مزارع النبلاء الكبيرة في أوكرانيا وغيرها تساندهم القوة العسكرية البولندية فيما عُرف بنظام الأرندا، وذلك داخل إطار الإقطاع الاستيطاني في مدنهم الصغيرة (شتتل) التي بناها لهم النبلاء. وكذلك أصبح أعضاء الجماعة أداة النبلاء في كبح جماح الطبقة الوسطى، أو سكان المدن البولندية. فالنبلاء كانوا يفضلون التجار اليهود على غيرهم لأنهم كانوا يحققون لهم عائداً أكبر من العائد الذي يحققه التجار البولنديون أو الألمان. وحتى في المدن البولندية، التي كان محظوراً على اليهود السكنى أو الاتجار فيها، كانت منازل النبلاء تقع خارج نطاق قوانين المدينة، ولذا كان بوسع اليهود أن يقيموا فيها كي يقوموا بنشاطهم التجاري لصالحهم ولصالح النبلاء أيضاً. ومما دعم العلاقة بين اليهود والنبلاء أن النبيل الإقطاعي كان محرماً عليه الاشتغال بالتجارة، كما كان يفقد مكانته ووضعه الطبقي إن فعل، ولذا كان مضطراً لاستخدام وسيط تجاري ليضطلع بهذه الوظيفة نيابة

عنه.
وازدهرت الجماعة اليهودية بسبب ارتباطها بالنبلاء الذين كانوا يجدون فيها أداة طيعة لا تمثل أية خطورة عليهم بسبب عزلتها عن السكان ولأنها ليست لها مطالب سياسية على عكس الوسطاء المحليين. ويُقال إن بولندا، في هذه المرحلة، كانت السماء بالنسبة لليهود والجنة بالنسبة للنبلاء، ولكنها كانت تمثل جهنم بالنسبة للأقنان، ويمكن أن نضيف وللتجار البولنديين.
ويمكن أن نرى هنا الجذور الحقيقية للمسألة اليهودية إذ أن تحول اليهود إلى أداة استغلال، أو إلى جماعة وظيفية وسيطة، يعني أنهم كانوا يقفون ضد أغلبية طبقات المجتمع لا يرتبط مصيرهم بمصيره، وخصوصاً أن الطبقة التي ارتبطوا بها لم تكن طبقة وطنية بل طبقة مرتبطة بالنفوذ الأجنبي. ولذا، فحينما ظهرت طبقة بورجوازية وطنية في بولندا، لم يكن بإمكان اليهود أن ينخرطوا في سلكها فظلوا خارجها. كما ارتبطوا بطبقة كانت عملياً مسئولة عن ضعف بولندا وتَحوُّلها من دولة عظمى إلى دويلة صغيرة ثم عن اختفائها نهائياً مع بداية القرن التاسع عشر. واختفت طبقة النبلاء مع تقسيم بولندا وتَحوَّل كثير من النبلاء إلى مهنيين.
ونحن نرى أن علاقة كبار النبلاء باليهود كجماعة وظيفية وسيطة وعميلة، تُستخدَم أداة لامتصاص خيرات البلد وفائض القيمة من جماهيره داخل إطار الإقطاع الاستيطاني والأطر الأخرى، تشبه علاقة الولايات المتحدة بالمستوطنين الصهيونيين داخل إطار الاستعمار الاستيطاني الإحلالي.
بولندا من انتفاضة القوزاق إلى التقسيم
‏Poland, from the Cossack Uprising to the Partition

بدأت الفترة التي تُعرَف باسم «الطوفان» في تاريخ بولندا في منتصف القرن السابع عشر، وهي فترة استمرت نحو ثلاثين عاماً. وشهدت المرحلة السابقة الضعف المتزايد لسلطة الدولة المركزية، وضعف الملكية تحت حكم ملوك الساكسون، وزيادة قوة النبلاء البولنديين (شلاختا) الذين كان يدين بعضهم بالولاء لدول أجنبية. وتزامن ضعف السلطة المركزية مع ظهور دول مجاورة قوية مثل السويد أو روسيا التي بدأت تتحدد معالمها كدولة عظمى. وبدأ الطوفان بثورة القوزاق، وهم جماعة حدودية من الجنود وقطَّاع الطرق كونوا فرقاً شبه عسكرية متجولة، بتشجيع من ملوك بولندا لحماية المنطقة من هجمات التتار. ولكنهم أخذوا يتمردون على الحكم البولندي، واندلعت أول انتفاضة لهم عام 1637. وأعقب ذلك فترة جفاف في أوكرانيا سادت عشرة أعوام، وهو ما زاد بؤس الفلاحين وزاد ضغط اليهود عليهم ليفوا بالالتزامات المالية. ثم هبت العاصفة الحقيقية على شكل انتفاضة بوجدان شميلنكي عام 1648 التي اكتسحت البولنديين وأعوانهم من اليهود. ورغم توقيع معاهدة مع بولندا اعترفت فيها باستقلال دولة القوزاق بزعامة شميلنكي، فإن الصراع في المنطقة استمر دون هوادة. ولم يتمكن أي من الفريقين من إحراز انتصار حاسم. وكان شميلنكي، منذ بداية الثورة، قد عقد تحالفات مع روسيا والدولة العثمانية والتتار، كما وقع معاهدة عام 1654 مع روسيا وُضعت بمقتضاها دولة القوزاق الأوكرانية تحت حماية القيصر، وأصبح القيصر بعدها قيصر روسيا الصغرى (أي أوكرانيا) أيضاً. وهنا دخلت روسيا الحروب مع بولندا التي تحالفت مع التتار. وكانت النتيجة أن أوكرانيا عاشت فترة امتدت 32 عاماً من الغزو الأجنبي والحروب الأهلية والتقلبات الاجتماعية. ودخلت القوات السويدية الحرب عام 1655. وشهدت الفترة أيضاً هجمات الهايدماك وهجمات الفلاحين والأقنان تحت قيادة قوزاق من جماعة الزابروجيان من أتباع شميلنكي (مات عام 1657) ، كما شهدت كذلك

تصارعاً بين جماعات القوزاق المختلفة. وانتهى الأمر بتقسيم أوكرانيا بين بولندا وروسيا والدولة العثمانية التي ضمت أجزاء من أوكرانيا، من ضمنها بودوليا، ظلت تحت الحكم العثماني حتى عام 1699. ووقعت معاهدة السلام الأزلي بين روسيا وبولندا عام 1686، ومع هذا اندلعت الحرب مرة أخرى ولم تنته إلا عام 1709 حين انتصرت روسيا على السويد وبولندا.
وتحطَّم الاقتصاد البولندي تماماً في هذه المرحلة إذ توقفت تجارة الحبوب من خلال بحر البلطيق وانخفض مستوى المعيشة (كان مستوى معيشة المواطن البولندي عام 1750 أقل منه عام 1550) ، وتدهورت المدن، وفَقَدت ثلاثة أرباع سكانها، وشهدت بولندا أسوأ تَضخُّم في تاريخها. وهبط عدد سكان بولندا إلى أربعة ملايين عام 1668 وهو يعادل 45% من عدد السكان قبل هذا التاريخ، ثم ارتفع العدد إلى أن بلغ 11.420.000عام 1772.
وكانت هذه المنطقة من أوربا تضم نصف يهود العالم تقريباً. وترى الدراسات الحديثة أن التصورات القديمة الخاصة بأن ثورة شميلنكي أبادت عشرات الألوف من اليهود واجتثت مئات الجماعات هي تصورات مبالغ فيها إذ أن أعداداً كبيرة من اليهود هربت ثم عادت بعد استقرار الأمور بعض الشيء. ومع هذا، ثمة اتفاق على أن هذه الهجمات، ثم الصراعات العسكرية والاجتماعية التي تلتها، أدَّت إلى ضعضعة الوجود اليهودي في بولندا وخلقت جواً من الذعر وعدم الطمأنينة.

ورغم أن أعضاء الجماعة اليهودية قاموا بمحاولة إعادة البناء بمساعدة الملك جون كاسيمير (1648ـ 1668) ، إلا أن نفوذه كان ضعيفاً، كما أن رأس المال اليهودي كان قد تبدَّد إلى حدٍّ كبير. وكذلك كان عدم الاستقرار سائداً. ولذا، لم تنجح التجربة هذه المرة، وازدادت الأعباء المالية الملقاة على كاهلهم وعلى كاهل مجالس القهال، وبدأ نمط الهجرة الحديثة بين أعضاء الجماعات، الهجرة من البلاد المتخلفة في شرق أوربا إلى البلاد المتقدمة في غربها والهجرة الاستيطانية إلى العالم الجديد.
وفي منتصف القرن الثامن عشر، كان البناء الطبقي والوظيفي لأعضاء الجماعة اليهودية على النحو التالي:
2ـ3% من كبار التجار.
40% من صغار التجار وضمن ذلك مستأجرو الحانات ويهود الأرندا.
33% من الحرفيين.
10% من الحرف المرتبطة بنشاطات الجماعة اليهودية.
15% من الفقراء والعاطلين والمتسولين.

وكان معظم الجماهير اليهودية في تلك المرحلة قد ابتعد عن مراكز الدراسات التلمودية والتقاليد الثقافية الحاخامية التي كانت قد بدأت تفقد صلتها بالواقع، وأصبحت غير قادرة على أن الاستجابة للحاجة الروحية لدى الجماهير اليهودية، الأمر الذي أدَّى إلى انتشار القبَّالاه. ورغم أن اليهود كانوا وسطاء ممثلين للإقطاع البولندي، فإنهم اكتسبوا كثيراً من صفات الفلاحين الأوكرانيين والبولنديين بكل خرافاتهم ونزعاتهم الدينية الغيبية، بل تأثروا بتقاليدهم الدينية المسيحية، وخصوصاً بجماعات المنشقين الدينيين الروس وبالخليستي على وجه التحديد. وتزامن ظهور الحركة مع التدهور التدريجي للاقتصاد البولندي إذ طُرد كثير من يهود الأرندا وأصحاب الحانات من القرى والمدن الصغيرة. وتسبَّب كل ذلك في ازدياد تَغلغُل الرؤى القبَّالية، الأمر الذي جعل أعضاء الجماعة اليهودية تربة خصبة للنزعات المشيحانية. ولذلك، ترك شبتاي تسفي أعمق الأثر في بعض قطاعاتهم، وأصبحت بولندا، وخصوصاً بودوليا، مركزاً للحركات الشبتانية والفرانكية على وجه الخصوص.

وفي نهاية الأمر، ظهرت الحسيدية في المناطق الزراعية في بولندا التي ضُمَّت فيما بعد إلى روسيا وهي أوكرانيا وروسيا البيضاء. وكانت القيادة الاجتماعية للحركة الحسيدية هي الطبقة الوسطى الصغيرة من بقايا يهود الأرندا ومستأجري الحانات وأصحاب المحال الصغيرة والباعة المتجولين. والحسيدية حركة دينية حلولية تنادي بالتواصل مع الخالق مباشرة، بل الالتصاق به، متجاوزة بذلك المؤسسات الدينية التقليدية، كما أنها تؤكد أهمية التجربة الصوفية والإحساس بالنشوة بشكل يجعلها معادية للنزوع العقلي أو الذهني المجرد للمؤسسات التلمودية. ولكن هذه النزعات نفسها ساهمت في تخفيف البؤس على الجماهير. وأحلَّت الحسيدية التساديك محل الحاخام، والتساديك شكل من أشكال القيادة الكاريزمية في وقت كانت القيادات الحاخامية قد تخلَّت فيه عن مسئوليتها. والتساديك على عكس الحاخام ملتصق بمريديه، يعرف مشاكلهم وبوسعه أن يُدخل على قلوبهم الطمأنينة.
ازداد الصراع بين أعضاء الجماعة والبورجوازية البولندية، فصدرت عام 1720 تشريعات حدَّت من النشاط التجاري لليهود. وهذا الصراع إحدى السمات الأساسية للوجود اليهودي في بولندا، فنتيجةً للتاريخ الاقتصادي المنفصل لأعضاء الجماعة، أي لكونهم جماعة وظيفية وسيطة وأعواناً للأرستقراطية وعملاء لها في إطار الإقطاع الاستيطاني ونظام الأرندا، ونتيجة عزلتهم الحضارية وكونهم عنصراً غريباً مستقلاًّ، كان من الصعب إنشاء تحالف بينهم وبين البورجوازية البولندية، الأمر الذي كان يعني أن يظل اليهود منذ البداية خارج نطاق النضال الثوري. وقد أُلغي مجلس البلاد الأربعة عام 1764. وبلغ عدد يهود بولندا في ذلك العام 749.968 يهودياً (منهم 548.777 في بولندا و201.191 في ليتوانيا) يعيش معظمهم في المدن. وإذا عرفنا أن نصف مليون بولندي فقط كانوا يعيشون في المدن لتبيَّن لنا أن سكان المدن، خصوصاً المدن الصغيرة، كانوا أساساً من اليهود.

وقد قُسِّمت بولندا للمرة الأولى عام 1772 ثم قُسِّمت مرة أخرى عام 1793. وحدثت محاولة لإصلاح اليهود كما نُشرت دراسات ومشاريع تهدف إلى تحديث اليهود ودمجهم في الأمة البولندية، وتمت مناقشة المسألة اليهودية في البرلمان البولندي (1788 ـ 1792) ، ولكن قامت معارضة شعبية لعملية الدمج هذه. وشُكِّلت لجنة عام 1790 لبحث المسألة اليهودية قررت وجوب إلغاء ديون القهال أولاً ثم إخضاع أعضاء الجماعة لعملية التنوير.
وأدَّى تقسيم بولندا إلى تقسيم أعضاء الجماعة فيها، فتم ضم عدد من يهود بوزنان إلى بروسيا، وأصبحت جاليشيا تابعة للإمبراطورية النمساوية، وتم ضم يهود المقاطعات الشرقية إلى روسيا.
وحينما اندلعت ثورة كوشتشوكو القومية، اشترك فيها اليهود إلى جانب البولنديين. وكانت مثل هذه اللحظات النادرة من الكفاح الوطني المشترك بوتقة الصهر التي كان يتم من خلالها وإبّانها دمج الجيوب الإثنية والدينية المختلفة في التشكيلات القومية، ولكن لم يُقدَّر لهذه اللحظات أن تتكرر في حالة يهود بولندا. ولم يُقدَّر للاتجاه الاندماجي الاستمرار لعدة أسباب:

1 ـ كان الاندماجيون بين اليهود شريحة اجتماعية صغيرة للغاية، تَوجُّهها الثقافي بولندي ويتركز معظم أعضائها في وارسو أو في غيرها من كبرىات المدن. أما الجماهير اليهودية العريضة، فكانت جماهير فقيرة تتحدث اليديشية ولم تتأثر بالقيم التحديثية والقومية الجديدة، كما كانت تعيش داخل مدنها الصغيرة (الشتتل) بمعزل عن الحضارة القومية. وكانت أعداد الجماعة اليهودية في بولندا من الضخامة بحيث أن اليهودي كان يُولَد ويَكبُر ويموت دون أن يضطر إلى الاحتكاك بشكل دائم ويومي مع الحضارة الأم. وأصبحت الجماهير اليهودية ذات ثقافة فلاحية طابعها مسيحي. وحينما نقول ثقافة فلاحية في بولندا، فنحن نقصد أنها ثقافة متخلفة إلى حدٍّ ما، ومنعزلة عن الثقافة العالية وضمن ذلك الثقافة التلمودية نفسها. فانتشرت بين اليهود المعتقدات الشعبية والخرافات، وهو ما جعلهم أقل تَقبُّلاً لمحاولات التحديث والتنوير. ومما ساهم في زيادة الوضع سوءاً الانفجار السكاني بين أعضاء الجماعة اليهودية.
2 ـ ومن أهم العناصر التي أفشلت محاولات الاندماج ميراث الجماعة اليهودية التاريخي والاقتصادي الذي جعلها بمعزل عن التطور القومي البولندي، بل وضعها في مجابهته وجعل يهود بولندا أعداءً لكل الطبقات الأخرى باستثناء بعض قطاعات من طبقة النبلاء. ومعنى هذا أنه كان هناك أساس ثقافي واقتصادي قوي للمواجهة بين البورجوازية البولندية وأعضاء الجماعة اليهودية يحتاج إلى فترة طويلة من الكفاح القومي المشترك حتى يتسنى التوصل إلى أساس مشترك للكفاح والاندماج.

كان أعضاء الجماعة مركزين في مناطق حدودية تتصارع عليها دول ذات ثقافات مختلفة بل متصارعة، فكان هناك أولاً بولندا نفسها، ثم روسيا التي كانت تشجع الثقافة الروسية وعمليات الترويس. ومن الناحية الأخرى، كان هناك ألمانيا والنمسا ذات الثقافة الألمانية. وكان اليهود أنفسهم يتحدثون اليديشية وهي رطانة ألمانية دخلت عليها كلمات سلافية. وبعد كل تقسيم، كان يتعيَّن على اليهود، كنوع من الدواعي الأمنية، إعادة صياغة أنفسهم بما يتفق مع ثقافة الدولة المهيمنة. وقد نشأ، على سبيل المثال، صراع داخل شريحة المثقفين اليهود في جاليشيا بين كل من دعاة العبرية والألمانية والبولندية واليديشية. ومثل هذا الجو، الذي لا يتسم بالتحدد الثقافي، لا يساعد كثيراً على تحديد شخصية اليهود الثقافية ولا على الولاء أو الانتماء القومي.
القوزاق
‏Cossacks
«قوزاق» ، من كلمة «كازاك» ، وهي كلمة تركية مشتقة من كلمة «خزر» ، وكلمة «خزر» مترادفة في لغات شرق أوربا مع «تتري» و «تركي» و «مغولي» و «الساراسين» أي المسلم. ولكنها، مع القرن السادس عشر الميلادي، كانت تشير إلى جماعات من الأقنان السلاف المسيحيين الذين فروا من ضياع النبلاء البولنديين في أوكرانيا واستقروا في أراضي الإستبس على ضفاف نهري الدنيبر والونيستر وفي شبه جزيرة القرم. ويبدو أنهم كانوا من أصل روسي تجري في عروقهم دماء مغولية وتترية، وكانوا يؤمنون بالأرثوذكسية التابعة لبابا روما.

وينقسم القوزاق إلى قسمين: القوزاق الأوكرانيون أو قوزاق المدن، وهؤلاء كانوا يعيشون إلى جوار المدن كما كانوا أكثر تحضراً، أما القسم الآخر فكان هو القوزاق الزابروجيان. وهؤلاء كانوا مستقلين تماماً ويعيشون خلف نهر الدنيبر (كلمة «زابروج» تعني «عبر النهر» ) ، وكان تنظيمهم الاجتماعي زراعياً عسكرياً، كما كانوا يعيشون في مراكز محصنة تُسمَّى «السيخ» ، وكانت بمنزلة معسكر وسوق ومركز إداري. وكان السيخ مستقراً نسبياً ويقام في جزر في نهر الدنيبر. وقد كان كل من قوزاق المدن وقوزاق الزابروجيان على علاقة وطيدة.
ومن الإشكاليات الأساسية، التي كانت تواجهها ثورات الفلاحين في دول أوربا، عدم وجود أرض عذراء تمكن زراعتها. ولذا، كانت هذه الثورات تبوء بالفشل. ولكن بالنسبة إلى هؤلاء الفلاحين القوزاق المتمردين، فإن مساحات الإستبس الشاسعة كانت تشكل مجالاً حيوياً لهم. ومكَّنهم ذلك من الإفلات من مصير معظم ثورات الفلاحين، ومن ثم فإنهم نجحوا في تأسيس جمهورية حرة (جمهورية القوزاق الزابروجيان) تخضع للتنظيم العسكري حيث كان كل مواطن جندياً وكان يقود الجيش والجماعة قائد يُسمَّى «أتمان» . ولا ندري أيمكن أن يكون هؤلاء الفلاحون قد أطلقوا على أنفسهم اسم «قوزاق» باعتبار أنهم أحرار مثل التتار، ومن أعضاء القطيع الذهبي مثل المغول، أم أن النبلاء البولنديين سموهم بذلك الاسم احتقاراً لهم. وقد تزايدت صفوفهم بانضمام عناصر من سائر الأنواع والأجناس؛ من فقراء ونبلاء وتتر بل ويهود.

استفادت بولندا، في بداية الأمر، من جماعة قوزاق المدن في حماية حدودها ضد هجمات التتار والمغول. ولكن القوة الروسية الصاعدة تبنت قضيتهم وشجعتهم باعتبارهم وسيلة لفصل أوكرانيا عن بولندا التي كانت تستغلها عن طريق الإقطاع الاستيطاني ويهود الأرندا. وتحالف قوزاق المدن وقوزاق الزابروجيان تحت قيادة شميلنكي (أهم قادة القوزاق) الذي قاد الانتفاضة ضد الحكم البولندي ونجح في طرد البولنديين والاستقلال بأوكرانيا التي انضمت إلى روسيا القيصرية. واستخدم القياصرة جيوش القوزاق فيما بعد في غزواتهم وفي عمليات القمع الداخلي. وتُعدُّ جماعات الهايدماك أيضاً من جماعات القوزاق.
الهايدماك
‏Haidmaks
«هايدماك» من الكلمة التركية «هايدا» بمعنى «ينتقل» . والهايدماك جماعات شبه عسكرية من القوزاق والفلاحين قامت بالهجوم على التجار من سكان المدن في أوكرانيا البولندية في القرن الثامن عشر، وهي منطقة كانت تضم تجمعات يهودية كبيرة. وكانت صفوفهم تضم الأقنان الهاربين من نير الإقطاع البولندي إلى مناطق الإستبس، كما كانت تضم فقراء المدن وأبناء النبلاء الفقراء ورجال الدين وبعض أعضاء الفرق الدينية المهرطقة الهاربين من روسيا وبعض التتر المسلمين بل وبعض اليهود أحياناً. والهايدماك نتاج التفاعلات الاجتماعية في أوكرانيا التي بدأت في نهاية القرن السادس عشر ووصلت إلى قمتها مع الانتفاضة الشعبية التي قادها شميلنكي لذي كان الهايدماك يعتبرون أنفسهم ورثته، ومن هنا كان عداؤهم للاستغلال ولأهل المدن واليهود. وابتداءً من عام 1720، لم يمر عام دون أن تظهر جماعة منهم.

وفي عامي 1739 و1750، نجح الهايدماك في الاستيلاء على عدة مدن بولندية صغيرة في المنطقة الشرقية، وقتلوا عدداً من اليهود البولنديين. ولكن أسوأ المذابح وقعت عام 1768 في مدينة أومان حين قُتل عشرون ألف بولندي من بينهم بضعة آلاف من اليهود، ولكن لا يمكن التحقق من دقة هذه الأعداد بسبب التهويل الذي يميل إليه الراصدون المعاصرون لتلك الأحداث.
وقامت الحكومتان البولندية والروسية بمقاومة الهايدماك حتى نجحتا في إخماد نشاطهم في نهاية الأمر. وأدَّت هجمات الهايدماك إلى تحطيم معنويات أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا وإلى إفقارهم وتجذير الإحساس لديهم بعدم الطمأنينة وغياب الاستقرار.
المعبد/ القلعة
‏Fortress Synagogue
«المعبد/القلعة» هو معبد يهودي كان يُستخدَم للعبادة والقتال. والمعبد/القلعة ظاهرة فريدة في تاريخ الطرز المعمارية لأماكن العبادة، إذ من المحتمل ألا يكون له أي نظير. وقد ظهر في بولندا، وبخاصة في المناطق الحدودية التي تفصل بينها وبين روسيا. وكان أعضاء الجماعة اليهودية يقومون بالعبادة والدراسة في مثل هذه المعابد، التي كانت مصممة بطريقة يمكن استخدامها كحصون وقلاع عسكرية في آن واحد.

ونشأت الحاجة لمثل هذا الطراز من المعابد في إطار الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا. فقد وظَّف النبلاء البولنديون (شلاختا) بعض أعضاء الجماعة اليهودية في عملية اعتصار أكبر قدر ممكن من الأرباح من الفلاحين الأوكرانيين. فأصبحت الجماعة اليهودية جماعة وظيفية من الوكلاء الماليين (أرنداتور) يعيشون في مدن خاصة بهم (شتتلات) منعزلين لغوياً ودينياً واجتماعياً وثقافياً عن جماهير الفلاحين. وكانت الجماعة اليهودية محل سخط الجماهير وغضبها (كما هو الحال مع أعضاء الجماعات الوظيفية، وخصوصاً العميلة) ولذا كانت القوات العسكرية البولندية تقوم بحمايتها من الجماهير ومن الانتفاضات الشعبية المحتملة. ومع هذا كان أعضاء الجماعة اليهودية يتدربون على السلاح، وكان عليهم الاحتفاظ بأسلحة بعدد الذكور القادرين على حملها، وبكمية معيَّنة من البارود (حسبما كانت تنص العقود المبرمة بين النبلاء البولنديين ووكلائهم اليهود) .
وكانت هذه المعابد/القلاع مصممة بطريقة تجعل بالإمكان استخدامها كمكان للعبادة والدراسة وكحصون وقلاع عسكرية. فكانت تُزوَّد بحوائط سميكة للغاية، كما أن المتاريس (حاجز السقف أو الشرفة) مزودة بكوات لتخرج منها المدافع والبنادق، أثناء الاشتباك مع الجماهير. ومن أشهر المعابد/القلاع معبد لتسكLutsk الذي بُني عام 1626 لخدمة الأغراض العسكرية بالدرجة الأولى. وصدر قرار ملكي ببنائه كان ينص على ضرورة أن يلتزم اليهود بتزويد معبدهم هذا بكوات من الجهات الأربع وبالسلاح الكافي (على نفقتهم) ، كما يجب أن يكون المعبد/القلعة مزوداً بعدد من الرجال يكفي لصد الهجمات عليه. وصدر أمر لمعبد ريسيسوف بأن يزود نفسه بالبنادق والرصاص والبارود. وكانت المعابد/القلاع تزود عادةً ببرج مراقبة ضخم (كان يُستخدَم في زمن السلم كسجن يُودَع فيه المجرمون من أعضاء اليهودية) .

ونقاط التشابه بين المعبد/القلعة والدولة الصهيونية أمر مثير للغاية، يستحق التأمل لدلالته وطرافته. لكل هذا فنحن نرى أن المعبد/القلعة خير رمز للدولة/القلعة، بل يمكن القول بأن النموذج كان كامناً وحسب في حالة المعبد/القلعة، فأعضاء الجماعات اليهودية كانوا يحملون أساساً رأسمالهم (الربوي) وخبرتهم الإدارية معهم، وكانت عملية القتال موكلة للقوات العسكرية البولندية، وكان الهدف من حمل السلاح دفاعياً ومؤقتاً لحين وصول هذه القوات. أما في حالة الدولة/القلعة فقد اكتملت الأمور تماماًز
وأصبح العنصر البشري العميل يحمل السلاح بالدرجة الأولى (فوظيفته المالية ثانوية بالنسبة لوظيفة الإستراتيجية القتالية) وظهرت الطبيعة العسكرية للدولة المعبد/القلعة. ومع هذا لوحظ أثناء حرب عام 1973 أن القوات الإسرائيلية كانت تشبه تماماً الجماعة اليهودية في أوكرانيا، إذ استمرت في القتال بشكل دفاعي ومؤقت لحين تشغيل الجسر الجوي ووصول الأسلحة المتقدمة من الولايات المتحدة. وفيما يلي نقاط التشابه الأساسية بين المعبد/القلعة والدولة/القلعة:
المعبد/القلعة
عنصر بشري مشتول قام بغرسه عنصر خارجي (النبلاء البولنديون) في منطقة حدودية (أوكرانيا) لخدمة مصلحته المالية ولقمع السكان الأصليين (الشعب الأوكراني)
العنصر المغروس تَحوَّل إلى جماعة وظيفية عميلة تعيش في شتتلات معزولة
كان من المتوقع ألا يذعن العنصر البشري المقهور
كان من الضروري تسليح أعضاء الجماعة الوظيفية
ظهور المعبد/القلعة
انتفاضات مستمرة أهمها انتفاضة شميلنكي
الدولة/القلعة
عنصر بشري مشتول قام بغرسه عنصر خارجي (الإمبريالية الغربية) في منطقة حدودية (فلسطين من وجهة نظر الغرب تقع على الحدود التي تفصل بين الغرب والشرق) لخدمة مصلحته الإستراتيجية والمالية ولقمع السكان ا» لأصليين (الشعب الفلسطيني)
العنصر المغروس تَحوَّل إلى دولة وظيفية عميلة معزولة عما حولها

كان من المتوقع ألا يذعن العنصر البشري المقهور
كان من الضروري تسليح الدولة الوظيفية
ظهور الدولة/القلعة
انتفاضات مستمرة آخرها الانتفاضة المباركة عام 1987

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي خصوصا فى العصر الحديث - يهود اليديشية في أوكرانيا وجاليشيا ورومانيا والمجر

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

أوكرانيا
‏Ukraine....
كلمة «أوكرانيا» تعني «منطقة الحدود» . وتُعَدُّ منطقة أوكرانيا من أهم المناطق المرتبطة بتجربة الجماعات اليهودية في شرق أوربا (أي يهود اليديشية) ومن أهم مسارح الأحداث التي تحدَّد فيها مصيرهم، ويُطلَق على أوكرانيا أحياناً اسم «روسيا الصغرى» . وكان يهود أوكرانيا يشكلون واحدة من أكبر الجماعات اليهودية على الإطلاق حتى منتصف القرن العشرين. ثم أصبحت كلمة «أوكرانيا» تشير إلى الجمهورية السوفيتية التي كانت تحمل هذا الاسم والتي أصبحت في الآونة الأخيرة دولة ضمن كومنولث الدول المستقلة، وحدودها مختلفة عن حدود أوكرانيا القديمة (روثينيا) التي كانت تابعة لبولندا وليتوانيا، والتي قُسِّمت بعد ذلك بين روسيا وبولندا عام 1667. ثم استولى الروس عليها بأسرها عام 1793.
ويعود استقرار اليهود في أوكرانيا إلى القرن التاسع، وذلك مع انتشار وتوسيع إمبراطورية الخزر. لكن الاستيطان على نطاق واسع تم في منتصف القرن السادس عشر، مع بدايات الإقطاع الاستيطاني البولندي فيها. ذلك أن النبلاء البولنديين كانوا يريدون تطوير هذه المنطقة اقتصادياً بعد ضمها إلى اتحاد بولندا وليتوانيا فقاموا بتوطين عناصر يهودية تجارية تقوم باستئجار المزارع نظير مبلغ محدد فيما يُسمَّى «نظام الأرندا» . وقد تسبَّب هذا في تحوُّل اليهود إلى جماعة وظيفية تجارية وسيطة تعتصر الفلاحين والأقنان لصالح النبلاء الغائبين الذين كانوا يقومون بدورهم باعتصار اليهود. وقد كان التقسيم الطبقي في أوكرانيا يدعمه تقسيم إثنى وديني يزيده حدة واستقطاباً. فالفلاحون أوكرانيون أرثوذكس يتحدثون الأوكرانية، والنبلاء بولنديون كاثوليك يتحدثون البولندية، والوسطاء يهود يتحدثون اليديشية. وقد بلغ عدد اليهود في أوكرانيا، مع نهاية القرن السادس عشر، 45 ألف يهودي من مجموع 100 ألف يهودي في بولندا، زاد عددهم قبل هجمات شميلنكي إلى 150 ألفاً.

وحين شهد منتصف القرن السابع عشر هجمات شميلنكي، كان أعضاء الجماعة اليهودية في مركز الصراع. فقد نصت المعاهدة التي وُقعت بين شميلنكي وملك بولندا، بعد انتشار القوزاق عام 1649، على أنه «لن يُسمح لليهود بالإقامة كملاك أو كمؤاجرين ولا حتى كسكان في المدن الأوكرانية التي توجد فيها فرق قوزاق» . وبعد عامين، بعد أن ألحقت القوات البولندية الهزائم بالقوزاق، وُقعت معاهدة عام 1651 التي اعترف شميلنكي فيها بحق اليهود في أن يستقروا كسكان ومؤاجرين في ضياع جلالة الملك وضياع النبلاء البولنديين (شلاختا) ، أي أن صعود اليهود وهبوطهم كان مرتبطاً بصعود وهبوط القوة البولندية العسكرية؛ تماماً مثلما ارتبط صعود وهبوط المستوطنين الصهاينة بصعود وهبوط القوة الإنجليزية ثم الأمريكية في الشرق العربي والعالم الإسلامي.
وقد قُسِّمت أوكرانيا بين روسيا وبولندا عام 1667، فضمت روسيا الجزء الذي يقع عن يسار نهر الدنيبر، وظل الجزء الذي عن يمينه تابعاً لبولندا. وقد تعرَّض يهود هذه المنطقة البولندية من أوكرانيا لهجمات الهايدماك (وهم ورثة شميلنكي الذين كانوا يقومون بذبح البولنديين وعملائهم اليهود) . ورغم كل هذا، تزايد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في أوكرانيا، فبلغ عددهم قبل التقسيم الأول لبولندا نحو 258 ألف يهودي زاد إلى 600 ألف عام 1847. وقد بلغ عددهم في أول إحصاء رسمي (عام 1887) 1.297.268، أي 9.2% من كل سكان أوكرانيا وهي من أعلى النسب العددية التي وصل إليها أعضاء الجماعات اليهودية في أي بلد في العصر الحديث. ومما يجدر ذكره أن أوكرانيا كانت تقع ضمن منطقة الاستيطان التي كان يُصرَّح لليهود بالسكنى فيها. وكانت أوكرانيا من أخصب المناطق التي انتشرت فيها الأفكار الشبتانية والفرانكية والحسيدية.

ويهود أوكرانيا من أهم قطاعات يهود اليديشية، وهم يتسمون بالتميز الوظيفي والاقتصادي نفسه الذي يتسم به يهود اليديشية، بل كان تميُّزهم أكثر حدة. وعلى سبيل المثال، فإن 90% ممن يعملون في تقطير الخمور عام 1872 كانوا من اليهود. وكان معظم أعضاء الجماعة اليهودية يعملون إما في مصانع صغيرة أو يقومون بأعمال تجارية، ولكن لم يكن يوجد يهود بأعداد كبيرة في الصناعات الثقيلة. وفي عام 1897، كانت أغلبية يهود أوكرانيا الساحقة لا تعمل بالزراعة. وكان بناؤهم الوظيفي على النحو التالي:
43.2% في التجارة
32.2% في الحرف والصناعة (الخفيفة أساساً) .
وأوكرانيا هي المنطقة التي ولدت فيها جمعية أحباء صهيون والبيلو وكثير من المؤسسات الصهيونية الأخرى، كما ظهر فيها كثير من الحركات الثورية بين اليهود (مثل حزب البوند) .

ونظراً لوجود أوكرانيا على الحدود بين بولندا وروسيا والنمسا، وجد أعضاء الجماعة اليهودية أنفسهم في مفترق الطرق بين القوى المتصارعة. وربما كانت الفترة من 1917 حتى 1920 خير مثال على ذلك، فقد ألغى السوفييت منطقة الاستيطان وأسس الأوكرانيون مجلساً قومياً أعلن استقلال أوكرانيا عن روسيا وعقدوا تحالفاً مع أعضاء الجماعة اليهودية في أوكرانيا وجاليشيا لمقاومة النفوذ البولندي. وكانت المنطقة مسرحاً لصراعات عسكرية عديدة، فكان هناك في بداية الأمر جيش احتلال ألماني يحارب ضده الجيش الأوكراني تحت قيادة سيمون بتليورا الذي انضمت إليه جماعات من الفلاحين والقوزاق المؤيدين له، وكان هناك الجيش الروسي الأبيض أو جيش المتطوعين المعادي للبلاشفة تحت قيادة دينيكين، كما كان هناك بطبيعة الحال الجيش الأحمر. وقد وجد أعضاء الجماعة اليهودية أنفسهم في مفترق الطرق، فتحالفوا في بادئ الأمر مع الألمان، ذلك أنهم كانوا يتحدثون اليديشية (وهي لهجة ألمانية) ، كما أن ألمانيا كانت تعتبر يهود اليديشية عنصراً بشرياً تابعاً لها يمكنها تجنيده ضد غالبية السكان. وبعد انسحاب الألمان، وجد أعضاء الجماعة أن من صالحهم الارتباط بالنظام البلشفي، ذلك لأن قواته العسكرية قامت بحمايتهم، وهو ما زاد الشائعات القائلة بأن الثورة البلشفية ثورة يهودية. وقد أدَّى هذا إلى تأليب العناصر الشعبية الأوكرانية ضد أعضاء الجماعة اليهودية، ويُقال إنه قُتل منهم حوالي 60 ألف يهودي. ولا شك في أن ميراث اليهود التاريخي والاقتصادي في أوكرانيا كان له أعمق الأثر في توسيع الهوة بين الأوكرانيين وأعضاء الجماعة اليهودية. وانتصر البلاشفة في نهاية الأمر عام 1920، وضُمت أوكرانيا إلى الاتحاد السوفيتي. وقد رحب أعضاء الجماعة اليهودية بالضم السوفيتي.

وفي عام 1922، تم القضاء على كل التنظيمات الشعبية المعادية لليهود في أوكرانيا والاعترف باليديشية كلغة رسمية. وفُتحت مدارس تابعة للنظام التعليمي اليديشي السوفيتي، ولكن الآباء اليهود فضلوا إرسال أولادهم إلى المدارس التي تعلِّم الروسية حتى تيتح أمامهم فرصاً للحراك الاجتماعي. وقد اعتمدت جماعة الجوينت (لجنة التوزيع الأمريكية المشتركة) 200 ألف دولار لتشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة. وخصصت حكومة أوكرانيا أرضاً لهذا الغرض، وبلغ عدد اليهود الذين استقروا على هذه الأراضي 80 ألفاً (عام 1933) من مجموع 200 ألف يهودي استفادوا من سياسة التوطين الزراعي في الاتحاد السوفيتي. ولكن السوفييت قرروا التخلص من هذه السياسة وحاولوا توطين أعضاء الجماعة في القرم في بادئ الأمر ثم في بيروبيجان. وحينما غزا النازيون أوكرانيا في يونيه ـ يوليه 1941 واستولوا عليها، فرَّت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية. وقد حاولت السلطات النازية تأليب الجماهير ضد «الثورة البلشفية اليهودية» وضد اليهود، ويبدو أنهم لم ينجحوا في ذلك كثيراً.

بلغ عدد يهود أوكرانيا عام 1926 نحو 1.574.391 (أي 5.44% من كل سكانها) . ثم انخفض عام 1939 إلى 1.572.827 (أي 4.9%) . وانخفض هذا الرقم مرة أخرى إلى النصف تقريباً عام 1959 أي إلى نحو 840.319 (2% من سكانها) ، واستمر الانخفاض الحاد فوصل عددهم إلى 634.000 عام 1979، ووصل عام 1989 إلى 485.975 ثم إلى 276.000عام 1992. وبذا يكون قد تم تصفية واحدة من أهم الجماعات اليهودية في العالم (يذكر مصدر إحصائي آخر أن عدد يهود أوكرانيا عام 1995 هو 446.000) . وقد انخفض العدد بسبب هجرة يهود أوكرانيا داخل الاتحاد السوفيتي إلى المناطق الصناعية الأساسية في موسكو وكييف وغيرهما بعد تطبيق مشروعات السنوات الخمس. ومنذ عام 1924، بدأت عملية أكرنة المؤسسات (أي صبغها بصبغة أوكرانية) ، وصدر قرار بأن كل من يشغل وظيفة حكومية لابد أن يجيد اللغة الأوكرانية. وأدَّى ذلك إلى استقالة آلاف اليهود الذين كانوا يتحدثون اليديشية والروسية من وظائفهم. وقد أباد النازيون أيضاً بضعة آلاف من أعضاء الجماعة اليهودية. وساهمت حركة الهجرة إلى خارج الاتحاد السوفيتي، إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، في تناقص أعضاء الجماعة اليهودية، وخصوصاً من المراحل العمرية الشابة، ولذا أصبحت الجماعة اليهودية مسنَّة. كما أن معدلات الاندماج والزواج المُختلَط المرتفعة تُعَدُّ من أهم العناصر التي تؤدي إلى موت الشعب اليهودي في أوكرانيا. وكانت أوكرانيا من أهم مراكز الثقافة اليديشية، ولكن لم يَعُد هناك متحدثون باليديشية فيها إلا من كبار السن. ونظراً لارتفاع مستوى يهود أوكرانيا التعليمي، نجد أن المهاجرين بينهم يؤثرون الهجرة إلى الولايات المتحدة على الهجرة إلى إسرائيل. ولذا، نجد أن نسبة المتساقطين بينهم مرتفعة. وبعد استقلال أوكرانيا ورغم تصاعد نعرة القومية الأوكرانية إلا أن الجماعة اليهودية هناك مستقرة مندمجة، لا تشعر بقلق شديد حيال الظروف الجديدة.

سيمون بتليورا (1879-1926)
‏Simon Petlura
زعيم قومي أوكراني أسَّس عام 1905 حزب العمال الأوكرانيين الاشتراكي الديموقراطي. كان ضابطاً في الجيش الروسي. وعند سقوط الحكومة القيصرية عام 1917، انضم للرادا (المجلس) الذي أعلن استقلال أوكرانيا، ثم عُيِّن وزيراً للحرب في الحكومة الجديدة. ولكن الألمان احتلوا أوكرانيا وأقاموا حكومة عميلة، فحاربت قواته ضدهم. وحين انسحبت القوات الألمانية (1918) ، لعب بتليورا دوراً قيادياً في حركة الاستقلال، فترأس الرادا وأصبح أتمان (أي رئيس) الحكومة الأوكرانية المؤقتة، كما أصبح قائد الجيش الأوكراني وقاد المعركة من أجل استقلال أوكرانيا. واجهت قوات بتليورا جيوش البلاشفة الحمراء وجيوش الروس البيض حيث سعى كل من الجيشين إلى الاحتفاظ بأوكرانيا كجزء من روسيا. فعند انسحاب جيوش الروس البيض في 1919، وقعت أوكرانيا تحت هيمنة السوفييت. وحتى يتمكن بتليورا من التغلب على السوفييت، عقد اتفاقاً مع يوسف بيلسودسكي رئيس الدولة البولندية وأيد البولنديين في حربهم ضد روسيا السوفيتية. وقد نجح البولنديون في صد القوات السوفيتية، ولكنهم لم ينجحوا في مساعدة أوكرانيا في الحصول على استقلالها. وفي النهاية، هُزمت قوات بتليورا واستقر هو في باريس (ولكنه احتفظ بحكومته في المنفى ووببقايا جيشه) .
وإبّان هذه المعارك، هاجمت قوات بتليورا أعضاء الجماعات اليهودية، ويُقال إنها قتلت ما يزيد على ستين ألفاً. وهذا يرجع ولا شك إلى تحالف أعضاء الجماعات اليهودية مع الألمان في بادئ الأمر ثم ترحيبهم بالقوات البلشفية بعد ذلك. ولا شك في أن ميراث الأرندا والإقطاع الاستيطاني البولندي لم يكن قد اختفى تماماً، بل عزَّز الهوة بين العناصر وأعضاء الجماعة اليهودية.

وعقد بتليورا اتفاقاً مع الزعيم الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي يسمح له بتكوين ميليشيات يهودية لحماية الجماعات اليهودية حين يعود بتليورا إلى أوكرانيا. ولقي بتليورا حتفه في باريس على يد أحد اليهود انتقاماً لليهود الذين قُتلوا في أوكرانيا.
ويشبَّه بتليورا عادةً بشميلنكي، فكلاهما كان أتمان الحكومة الأوكرانية وكلاهما كان يبحث عن استقلال بلاده، الأول ضد بولندا بمساعدة روسيا والثاني بمساعدة بولندا ضد روسيا. وفي نضالهما من أجل الاستقلال، اصطدما بأعضاء الجماعة اليهودية الذين لم تكن لهم جذور عميقة في أوكرانيا بقدر ما كانت لهم علاقات قوية بالقوة الغازية المهيمنة. والواقع أن هجوم قوات بتليورا على أعضاء الجماعات اليهودية، مثل هجوم قوات شميلنكي عليهم، له مضمون شعبي تحريري رغم وحشيته ولاإنسانيته. ولم تُحدَّد المسئولية الشخصية لبتليورا في المذابح والهجمات الشعبية. ولكن الأوكرانيين يعتبرونه بطلاً قومياً بلا منازع، ويفسرون المذابح بأنها نتيجة الفوضى التي ضربت أطنابها أثناء حالة الحرب بين عدة جيوش متصارعة.
ليتوانيا
‏Lithuania

يعود وجود اليهود في ليتوانيا إلى القرن الرابع عشر حين كان معظمهم من القرّائين (وهو ما قد يشير إلى أصولهم الخزرية) . وقد بلغ عدد اليهود في فلنا وجرودنو وكوفنو عشرة آلاف عام 1495، وكان معظمهم من الإشكناز الذين استوطنوا في بلد متخلف اقتصادياً. وقد بلغ عدد اليهود في دوقية ليتوانيا الكبرى التي كانت تضم فلنا وجرودنو وكوفنو وبرست ليتوفسك ومنسك وسمولنسك وغيرها من المقاطعات، نحو سبعة وعشرين ألفاً عام 1578، واثنين وثلاثين ألفاً عام 1676، ووصل العدد إلى 157.520عام 1766. وقد مُنح أعضاء الجماعة ميثاقاً عام 1388 لحمايتهم وضمان حريتهم حتى يَسهُل عليهم الاضطلاع بوظائفهم التجارية والمالية، وسرعان ما احتكروا التجارة الدولية والالتزام. ومع هذا، تم طردهم في الفترة 1495 ـ 1502 بسبب الصراع الذي نشب بينهم وبين النبلاء والتجار، ولكن تم السماح لهم بالعودة عام 1503 وأُعيدت إليهم حقوقهم كاملة فتمتعوا بكثير من الاستقرار. كما لعبوا دورهم، كتجار وملتزمي ضرائب، دون تدخُّل. وقد اتحدت ليتوانيا وبولندا عام 1569 بحيث أصبحتا منذ هذا التاريخ بلداً واحداً له تاريخ واحد تقريباً. وكان يهود ليتوانيا ممثَّلين في مجلس البلاد الأربعة، ولكنهم شكلوا مجلسهم الخاص عام 1623 حين أصبح لليتوانيا نظامها الضرائبي الخاص. وقد كان يهود ليتوانيا بمنأى عن هجمات شميلنكي والهايدماك، الأمر الذي ضمن لهم كثيراً من الاستمرارية والطمأنينة.

ومنذ عام 1795،منذ تقسيم بولندا وحتى عام 1918، أصبحت ليتوانيا جزءاً من روسيا، وقد كانت (في ذلك الوقت) مركزاً ثقافياً مهماً لليهود الإشكناز، وكانت فيها واحدة من أهم المدارس التلمودية العليا. وكانت ليتوانيا مركزاً لحركة المتنجديم والموسار، وفي الوقت نفسه مركزاً من أهم مراكز حركة التنوير. وأثناء التمرد البولندي الليتواني ضد الحكم القيصري عام 1864، وقف يهود ليتوانيا ضد حركة المقاومة وأخذوا جانب المحتل الروسي. وبعد الحرب، حصل اليهود على حقوقهم وعلى قدر كبير من الإدارة الذاتية تضمَّن حق فرض الضرائب، تحت إشراف الحكومة، وتم تأسيس مجلس قومي يهودي تحت رعاية وزارة الشئون اليهودية.
وبعد عام 1924، تقلص حق الإدارة الذاتية واقتصر على إدارة الشئون الدينية فقط، وكانت توجد عدة مدارس يهودية معظمها تدرِّس بالعبرية وبعضها باليديشية. وكان تعداد اليهود عند اندلاع الحرب العالمية الثانية 175 ألفاً، رحل 25 ألفاً منهم إلى روسيا وأبيد البعض الآخر عام 1943. وقد هاجرت أعداد كبيرة إلى جنوب أفريقيا، وبلغ عدد يهود ليتوانيا عام 1960 خمسة وعشرين ألفاً، وبلغ عددهم 6.500عام 1992. وليتوانيا هي الوطن الأصلي للحاخام إلياهو (فقيه فلنا) أهم شخصيات اليهودية الحاخامية في أواخر القرن التاسع عشر، كما أن عديداً من الزعماء الصهاينة (مثل بن يهودا وسمولنسكين) كانوا من اللتفاك، أي من يهود ليتوانيا الذين يتحدثون اليديشية بلكنة خاصة. وتوجد داخل إسرائيل الآن قطاعات من المؤسسة الدينية يُطلق عليها «الليتوانيون» ، وهم امتداد لحركة المتنجديم ويتركزون في حزب داجيل هاتورا.
جاليشيا
‏Galicia

«جاليشيا» كلمة منسوبة إلى «جاليش» ، وهي عاصمة منطقة تاريخية في جنوب شرقي بولندا وشمال غربي أوكرانيا. ويُطلَق مُصطلَح «جاليشيا الغربية» على منطقة كراكوف ولوبلين، أما «جاليشيا الشرقية» فتشير إلى باقي المنطقة التي تقع بين المجر وبولندا من جهة وإمارتي كييف وفولينيا الغربيتين من جهة، وقد ظلت مطمع جيرانها نظراً لخصوبة أراضيها وعلاقاتها التجارية المهمة. وقد ضمتها إمارة كييف عام 981 ولكنها أصبحت إمارة مستقلة عام 1087. وقد حققت جاليشيا خلال القرن اللاحق قدراً كبيراً من القوة والثراء، وقامت بضم فولينيا (أو لودوميريا) فأصبحتا إمارة واحدة هزمت كلاًّ من البولنديين والمجريين الذين حاولوا الاستيلاء عليها. لكن الخلافات والصراعات الداخلية، بين الأمراء من جهة والنبلاء الذين كانوا يمتلكون السلطة الحقيقية من جهة أخرى، أضعفت الإمارة. وفي الفترة بين عامي 1327 و1241، استولى المغول على المنطقة. ورغم أن ملك جاليشيا تم تتويجه عام 1253 على يد ممثل بابويّ، إلا أنه اضطر إلى الاعتراف بسلطة الخان المغولي. ورغم ذلك، لم يجر إخضاع جاليشيا بشكل كامل للإمبراطورية المغولية مثل سائر الأراضي الروسية. وقد انتخب نبلاء جاليشيا أميراً بولندياً لجاليشيا. وبعد وفاته، قام ملك بولندا كاسيمير الثالث (الأعظم) بضم جاليشيا إلى أراضيه عام 1349. وفي ظل حكم بولندا، استوطن النبلاء البولنديون (شلاختا) في جاليشيا وأصبحوا الطبقة الحاكمة في المنطقة، فاضطر نبلاء جاليشيا إلى تَقبُّل اللغة البولندية والمؤسسات التشريعية والاجتماعية البولندية والمسيحية الكاثوليكية.

وعند تقسيم بولندا للمرة الأولى عام 1772، ضمت النمسا جاليشيا الشرقية والمنطقة الواقعة في الغرب بين نهري السان والفيستولا. وفي عام 1795، تم ضم مناطق أخرى واقعة غرب وشرق نهر الفيستولا إلى النمسا. وفي الفترة التي بين عامي 1786 و1849، قامت النمسا بإدارة منطقة بوكوفينا (التي ضمتها من الدولة العثمانية) باعتبارها جزءاً من جاليشيا.
وبعد التعديلات التي أقرَّها مؤتمر فيينا عام 1815، أصبحت ممتلكات النمسا في بولندا تُعرَف باسم «مملكة جاليشيا ولودوميريا» . وفي عام 1846، تم ضم جمهورية كراكوف إلى المملكة.
ثم ألغت النمسا، خلال العامين 1848 ـ 1849 نظام الأقنان في جاليشيا، ثم أعطت لهذه المنطقة (بعد عام 1867) قدراً أكبر من الإدارة الذاتية فأصبحت وحدة إدارية مستقلة. ومع أواخر القرن التاسع عشر، بدأت تنمو حركة قومية بين السكان الأوكرانيين الذين كانوا يشكلون أغلبية سكان جاليشيا الشرقية حيث تزايد رفضهم لسيطرة الأقلية البولندية عليهم.
وتبلغ مساحة جاليشيا 77 ألف كيلو متر مربع، وتعدادها نحو 3.500.000 نسمة. وحينما احتلت القوات النمساوية جاليشيا عام 1772، كانت المنطقة تضم بين 150 ألفاً و220 ألف يهودي يعيش ثُلثهم في القرى. وكان اليهود والألمان يكوِّنون العنصر التجاري والحرفي الأساسي في المدن.
وقد بدأت النمسا بتطبيق قوانين تهدف إلى محاولة انقاص عدد أعضاء الجماعات اليهودية من خلال الطرد، والحد من الزيجات، وتقليص نشاطهم الاقتصادي. كما حُدِّدت حرية اليهود في السكنى والإقامة والانتقال، وزيدت الضرائب الخاصة على اليهود (مثل ضريبة الطعام الشرعي وشموع السبت) .

لكن هذا الاتجاه تغيَّر حينما بدأ جوزيف الثاني حكمه بمحاولة تحديث أعضاء الجماعات اليهودية وإصلاحهم وجعلهم نافعين، فصدرت قوانين تحظر عليهم الاشتغال ببيع الخمور أو الالتزام بجمع الضرائب أو إدارة الفنادق، كما حرم عليهم القيام بدور الأرندا. وأصبح بإمكانهم الالتحاق بالخدمة العسكرية، وأن يشغلوا الوظائف المدنية، وأن يستثمروا أموالهم في أي قطاع اقتصادي يجدونه مناسباً، وأن يكون لكل يهودي اسم عائلة أو أن يتسمَّى بأسماء ألمانية. وفُتحت المدارس العلمانية الحكومية للأطفال اليهود، كما فُتحت أمامهم المدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد الجامعية. وكان يتم تشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة، فكان كل من يقبل منهم يُمنح قطعة أرض وقروضاً. وجرى توسيع نطاق براءة التسامح التي صدرت عام 1782 بحيث شملت جاليشيا عام 1789. وتؤكد براءة التسامح تساوي اليهود مع المواطنين جميعاً، كما تؤكد أن لهم حقوق وواجبات المواطنين، وضمنها حق التنقل والسكنى بحرية في أي مكان واختيار الوظائف التي يريدونها. وقد نُزعت جميع صلاحيات الحاخامات والقهال، فتقلص نطاق نفوذهم بحيث انحصر في الأمور الدينية وحسب، ومن ثم أُلغيت المحاكم الحاخامية. وحُظر على أعضاء الجماعة اليهودية إرسال أي نقود إلى فقراء اليهود في فلسطين أو أن يستخدموا العبرية أو اليديشية بالذات في الوثائق التجارية التي يكتبونها (منعاً للغش التجاري) . كما مُنعوا من ارتداء أزياء مميَّزة، ومن دراسة التلمود قبل الانتهاء من الدراسة في المدارس الحكومية. كما فُرض عليهم إنشاء نظام تعليمي علماني تديره الجماعة اليهودية بنفسها، ومُنحوا حق إنشاء أية مدارس يشاءون ما دامت لا تختلف عن النظام التعليمي العام.

وكان الحصول على شهادة مدرسية شرطاً أساسياً للحصول على رخصة زواج، بل كان على كل من العريس والعروس أن يقرآ كتاباً معيناً هو كتاب بني صهيون الذي كتبه داعية التنوير هرتز هومبرج عام 1812، ويجتاز اختباراً بالألمانية حتى تضمن الدولة أن الزوجين قد استوعبا كل الأفكار اللازمة لتحديثهم وتحويلهم إلى مواطنين في الدولة القومية. كما صدر مرسوم بأن تكون الصلوات بالألمانية بدلاً من العبرية. وفي عام 1836، قررت الحكومة أنه سيمُنع (بعد عشر سنوات) تعيين حاخام إلا بعد تلقيه دراسة أكاديمية خاصة. كما مُنعت طباعة الكتب الدينية التلمودية وكتب القبَّالاه.
وبعد ثورة 1848، بدأت أحوال عضاء الجماعات اليهودية تتحسن بشكل أكبر، فقد مُنحوا الحقوق السياسية والمدنية كافة عام 1849 وشاركوا في الحياة السياسية. وانتُخب خمسة نواب يهود عام 1874 (بين 155 نائباً في برلمان جاليشيا) ، وانتُخب الكثيرون منهم في مجالس الأقاليم، وانتُخب عشرة عُمَد يهود في عشرة مدن مختلفة.
وتحسنت أحوال أعضاء الجماعات اليهودية الاقتصادية، فاستثمر أثرياؤهم أموالهم في البنوك وأعمال الاستيراد والتصدير وتجارة الزيت. وزاد عدد اليهود من ملاك الضياع، كما دخل اليهود الخدمة المدنية والقضائية فكانوا يشكلون نحو 58% من مجموع الموظفين والقضاة. وبلغ عدد مدارس البنين 107 مدارس علمانية ينتظم فيها أربعة آلاف طالب. وساعد كل ذلك على أن يسود فكر حركة التنوير اليهودية بعض الوقت في هذه المنطقة، وأصبحت جاليشيا مركزاً للأدب المكتوب بالعبرية وساد الفكر الاندماجي بين القيادات اليهودية (وإن انقسموا إلى قسمين: أحدهما اندماجي ألماني والآخر اندماجي بولندي) .

غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل. ويعود ذلك إلى عدة أسباب، فجاليشيا تتميَّز بأنها لم تضم أغلبية إثنية واحدة، فكان هناك عناصر ألمانية وأوكرانية وبولندية ويديشية، كما لم تكن هناك حكومة مركزية أو رأسمالية قوية. ولذا، لم تظهر حركة قومية موحدة وإنما ظهرت حركات قومية صغيرة متنوعة. وتسبَّب هذا في ظهور جيوب اقتصادية منغلقة، فنظمت العناصر البولندية (46% من السكان) نفسها كجيب مستقل له طبيعته المستقلة ومصالحه الخاصة، كما قام الأوكرانيون (الذين كانوا يشكلون 43% من السكان) بتنظيم أنفسهم أيضاً على الأسس نفسها. وقد أدَّى كل هذا إلى خلق موقف صراعي، وإلى استبعاد أعضاء الجماعة اليهودية من الأعمال التجارية رغم أنهم عنصر تجاري بالأساس. وقد ظهر حزب اجتماعي مسيحي في النمسا قاد عملية مقاطعة اليهود، كما كان لكلٍّ من البولنديين والأوكرانيين أحزابهم القومية المعارضة لليهود والمعادية لهم. وقد زادت حدة حركة المقاطعة مع نهاية القرن، ولكن البولنديين كانوا يتحالفون دائماً مع أعضاء الجماعة اليهودية ليحتفظوا بتفوقهم العددي الضئيل على الأوكرانيين.
ومما زاد الأمور تعقيداً أن أعضاء الجماعة اليهودية تزايد عددهم، فعندما ضُمت جاليشيا إلى النمسا كان عدد اليهود 224.980 ألفاً (عام 1772) أي 9.6% من السكان، ثم زاد العدد إلى 768.845 ألفاً في عام 1890 أي إلى حوالي 11.7%. ورغم أن نسبة أعضاء الجماعة اليهودية إلى عدد السكان لم تزد كثيراً، فإن العدد الإجمالي زاد زيادة هائلة واستمر في الزيادة ليصل إلى 871.895 عام 1910. وقد تركَّز اليهود في المدن، ففي عام 1910 كان 38.8% منهم يقطنون المدن الكبرى و29.3% في المدن الصغيرة و 36.06% في المناطق القروية.

ولم تكن عملية التحديث تتم برضا الجماهير بل رغماً عنها، إذ كانت تُفرض من أعلى. وانضم دعاة التنوير إلى الحكومة في محاولة فرض التحديث ومن أهمهم هرتز هومبرج (وهو من تلاميذ موسى مندلسون) الذي عُيِّن مفتشاً للنظام التعليمي الجديد الذي أنشأته الدولة. وقد حاول هومبرج أن يغلق المدارس اليهودية التقليدية والمدارس التلمودية العليا (يشيفا) دون أن ينجح في ذلك. ولم ينجح التحديث في المجال الوظيفي، لأن أكثر من نصف أعضاء الجماعة اليهودية (53.5%) كانوا يعملون في التجارة والخمور والنقل، ولم يكن يعمل منهم في الزراعة والغابات سوى10.7%. وبحلول عام 1822، لم يكن يوجد سوى 836 فلاحاً يهودياً في جاليشيا بأسرها، لكن هذا العدد زاد قليلاً بعد ذلك. غير أن الصورة العامة لم تتغيَّر كثيراً. وانعكس فشل عملية التحديث والدمج في انصراف أعضاء الجماعة اليهودية عن مدارس الحكومة العلمانية. فقد قوبلت محاولة استجلاب المدرسين اليهود الألمان بمعارضة شديدة. ورغم أن المدارس والجامعات كانت مستعدة لقبول التلاميذ والطلبة اليهود بين صفوفها، فإن عدد الذين التحقوا بالمدارس كان ضئيلاً إلى أقصى درجة.

وانتشرت الحسيدية في جاليشيا مع منتصف القرن التاسع عشر. وكانت أغلبية يهود جاليشيا حسيدية، وهو ما أدَّى إلى تسلُّمهم قيادة العناصر الدينية، ومنها الأرثوذكس. وانضم الفريقان إلى الحرب ضد دعاة التنوير الذين لجأوا إلى الدولة لحمايتهم وللهجوم على العناصر اليهودية التي وقفت ضدهم. ولجأ الحسيديون إلى عقوبة الطرد من حظيرة الدين، ورفضوا تسجيل الزيجات اليهودية في سجلات الحكومة، ولم يلجأوا إلى المحاكم المدنية. وتملصت المعابد من دفع الضرائب المقررة عليها عن طريق إقامة العبادة سراً في منازل خاصة. وفي بعض الأحيان، كانت المعركة تأخذ شكلاً أكثر حدة. فعلى سبيل المثال، دس الحسيديون السم للحاخام الإصلاحي أبراهام آكون ولأعضاء أسرته في مدينة لفوف عام 1848، فقضوا نحبهم، وذلك لأنه أقام احتفالاً بالبرمتسفاه (بلوغ سن التكليف الديني) في المعبد (ومن المفارقات أن البارمتسفاه أصبح فيما بعد أهم المناسبات بين يهود الولايات المتحدة) . وقد كانت جاليشيا مصدراً أساسياً للبغايا اليهوديات في العالم، وربما يعود هذا إلى عدة أسباب من بينها قلقلة الأوضاع في جاليشيا وافتقارها إلى شخصية قومية محددة. كما أن جاليشيا تقف على الحدود بين شرق أوربا ووسطها، وهي محطة أخيرة لمعظم المهاجرين ومعبر لهم. كما كانت هي نفسها من أكبر مصادر المهاجرين اليهود. ولا شك في أن معدلات العلمنة السريعة والمفاجئة أدَّت إلى خلخلة الوضع الاجتماعي، وإلى ضعضعة الأسرة اليهودية. كما أن الضائقة الاقتصادية كانت تلعب دوراً مهماً هي الأخرى، لكن الانفجار السكاني زاد حدتها. وقد أدَّت كل هذه الأسباب مجتمعة إلى ضعف القيم وتيسير تجنيد الفتيات للعمل بالدعارة. ومن الطريف أن يهود النمسا كانوا يُطلقون على جاليشيا مصطلح «فاجينا جودايوروم vagina judaiourum» وهي عبارة لاتينية تعني «فرج اليهود» (ولا ندري هل كان هذا يُطلَق عليها باعتبار أنها كانت مكاناً يتوالد فيه

اليهود بأعداد ضخمة، أم لأنها كانت مصدراً مهماً للبغايا، أم لكلا السببين معاً؟) .
وقد أسست جماعة أحباء صهيون فرعاً لها في جاليشيا، وبدأت تظهر التشكيلات الصهيونية الأخرى حيث انتخب يهود جاليشيا عام 1907 تسعة نواب (منهم ثلاثة صهاينة) انضموا إلى المندوبين عن منطقة بكوفينا ليكوِّنوا هيئة برلمانية يهودية (لوبي يهودي) وهذه أول مرة يحدث فيها مثل هذا في تاريخ الجماعات اليهودية في أوربا. ومع هذا، ظل الاندماجيون بين اليهود يقومون بمحاولاتهم لدمج اليهود مع بقية أعضاء المجتمع.
وقد ضُمت جاليشيا إلى بولندا مرة أخرى عام 1919. ولكن، في عام 1939، بعد تقسيم بولندا بين السوفييت والنازي، تم ضم غرب جاليشيا إلى ما كان يُسمَّى «الحكومة العامة البولندية» التابعة للنازي وضُم الجزء الشرقي منها لأوكرانيا السوفيتية، وهو ما كان يعني ضم نحو 550.000 يهودي للحكم السوفيتي.
رومانيا
‏Rumania
جمهورية أوربية ذات أهمية خاصة في دراسة تاريخ الجماعات اليهودية في أوربا لا بسبب حجم الجماعة اليهودية الذي كان كبيراً بالقياس إلى حجم الجماعة في فرنسا وإنجلترا وصغيراً بالنسبة إلى حجم يهود روسيا وبولندا، وإنما بسبب تاريخ رومانيا ذاته ونتيجة انتقالها الفجائي من اقتصاد العصور الوسطى التقليدي الذي يتميَّز بعدم وجود سلطة مركزية إلى اقتصاد صناعي يتميَّز بظهور دولة مركزية. وهذه الفجائية توضح للدارس بشكل متبلور العملية التاريخية التي تحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية من خلالها من جماعة وظيفية وسيطة إلى طبقة وسطى.

كانت رومانيا القديمة تتكون من إمارتين: مولدافيا وعاصمتها جاسي، وفالاشيا وعاصمتها بوخارست. ثم ضمت مقاطعات بكوفينا وبساربيا وترانسيلفانيا عام 1919 وتكوَّنت بذلك رومانيا العظمى. وكان الوضع السياسي في مولدافيا وفالاشيا غير مستقر بالمرة، فرومانيا، مثلها مثل بولندا، تقع وسط ثلاث إمبراطوريات عظمى متصارعة هي النمسا وروسيا (التي أخذت تلعب دوراً متزايداً في سياسة رومانيا ابتداءً من القرن التاسع عشر) والدولة العثمانية (وهي القوة العظمى التي سيطرت فعلياً على رومانيا من القرن الخامس عشر حتى عام 1829 واسمياً حتى عام 1879) . وأدَّت هذه العوامل إلى فقدان رومانيا استقلالها وإلى تبعيتها لإحدى هذه القوى مع كل ما ينجم عن التبعية من ضعف وتدهور وتخلف حضاري واقتصادي. وظلت إمارتا جاسي وفالاشيا، منذ تأسيسهما في القرن الرابع عشر حتى 1880، دون استقلال إلا في الأمور الإدارية الداخلية، بل إن تبعيتهما كانت ملحوظة في المجال الثقافي. فقد دخلت على ثقافتهما مؤثرات سلافية ثم يونانية ثم فرنسية، ولم تظهر الرومانية كلغة لها أهميتها إلا في القرن التاسع عشر، ولم يظهر أدب روماني حتى عام 1880.
وقد حكم مولدافيا وفالاشيا حكام تابعون للدولة العثمانية، كانوا في بداية الأمر جماعة وظيفية من اليونانيين المقيمين في إستنبول ثم تم اختيار الحكام، فيما بعد، من بين طبقة النبلاء المحليين (بويار) . وحتى منتصف القرن التاسع عشر، كان الفلاحون مجرد أقنان ملتصقين بالأرض، ولم يتم تحريرهم إلا عام 1864. وكان الاقتصاد زراعياً، من الناحية الأساسية، بل ورعوياً في بعض الأماكن. ولم تكن توجد أية مراكز للحضارة إلا في بعض الأديرة كما كان الحال في أوربا في العصور الوسطى. وكان كثير من أعضاء النخبة من البويار أميين يجهلون القراءة والكتابة، ولم تكن هناك بطبيعة الحال طبقة وسطى.

وقد ظل الوضع مستقراً هادئاً إلى أن وقعت الحرب الروسية العثمانية (1828 ـ 1829) التي تغيَّر بعدها الوضع في رومانيا تماماً. فقد وُقعت معاهدة أدرنة بين روسيا وتركيا عام 1829، وتحوَّلت المقاطعتان (مولدافيا وفالاشيا) بمقتضاها إلى محميتين روسيتين من الناحية الفعلية، وتم فك احتكار الدولة العثمانية للتجارة، وفُتحت حدود مولدافيا الشمالية للتجارة فزادت التجارة الدولية من نقطة الصفر تقريباً لتصبح نحو 60 مليون لي (العملة الرومانية التي كانت تعادل فرنكاً ذهبياً) عام 1839 ثم إلى 210 ملايين لي عام 1859. وكانت الطبقة المحلية من التجار والحرفيين صغيرة هزيلة للغاية، بدائية إلى أقصى حد وغير مهيأة لهذا التحول، إذ كانت تنقصها الخبرة الإدارية وفهم آليات السوق المحلية والدولية ورأس المال. ومن ثم لم يكن هناك مفر من ملء الفراغ بعنصر أجنبي يضطلع بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة. وهذا ما قام به اليونانيون والأرمن وبعض عناصر من يهود اليديشية الذين أخذ يتزايد عددهم بنسبة كبيرة.

ومن العوامل الأخرى التي ساهمت في زيادة عدد اليهود في رومانيا أضعافاً مضاعفة، تقسيم بولندا والأحوال المتردية فيها. وقد أدَّى ذلك الوضع إلى تسلُّل الآلاف من يهود اليديشية منها، وخصوصاً أن حدود رومانيا كانت مفتوحة تماماً. وقد بلغ عدد أعضاء الجماعات اليهودية في رومانيا عام 1803 نحو 12 ألفاً، زاد إلى 18 ألفاً عام 1838، وإلى 119 ألفاً عام 1858، ثم إلى 266.652عام 1880 (أي 4.48% من السكان) . وكان مرجع هذا تدفُّق الفائض البشري اليهودي. كما أن 200 ألف يهودي كانوا يعيشون في مولدافيا التي كان اليهود يشكلون فيها ما بين 33% و44% من سكان المدن. وفي بعض المدن، كان عدد اليهود يصل إلى 55% بل إلى 60%. وكان الرومانيون يسمون هذه الهجرة «الغزو اليهودي» . وهذه الهجرة التسللية هي التي أدَّت إلى ظهور ما يُسمَّى «المتشردون اليهود» أو «المتسولون» ، وهم جماعات من اليهود كانت تهيم على وجهها من مدينة إلى أخرى (دون وظيفة محددة) تبحث عن أية وسيلة للبقاء.

ويُلاحَظ أن يهود رومانيا لم يكونوا عنصراً واحداً متجانساً، فرومانيا القديمة، كما أسلفنا، كانت في الأصل إمارتين أو مقاطعتين مستقلتين هما: مولدافيا في الشمال وفالاشيا في الجنوب. وكانت مولدافيا تضم يهوداً من أصل بولندي أوكراني. أما فالاشيا، فكانت تضم يهوداً نزحوا إليها من شبه جزيرة البلقان، كما كانت توجد فيها أقلية سفاردية. ثم ضمت رومانيا بعض المناطق منها بكوفينا (عام 1919) والتي كانت إقليماً نمساوياً منذ عام 1774 وكانت قبل ذلك خاضعة لتركيا (كجزء من مولدافيا) ، وكان العنصر اليهودي فيها نصفه نمساوي ونصفه بولندي. ثم ضمت رومانيا بعد ذلك بساربيا التي كانت روسيا قد اقتطعتها من موالدافيا عام 1812، وكان العنصر اليهودي فيها روسياً. أما المقاطعة الثالثة، ترانسيلفانيا، فكانت تحت حكم المجر منذ القرن الثاني عشر، واستوطنها يهود من جاليشيا ذوو توجه ألماني وكذلك عنصر سفاردي. وكانت هذه الجماعات ذات الأصول الإثنية المختلفة تنقسم، من وجهة نظر الرومانيين، إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ العنصر المحلي: ويتمثل في اليهود الذين كانوا يقطنون مولدافيا وفالاشيا منذ أمد طويل، واعتُبر هؤلاء جزءاً عضوياً من الأمة الرومانية.

2 ـ الهرسوفلتسي Hrisovelitzi: وهؤلاء هم اليهود الذين استوردهم النبلاء الإقطاعيون (بويار) ومنحوهم مواثيق (بالرومانية: هرسوف Hrisov) يُمنح اليهود بمقتضاها مزايا معيَّنة من بينها الإعفاء من الضرائب عدة سنين، وأرض فضاء مجانية لإقامة معابدهم ومدارسهم وحماماتهم الشعائرية ومقابرهم. وقد صدرت معظم المواثيق في الفترة 1780 ـ 1850. وعلاقة يهود الهرسوفلتسي بالبويار تشبه إلى حدٍّ كبير علاقة يهود الأرندا بطبقة النبلاء البولنديين (شلاختا) . وقد أسس النبلاء ليهود الهرسوفلتسي مدناً صغيرة (شتتلات) خاصة بهم تقريباً مثل مدينة فالتسيني (1798) وجزء من مدينة فوكساني. وقد تم تأسيس ست وثلاثين مدينة من هذا النوع في مولدافيا. كما استمرت هجرة اليهود الهرسوفلتسي حتى عام 1860.
3 ـ ولكن أعداداً أخرى من اليهود هاجرت، بعد توقيع معاهدة أدرنة، إلى إمارتي مولدافيا وفالاشيا اللتين كانتا في حاجة إلى حرفيين وصناعات ورأس مال. وقد اجتذب هذا الوضع عناصر تجارية يهودية ومسيحية من البلاد المجاورة، ولكن لم تَصدُر لهم مواثيق خاصة.

وكان يهود الهرسوفلتسي، وكذلك يهود المجموعة الثالثة، يرتدون الأزياء البولندية المتمثلة في القفطان والقبعة المزينة بالفرو وخُصل الشعر (إستريميل) . وقد أثروا في بقية الجماعة اليهودية، حتى أنه، مع بداية القرن التاسع عشر، كانت الجماعة اليهودية بأسرها ترتدي الزي الواحد نفسه وتتحدث اليديشية وتتبع أسلوباً واحداً للحياة، أي أنهم أصبحوا تقريباً من يهود اليديشية. وظهرت الجماعات اليهودية كما لو كانت وحدة متماسكة ليست ذات أصول مختلفة، مع أنها لم تكن كذلك في واقع الأمر، وانعكست الانتماءات الإثنية المتنوعة على علاقتهم بعضهم بالبعض الآخر. وقد تم تنظيم اليهود كجماعة يرأسها «استاروستي» (وسمي بالعبرية «روش مدينا» أي «رئيس البلد» ) وظيفته أن يحدد الضريبة التي تُفرض على اليهود. وكان الرئيس الروحي لليهود هو الحاخام باشي (وهو لقب عثماني كان يُمنح للحاخام الأكبر في الدولة العثمانية) . وقد عين السلطان أول حاخام باشي عام 1719، ولكن اليهود الروس والنمساويين كانوا من الحسيديين ويتبع كل فريق منهم التساديك الخاص به، ولذا رفضوا سلطة الحاخام باشي الروحية وطلبوا من قناصل بلادهم التدخل لصالحهم. وبالفعل، قَّلصت الحكومة عام 1819 سلطة الحاخام باشي، ثم أُلغي المنصب تماماً عام 1834. ولكن إلغاء المنصب ساهم في تصعيد حدة الصراع بين الجماعات اليهودية المختلفة.

إن هذا العنصر الغريب إثنياً (والذي أصبحت غربته قانونية كما سنبين فيما بعد) كان يلعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة، كما كان الحال في معظم دول أوربا حتى القرن الثامن عشر وفي شرق أوربا حتى القرن التاسع عشر. ولكن الوضع في رومانيا كان متميِّزاً، إذ كان أكثر حدةً ووضوحاً عنه في أي بلد آخر، وذلك بسبب تخلُّف المجتمع واتساع الهوة بين النبلاء والأقنان وافتقار رومانيا إلى طبقة وسطى. وقد ترك هذا الوضع أثره العميق في أعضاء الجماعة اليهودية، وفي أسلوب حياتهم ومناطق سكناهم وبنائهم الوظيفي والمهني.
كان معظم يهود رومانيا يتركزون في المدن. وحسب إحصاء عام 1899، كان 79.73% منهم يعيشون في المدن ويكوِّنون 32.10% من سكان المدن في رومانيا، ولم يكن يقطن سوى 20% منهم في القرى، وكانت نسبتهم لا تزيد على 1.1% من عدد سكانها. وفي مولدافيا، كان اليهود يكوِّنون أغلبية السكان في بعض المدن فبلغ عددهم 57% من عدد سكان فاليتسيني، و50% من سكان جاسي. وكانت نسبتهم أكثر من ذلك في المدن الصغيرة، فكانوا 66.2% في جرتسا و65.6% في ميهايليني، وهذا يعني أنهم كانوا في عزلة عن السواد الأعظم من الشعب الروماني. كما كان 84% من السكان الفلاحين يعيشون في الريف. وكان اليهود هم الجماعة الوظيفية الوسيطة التي تشغل الفراغ الذي خلفه غياب الطبقة الوسطى المحلية، فتدل إحصاءات عام 1904 على أن 21% من مجموع التجار كانوا يهوداً. وفي مدن مثل جاسي، كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون 75% من جملة التجار و20% من مجموع الحرفيين. وتركَّز اليهود في بعض الحرف، فكانوا يشكلون 81.3% من مجموع النقاشين أو الحفارين على الخشب والمعادن و76% من السباكين و75.9% من صانعي الساعات و74.6% من مجلدي الكتب و64% من صناع القبعات و64% من المنجدين.

وكان لأعضاء الجماعات اليهودية وجود ملحوظ في القطاع الصناعي الهزيل، فقد كان عدد الشركات الصناعية يزيد قليلاً على 625 وكان اليهود يمتلكون 19.5% منها. وقد تركزوا في بعض الصناعات دون غيرها، فقد كانوا يمتلكون نحو 52.8% من صناعة الخشب والأثاث و32.4% من صناعة الملابس و26.5% من صناعة النسيج.
وكان التوزيع الوظيفي لأعضاء الجماعات اليهودية على النحو التالي: 42.5% في الصناعة والحرف، و37.9% في التجارة والبنوك، و2.5% في الزراعة، و3.2% في المهن الحرة، و13.7% في الوظائف الأخرى. وكان 38% من جملة الأطباء في رومانيا يهوداً.
ورغم غياب أعضاء الجماعات اليهودية عن الريف، فقد لعبوا دوراً ملحوظاً في اقتصادياته حيث احتكروا صناعة تقطير الكحول والاتجار فيه، وكانوا أصحاب حانات وفنادق، كما كانوا يشترون من الفلاح محاصيله وقطعان الحيوانات التي يربيها ويزودونه بالبذور والسلع المصنوعة التي يريدها، وكانوا يقرضونه ما يحتاج إليه من نقود. وقد أصبح الفلاحون تابعين للتجار اليهود من المهد إلى اللحد، ويُقال إن نصف الأراضى الزراعية في مولدافيا وقعت في أيدي اليهود من خلال استئجارها ومن خلال القروض التي لم يستطع أصحابها الوفاء بها. وقد كان اليهود كما أسلفنا عنصراً غريباً يعيش في الشتتلات لأن مفهوم المواطنة نفسه لم يكن قد استقر بعد.
وكان التركيب الاجتماعي ليهود رومانيا لا يختلف عن نظيره في بقية شرق أوربا، فقد كان على قمة الهرم الاجتماعي طبقة صغيرة من التجار الأثرياء وعدد قليل من المهنيين، ثم كان هناك عدد كبير من أصحاب الفنادق وصغار التجار والحرفيين يتركزون في حرف معينة مرتبطة في الغالب بالنشاطات المالية اليهودية الأخرى. وفي قاعدة الهرم، كان يوجد عدد ضخم من الفقراء الذين لا عمل لهم. ورغم وجود هذا العدد من محدودي الدخل والفقراء بين اليهود، فإن الشريحة الثرية المهيمنة هي التي كانت تحدد إدراك المجتمع للجماعة.

هذه هي الصورة العامة لأعضاء الجماعات اليهودية. وقد اجتاحت التغيرات رومانيا مثلما اجتاحت معظم بلاد أوربا، وإن كانت التغيرات قد وصلت رومانيا في وقت متأخر نوعاً ما نظراً لوقوعها تحت الهيمنة العثمانية. وأدَّت التغيرات إلى قلقلة وضع اليهود وظهور المسألة اليهودية التي اكتسبت طابعاً خاصاً وحاداً في رومانيا بسبب طبيعة التشكيل الحضاري والسياسي فيها وبسبب وضع اليهود كجماعة وظيفية وسيطة تشبه في عزلتها الجماعات الوظيفية الوسيطة في مجتمعات العصور الوسطى في الغرب.
كان أعضاء الجماعة كما أسلفنا عنصراً إثنياً غريباً يلعب دوراً وظيفياً متميِّزاً. كما أن الحكومة قسَّمت اليهود إلى قسمين من ناحية المولد والولاء السياسي. وقد كانت الحكومة، منذ نهاية القرن الثامن عشر، تستخدم مصطلح «بامانتيني» ، أي «المحليين» للإشارة إلى اليهود الذين لم يكونوا متمتعين بالحماية الأجنبية. أما اليهود الوافدون، فكان يُشار إليهم بأنهم «سوديتسي» ، أي الرعايا الأجانب. وهؤلاء كانوا تحت حماية قناصل الدول التي أصدرت لهم جوازات سفر، وبالتالي كانوا يتمتعون بنظام الامتيازات الأجنبية باعتبار أن إمارتي مولدافيا وفالاشيا كانتا تابعتين للدولة العثمانية.

غير أنه حدث تحوُّل ليهود رومانيا يشبه التحول الذي حدث لمعظم يهود الدولة العثمانية، أي أن كثيراً من اليهود البامانتيني، وخصوصاً الأثرياء منهم، أُعيد تصنيفهم على أساس أنهم من السوديتسي حتى يتمتعوا بحماية الدول العظمى مثل النمسا وروسيا، وبالتالي أصبحت أغلبية يهود رومانيا أجانب شكلاً في زيهم ولغتهم وأجانب موضوعاً في وضعهم القانوني. وهذا يشبه من بعض الوجوه ما حدث ليهود مصر الذين أصبح 85% منهم من رعايا دول أجنبية، وتخلَّوا عن وضعهم القانوني كمصريين، وارتفعت بينهم معدلات العلمنة ومعدلات تقبُّل المُثُل الحضارية الغربية، فأرسلوا أولادهم إلى مدارس أجنبية (فرنسية بالأساس) ، وشغلوا مناصب مهمة في القطاع الاقتصادي المرتبط برأس المال الأجنبي حتى أصبح أغلبهم أجانب قلباً وقالباً (شكلاً وموضوعاً) عند نشوب الثورة المصرية عام 1952، وذلك رغم أنهم وُلدوا في مصر ونشأوا فيها.
وكثيراً ما كان يلجأ يهود رومانيا إلى قناصل دولهم لتنفيذ رغباتهم على نحو ما حدث عام 1819 عندما رفض اليهود الإشكناز الخضوع للحاخام باشي وآثروا اتباع قادتهم الحسيديين (تساديك) وطلبوا المساعدة من قناصل دولهم. ولعب بنيامين فرانكلين بيكسوتو (قنصل أمريكا) دوراً مهماً في تاريخ أعضاء الجماعة اليهودية في رومانيا، فقد قام بحملة عام 1872 لتهجير يهود رومانيا إلى الولايات المتحدة، وقد أعلن النظام الروماني تأييده لهذه الدعوة، ولكن يهود رومانيا عارضوا ذلك، وكذلك يهود الولايات المتحدة، وذلك خشية وصول أعداد جديدة من اليهود. ولذا، حينما عقد بيكسوتو مؤتمراً للمنظمات اليهودية في العالم (أكتوبر عام 1872) لتشجيع الهجرة، وقد رفض المؤتمر الفكرة، ولكنه شجَّع يهود رومانيا على الكفاح من أجل الحصول على حقوقهم.

ويمكننا أن نقول إن أعضاء الجماعة اليهودية ظلوا خارج التشكيل الروماني القومي. وحينما نشأت حركة رومانية قومية، لم ينخرط أعضاء الجماعة في صفوفها وظلوا إلى حدٍّ كبير أجانب عنها. وحتى عام 1828، كانت القوانين السائدة في رومانيا خليطاً من القوانين العثمانية التي تقبل التنوع والأعراف الأوربية. وكان مسموحاً لليهود بأن يعيشوا في أي مكان يشاءون. ثم بدأ البعث القومي الروماني الذي تزامن إلى حدٍّ كبير مع هجرة يهود بولندا، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة صبغ يهود رومانيا بالصبغة الأجنبية. وحينما هيمنت الإمبراطورية الروسية على إمارتي مولدافيا وفالاشيا، وُضع ما ُسِّمي «القانون العضوي» ، وهو لا يختلف كثيراً عن القوانين التي كانت تَصدُر في روسيا وغيرها من دول الملكيات المطلقة، ابتداءً من القرن الثامن عشر، بهدف إصلاح اليهود كجزء من عملية التحديث. وقد أكد القانون نظام الأقنان حيث قرر البند 94 منه أنه يمكن طرد المتشردين اليهود الذين لا يشتغلون بمهنة نافعة. ومنع القانون أعضاء الجماعات اليهودية من استئجار الأراضي الزراعية، ولكنه ترك لهم حرية إدارة مصانع تقطير الخمور بإذن من النبيل الإقطاعي، كما فُتحت المدارس لأبنائهم شريطة ألا يرتدوا الرداء اليهودي البولندي (القفطان) .

وبعد فترة من الثورات والقلاقل في رومانيا تدخلت أثناءها القوات العثمانية والروسية لقمعها، وبعد أن هُزمت روسيا في حرب القرم، قرَّر مؤتمر باريس عام 1858 وضع رومانيا تحت الحماية الجماعية لأوربا مع بقائها اسماً تابعة للدولة العثمانية. وفي عام 1859، انتخبت الإمارتان أميراً واحداً وظهرت رومانيا كوحدة سياسية لأول مرة وبدأت محاولات توحيدها، وظهرت حركة قومية وإرهاصات طبقة وسطى رومانية نظرت إلى اليهود باعتبارهم الغريم. وفي عام 1867، أصدرت الحكومة الرومانية قراراً بطرد اليهود المتشردين، وتم ترحيل أعداد كبيرة منهم عبر نهر الدانوب. ووقعت أثناء ذلك حادثة جالاتز حينما قرر حراس الحدود العثمانيون منع اليهود المتشردين الذين طردهم الرومانيون من عبور الحدود وأعادوهم إلى الأراضي الرومانية. وقد رفض حراس الحدود الرومانيون السماح لهم بالدخول وأعادوا القارب وغرق أثناء ذلك يهوديان.
وقد نصت معاهدة برلين، عام 1878، على ضرورة مساواة يهود رومانيا ببقية المواطنين. ولكن الحكومة الرومانية راوغت في تطبيق هذا المبدأ واتخذت إجراءات تهدف إلى تشجيع العنصر الروماني على الاشتغال بالتجارة. وصدرت عدة قوانين ذات طابع قومي، فإذا أراد أي يهودي أجنبي (من السوديتسي) أن يبني مصنعاً فيتعيَّن أن يكون ثُلثا مستخدميه من الرومانيين لعدة أعوام. ونصت القوانين على أن تكون معظم أسهم الشركات في أيد رومانية. وطُبِّقت قوانين مماثلة في حقل التعليم لضمان استفادة العناصر القومية من النظام التعليمي ولتدبير الكوادر اللازمة للنهضة الاقتصادية القومية. ومُنع اليهود من الاتجار في الدخان والمشروبات الروحية ومن الاشتغال كمديري بنوك.
وقد عُقد أول مؤتمر عالمي لمعاداة اليهود عام 1887 في بوخارست. ونشبت ثورة الفلاحين عام 1907 ضد النبلاء الرومانيين وراح ضحيتها عملاؤهم من اليهود، تماماً كما كان الحال مع شميلنكي.

وهكذا، فبينما كان اليهود يزدادون غربة وعزلة، كانت الحركة القومية الرومانية تزداد قوة ووعياً. ولذا، لم يكن من الممكن مناقشة مسألة يهود رومانيا في إطار إعتاق اليهود وإنما في إطار صهيوني، أي هجرتهم، وخصوصاً أنه بدأ يخرج من رومانيا وغيرها مئات من المتشردين يتحركون سيراً على الأقدام بملابسهم الممزقة نحو مدن أوربا الغربية حاملين الخوف والهلع والحرج ليهود ألمانيا ويهود غرب أوربا المندمجين. كان خط سيرهم من رومانيا إلى هامبورج ومنها إلى كندا والولايات المتحدة. وقد أسلفنا الإشارة إلى محاولات قنصل الولايات المتحدة تهجير يهود رومانيا.

وقد عُقد مؤتمر فوكساني في 30 ديسمبر 1881 لمناقشة مشكلة هجرة اليهود واستيطانهم في فلسطين حضره المفكر الصهيوني غير اليهودي لورانس أوليفانت الذي كان قد تفاوض مع السلطات بشأن شراء أرض للاستيطان اليهودي وتأسيس شركة للهدف نفسه. وكان لظهوره فعل السحر، وانتشرت آراؤه المتصلة بتوطين اليهود في فلسطين بدلاً من الولايات المتحدة حيث كان اليهود يتهددهم الاندماج. وقام أعضاء جماعة البيلو بالاتصال به، وكتب له بعض أحباء صهيون يخبرونه بأن الخالق وحده هو الذي وضع في يده صولجان قيادة اليهود، وسموه «المخلِّص الماشيَّح» أو «قورش الثاني» . وكان عدد يهود رومانيا عام 1899 نحو 236.652، هاجر منها في الفترة 1900 ـ 1906 ما يقرب من 70 ألفاً. وشهد عام 1918 ـ 1919 صدور قوانين تمنح اليهود حقوقهم، ولكن المناخ العام ظل مع هذا معادياً لهم بسبب غربتهم وتَصاعُد الحمى القومية التي تمثلت في رغبة أهل رومانيا في المشاركة في الاقتصاد الوطني حيث كان أعضاء الجماعة اليهودية يشغلون قطاعات إستراتيجية وكبيرة فيه بقدر لا يتناسب البتة مع نسبتهم إلى العدد الكلي للسكان. وصدرت عام 1920 معاهدة الأقليات التي نصت على ضرورة اعتراف رومانيا بحق اليهود داخل حدودها في الحصول على المواطنة، وضمنهم مَنْ لا قومية لهم. ولكن دستور عام 1923 لم يمنح حق المواطنة إلا لليهود الذين كانوا مواطنين في المملكة القديمة. وفي عام 1938، صدر قانون حرم ثُلث اليهود من حق المواطنة. ومما جعل الوضع يتفاقم، الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم الغربي في الثلاثينيات، فلجأت الحكومة إلى منع أعضاء الجماعة اليهودية من العمل في الصحف وقطاع المسرح لإتاحة فرص العمل أمام الآخرين ولإتاحة الفرصة للتعبير عن الهوية الرومانية القومية. ومُنع اليهود كذلك من التحدث علناً باليديشية، كما قامت جماعات معادية لليهود (من بينها الحرس الحديدي) بترتيب هجمات ضد أعضاء الجماعة.

ويُلاحَظ أن الجماعة اليهودية في رومانيا، في الثلاثينيات، كانت أكبر الكتل اليهودية في أوربا بعد روسيا وبولندا، حيث كان يبلغ عدد أعضائها حوالي 800 ألف من مجموع السكان البالغ عددهم 18 مليوناً، أي أنهم كانوا يشكلون 4.2%. وأثناء الحرب العالمية الثانية، كانت رومانيا متحالفة مع ألمانيا في البداية. وحينما طُبِّقت قوانين نورمبرج عام 1940، رُحِّل عدد من اليهود إلى معسكرات الاعتقال والإبادة.
وبعد الحرب العالمية الثانية، اقتُطعت بساربيا وشمال بكوفينا من رومانيا حيث ضمتهما روسيا. أما بلغاريا، فضمت جنوب دوبردجا، وضمت المجر شمال ترانسيلفانيا. وأدَّى هذا إلى انكماش حجم رومانيا إلى 70 ألف ميل مربع يضم 475 ألف يهودي وحسب (وانخفض بعد ذلك إلى 428 ألفاً) . وشكَّل الحكم الشيوعي اللجنة الديموقراطية اليهودية (على غرار اليفيسكتسيا) . وسمح الشيوعيون بالهجرة اليهودية إلى إسرائيل، فتناقص عدد يهود رومانيا. وفي عام 1956، كان هناك 144.236 يهودياً في رومانيا، وصل إلى 100 ألف عام 1960، وبلغ عام 1992 نحو 16 ألفاً من مجموع السكان البالغ عددهم 23.377.000 نسمة. ولا يوجد في بوخارست سوى حاخامين. وقائد الجماعة هو الحاخام موسى روزين، وهو أيضاً القائد الإداري والديني الذي اتُهم بالتعاون الكامل مع تشاوشيسكو. والجماعة اليهودية الرومانية جماعة مسنة إذ أن حوالي نصف أعضائها تجاوزوا سن الستين. وينقسم الشباب الآن إلى قسمين: قسم تم استيعابه في المجتمع الروماني (أو ربما في الحضارة العلمانية) ويحاول الهجرة إلى أي بلد في العالم، وفريق آخر يحافظ على هويته اليهودية، وهؤلاء مهتمون بالهجرة إلى الدولة الصهيونية. وبهجرة أعضاء هذا الفريق ستختفي أية قيادة قومية للجماعة. ورغبة الفريقين في الهجرة تمثل تعبيراً عن تركيبة المجتمع الروماني التي لا تزال رافضة لليهود بوصفهم عنصراً أجنبياً، هذا على الرغم من سياسة الحكومة التي كانت لا تميِّز ضد

أعضاء الجماعة اليهودية بل كانت تأخذ حينذاك موقفاً مؤيداً لإسرائيل ومختلفاً عن موقف الدول الاشتراكية الأخرى. وكانت هناك علاقات طيبة للغاية بين إسرائيل وتشاوشيسكو الذي سمح بهجرة أعضاء الجماعات اليهودية إلى إسرائيل.
وقد استقر 200 ألف يهودي روماني في إسرائيل خلال الفترة 1948 ـ 1960، وهاجر 80 ألفاً إلى بلاد أخرى. واستمرت الهجرة بعد ذلك بمعدل بطيء (حوالي ألف كل عام) . ويبلغ عدد اليهود من أصل روماني في المُستوطَن الصهيوني من 320 إلى 330 ألفاً، فهم ثاني أكبر مجموعة بعد المغاربة.
والمنظمة المركزية ليهود رومانيا هي «اتحاد الجماعات اليهودية في جمهورية رومانيا الاشتراكية» ويرأسها كبير الحاخامات، وهي أول منظمة في دولة شيوعية سُمح لها بالانضمام للمؤتمر اليهودي العالمي. وتقدِّم اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع 80% من تمويل المشاريع الخيرية والخدمة الاجتماعية.
المجر
‏Hungary

توجد آثار تدل على أن وجود أعضاء الجماعة اليهودية في المجر يعود إلى أيام الدولة الرومانية قبل أن تغزو قبائل الماجيار المنطقة عام 895. ويبدو أن قبائل الماجيار كانت تربطها علاقة مع إمبراطورية الخزر، بل يُقال إنها كانت تحت رعايتها وحمايتها، وإن بعض يهود الخزر اشتركوا مع قبائل الماجيار تحت قيادة أسرة أرباد في فتح المنطقة والاستيطان فيها عام 890 إلى أن أوقفهم الإمبراطور أتو الأول عام 955. وقد اتصل حسداي بن شبروط بيهود المجر حتى يصلوه بيوسف ملك الخزر. وهناك إشارات متعددة إلى وجود اليهود في المجر مثل إشارة الكاتب البيزنطي جون سينا موسى إلى «جنود التشاليزيان» أي «المرتزقة» . ويبدو أن كلمة «التشاليزيان» ترجمة للكلمة العبرية «حالوتس» ، وهي بمعنى «الرائد» . ولذا، يُرجح المؤرخون أن التشاليزيان جنود يهود يشكلون جماعة وظيفية قتالية. ومن الأرجح أنه كانت توجد أعداد كبيرة من اليهود بالمجر في ذلك الوقت، إذ يبدو أنه مع تأسيس مملكة المجر اجتذبت هذه المملكة أعداداً كبيرة من اليهود ربما كانوا يعملون بالزراعة والتجارة، ويتمتعون بعلاقة وئام كاملة مع أعضاء المجتمع المضيف. ولكن، مع تَزايُد وفود المستوطنين اليهود من الخارج، وكانوا عادة من التجار، بدأت الجماعة في التحول إلى جماعة وظيفية وسيطة تجارية، وظهرت تشريعات لتنظيم هذا الوضع. ففي عصر الملك كلمان (1906 ـ 1116) ، نجده قد تعهَّد بحمايتهم من هجمات الفرنجة (الصليبيين) وقبل شهادتهم في المحاكم، كما حدد مكان سكنهم ومنعهم من استخدام عبيد، وهو ما كان يعني استبعادهم من مهنة الزراعة.

وفي الفترة التالية حين قام صراع بين الكنيسة ومؤسسة الملكية أو بين الملك والنبلاء، كانت أعضاء الجماعة اليهودية حلبة الصراع. فحين كانت الكنيسة تهدف إلى تشديد قبضتها، وهو ما كان يعني استبعاد اليهود، كان الملوك يريدون المحافظة على استقلالهم وكان اليهود أداتهم في ذلك. فكانت الكنيسة تصدر التوجيهات والتحريمات التي كان يتجاهلها الملوك. واستمر أعضاء الجماعة اليهودية في التمتع بما تمنحهم المواثيق الملكية من مزايا، حتى أن بعض اليهود أصبحوا من كبار ملاك الأراضي وحملوا لقب «كونت» . ويمكن أن نقول إن أعضاء الجماعة اليهودية، باعتبارهم جزءاً من الطبقة الحاكمة ومؤسسة الملكية، تمتعوا بوضع ممتاز تحت حكم أسرة أرباد الذي انتهى بانتهاء حكم أندرو الثالث (1290 ـ 1301) آخر ملوك الأرباد.

وقد أصدر الملك أندرو الثاني (1205 ـ 1235) الفرمان الذهبي عام 1222 بضغط من النبلاء، وكان هذا الفرمان بمنزلة دستور يدعم حقوق النبلاء مقابل الملك. وتضمَّن الدستور مادة تنص على أن اليهود والمسلمين (من التتار) لا يمكنهم أن يشغلوا وظائف جمع الضرائب والاتجار في الملح، وكانت هذه من أكبر مصادر الدخل للدولة. ويبدو أن المسلمين التتار كانوا يشكلون أيضاً جماعة وظيفية وسيطة. ومع هذا، نجد أن النبيل اليهودي الكونت تيكا كان وصياً أو حارساً على ريع الخزائن الملكية. وقد استمر كثير من اليهود في شغل وظائفهم الحكومية المالية، وهو ما اضطر البابا إلى طرد الملك أندرو الثاني من حظيرة الكنيسة، فاضطر الكونت تيكا إلى الهجرة. ولكن الملك بيلا الرابع (1235 ـ 1270) قدَّم رجاءً إلى روما بأن تسمح للكونت بالعودة بعد تدهور حالة المملكة الاقتصادية. وقد وافقت روما على طلبه شريطة أن يعيَّن معه موظف مسيحي فيقوم بالتصرف في المال العام تحت إشراف الموظف المسيحي. وبالفعل، عاد الكونت تيكا مرة أخرى وقام بتدبير المبالغ اللازمة لتجهيز الدفاع ضد هجمات التتار. وقد انتشرت شائعات بأن اليهود تعاونوا مع إخوانهم التتار، فكلتا الجماعتين من أصل تركي (باعتبار أن يهود المجر كانوا من أصل خزري) . وبالفعل، اختفى الكونت تيكا أثناء الغزو التتري، ويُقال إنه فرّ معهم عند انسحابهم.

وعندما بدأ الملك بيلا الخامس إعادة بناء مملكته، دعا عناصر يهودية تجارية إلى الاستيطان للمساهمة في هذه العملية، وعيَّن يهودياً يُدعى هيتوك أميناً للخزانة الملكية تقاضى مقابل القيام بوظيفته قلعة كوماروم وإحدى وعشرين قرية تابعة لها. وقد عهد بيلا الخامس إلى اليهود بدار سك النقود (وهناك عملات تعود إلى هذه الفترة تحمل حروفاً عبرية) . ولتقنين وضع أعضاء الجماعة اليهودية، قام بيلا بإصدار ميثاق جعلهم أقناناً للخزانة الملكية بكل ما تحمل العبارة من مزايا وحقوق وواجبات (وقد جدد هذا الميثاق كل ملوك المجر حتى عام 1526) . ويُلاحَظ أن يهود المجر كانوا يتحدثون اللغة المجرية وكانت ثقافتهم مجرية.

وقد استمر وضع أعضاء الجماعة اليهودية، كجماعة وظيفية وسيطة، تحت حكم الأسر الأجنبية المختلفة التي حكمت المجر (1301 ـ 1526) . وتظهر أهميتهم في أن لاجوس الأكبر (1342 ـ 1382) أوجد وظيفة جديدة تُسمَّى «قاضي كل اليهود الذين يعيشون في البلد» يضطلع صاحبها بوظيفة تحديد الضرائب على اليهود وجمعها منهم وحماية امتيازاتهم وسماع شكواهم، أي أنه رئيس الجماعة الوظيفية الوسيطة والضامن لكفاءة أدائها كأداة إنتاج في يد الملك. ويُلاحَظ أنه، منذ منتصف القرن الخامس، بدأت المدن المجرية في غرب المملكة (وقد كانت مراكز تجارية) تشكو من منافسة التجار اليهود الغرباء الذين كانوا يتحدثون الألمانية. ولتهدئة الموقف، أعلن الملك أن من حقه إلغاء الديون المستحقة للمرابين اليهود التي استدانها النبلاء أو الأبرشيات أو المدن. وشهدت هذه الفترة بداية توجيه تهمة الدم لليهود، وإلغاء الديون المستحقة لهم، ومنع رهن العقارات المسيحية لدى أعضاء الجماعة. واستمر الوضع في القرن السادس عشر واحتدم الصراع بين الملك أولاسلو الثاني (1490 ـ 1515) من جهة ومدينة سوبورون من جهة أخرى، إذ حاول الملك أن يمنع المدينة من جمع ضرائب اليهود. ولكنه، مع هذا، اضطر عام 1503 إلى إلغاء سائر الديون اليهودية في المملكة تحت الضغط الشعبي عليه (وهي عملية يمكن أن نطلق عليها «عملية تأميم» ) . وقد طلب جيكوب مندل رئيس اليهود إلى الإمبراطور الألماني ماكسيمليان أن يضع اليهود تحت حمايته، وذلك بعد أن ضُمَّت المجر إلى الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة. وفي عام 1524، قام لاجوس الثاني (1516 ـ 1526) بتعيين يهودي مديراً لدار سك النقود، كما عين اليهودي المتنصر إمري فورتوناتوس وزيراً لمالية المملكة. وأدَّى هذا إلى تَزايُد كراهية الجماهير لأعضاء الجماعة اليهودية إذ فرض فورتوناتوس ضرائب مزدوجة زادت معدل التضخم. وقد فُرض في تلك الفترة القَسَم اليهودي الذي ظل مستمراً حتى منتصف

القرن التاسع عشر.
وحينما ضمت الدولة العثمانية أجزاء من المجر عام 1526، هجَّر السلطان سليمان ألفي يهودي إلى تركيا. ويبدو أن العثمانيين كانوا مدركين أهمية أعضاء الجماعة كعنصر استيطاني. وأدَّى الغزو العثماني للمجر إلى تقسيمها بحيث أصبح شرق المجر تابعاً للدولة العثمانية. أما غرب المجر، فقد حكمه ملوك أسرة هابسبورج، وحكم ترانسيلفانيا النبلاء المجريون. وكان ملوك الهابسبورج متحيزين، بطبيعة الحال، إلى سكان المدن الملكية (مثل مدينة سوبورون التي أسلفنا الإشارة إليها) الذين كانوا من أصل ألماني، فسمحوا لهذه المدن بطرد اليهود ولم يجددوا مواثيق الملك بيلا الرابع. أما في المنطقة التي وقعت تحت حكم النبلاء المجريين، فقد تمتع أعضاء الجماعة اليهودية بحماية النبلاء.
ولكن الازدهار الحقيقي كان من نصيب هؤلاء اليهود الذين وقعوا تحت حكم العثمانيين، فقد فُرضت عليهم ضرائب باهظة ولكنهم تمتعوا بحرية الحركة والاتجار داخل الدولة العثمانية. ومن ثم تهوَّد كثير من المسيحيين الذين تحوَّلوا إلى أقنان تحت حكم العثمانيين ليتمتعوا بالمزايا التي يتمتع بها أعضاء الجماعة اليهودية. كما أن مدينة بودا (العاصمة) أصبحت مركزاً لليهود الذين هاجروا إليها من مناطق المجر التي لم يحتلها العثمانيون. وقد وُضع أعضاء الجماعة اليهودية تحت حماية الباشا العثماني بل تحت حماية السلطان نفسه.
وحينما قام الملك رودولف (1576 ـ 1612) بمحاولة استعادة بودا من العثمانيين، حارب أعضاء الجماعة اليهودية إلى جانبهم، وهو ما زاد درجة السخط عليهم في مناطق المجر الأخرى حيث طالبت المدن بطرد اليهود. وفي عام 1647، منع فرديناند الثالث اليهود من شغل وظيفة ملتزمي ضرائب. وحينما تم فتح بودا عام 1686، أنزل العقاب بالجماعة اليهودية لموقفها الممالئ للعثمانيين.

وكان مخطَّط الملك ليبوت الأول (1657 ـ 1705) هو تأسيس دولة كاثوليكية خالصة، فكان على المسلمين واليهود والبروتستانت أن يعتنقوا الكاثوليكية إن أرادوا البقاء فيها. وطُرد أعضاء الجماعة اليهودية من المدن الملكية وُمنعوا من ملكية الأرض، فاضطروا إلى العمل في تجارة القطاعي وأعمال الربا، كما فُرضت عليهم ضرائب باهظة. ولكن النبلاء المجريين قاموا بحماية اليهود، فسمحوا لهم بالإقامة في المدن التابعة لهم. ونمت بعض المدن نتيجة توطين اليهود فيها، مثل مدينة كيسمارتون (أيزنشتدات) . وقد وضعت هذه المدينة الجماعات اليهودية المحيطة بها تحت حماية أسرة إستيرهازي الأرستقراطية التي منحتهم المواثيق والمزايا نظير الضرائب التي يؤدونها، بل قام بعض أسر النبلاء بتوطين بعض أعضاء الجماعة اليهودية كأقنان وفلاحين. وكانت أغلبية اليهود من صغار التجار، فاشتغلوا بصناعة تقطير الكحول وجمع الضرائب وأعمال الرهونات وبيع الملابس. وكان معظم ممولي البلاط من اليهود.
وتزايد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في المجر خلال القرن الثامن عشر نتيجة هجرة اليهود من بولندا ومورافيا، فوصل عددهم إلى 11.621 عام 1735، ولم يكن بينهم سوى أقلية مجرية. أما الباقون، فكانوا من العناصر المهاجرة. ومع هذا، فحين تم تصنيف اليهود بحسب القومية، أعلن أغلبيتهم أنهم ينتمون إلى الأمة المجرية.

وحينما اندلعت الحرب التركية النمساوية (1682 ـ 1699) ، نجحت أسرة الهابسبورج النمساوية في طرد العثمانيين من المجر واعترف النبلاء المجريون عام 1687 بأحقية الهابسبورج بعرش المجر، ومن ثم بدأ حكم الإمبراطورية النمساوية المجرية. وقد خضع يهود المجر لمحاولات الملكية النمساوية المطلقة التي استهدفت تحديث اليهود وتحويلهم إلى عناصر نافعة، حيث تأثروا بشكل عميق بمحاولات إمبراطور النمسا جوزيف الثاني (1780 ـ 1790) في هذا المضمار والذي أصدر براءة التسامح عام 1782. وقد تم إعتاق اليهود سياسياً ابتداءً من هذا التاريخ بدرجات متفاوتة من النجاح والفشل بين منطقة وأخرى. وقد بلغ عدد يهود المجر عام 1840 نحو 200 ألف يشكلون 2.34% من مجموع السكان. ولعب أعضاء الجماعة دوراً مهماً في نمو الرأسمالية المجرية والصناعة المجرية. ويبدو أنه لم تكن هناك بورجوازية مجرية قوية. ولم يحدث الصدام بين الجماعة الوظيفية اليهودية والبورجوازية المحلية إذ اكتفت البورجوازية اليهودية بإدارة معظم البنوك والتجارة. كما لم تكن هذه الطبقة المجرية اليهودية تصطدم بالأرستقراطية الحاكمة. ويُلاحَظ أن الجماعة اليهودية كانت دائماً تحاول إثبات ولائها فتخلت عن ميراثها الألماني أو البولندي واكتسبت ثقافة المجر ولغتها. وظهرت حركة استنارة في المجر عام 1830 ترمي إلى صبغ اليهود بالصبغة المجرية. بل ساهمت الجماعة اليهودية في تعميق الهوية الثقافية المجرية من خلال الصحف وأدوات الإعلام الأخرى التي تحكمت فيها. وقد اصطبغ يهود المجر بصبغة مجرية كاملة، وظهرت حركة دينية إصلاحية تُسمَّى «النيولوج» . ولذا فإنهم، حين اندلعت الثورة المجرية ضد حكم الهابسبورج، انضموا إلى الثورة وحاربوا في صفوفها. وحينما استسلم الجيش المجري، وقَّعت القوات النمساوية عقوبات على يهود المجر من ضمنها فرض غرامة كبيرة، وقرر الإمبراطور فرانسيس جوزيف الأول (1848 ـ 1916) أن تُنفَق هذه الغرامة

على إصلاح اليهود بتأسيس مدرسة لاهوتية للحاخامات وكلية تربية ومدرسة ابتدائية ومؤسسات للمعوقين اليهود. وقد تحقَّق ليهود المجر الإعتاق السياسي الكامل في عام 1867، وأقبلوا على التعليم العلماني إقبالاً شديداً، حيث نجد أن 35% من الطلبة في المدارس الثانوية المتخصصة من أعضاء الجماعة اليهودية (1910 ـ 1913) ، كما كان نصف أعضاء هيئة التدريس في كلية الطب و40% في مدرسة بودابست الفنية منهم، وكان منهم أيضاً أكثر من نصف الأطباء ونصف الصحفيين و26% من جملة المهنيين في قطاعات الفنون والآداب، وعدد كبير من العاملين في مهنة القانون.
وقد تزايدت معدلات الاندماج والتنصر بين اليهود، وخصوصاً بين الطبقات الثرية. وأصبح الزواج المختلط مسألة عادية، وخصوصاً في العاصمة. وكانت نسبة الأطفال غير الشرعيين وكذلك نسبة الانتحار من أعلى النسب بين الجماعات اليهودية في أوربا، وهذه هي في الواقع الخلفية الأساسية التاريخية والحضارية لمؤسسي الحركة الصهيونية تيودور هرتزل (1860 ـ 1904) وصديقه ماكس نوردو (1849 ـ 1923) اللذين وُلدا في بودابست وقضيا سنوات حياتهما التكوينية هناك. ولا تختلف تجربتهما التاريخية كثيراً عن تجربة يهود الغرب، ولذا وصف هرتزل يهود المجر بأنهم «غصن جاف على شجرة اليهود» . وحينما أُسِّست حركة صهيونية في المجر عام 1897، لم ينضم إليها سوى أعداد صغيرة للغاية. وربما كانت تجربة هرتزل هذه، أي النشأة في مجتمع حقَّق فيه اليهود معدلات عالية من الاندماج، ثم انتقاله إلى النمسا ومنها إلى فرنسا حيث شاهد يهود اليديشية المهاجرين وما يلاقونه من المشقات أثناء فترة التحديث المتعثر، ربما ساهمت هذه التجربة في توصُّله إلى الصيغة الصهيونية في شكليها التوطيني والاستيطاني؛ فهي صهيونية توطينية بالنسبة ليهود الغرب وتعبِّر عن واقعهم الاندماجي وتقبُّله، ولكنها استيطانية بالنسبة إلى يهود اليديشية الفائضين.

وقد اشترك أعضاء الجماعة اليهودية بالمجر في الحرب العالمية الأولى دفاعاً عن وطنهم، وسقطت أعداد كبيرة منهم. ومع ذلك، كان هناك بعض اليهود المشتغلين بتزويد الجيش بالجراية والإمدادات ممن استفادوا من حالة الحرب. وأدَّى هذا إلى ظهور شعور معاد لليهود بين بعض قطاعات المجتمع المجري. وقد لعب اليهود دوراً في الزراعة كملاك أراض ومقاولين في الإدارة الزراعية والتسويق (مثل يهود الأرندا) . ويُلاحَظ أنه، قبل الحرب العالمية الأولى، كان 55 ـ 60% من مجموع التجار و13% من الحرفيين و13% من ملاك الصناعات الكبيرة والمتوسطة و45% من المقاولين من اليهود. وقد تم الاعتراف عام 1895 باليهودية باعتبارها إحدى الديانات الرسمية في المجر، تماماً مثل الكاثوليكية والبروتستانتية.
ويُلاحَظ أن الجيل الأول من يهود ما بعد الانعتاق حصل على حقوقه السياسية واصطبغ بالصبغة المجرية. أما الجيل الثاني، فلعب دوراً ملحوظاً في حركة التصنيع والتطور الرأسمالي بها. أما أبناء الجيل الثالث (1905 ـ 1930) ، فقد تركزوا في المهن، وخصوصاً في عالم الثقافة والصحافة.

وبعد الحرب العالمية الأولى، كانت المجر إحدى الدول التي خسرت الحرب، فاستولت على الحكم مجموعة من معارضي الحكومة برئاسة الكونت ميخائيل كاروليي وكونوا مجلساً قومياً من سبعة وعشرين شخصاً من بينهم أربعة عشر يهودياً، أي أكثر من النصف. وحينما أُعلنت الجمهورية، كان يوجد وزيران يهوديان في الوزارة. وقد سقطت هذه الحكومة ودخل الحزب الشيوعي في تحالف مع الحزب الاشتراكي، فعُيِّن بيلا كون زعيم الحزب الشيوعي (وكان يهودياً) قوميساراً للشئون الخارجية. وفي مارس عام 1919، عُيِّن بيلا كون رئيساً للدولة، وأُعلنت جمهورية على النمط البلشفي السوفيتي كان الوجود اليهودي ملحوظاً فيها، فقد كان المسئولون عن قوميساريات الداخلية والتعليم والتجارة والمالية والعدل والإعلام والقوميات مجريين من اليهود الملحدين. وكان ثلثا من شغلوا وظيفة قوميسار من اليهود. ولذا، فبعد فشل الجمهورية البلشفية، ارتبطت التجربة الثورية في الأذهان بأعضاء الجماعة اليهودية، وهو ما كان له مردود سلبي عليهم.
وبلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية 473 ألفاً عام 1920، أي بعد الحرب العالمية الأولى وبعد ضم أجزاء من المجر. واستمر تَناقُص أعدادهم من خلال الاندماج والتزاوج، ويُلاحَظ أن هذا التناقص في المرحلة العمرية (0 ـ 20) كانت تقابله زيادة في عدد المسنين. وكان نصف يهود المجر يعيشون في بودابست، منهم 65% من الإصلاحيين (النيولوج) و29% أرثوذكس.
ولكن، نظراً لأن المجر ضمت بعض المناطق التي يوجد بها يهود، نجد أن إحصاء 1941 يحدد عدد اليهود بنحو 725 ألفاً من مجموع عدد السكان البالغ 14.683.323نسمة.

ومع ظهور النازية في ألمانيا، اتبعت الحكومة المجرية سياسة ممالئة لها، ولكنها رفضت تطبيق القوانين النازية فيما يتصل بأعضاء الجماعات اليهودية. وبعد أن احتل النازيون المجر، وكان أيخمان هو المسئول عن الشئون اليهودية، تم عقد صفقة مع الحركة الصهيونية من خلال رودولف كاستنر اصطُلح على تسميتها «الدم مقابل السلع» ، وقد خدع فيها كاستنر يهود المجر وضمن عدم مقاومتهم، وسهَّل عملية ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال مقابل ترحيل بعض الصهاينة إلى فلسطين. وفي 1944، ألقت القوات البريطانية بمظليين من الهاجاناه في الأراضي اليوغسلافية ليعبروا إلى المجر ولكنهم أُسروا.
وبعد الحرب العالمية الثانية، بلغ عدد يهود المجر 260 ألفاً، ولكن لم يزد عددهم عام 1992 على 56 ألفاً من مجموع السكان البالغ عددهم 10.493.000 (يذكر أحد المصادر الإحصائية الأخرى أن عدد اليهود في المجر عام 1995 هو 80 ألفاً) ، تقطن غالبيتهم الساحقة (حوالي خمسين ألفاً) في بودابست، وكان 60% منهم ممن تجاوز الخمسين ومعظمهم من اليهود الإصلاحيين (النيولوج) . وهذا يعني أن الجماعة اليهودية في طريقها إلى الاختفاء، وهذا تعبير آخر عن موت الشعب اليهودي. وقد عُقد المؤتمر اليهودي العالمي في المجر عام 1987. وهي أول مرة يُعقَد فيها المؤتمر اليهودي في إحدى دول الكتلة الاشتراكية.

وأهم المنظمات التي ينتظم بها أعضاء الجماعة اليهودية في المجر منظمة التمثيل القومي لليهود المجريين، وهي المنظمة المركزية للجماعة اليهودية في المجر والجهة التي تمثلهم لدى المؤتمر اليهودي العالمي. وهناك أيضاً اللجنة المركزية للرفاه الاجتماعي، وتقوم برعاية فقراء اليهود، وتمولها اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع. وهناك منظمة ويتى، وهي مؤسسة التمثيل القومي ليهود المجر، التي تقوم برعاية المصالح الدينية ليهود المجر منذ عام 1904 وأغلب أعضاء هذه المؤسسات من المحافظين، إلا أن هناك قسماً خاصاً باليهود الأرثوذكس. ومن الجدير بالذكر أنه بعد وفاة آخر حاخام أرثوذكسي عام 1982، تم إحضار حاخام من إسرائيل ليحل محله. وهناك محكمة شرعية (بيت دين) خاصة باليهود الأرثوذكس، وأخرى خاصة باليهود المحافظين.

*مقديشو عاصمة الصومال، وهى مركز عمرانى قديم أقامه العرب فى نحو القرن العاشر الميلادى؛ خدمةً للتجارة فى شرق إفريقيا والمحيط الهندي.
ويختص ميناء مقديشو بالاستيراد فعن طريقه ترد السلع المختلفة من الآلات، والمعدات، والملابس، والبن، والبترول، لكنه لا يصدر سوى عشْر صادرات البلاد، وذلك لبعده عن مراكز إنتاج سلع التصدير.
وقد تم تحديثه منذ أواخر السبعينيات، وزوّد بحاجز للأمواج، وبأربعة مراسٍ، وبمخازن ومستودعات، ومعدات للشحن والتفريغ.
وبمقديشو عدد من الأقليات الإيطالية والهندية والباكستانية.
*مقديشيو (سلطنة) كانت بلاد «الصومال» تعرف فى العصور الوسطى باسم «سلطنة مقديشيو».
وينتمى الصوماليون إلى العنصر الكوشى الحامى، ومنهم قبائل «الجَلا» و «الدناكل»، وهؤلاء اختلطوا بالعناصر السامية التى هاجرت من جنوب بلاد العرب قبل الميلاد، وبالزنوج البانتو، وتكون منهم «شعب الصومال».
وبعد ظهور الإسلام تدفقت القبائل العربية على تلك المنطقة، إما بهدف التجارة أو نشر الإسلام أو الإقامة فرارًا من الانقسامات السياسية، وأقام هؤلاء المهاجرون العرب مراكز تجارية على طول الساحل الشرقى الإفريقى؛ فى «مقديشيو» و «براوة» و «سوفالة»، و «بات» و «ممبسة» و «مالندى» و «كلوة» وغيرها، وعلى أيديهم نشأت معظم هذه المدن.
وقد سبقت الإشارة - عند الحديث عن الهجرات العربية إلى ساحل شرق إفريقيا - إلى هجرتين وصلتا إلى ساحل «الصومال»، وهى «هجرة الزيدية» التى أقبلت إلى «الصومال» بعد مقتل زعيمهم «زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب» رضى الله عنهم، ثم هجرة الإخوة السبعة من «بنى الحارث» ومن معهم من العرب إلى بلاد «الصومال» فى عام (292هـ = 903م).
والهجرة الأخيرة كانت أبقى أثرًا فى تاريخ «الصومال»، إذ إنها أقامت «سلطنة مقديشيو» الإسلامية.
وقد كانت «مقديشيو» أول مدينة عربية بناها «بنو الحارث» على «ساحل بنادر» عام (295هـ = 907م)، وتلتها مدينة «براوة» حوالى عام (365هـ = 975م).
وتشير بعض المصادر إلى مواضع مدن أخرى مثل «قرفاوة»، و «النجا»، و «بذونة»، و «ماندا» فى جزيرة «ماندا»، و «أعوزى»، و «شاكة» قرب دلتا نهر «تانا»، وقد بنى «بنو الحارث» هذه المدن فى سنوات متفاوتة وأسسوا فيها سلطنة استمروا فى حكمها معظم فترات العصور الوسطى، فكان حكام «سلطنة مقديشيو» عند قدوم البرتغاليين من سلالة الإخوة السبعة، بل إن فيها حتى اليوم سبع عشائر تعود بأصولها إليهم.
وفى عهد هذه الأسرة الحاكمة صارت «مقديشيو» سلطنة قوية ذات شوكة

العثمانيون يسيطرون على مقديشيو ويبعدون الخطر البرتغالي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

العثمانيون يسيطرون على مقديشيو ويبعدون الخطر البرتغالي.
994 - 1585 م
استطاع الأسطول العثماني أن يجتاز القرن الإفريقي ويستولي على مقديشو وغيرها من المحطات الواقعة على شواطئ الصومال بحيث لم يبق في أيدي البرتغال سوى ملندى وموضعان آخران، وبذلك سيطر العثمانيون على الساحل الإفريقي الشرقي وقطعوا خط المواصلات حول إفريقية عن المستعمرات البرتغالية في الهند.

مذبحة المسلمين في بنغلاديش.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مذبحة المسلمين في بنغلاديش.
1390 - 1970 م
حدثت مذبحة في بنغلادش عام 1971م بعد انتصار الجيش الهندي الذي كان يقوده يهود على باكستان حيث قتل 10.000 عالم مسلم و100 ألف من طلبة المعاهد الإسلامية وموظفي الدولة وقتل ربع مليون هندي مسلم هاجروا من الهند إلى باكستان قبل الحرب بعد تعذيبهم.

وفاة الشيخ مجيب الرحمن مؤسس دولة بنجلاديش.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة الشيخ مجيب الرحمن مؤسس دولة بنجلاديش.
1395 - 1975 م
توفي الشيخ مجيب الرحمن زعيم حزب "رابطة عوامي" الباكستاني ومؤسس دولة بنجلاديش وذلك أثناء انقلاب قام به الجيش ضده، والشيخ مجيب هو الذي استطاع بعد نشوب حرب أهلية شرسة بين شطري باكستان الغربي والشرقي أن ينفصل بالشطر الشرقي، ويعلن قيام دولته التي عانت من مشاكل سياسية واجتماعية واقتصادية، وانتهى الأمر بمقتله في العام الذي تولى فيه رئاسة الدولة.

الإعلان عن بنجلاديش جمهورية إسلامية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

الإعلان عن بنجلاديش جمهورية إسلامية.
1409 - 1988 م
كانت بنغلاديش جزءا من الهند في ظل الإسلام الذي وصل إلى تلك المنطقة في القرن العاشر الميلادي. وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر احتل المستعمر البريطاني القارة الهندية ومن ضمنها بنغلاديش وباكستان وجامو وكشمير تحت نير الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية في جنوب آسيا. ناضلت (الرابطة الإسلامية) التي ضمّت المسلمين في القارة الهندية تحت راية الكفاح ضد الاستعمار البريطاني وتوّج الإسلاميون نضالهم بقيام باكستان عام 1947م وأصبحت بلاد البنغال تدعى باكستان الشرقية وجزء من دولة باكستان، وقامت الحكومة الباكستانية بمحاولات لإلغاء لغة الهندوس الأقلية الموجودة بين الأغلبية الإسلامية إلا أن قوة الديمقراطية قد حالت دون ذلك. وتشكل حزب سياسي بنغالي هو «رابطة عوامي أي حزب العامة» بزعامة مجيب الرحمن دعا فيه إلى استقلال بنغلاديش. وفي انتخابات 1970م فاز هذا الحزب بأكثرية المقاعد في برلمان الباكستان. إلا أن الحكومة الباكستانية قامت بحل البرلمان مما أثار نقمة شعبية، فقام الجيش الباكستاني بقمعها واعتقل مجيب الرحمن. وفي عام 1971م اندلعت الحرب الكارثية بين الهند- التي كانت تساند انفصال بنغلاديش- والباكستان. نتيجة لهذه الحرب انتصر الجيش الهندي ودخل مدينة دكا وفي العام نفسه أعلن عن استقلال بنغلاديش وأصبح مجيب الرحمن أول رئيس جمهورية. وقتل مجيب الرحمن وأفراد عائلته عام 1975م نتيجة انقلاب عسكري فتسلم الرئاسة أحمد مشتاق ثم بعد ذلك توالت سلسلة الانقلابات العسكرية فخلف مشتاق العميد خالد مشرف، ثم محمد صايم، ثم ضياء الرحمن والد رئيسة الوزراء خالدة ضياء. وأعلن الجنرال ضياء الرحمن منذ بداية حكمه، أنه سوف يحول نظام البلاد من الدكتاتورية إلى الديمقراطية. فأجرى انتخابات رئاسية عام 1978م وفاز بها. واغتيل ضياء الرحمن في 30 أيار 1981م وتلا ذلك انتخابات رئاسية فاز بها عبد الستار، مرشح الحزب الوطني البنغالي. وفي أواخر عام 1983م أعلن قائد الجيش حسين محمد أرشاد نفسه رئيساً للدولة في 15 تشرين الأول عام 1986م أعيد انتخاب الرئيس أرشاد. وفي عام 1993م بدأت الأزمات السياسية الحادة بين رئيسة الوزراء خالدة ضياء والمعارضة بزعامة الشيخة حسينة واجد التي هددت بالاستقالة من البرلمان، ولكن عادت الشيخة حسينة وقبلت بوساطة رئيس البرلمان وسحبت تهديدها لكن الحياة السياسية في بنغلاديش طُبِعتْ بالسجال بين هاتين المرأتين منذ التسعينيات حتى الوقت الحاضر.

حدوث إعصار "أيلا" ببنجلاديش والهند.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

حدوث إعصار "أيلا" ببنجلاديش والهند.
1430 جمادى الآخرة - 2009 م
ضرب إعصار أيلا كلاً من بنجلاديش والهند، فأدى إلى مقتل وتشريد مئات الآلاف, كما أن أكثر من تسعة ملايين شخص عاشوا ظروفاً صعبة دون ماء أو غذاء. وقد قتل نحو 275 شخصاً على الأقل، كما دمرت مئات الآلاف من المنازل. وذكر مسئولون بولاية البنجال الغربية بالهند أن أكثر من خمسة ملايين قد نزحوا، من بينهم أكثر من مليون شخص تقطعت بهم السبل إلى جزر صنداربان وحدها، ومعظمهم بدون غذاء أو ماء. وكانت الأمطار الغزيرة التي تبعت الإعصار، رفعت من منسوب المياه، ودمرت التعزيزات الطينية في دلتا جزر صنداربان، وتسببت في فيضانات واسعة وانهيارات أرضية، وظهرت حالات إسهال بسبب النقص الحاد في مياه الشرب، وفُقِد مئات الأشخاص بالمقاطعات المتضررة وعددها 15 ومعظمها على الساحل.

265 - علي بن محمد بن علي، أبو الحسن بن لنديشة، النيسابوري، الشعري.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

*مقديشو عاصمة الصومال، وهى مركز عمرانى قديم أقامه العرب فى نحو القرن العاشر الميلادى؛ خدمةً للتجارة فى شرق إفريقيا والمحيط الهندي.
ويختص ميناء مقديشو بالاستيراد فعن طريقه ترد السلع المختلفة من الآلات، والمعدات، والملابس، والبن، والبترول، لكنه لا يصدر سوى عشْر صادرات البلاد، وذلك لبعده عن مراكز إنتاج سلع التصدير.
وقد تم تحديثه منذ أواخر السبعينيات، وزوّد بحاجز للأمواج، وبأربعة مراسٍ، وبمخازن ومستودعات، ومعدات للشحن والتفريغ.
وبمقديشو عدد من الأقليات الإيطالية والهندية والباكستانية.
*مقديشيو (سلطنة) كانت بلاد «الصومال» تعرف فى العصور الوسطى باسم «سلطنة مقديشيو».
وينتمى الصوماليون إلى العنصر الكوشى الحامى، ومنهم قبائل «الجَلا» و «الدناكل»، وهؤلاء اختلطوا بالعناصر السامية التى هاجرت من جنوب بلاد العرب قبل الميلاد، وبالزنوج البانتو، وتكون منهم «شعب الصومال».
وبعد ظهور الإسلام تدفقت القبائل العربية على تلك المنطقة، إما بهدف التجارة أو نشر الإسلام أو الإقامة فرارًا من الانقسامات السياسية، وأقام هؤلاء المهاجرون العرب مراكز تجارية على طول الساحل الشرقى الإفريقى؛ فى «مقديشيو» و «براوة» و «سوفالة»، و «بات» و «ممبسة» و «مالندى» و «كلوة» وغيرها، وعلى أيديهم نشأت معظم هذه المدن.
وقد سبقت الإشارة - عند الحديث عن الهجرات العربية إلى ساحل شرق إفريقيا - إلى هجرتين وصلتا إلى ساحل «الصومال»، وهى «هجرة الزيدية» التى أقبلت إلى «الصومال» بعد مقتل زعيمهم «زيد بن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب» رضى الله عنهم، ثم هجرة الإخوة السبعة من «بنى الحارث» ومن معهم من العرب إلى بلاد «الصومال» فى عام (292هـ = 903م).
والهجرة الأخيرة كانت أبقى أثرًا فى تاريخ «الصومال»، إذ إنها أقامت «سلطنة مقديشيو» الإسلامية.
وقد كانت «مقديشيو» أول مدينة عربية بناها «بنو الحارث» على «ساحل بنادر» عام (295هـ = 907م)، وتلتها مدينة «براوة» حوالى عام (365هـ = 975م).
وتشير بعض المصادر إلى مواضع مدن أخرى مثل «قرفاوة»، و «النجا»، و «بذونة»، و «ماندا» فى جزيرة «ماندا»، و «أعوزى»، و «شاكة» قرب دلتا نهر «تانا»، وقد بنى «بنو الحارث» هذه المدن فى سنوات متفاوتة وأسسوا فيها سلطنة استمروا فى حكمها معظم فترات العصور الوسطى، فكان حكام «سلطنة مقديشيو» عند قدوم البرتغاليين من سلالة الإخوة السبعة، بل إن فيها حتى اليوم سبع عشائر تعود بأصولها إليهم.
وفى عهد هذه الأسرة الحاكمة صارت «مقديشيو» سلطنة قوية ذات شوكة
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت