نتائج البحث عن (سُلامي) 50 نتيجة

السَّلاميّةُ:
بفتح أوّله، منسوبة: ماء إلى جنب الثّلماء لبني حزن بن وهب بن أعيا بن طريف من أسد، قال أبو عبيد السكوني: السلاميّة ماء لجديلة بأجإ. والسّلاميّة أيضا: قرية كبيرة بنواحي الموصل على شرقي دجلتها، بينهما ثمانية فراسخ للمنحدر إلى بغداد مشرفة على شاطئ دجلة، وهي من أكبر قرى مدينة الموصل وأحسنها وأنزهها، فيها كروم ونخيل وبساتين وفيها عدّة حمّامات وقيساريّة للبز وجامع ومنارة، بينها وبين الزاب فرسخان، وبالقرب منها مدينة يقال لها أثور، خربت، ينسب إليها أبو العباس أحمد بن أبي القاسم بن أحمد السلامي المعروف بضياء الدين ابن شيخ السلامية، ولد بها سنة 546 أو 545 ونشأ بالموصل وتفقه بها وحفظ القرآن وتوجه إلى ديار بكر فصار وزيرا لصاحب آمد قطب الدين سليمان بن قرا أرسلان وبقي عليه مدة، وبنى بآمد مدرسة لأصحاب الشافعي ووقف عليها أملاكه هناك، وكان له معروف وفيه مقصد، وكانت الشعراء تنتابه فيحسن إليهم، ثمّ فسد ما بينه وبين قطب الدين ففارقه وقدم الموصل فأقام بها، وهو الآن حيّ في سنة 621، وعبد الرحمن بن عصمة السلامي، روى عن محمد بن عبد الله بن عمّار، ذكره أبو زكرياء في طبقات أهل الموصل، وأبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر السلامي قاضي السلامية، أصله من العراق، حدّث عن أبي عبد الله الحسين بن نصر بن محمد بن خميس، سمع منه بعض الطلبة ونسبه كذلك، قاله ابن عبد الغنيّ.
سَلَامِيّ
من (س ل م) نسبة إلى سَلَامة بمعنى البراءة.
سِلَامِيّ
من (س ل م) نسبة إلى السِلام: حجارة صلبة.
لِسلامِيّ
صورة كتابية صوتية من السَّالامِيّ.
لسَلَّامِيّ
صورة كتابية صوتية من السَّلَّامِيّ.

أساطين الشعائر الإسلامية، وفضائل السلاطين والمشاعر الحرمية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

أساطين الشعائر الإسلامية، وفضائل السلاطين والمشاعر الحرمية
لمحيي الدين: عبد القادر بن محمد الحسيني، الطبري، إمام مقام إبراهيم - عليه السلام -، وخطيب المسجد الحرام.
وهو: مختصر.
على: مقدمة، وأربعة أبواب.
أوله: (الحمد لله الذي أقام شعائر الأمانة العظمى... الخ).
وأهداه: إلى المولى: يحيى أفندي.
العلوم الإسلامية
واعلم: أن العلوم المتداولة في الأعصار على صنفين:
صنف طبيعي: للإنسان، يهتدي إليه بفكره، وهي: العلوم الحكمية.
وصنف نقلي: يأخذه عمن وضعه، وهي: العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الوضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول، لأن الخبريات الحادثة المتعاقبة، لا تندرج تحت النقل الكلي، بمجرد وضعه، فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي، إلا أن هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل، وهو نقلي، فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه، ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي، الذي هو لسان الملة، وبه نزل القرآن.
وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة، لأن المكلف يجب عليه أن يعلم أحكام الله - سبحانه وتعالى - المفروضة عليه، وعلى أبناء جنسه، وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص، أو بالإجماع، أو بالإلحاق، فلا بد من النظر في الكتاب ببيان ألفاظه أولا، وهذا هو: علم التفسير.
ثم بإسناد نقله، وروايته، إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - الذي جاء به من عند الله - سبحانه وتعالى -، واختلاف روايات القراء في قراءته، وهو: علم القراءات.
ثم بإسناد السنة إلى صاحبها، والكلام في الرواة الناقلين لها، ومعرفة أحوالهم، وعدالتهم، ليقع الوثوق بأخبارهم، وهذه هي: علوم الحديث.
ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني، يفيدنا العلم بكيفية هذا الاستنباط، وهذا هو: أصول الفقه.
وبعد هذا يحصل الثمرة، بمعرفة أحكام الله - سبحانه وتعالى - في أفعال المكلفين، وهو: الفقه.
ثم إن التكاليف، منها: بدني، ومنها: قلبي، وهو المختص بالإيمان، وما يجب أن يعتقد، وهذه هي: العقائد بالذات، والصفات، والنبوات، والأخرويات، والقدر؛ والاحتجاج عن هذه الأدلة العقلية هو: علم الكلام.
ثم النظر في القرآن، والحديث، لا بد أن يتقدمه العلوم العربية، لأنه متوقف عليها، وهي: علم اللغة، والنحو، والبيان، ونحو ذلك.
وهذه العلوم النقلية، كلها مختصة بالملة الإسلامية، وإن كانت كل ملة لا بد فيها من مثل ذلك، فهي مشاركة لها من حيث: أنها علوم الشريعة، وأما على الخصوص، فمباينة لجميع الملل، لأنها ناسخة لها، وكل ما قبلها من علوم الملل فمهجورة، والنظر فيها محظور، وإن كان في الكتب المنزلة غير القرآن، كما ورد النهي عن النظر في التوراة والإنجيل.
ثم إن هذه العلوم الشرعية، قد نفقت أسواقها في هذه الملة، بما لا يزيد عليه، وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى التي لا فوقها، وهذبت الاصطلاحات، ورتبت الفنون، وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه، وأوضاع يستفاد منها التعليم، واختص المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها.

الانتصارات الإسلامية، في دفع شبه النصرانية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الانتصارات الإسلامية، في دفع شبه النصرانية
للشيخ: نجم الدين، سليمان بن عبد القوي الطوفي، الحنبلي.
المتوفى: سنة عشر وسبعمائة.
أوله: (الحمد لله الذي أرشدنا إلى الإسلام... الخ) 000).
ذكر فيه أنه رأى كتابا لبعض النصارى طعن به في دين الإسلام فصنف في رده.
وهو في مجلد.
البديع في الممالك الإسلامية
لعبد الله بن محمد بن أحمد البنا، المقدسي.

خراش أبو سلامة السلامي سكن الكوفة.

معجم الصحابة للبغوي

خراش أبو سلامة السلامي
سكن الكوفة.
631 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا شريك عن منصور عن عبيد الله بن علي عن أبي سلامة السلامي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصى امرءا بأمه أوصى
امرءا بأمه أوصي امرءا بأمه أوصي امرءا بأبيه أوصي امرءا بمولاه الذي يليه وإن كان عليه منه أذى يؤذيه.

632 - حدثنا سريج بن يونس نا عبيدة بن حميد نا منصور عن عبد الله بن فلان بن عرفطة عن أبي سلامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوصى امرءا بأمه أوصى امرءا بأمه أوصى امرءا بأبيه أوصى امرءا بمولاه الذي يليه وإن كانت عليه أذى يؤذيه.
قال أبو القاسم: وقد رواه شيبان عن منصور عن عبيد الله بن علي

5977- أبو سلامة السلامي

أسد الغابة في معرفة الصحابة

5977- أبو سلامة السلامي
ب ع س: أبو سلامة السلامي وَأَبُو سلامة الحنيني.
قَالَ أبو عمر: هما عندي واحد.
واسمه: خداش أبو سلامة السلامي، وقيل: السلمي، لا يوجد ذكره إلا فِي حديث واحد عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " أوصي امرءًا بأمه، ثلاث مرات، أوصي امرءا بأبيه..
"
الحديث.
وقد ذكرنا فِي خداش أكثر من هَذَا.
أخرجه أبو نعيم، وَأَبُو عمر، وَأَبُو موسى.
الحنيني، بنونين، وقيل: هُوَ نسبة إلى حبيب بباءين، وهو السلمي، والد أبي عبد الرحمن السلمي، وهو وهم.
3664- السلامي 1:
العلَّامة الأَدِيْبُ، أَبُو الحَسَنِ، مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ، القُرَشِيُّ المَخْزُوْمِيُّ البَغْدَادِيُّ، مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ.
سَارَ إِلَى المَوْصِل، وَصَاحَبَ الخَالِدَيَّيْن والبَبَّغا، وَسَارَ إِلَى ابْنِ عَبَّاد، وامتدحه، وامتدح عضد الدولة بقصيدة منها:
إليك طوى عرض البسيطة جاعلٌ ... قصارى المنايا أَنْ يَلُوحَ لَهُ القَصْرُ
وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ يَقُوْلُ: إِذَا رَأَيْتُ السَّلَامي فِي مَجْلِسِي، خِلْتُ أَنَّ عُطَارِد نَزَلَ مِنَ الفَلَك إِليَّ. وَلَهُ فِيْهِ:
يُشَبِّهُهُ المُدَّاحُ فِي البَأْس وَالنَّدَى ... بِمَنْ لَوْ رَآهُ كَانَ أَصْغَرَ خَادِمِ
فَفِي جَيْشِهِ خَمْسُوْنَ أَلْفاً كعنترٍ ... وَأَمْضَى وَفِي خُزَّانِهِ أَلْفُ حَاتِم
وَهُوَ القَائِلُ:
لَمَّا أُصيب الخَدُّ مِنْكَ بعارضٍ ... أَضْحَى بِسِلْسِلَةِ العِذَارِ مُقَيَّداً
توفِّي سَنَةَ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ عَنْ بِضْع وَخَمْسِيْنَ سنة.
ونسبته إلى مدينة السلام.
__________
1 ترجمته في تاريخ بغداد "2/ 335"، والأنساب للسمعاني "7/ 209"، والمنتظم لابن الجوزي "7/ 225"، ووفيَّات الأعيان لابن خلكان "4/ ترجمة 655"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "4/ 209".

ابن أبي الصلت، الإسلامي

سير أعلام النبلاء

ابن أبي الصلت، الإسلامي، الواسطي:
4798- ابن أبي الصَّلْت 1:
العلامة القيلسوف، الطَّبِيْبُ الشَّاعِرُ المُجَوِّدُ، أَبُو الصَّلْتِ أُمَيَّة بن عَبْد العَزِيْزِ بن أَبِي الصَّلْتِ الدَّانِي، صَاحِب الكُتُب.
وُلِدَ سَنَةَ سِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَتَنَقَّلَ، وَسَكَنَ الإِسْكَنْدَرِيَّة، ثُمَّ رُدَّ إِلَى الْغرب، وَأَقْبَلَ عليه علي ابن بَادِيسَ، وَكَانَ رَأْساً فِي النُّجُوْم وَالوَقْتِ وَالموسيقَى، عجباً فِي لعب الشَّطرنج، رَأْساً فِي الْمنطق وَهَذَيَانِ الأَوَائِل، سجنه صَاحِبُ مِصْرَ مُدَّةً لِكَوْنِهِ غَرَّق لَهُ سَفِيْنَةً مُوقرَةً صُفْراً، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَرْفَعُهُ، وَعَمَدَ إِلَى حبَالٍ دَلاَّهَا مِنْ سَفِيْنَة، وَنَزَلَ البحرِيَةُ، فَرَبَطُوا السَّفِيْنَةَ، ثُمَّ اسْتُقِيَتْ بِدوَالِيبَ، فَارتفعت، وَوصلَت، لَكِن تَقطَّعتِ الحبَال، فَوَقَعت، فَغَضِبَ الأَمِيْرُ عَلَيْهِ.
مَاتَ بِالمهديَة فِي آخِرِ سنة ثمان وعشرين وخمس مائة.
4799- الإسلامي:
العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الحَنَفِيَّة بِبَلْخَ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَلِيٍّ السجزي، ثم البلخي الزاهد.
حدث علي سَعِيْدٍ العَيَّارِ، وَمَنْصُوْرِ بنِ إِسْحَاقَ الحَافِظِ، وَأَبِي عَلِيٍّ الوخشِي.
سَمِعَ مِنْهُ سُنَن أَبِي دَاوُدَ، وَسَمِعَ مِنَ العَيَّارِ "صَحِيْحَ البُخَارِيِّ".
أَجَازَ لأَبِي سعيد السَّمْعَانِيّ، وَقَالَ: مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائة.
4800- الواسطي 2:
الإِمَامُ الثِّقَةُ المُحَدِّثُ، أَبُو القَاسِمِ، هِبَةُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ الوَاسِطِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، الشُّرُوْطِيُّ.
سَمِعَ: ابْنَ المُسْلِمَةِ، وَأَبَا بَكْرٍ الخَطِيْبَ، وَأَبَا الغَنَائِمِ بنَ المَأْمُوْنِ، وَطَبَقَتَهُم.
رَوَى عَنْهُ: ابْنُ عَسَاكِرَ، وَأَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيُّ، وَطَائِفَةٌ آخِرُهُم عُمَرُ بنُ طَبَرْزَدَ.
قَالَ السَّمْعَانِيُّ: شَيْخٌ ثِقَةٌ صَالِحٌ مُكْثِرٌ، نَسَخَ، وَحَصَّلَ الأُصُوْلَ، وَحَدَّثَنَا عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَسَمِعْتُهُم يُثنُوْنَ عَلَيْهِ، وَيَصِفُوْنَهُ بِالفَضْلِ والعلم والاشتغال بما يعنيه.
مَاتَ فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وخمس مائة، عن ست وثمانين سنة.
__________
1 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "1/ 243"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "4/ 83".
2 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "10/ 41"، والعبر "4/ 75"، وشذرات الذهب "4/ 86".

‏<br> جبير بن نفير الحضرمي، جاهلي إسلامي،

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


يكنى أبا عَبْد الرحمن، أدرك الجاهلية ولم ير النبي ﷺ، أسلم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وهو معدود في كبار تابعي أهل الشام، ولأبيه نفير صحبة ورواية، وقد ذكرناه في بابه من هذا الكتاب. قَالَ على بن المديني: حدّثنا زيد ابن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، وكان جاهليًا إسلاميًا. وروينا عن جبير بن نفير أيضا أنه قَالَ: أتانا رسول الله ﷺ ... في حديث ذكره.

‏<br> أَبُو سلامة السلامي، وأبو سلامة الحبيبي ،

الاستيعاب في معرفة الأصحاب


من ولد حبيب لم يعرف ابْن معين هَذَا النسب إِلَى السلمي، وهما عندي واحد، واسمه خداش. قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَبُو سلامة السلامي لا يوجد ذكره إلا فِي حديث واحد عن النبي ﷺ أنه قَالَ: أوصى امرأ بأمه ثلاث مرات وأوصى امرأ بأبيه ... الحديث، قد ذكرناه فِي باب خداش فِي حرف الخاء فِي الأسماء أوضحناه هناك والحمد للَّه.
المقرئ: محمّد بن رافع بن أبي محمّد هجرس بن محمّد بن شافع السلامي الصميدي المصري، تقي الدين أبو المعالي الشافعي.
ولد: سنة (704 هـ) أربع وسبعمائة.
من مشايخه: تقي الدين بن الصائغ وابن الشحنة وغيرهما كثير.
من تلامذته: ابن الجزري والذهبي وغيرهما كثير.
كلام العلماء فيه:
• المعجم المختص: "المحدث العالم الحافظ المفيد (¬1) الرحال المتقن" أ. هـ.
• الوافي: "الإمام الحافظ المفيد الرحال ... وهو حسن الود حسن الصحبة مأمون الغيب ثقة ضابط ديّن" أ. هـ.
• غاية النهاية: "كانت له يد في معرفة العالي والنازل وأسماء رجال المتأخرين وضبط المؤتلف والمختلف مع الدين والثقة والصيانة وحسن الخط وصحة الضبط" أ. هـ.
• إنباء الغمر: "كان ذا صلاح وورع ومعرفة بالفن فائقة، وكان الشيخ تقي الدين السبكي يرجحه على ابن كثير. قال ابن حبيب: إمام مقدم في علم الحديث ودرايته ومميز بمعرفة أسماء ذوي إسناده وروايته ورحل وطلب ... وكان لا يعني بملبس ولا مأكل ولا يدخل فيما أبهم عليه من أمر الدنيا إذا أشكل ويختصر في الاجتماع بالناس، وعنده في طهارة ثوبه وبدنه أيّ وسواس .. ولما توفي المزي أعطاه السبكي مشيخة الحديث النورية وقدمه علي ابن كثير وغيره ولما شغرت الفاضلية عن الذهبي قدمه علي من سواه من المحدثين وذكر لي شيخنا العراقي أن السبكي كان يقدمه لمعرفته بالأجزاء وعنايته بالرحلة والطلب.
قلت: والإنصاف أن ابن رافع أقرب إلي وصف الحفظ علي طريقة أهل الحديث من ابن كثير لعنايته بالعوالي والأجزاء والوفيات والمسموعات دون ابن كثير، وابن كثير أقرب إلي الوصف بالحفظ علي طريقة الفقهاء لمعرفته بالمتون الفقهية والتفسيرية دون ابن رافع فيجمع منهما حافظ كامل وقل من يجمعهما بعد أهل العصر الأول ... وكان ابن رافع كثير الإتقان لما يكتبه والتحرير والضبط لما يصنفه، وابتلي بالوسواس في الطهارة حتى أنحل بدنه وأفسد ذهنه وثيابه وتأسف هو علي ذلك، ولم يزل مبتلي حتى مات"
أ. هـ.
• الوجيز: "أفاد ودرّس مع الصلاح والورع والتحري الزائد بالطهارة وما يكتبه، والتقلل من الاجتماع بالناس والمحاسن الجمة" أ. هـ.
¬__________
* المعجم المختص (156)، الوافي (3/ 68)، ذيل تذكرة الحفاظ (52)، الذيل علي العبر (2/ 352) , غاية النهاية (2/ 139)، السلوك (3/ 1 / 209) , إنباء الغمر (1/ 47)، الدرر (4/ 59)، النجوم (11/ 124)، الوجيز (1/ 193)، الدارس (1/ 94)، الشذرات (8/ 403)، فهرس الفهارس (1/ 440).
(¬1) المفيد: هو الذي يفيد الناس الحديث عن المشايخ فيكون عارفًا بهم ويعلو إسنادهم حتى إذا ما جاء الطالب دله علي شيوخ ذلك البلد من ذوي الإسناد العالي وما إليهم. (مقدمة الوفيات لابن رافع).

وفاته: سنة (774 هـ) أربع وسبعين وسبعمائة.
من مصنفاته: "ذيل علي تاريخ بغداد" و"الوفيات".

17 - الضغط الاجتماعي من قبل المجتمع الإسلامي:

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

17 - الضغط الاجتماعي من قبل المجتمع الإسلامي:.
ضمن مجموعة الوسائل التي اعتمد عليها الإسلام في تقويم الأفراد وإصلاحهم، وإلزامهم بكمال السلوك وفضائل الأخلاق، اعتمد على المجتمع الإسلامي السوي، وذلك لما للمجتمع من سلطة معنوية فعالة ومؤثرة على نفوس الأفراد..
وترجع هذه السلطة المعنوية إلى أن الفرد جزء من المجتمع الذي يعيش فيه، وله من مجتمعه مصالح كثيرة مادية ونفسية..
وبما أن الإنسان كائن اجتماعي، ولا يستطيع أن يعيش عيشاً سوياً سليماً إلا ضمن مجتمع من الناس، كان ارتباطه بالمجتمع نابعاً من حاجته إليه، والحاجة لشيء ذي إرادة تجعل لهذا الشيء سلطاناً على من كان بحاجة إليه، إذ هو لا يحقق هذه الحاجة من نفسه ما لم يكن راضياً، عندئذ يسعى ذو الحاجة إلى تحقيق رضاه حتى ينال منه حاجته..
ومن الحاجات النفسية المرتبطة بالمجتمع حاجة الإنسان إلى التقدير، ولذلك يكدح كثير من الكادحين ليظفروا بتقدير الناس لهم وثنائهم عليهم، ويمنع كثير من الناس أنفسهم من شهوات ملحة، وأهواء يتطلعون إليها، مخافة أن ينظر الناس إليهم بازدراء واحتقار، أو مخافة أن يعاقبوهم بالهجر والقطيعة، أو بالتلويم والتثريب والمذمة، وما ذلك إلا من شعور الفرد بحاجته إلى التقدير، وبحاجته إلى المحافظة على كرامة نفسه بين الناس، وهذا هو الذي يجعل للمجتمع سلطاناً على أفراده..
يضاف إلى ذلك أسباب التأثير الجماعي على الفرد، ... وإذ اتخذ الإسلام – ضمن وسائله لإلزام الأفراد بالمنهج الأخلاقي الذي رسمه للناس – وسيلة الضغط الاجتماعي الذي يمارسه المجتمع الإسلامي، فقد عمل بالتربية الفردية النبوية وبالتربية الجماعية على تكوين المجتمع الإسلامي الأول، ثم جعل من هذا المجتمع رقيباً على أفراده، وحارساً ساهراً، ومحاسباً عادلاً، ومعاقباً بأنواع شتى من أنواع العقاب المعنوي، ومؤنباً، وناصحاً، وآمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر..
فمن شأن هذا المجتمع أن يملي على من ينشأ فيه، أو ينخرط فيه، فضائل الأخلاق، ومحاسن السلوك، بصفة عملية فعالة قاسرة ...

الجزء الأول: مقدمات في الأخلاق الإسلامية

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الدرر السنية

معنى الأخلاق لغة واصطلاحاً معنى الأخلاق لغة: الأخلاق جمع خلق، والخلق اسم لسجية الإنسان وطبيعته التي خلق عليها.
قال ابن منظور: (الخُلُقُ بضم اللام وسكونها هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أن صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها) (1) ويقول صاحب كتاب (القاموس) (والخلق بالضم وبضَمَّتَيْنِ: السَّجِيَّةُ والطَّبْعُ والمُروءةُ والدينُ) (2) وقال الراغب: (والخلق والخلق في الأصل واحد، كالشرب والشرب، والصرم والصرم، لكن خص الخلق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة) (3).
معنى الأخلاق اصطلاحا: عرف الجرجاني الخلق بأنه: (عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سمّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقا سيئا) (4).
وعرفه ابن مسكويه في (تهذيب الأخلاق) بقوله: (الخلق: حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيّا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب ويهيج من أقل سبب، وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء، أو كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه، أو يرتاع من خبر يسمعه، وكالذي يضحك ضحكا مفرطا من أدنى شيء يعجبه، وكالذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله.
ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدرّب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر، ثم يستمر أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا)
(5).
وذهب الجاحظ إلى (أن الخلق هو: حال النفس، بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار، والخلق قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعا، وفي بعضهم لا يكون إلّا بالرياضة والاجتهاد، كالسخاء قد يوجد في كثير من الناس من غير رياضة ولا تعمل، وكالشجاعة والحلم والعفة والعدل وغير ذلك من الأخلاق المحمودة) (6).

_________
(1) ((لسان العرب)) لابن منظور (10/ 86).
(2) ((القاموس المحيط)) لمجموعة مؤلفين (ص881).
(3) ((مفردات ألفاظ القرآن الكريم)) للراغب الأصفهاني (ص297).
(4) ((التعريفات)) للجرجاني (ص101).
(5) ((تهذيب الأخلاق)) لابن مسكويه (ص41).
(6) ((تهذيب الأخلاق)) للجاحظ (ص 12).


تعريف علم الأخلاق وموضوعه:
عُرِّف علم الأخلاق بعدة تعريفات منها: 1 - هو (علم: موضوعه أحكام قيمية تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح) (1).
3 - وعرفه أحمد أمين بأنه (علم: يوضح معنى الخير والشر ويبين ما ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس بعضهم بعضا ويشرح الغاية التي ينبغي أن يقصد إليها الناس في أعمالهم وينير السبيل لما ينبغي) (2).
موضوع الأخلاق هو كل ما يتصل بعمل المسلم ونشاطه وما يتعلق بعلاقته بربه، وعلاقته مع نفسه، وعلاقته مع غيره من بني جنسه، وما يحيط به من حيوان وجماد.
(3)
_________
(1) ((المعجم الوسيط)) لمجموعة مؤلفين (1/ 252).
(2) ((كتاب الأخلاق)) لأحمد أمين (ص8).
(3) ((موسوعة الأخلاق)) لخالد الخراز (ص 22).


أهمية الأخلاق:
(إنَّ أهمية الأخلاق للحياة الإنسانية في نظر الإسلام ينظر إليها من اعتبارات مختلفة أهمها: أولاً: علاقة الأخلاق ببناء الشخصية الإنسانية: الإنسان جسد وروح، ظاهر وباطن، والأخلاق الإسلامية تمثل صورة الإنسان الباطنة، والتي محلها القلب، وهذه الصورة الباطنة هي قوام شخصية الإنسان المسلم، فالإنسان لا يقاس بطوله وعرضه، أو لونه وجماله، أو فقره وغناه، وإنما بأخلاقه وأعماله المعبرة عن هذه الأخلاق (1)، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13]، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) (2) ويقول صلى الله عليه وسلم –أيضا-: ((لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخزء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب)) (3).
ثانياً: ارتباط الأخلاق بالأسس العقدية والتشريعية للدين الإسلامي: جعل الإسلام العقيدة الأساس الأول الذي تصدر عنه الأخلاق الفاضلة، وارتباط الأخلاق بالعقيدة أمر معلوم لكل من له فكر وروية بأمور الإسلام، وهذا الارتباط يشكل ضمانة لثبات الأخلاق واستقرارها وعدم العبث بها، كما يعتبر في الوقت نفسه شجرة مثمرة طيبة لهذه العقيدة، يقول الشيخ محمود شلتوت في هذا المعنى: (إن العقيدة دون خلق شجرة لا ظل لها ولا ثمرة، وإن الخلق دون عقيدة ظل لشبح غير مستقر) (4) .
.
.
أما عن ارتباط الأخلاق بالشريعة، فالشريعة منها العبادات، والمعاملات، وصلة الأخلاق بالعبادات لا تحتاج إلى تقرير، وصلتها بالمعاملات لا تنفك، وعلى هذا فإن العبادات والمعاملات إذا عريت عن الأخلاق لا تغني عن صاحبها شيئاً .
.
.
ثالثاً: آثارها في سلوك الفرد والمجتمع: تظهر أهمية الأخلاقية الإسلامية لما لها من أثر في سلوك الفرد، وفي سلوك المجتمع.
أما أثرها في سلوك الفرد فلما تزرعه في نفس صاحبها من الرحمة، والصدق، والعدل، والأمانة، والحياء، والعفة، والتعاون، والتكافل، والإخلاص، والتواضع .
.
.
وغير ذلك من القيم والأخلاق السامية، فالأخلاق بالنسبة للفرد هي أساس الفلاح والنجاح، يقول تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس: 9 - 10]، ويقول سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: 14 - 15]، والتزكية في مدلولها ومعناها: تعني: تهذيب النفس باطناً وظاهراً، في حركاته وسكناته (5).
وأما أثرها في سلوك المجتمع كله، فالأخلاق هي الأساس لبناء المجتمعات الإنسانية إسلامية كانت أو غير إسلامية، يقرر ذلك قوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1 - 3].

_________
(1) ((التربية الأخلاقية () أبادير حكيم (ص: 118).
(2) رواه مسلم (2564).
(3) رواه الترمذي (3955) واللفظ له، وأحمد (2/ 361) (8721).
وحسنه الترمذي، وحسن إسناده المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (4496)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (5482).
(4) ((الإسلام عقيدة وشريعة)) محمود شلتوت (4/ 43).
(5) ((خلق المسلم)) الشيخ: محمد الغالي (ص: 15).


الثمرات المستفادة من دراسة الأخلاق:
هنالك فوائد وثمرات كثيرة تستفاد من دراسة علم الأخلاق منها: (الثمرة الأولى: الدعوة إلى الله عز وجل، والذي يظن أن الناس تدخل في الدين فقط لأنهم يقتنعون عقلياً فقط، لا شك أنه مخطئ .
.
.
وكثير من الناس يدخلون في الدين لأنهم يرون أن أهل هذا الدين على خلق، وأن الدعاة إلى الله عندهم أخلاق، والشواهد في هذا الباب كثيرة .
.
.
فالاستقامة على الأخلاق لها أثر كبير، ونفعها بليغ، ولا أدل على ذلك مما جاء في السيرة النبوية من أن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم كانت محل إعجاب المشركين قبل البعثة، حتى شهدوا له بالصدق والأمانة.
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((لما نزلت هذه الآية: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)
) (1).
وقد بدأ انعكاس الصور السلوكية الرائعة في تأثيرها في انتشار هذا الدين في بعض المناطق التي لم يصلها الفتح؛ إذ دخل في هذا الدين الحنيف شعوب بكاملها لما رأوا القدوة الحسنة مرتسمة خلقاً حميداً في أشخاص مسلمين صالحين، مارسوا سلوكهم الرشيد، فكانوا كحامل مصباح ينير طريقه لنفسه بمصباحه، فيرى الآخرون ذلك النور ويرون به، وليس أجمل منه في قلب الظلام، وبناء على ذلك الإقبال سريعاً دون دافع سوى القدرة الحسنة، فرب صفة واحدة مما يأمر به الدين تترجم حية على يد مسلم صالح يكون لها أثر لا يمكن مقارنته بنتائج الوعظ المباشر؛ لأن النفوس قد تنفر من الكلام الذي تتصور أن للناطق به مصلحة، وأحسن من تلك الصفات التمسك بالأخلاق الحميدة التي هي أول ما يرى من الإنسان المسلم، ومن خلالها يحكم له أو عليه .
.
.
الثمرة الثانية: تقوية إرادة الإنسان، وتمرين النفس على فعل الخير وترك الشر، حتى تصبح سجية في النفس نحو الفضيلة حتى تتحقق السعادة، ولكن كم من الناس عن سعادتهم غافلون! وقد يحرمون نفوسهم من خير كثير بسبب قلة أدبهم .
.
.
ما أجمل الأدب بالأفعال! فقد خاصم رجل الأحنف فقال الرجل: لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً، فقال الأحنف: لكنك إن قلت عشراً، لم تسمع واحدة (2).
فالواجب على العاقل أن يحرص على تقوية إرادته، ويؤدب نفسه على الأخلاق الحسنة، ويحملها على العدل، ولا يكن أول الظالمين لها.
قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: 32].
فالظالم لنفسه هو المقصر في عمله تجاه ربه الذي أحسن إليه، أو نبيه، أو أحداً ممن يجب عليه بره، والمقتصد هو العامل في أغلب الأوقات، وأما السابق بالخيرات فهو العامل والمعلم لغيره والمجاهد لدينه.
فالواجب أن يكون لنفسه من أعدل الناس، فمن عدل مع نفسه، فهو العاقل السابق بالخيرات، ومن دساها فهو الظالم لنفسه.
قال الماوردي: (فأما عدله في نفسه فيكون بحملها على المصالح، وكفها عن القبائح، ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير.
فإن التجاوز فيها جور، والتقصير فيها ظلم، ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها فهو على غيره أجور)
(3) (4).

_________
(1) رواه البخاري (4971)، ومسلم (208)، واللفظ له.
(2) ((سير أعلام النبلاء)) (4/ 93).
(3) ((أدب الدنيا والدين)) (ص: 226).
(4) موسوعة الأخلاق لخالد الخراز (ص: 38) - بتصرف -.


‫النصارى في التاريخ الإسلامي‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫لما ظهر الإسلام وتوسعت الفتوحات في عهد الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين كان النصارى قسمين:‬
‫الأول: الغالبية منهم دخلت الإسلام:‬
‫طوعا أو كرها، وهم نصارى الجزيرة العربية والعراق والشام وفلسطين، ومصر وأفريقية، وكذلك النصارى من أهل فارس وما حولها من بلاد الشرق، وكان النصارى أكثر قبولا للإسلام من اليهود والمجوس والوثنيين.‬
‫الثاني: البقية الذين لم يدخلوا الإسلام وهم على حالين: أ- نصارى لم تصلهم الفتوحات الإسلامية، وهم نصارى أوروبا (عدا الأندلس وشرق أوروبا)، وهؤلاء مركزهم روما، ومنهم انطلقت الهجمات النصرانية على المسلمين في الشام ومصر وأفريقية أيام الحروب الصليبية وما قبلها وما بعدها إلى عهد ما يسمى بـ (الاستعمار (¬1) الحديث) بل وحتى اليوم.‬
‫ب- النصارى الذين بقوا على نصرانيتهم داخل الدولة الإسلامية (أهل الذمة) أو تحت الرق، وكان لهؤلاء دور كبير في الكيد للإسلام والمسلمين، وكثيرا ما يتضامنون مع اليهود سرا في ذلك، كما حصل في مقتل عمر رضي الله عنه والفتن التي تلت ذلك، كما أن هؤلاء قاموا بجهد كبير في بثِّ المعتقدات والشبهات والفلسفات الدخيلة على العقيدة الإسلامية، والتي أسفرت عنها الفرق الكلامية كالقدرية، والجهمية، والمعتزلة، والفرق الباطنية: كالرافضة، والإسماعيلية، والحلولية، والاتحادية والاتجاهات الفلسفية، والطرق الصوفية، وكل هذه الفرق والمذاهب أثر النصرانية فيها جلي واضح.‬
‫وللنصارى في العصر الحديث أثر كبير في غزو المسلمين عسكريا وسياسيا، وفكريا، وأخلاقيا، واقتصاديا.‬
‫¤الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة: د. ناصر العقل ود. ناصر القفاري – ص75‬
‫¬_________‬
(¬1) هذه التسمية غير صائبة فالاستعمار هو العمران والإصلاح، والأولى أن يقال: الاستعباد أو الاحتلال، أو الاغتصاب، أو التخريب، ونحو ذلك.‬

‫التنصير - أسباب انتشار التنصير في البلاد الإسلامية‬

موسوعة الملل والأديان - الدرر السنية

‫لانتشار التنصير في البلاد الإسلامية أسباب كثيرة، بعضها واضح وبعضها خفي، يسير خلف خطط مدروسة، وعلى كواهل كثير ممن لا يشار إليهم بالبنان، كالمبشِّرة التي تمسى (الأم تريزا) حيث لم يسمع عنها أحد إلا في رثائها من إذاعات التنصير حيث ماتت السنة الماضية، فقد نصَّرت عددا كثيرا في الهند، وخصوصا الأطفال.‬
‫والذي يتَّضح ... من الأسباب الظاهرة لانتشار التنصير في بلدان المسلمين أنه يرجع إلى أمور كثيرة، لعل من أهمها:‬
‫1ـ جهل المسلمين بدينهم.‬
‫2ـ جهلهم بحقيقة التنصير.‬
‫3ـ نشاط المنصرين في مختلف المجالات ..‬
‫4ـ فقر بعض البلدان الإسلامية، حيث يدخلون عليهم عن طريق مختلف المساعدات المادية من بناء مدارس ومستشفيات ودور حضانة وبيوت للشباب وحفر آبار وبناء مراكز تثقيفية - كما يسمونها- والإسهام في كثير من المشاريع الأهلية والحكومية والقروض المالية .. إلخ.‬
‫5ـ قوة نفوذ الدول الغربية الصليبية في الأصل، مثل أمريكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا، وغيرها، وقوة تغلغلهم في بلدان المسلمين للحاجة إليهم، وعدم استطاعة كثير من الدول الإسلامية - بل كلها - الاستغناء عنهم، خصوصا فيما يتصل بالحياة العصرية واكتشافاتها المختلفة وصيانة أجهزتها الحديثة.‬
‫6ـ انبهار المسلمين ببريق الحضارة الغربية، وربطها المنصِّرون باتباعهم تعاليم المسيح، كما يفترون.‬
‫7ـ الذلُّ الذي أصاب القائمين على مصالح الشعوب الإسلامية من أصحاب السلطة والكلمة والجاه، وتوددهم إلى النصارى خوفا وطمعا، وتيسير أمر المنصِّرين؛ للوصول إلى أماكن المسلمين القريبة والنائية تحت ضغط أو تشجيع الدول النصرانية الحاقدة.‬
‫8 ـ وصول بعض الشخصيات النصرانية إلى موقع التأثير في المسلمين إما ظاهرا وإما في الخفاء، وقد منع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من الاستعانة بغير المسلمين.‬
‫9ـ الدعوة إلى تقارب الأديان، وهي حيلة لجرِّ المسلمين للخروج من دينهم؛ إذ إنه بعد بعثة محمد ﷺ لا يوجد إلا دين واحد فقط إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإسلام [آل عمران: 19‬
‫10ـ اختلاط الأقليات الإسلامية بالنصارى، مع عدم وجود التوعية اللازمة للمسلمين، فتأثَّروا بهم.‬

الجماعات اليهودية تواريخ - تواريخ الجماعات اليهودية في العالم القديم - إسبانيا الإسلامية الأندلس

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري


إسبانيا الإسلامية (الأندلس)
‏Moslem Spain (Al Andalus) ....
حينما وصل طارق بن زياد إلى إسبانيا الكاثوليكية عام 711، كانت حالة أعضاء الجماعة اليهودية فيها متردية، بل يُقال إن معظمهم تحولوا إلى يهود متخفين. ويبدو أنهم، مع وصول أنباء الفتح العربي، بدأوا يتحسسون إمكانية تغيير أوضاعهم. ولذا عاونوا الفاتحين المسلمين، كما عاونهم بعض المسيحيين. فقاموا، على سبيل المثال، بثورة في طليطلة ضد القوط واستولوا على حصن المدينة وفتحوا أبوابها للفاتحين. وحاول المسلمون الاستفادة من الجماعة اليهودية، فكانوا بعد فتح أية مدينة يوطنون اليهود فيها لحراستها حتى يتفرغ المسلمون للفتح. وقد كان هذا أمراً مهماً ولا شك للفتح العربي نظراً لقلة جنود المسلمين. ويُقال إن عملية توطين اليهود تمت في مدن مهمة، مثل: قرطبة وغرناطة وطليطلة وأشبيلية. وقد ثار السكان المسيحيون في أشبيلية بعد فتحها وفتكوا بأعضاء الجماعة اليهودية، ولكن المسلمين استعادوها بعد ذلك (وقد لعب أعضاء الجماعة اليهودية الدور نفسه بعد أن استعاد المسيحيون إسبانيا، فكان المسيحيون يوطنونهم في المدن المفتوحة أو يتركون أعضاء الجماعة اليهودية ويطردون المسلمين) .
وقد استفاد أعضاء الجماعة اليهودية من الفتح الإسلامي إذ استولوا على بعض بيوت النبلاء المسيحيين الذين فرُّوا وتركوا ثرواتهم، وكانت مثل هذه الثروات تُعدُّ مصدراً أساسياً لرأس المال. بل يُقال إن الثورة التجارية التي حدثت في العالم الإسلامي كانت تعتمد إلى حدٍّ ما على تحرير هذه الثروات المجمدة داخل القصور والأديرة. ومع هذا، يجب عدم المبالغة في الدور الذي لعبه أعضاء الجماعة اليهودية، فقد كانوا أقلية صغيرة جداً لا يُعتَد بها، كما أن الجماعة اليهودية كانت لا تعرف شيئاً عن فنون الحرب بالإضافة إلى أن مستواها الثقافي والحضاري كان متدنياً إلى أقصى درجة. ولعل أهم دور لهم هو ما لعبوه بوصفهم كثافة سكانية مهما تكن ضآلتها النسبية، وبوصفهم مصدراً للمعلومات.

وقد استقلت إسبانيا الإسلامية عن الخلافة العباسية بوصول عبد الرحمن الداخل الذي أسس فيها حكم الأسرة الأموية (757 ـ 787) وخلفه ابنه هشام الأول (788 ـ 795) الذي بدأت في عصره عملية الاندماج الحضاري والاجتماعي لليهود ـ فبدأوا يدرسون في مدارس الدولة. غير أنه نشب تَمرُّد بين اليهود في عصر الحكم الأول (796 ـ 822) في مقاطعة الأندلس عام 818 وحدث تمرد آخر في طليطلة عام 828 بالاشتراك مع المسيحيين المستعربين، وقد قُضيَ على هذه التمردات.
وشهد القرنان العاشر والحادي عشر الميلاديان تَشرُّب اليهود الحضارة العربية الإسلامية، وتَحسُّن أحوالهم المعنوية والروحية والمادية، وتعريب أسمائهم ولغتهم ورؤيتهم، وَتأثُّر آدابهم الدنيوية والدينية بالتراث العربي الإسلامي. وقد وصل اليهود في الفترة نفسها إلى مكانة عالية رفيعة، فعملوا في الوظائف الإدارية والمالية حيث كان يعمل بعضهم في وظيفة يهود البلاط، واشتغلوا بالتجارة المحلية والدولية التي كانت تصل حتى حدود الصين أو كانت تدخل إلى أوربا، واحتكروا بعض أنواع التجارة مثل تجارة العبيد (ومنهم العبيد والجواري البيض) الذين كانوا يحضرونهن من بلاد الصقالبة، واشتغلوا بالحرف مثل الصباغة كما اشتغلوا بالزراعة. وقد برز اليهود في وظائف محددة مثل التجارة الدولية والترجمة بسبب وضعهم وثقافتهم، فقد كانوا يجيدون العربية والعبرية وبعض اللغات الأوربية، الأمر الذي حوَّلهم إلى حلقة وصل وجماعة وظيفية وسيطة بين العالمين الإسلامي والمسيحي، وخصوصاً أنهم كانوا ينتقلون بسهولة ويسر بين إسبانيا المسلمة وإسبانيا المسيحية، فكان اليهودي ينشأ في إسبانيا المسيحية مثلاً ثم ينتقل إلى إسبانيا المسلمة أو العكس.

وقد تَركَّز اليهود في المدن مثل قرطبة وطليطلة وأشبيلية وسرقسطة. ووصل بعض اليهود إلى أعلى الوظائف الحكومية بما في ذلك أعلى مراتب الوزراء كما هو الحال مع حسداي بن شفروط الذي كان يعمل طبيباً ودبلوماسياً في بلاط عبد الرحمن الثالث (912 ـ 961) والحكم الثاني (961 ـ 972) . وقد تحوَّلت الأندلس إلى أهم مراكز اليهودية في العالم. وتمثَّل هذا في قيام عدة حلقات دراسية دينية مستقلة عن العراق (في قرطبة وغرناطة وطليطلة وأشبيلية) . وقد أُسِّست هذه الحلقات التلمودية بتشجيع من الطبقات الثرية اليهودية في شبه جزيرة أيبريا التي كانت في حاجة إلى حلقات تصدر فتاوى تتفق مع أوضاعها الجديدة وتنازع العراق (المركز التقليدي للحلقات) في القيادة. كما أن الحلقات كانت محطة أساسية في الشبكات التجارية. وكانت الفتاوى والسلع تعبر من خلال القنوات نفسها. ومن أهم الحلقات، تلك التي أسسها حسداي بن شفروط في قرطبة عاصمة الأمويين والتي عيَّن لها العالم اليهودي الإيطالي موسى بن حانوخ رئيساً.

وقد اندمجت النخبة اليهودية في محيطها العربي تماماً، واستوعبت أعداد كبيرة منها الفلسفات العقلانية والدنيوية التي كانت الأندلس تربة خصبة لها. وتذهب بعض الدراسات إلى أنه، نتيجةً لهذا، فقدت الجماعة اليهودية أية هوية دينية واضحة، وأنه لذلك لم يَعُد هناك من اليهودية (عند استرداد المسيحيين إسبانيا) سوى قشرة رقيقة كان من السهل على النظام المسيحي الجديد أن يقنع أعضاء الجماعة بطرحها جانباً، من خلال القسر أحياناً ومن خلال الإغراء أحياناً أخرى، فتنصرت أعداد كبيرة منهم. ولكن يمكن القول أيضاً بأن ما حدث هو أن اليهودية، باعتبارها نسقاً دينياً، اكتسبت أبعاداً حضارية إسلامية كما هو واضح في فلسفة موسى بن ميمون. ولذا، لم يمكنها الاستمرار تحت الحكم المسيحي، ولم تكن لديها فرصة للتكيف لتظهر يهودية جديدة ذات أبعاد كاثوليكية. وحينما ظهرت، أخذت شكل المارانية، أي يهودية المارانو. ولا تزال الكتب الدينية اليهودية تفسر النكبة التي ألمت بالسفارد (يهود شبه جزيرة أيبريا) وطردهم من شبه الجزيرة، بأنه عقاب لهم لتخليهم عن عقيدتهم.
ومع تفكك الخلافة الأموية والحكم المركزي في إسبانيا، انقسمت إسبانيا إلى دويلات وإمارات إسلامية صغيرة فيما يُعرَف بحكم الطوائف (1008) . فاستخدم الأمراء كثيراً من اليهود مثل صمويل بن نغريلة وزير أمير غرناطة. وكان اليهود يعملون مستشارين ماليين وسياسيين، وفي البعثات الخارجية للدول، ويهود بلاط، وملتزمي ضرائب.
وبعد استيلائهم على سدة الحكم عام 1086، قام المرابطون بتطهير جهاز الدولة من اليهود، فتدهورت أحوالهم لبعض الوقت، ولكن الأمور عادت إلى نصابها بعد قليل. ومع صعود أسرة الموحدين عام 1146، لم يَعُد اليهود يتمتعون بذلك الوضع الممتاز، ومُنعت اليهودية في الأندلس، كما أخذ الحكم الإسلامي في الانحسار التدريجي بعد ذلك التاريخ.

ويُقال إن العصر الإسلامي في الأندلس كان يمثل العصر الذهبي لليهود إذ ازدهر الفكر اليهودي الديني والفلسفي نتيجة الاحتكاك بالمسلمين العرب. واكتسبت اللغة العبرية أعماقاً جديدة من خلال علاقتها بالعربية، ودخلت عناصر الحياة على الشعر العبري كما هو واضح في أشعار يهودا اللاوي (هاليفي) وموسى بن عزرا. وكتب المؤلفون اليهود موشحات لم تكن تحاكي الموشحات العربية بشكل عام وحسب وإنما قلدت موشحات عربية بعينها دون تعديل أو تحوير. ونشأ فن المقامة في العبرية وتُرجمت مقامات الحريري وكليلة ودمنة، وظهر موسى بن ميمون أهم المفكرين الدينيين اليهود على الإطلاق، الذي كان لفكره العربي الإسلامي اليهودي أعمق الأثر في الفكر اليهودي في كل أنحاء العالم.
ويبدو أن الجماعات اليهودية في الأندلس لم يكن يربطها تنظيم واحد وليس لها منصب مثل رأس الجالوت (المنفى) في بغداد أو الحاخام باشي في الأستانة الذي يشكل ما يشبه القيادة المركزية، وإنما كانت كل جماعة تشكل مجموعة مستقلة يطلق عليها اسم «الجماعة» يترأسها المقدم الذي يشكل حلقة الوصل بين الجماعة والدولة أو الدويلة أو الإمارة. وربما كان انعدام المركزية بين الجماعات اليهودية انعكاساً للوضع السياسي في شبه جزيرة أيبريا، فقد كانت إسبانيا من أكبر دول أوربا ولم تتمتع بالحكم المركزي إلا في فترات قصيرة. وكما رأينا، انحل الحكم الإسلامي إلى حكم أمراء الطوائف الذي كان يشبه الإقطاع الغربي من بعض النواحي. وقد استمرت هذه اللامركزية حتى بعد أن قام المسيحيون باستعادة إسبانيا.
الأندلس
‏Al Andalus
انظر: «إسبانيا الإسلامية (الأندلس) » .
العصر الذهبي لليهود
‏The Golden Age of the Jews
«العصر الذهبي لليهود» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى الوجود اليهودي في الأندلس، وخصوصاً في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، ويُقصَد بها الفترة التي حقق أعضاء الجماعة اليهودية في أثنائها إنجازات حضارية هائلة من خلال التفاعل مع الحضارة العربية الإسلامية.

الفصل الرابع عشر *سلطنة دهلى الإسلامية [602 - 689 هـ = 1206 - 1290 م].
النشأة والتكوين: شهد العالم الإسلامى فترة من تاريخه، تبوَّأ فيها الأرقاء والعبيد عرش البلاد، وتقاليد الحكم، ومناصب الدولة المهمة، وكان هؤلاء العبيد من الأتراك الذين جلبهم السلاطين للخدمة فى صفوف الجيش، فتدرجوا فى مناصبه حتى بلغوا المناصب القيادية المهمة، فزاد نفوذهم، وعلا شأنهم، وباتوا قوة ضاربة تتحكم فى سير الأمور وتطورها؛ حتى إن أحدهم انتزع الملك لنفسه حين توفى أحد السلاطين، ولم يكن له وارث، وأقام المماليك دولتهم بالهند عقب زوال دولة الغور، وظلَّت دولتهم قائمة مدة أربعة وثمانين عامًا فى الفترة من سنة (602هـ= 1206م) إلى سنة (689هـ = 1290م).
الوضع الداخلى: كان «قطب الدين أيبك» الذى حكم من سنة (602 هـ= 1206م) إلى سنة (607هـ = 1210م)، أول سلاطين المماليك فى «الهند»، واشتهر بحبه للعدل، وإقراره السلام والأمن فى نواحى بلاده، وبنى مسجدين كبيرين، أحدهما بدهلى والآخر بآجمبر.
وتوفى هذا السلطان فى عام (607هـ= 1210م)، ثم خلفه ابنه «آرام شاه»، وعجز عن تسيير أمور البلاد وإدارتها، فاستدعى رجال الدولة والبلاط «ألتُمش» وطلبوا منه أن يلى أمور السلطنة، فوافق على مطلبهم وطرد «آرام شاه» من السلطنة، وتربع على عرشها فى عام (607هـ = 1211م).
يُعدّ «شمس الدين ألتمش» المؤسس الحقيقى لدولة المماليك فى «الهند»، وهو مملوكى اشتراه «قطب الدين أيبك» من «غزنة»، وحمله معه إلى «الهند»، ثم جعله رئيسًا لحرسه، ثم أسند إليه حكم ولايات «الهند»، فتعرض «شمس الدين» لمحاولات كثيرة للإطاحة به، وما كاد يتخلص منها حتى ظهر له خطر المغول، وألحقوا بدياره الخراب والدمار، ولكنهم لم يتحملوا حرارة جو بلاده، واتجهوا صوب الغرب ثانية، فنجت البلاد من شرورهم.
لم ير «ألتُمش» فى أبنائه الذكور مَنْ يصلح للحكم من بعده، فأوصى

9 - 2:الإسلام والدول الإسلامية فى غرب إفريقيا

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل الثاني *الإسلام والدول الإسلامية فى غرب إفريقيا: يقتضى الحديث عن الإسلام والدول الإسلامية التى قامت فى بلدان غربى إفريقيا، التى كانت تعرف ببلاد «السودان الغربى»؛ أن نبدأ بإعطاء نبذة عاجلة عن انتشاره أولا بين بربر الصحراء الكبرى، الذين كانوا يعرفون باسم «الطوارق» أو «الملثمين» أو «الصنهاجيين»، فهذه القبائل هى التى قامت بجهد كبير فى نشر الإسلام فى بلاد «السودان الغربى».
وقد انتشر الإسلام فى البداية فى شمال إفريقيا؛ بحيث لم يأتِ القرن الثانى الهجرى حتى كانت «بلاد المغرب» قطرًا إسلاميا خالصًا وكانت الصحراء الكبرى تحد «بلاد المغرب» من ناحية الجنوب، ويسكنها قبائل «الطوارق» أو «الملثمين»، ويلى هذه الصحراء «بلاد السودان الغربى»، التى كانت بها دولة وثنية تعرف بدولة «غانة»، وهى من أقدم الدول التى ظهرت فى هذه البقعة النائية من إفريقيا، ولكى يصل الإسلام إلى غربى إفريقيا كان لابد أن ينتشر أولا بين قبائل «الطوارق»، ثم يتسرب من خلالهم إلى دولة «غانة» الوثنية، وقد بدأت المحاولات الأولى لنشر الإسلام بين ديار «الملثمين» فى ولاية «عقبة بن نافع الفهرى» الثانية (60 - 63هـ) فى عهد «بنى أمية»؛ إذ استطاع هذا القائد أن يتدفق بقواته إلى «المغرب الأقصى»، ثم هبط جنوبًا إلى «إقليم السوس الأدنى»، ثم واصل تقدمه حتى وصل إلى مدينة «ماسه» بالسوس الأقصى، وأشرف على مدينة «أغمات»، وتوغّل فى بلاد «الملثمين» (مسوفة ولمتونة وجدالة) حتى وصل إلى مدينة «تارودنت»، وتذكر بعض الروايات أنه وصل إلى بلاد «غانة» و «التكرور».
كان «عقبة» أول من دعا «الملثمين» إلى الإسلام كأول عربى مسلم يرتاد هذه الأقاصى، ولما جاء «موسى بن نصير» فاتح «الأندلس» أتمَّ ما بدأه «عقبة»، فقد وصل إلى مواطن «الملثمين»، ودعاهم إلى الإسلام وأنشأ مسجدًا فى مدينة «أغمات» التى غدت من أهم مراكز الإسلام وثقافته فى «المغرب الأقصى».
الفصل الثالث * سلطنة مالى الإسلامية [569 - 874هـ = 1200 - 1469 م]: أسس هذه السلطنة شعب زنجى أصيل هو شعب «الماندنجوه»، أو «الماندنجو» ومعناها «المتكلمون بلغة الماندى»، ويطلق «الفولانى» على هذا الشعب اسم «مالى»، ويلقبه المؤرخون العرب بلقب «مليل» أو «ملل»، وتقع سلطنة «مالى» بين بلاد «برنو» شرقًا والمحيط الأطلسى غربًا وجبال البربر شمالا و «فوتاجالون» جنوبًا.
وقد اشتهرت باسم بلاد «التكرور» وهى أحد أقاليمها الخمسة التى اشتملت عليها المملكة زمن قوتها وازدهارها، وكان كل إقليم منها عبارة عن مملكة مستقلة استقلالا ذاتيا، لكنها تخضع لسلطان «مالى»، وهذه الأقاليم الخمسة حسبما ذكرها «القلقشندى»: 1 - «مالى»، ويتوسط أقاليم المملكة.
2 - «صوصو»، ويقع إلى الجنوب من «مالى».
3 - «غانة»، ويقع شمال «مالى» ويمتد إلى «المحيط الأطلسى».
4 - «كوكو»، ويقع شرق إقليم «مالى».
5 - «تكرور»، ويقع غرب «مالى» حول «نهر السنغال».
ولايعرف إلا القليل عن نشأة مملكة «مالى» ويتلخص فى أنه فى نحو منتصف القرن الحادى عشر الميلادى تقريبًا اعتنق ملوك «الماندنجو» فى «كانجابا» (مالى) الإسلام، وأنشئوا دُوَيلة صغيرة انفصلت عن مملكة «غانة»، وظفرت بنوع من الاستقلال الذاتى، مستغلة الصراع الذى نشب بين المرابطين ومملكة «غانة» واستطاع ملوك «كانجابا» أن يوسعوا مملكتهم فى أوائل القرن الثالث عشر فى اتجاه الجنوب والجنوب الشرقى، مما أثار حفيظة ملك «الصوصو»، الذى أخذ يعمل للسيطرة على مملكة «كانجابا» الناشئة وكادت جهوده تكلل بالنجاح، بعد أن استطاع القضاء على دولة «غانة» الإسلامية عام (600هـ = 1203م)، لكن «سندياتا» ملك «كانجابا» الذى اشتهر باسم «مارى جاطة» (627 - 653هـ = 1230 - 1255م) استطاع أن يقهر ملك «الصوصو»، وأن يقتله فى إحدى المعارك عام (632هـ = 1235م) وأن يضم بلاده إليه، ثم وسَّع نفوذه شمالا واستولى على البقية
الفصل الرابع *سلطنة صنغى الإسلامية [777 - 1000هـ = 1375 - 1591 م]: بدأت سلطنة «صنغى» (صنغاى- سنغاى) دويلة صغيرة لا تختلف من حيث قيامها عن سلطنة «مالى» أو «غانة» فقد تدفقت بعض قبائل مغربية - وخاصة قبائل «لمطة» - فى نحو منتصف القرن السابع الميلادى إلى الضفة اليسرى لنهر «النيجر» عند مدينة «دندى»، وسيطروا على الزراع من أهل «صنغى».
ورحب هؤلاء بهم ليحموهم من الصيادين الذين كانوا يعتدون عليهم ونجح هؤلاء الوافدون فى تكوين أسرة حاكمة استفادت إلى حد كبير من العلاقات التجارية مع «غانة» و «تونس»، و «برقة» و «مصر»، وكانت هذه العلاقات التجارية ذات أثر بعيد فى تحويل ملوك «صنغى» إلى الإسلام فى بداية القرن الحادى عشر الميلادى إبان النهضة الإسلامية التى اضطلع بها المرابطون فى ذلك الوقت لنشر الإسلام فى غربى القارة.
رأى ملوك «صنغى» أن ينقلوا حاضرة ملكهم من «كوكيا» إلى «جاو» لتكون على مقربة من طرق القوافل الرئيسية.
ومدينة «جاو» زارها البكرى عام (460هـ = 1068م) وقال: «إن مدينة كوكوا (جاو) مدينتان، مدينة الملك ومدينة المسلمين، وإذا وُلِّى منهم ملك دُفع إليه خاتم وسيف ومصحف يزعمون أن أمير المؤمنين بعث بذلك إليهم، وملكهم مسلم لا يملِّكون غير المسلمين»، كما زارها «ابن بطوطة» فى منتصف القرن الرابع عشر للميلاد، وقال عنها: إنها مدينة كبيرة تقع على نهر «النيجر»، وهى من أحسن مدن «السودان» وأكبرها وأخصبها، وقد قابل فيها فقهاء ينتسبون إلى بعض قبائل البربر.
وكانت «جاو» والبلاد التابعة لها تشكل جزءًا من سلطنة «مالى» (777هـ = 1375م)، عندما تحرك ملوك «صنغى»، واستردوا استقلالهم منتهزين فرصة الضعف الذى أخذ يظهر فى دولة «مالى» منذ ذلك الوقت واتخذوا لقب «سُنِّى» أو «السُّنِّى».
وأخذت بلادهم تتسع فى عهد «سنى على» (868 - 897هـ = 1464 - 1492م) الذى كون جيشًا كبيرًا منظمًا سار على رأسه إلى الغرب،

9 - 5:سلطنة الكانم والبرنو الإسلامية

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل الخامس *سلطنة الكانم والبرنو الإسلامية [479 - 1262هـ = 1086 - 1846م]: قامت هذه السلطنة فى «بلاد السودان الأوسط» الذى يتكون من حوض «بحيرة تشاد» وما تقع حواليها من بلدان تمتد من «نهر النيجر» غربًا إلى «دارفور» شرقًا، وكانت منطقة «بحيرة تشاد» مهد سلطنة «الكانم والبرنو».
وقد ضمَّت هذه الدولة عددًا كبيرًا من القبائل والعناصر، فهناك قبائل «الصو»، وقبائل «الكانمبو»، وقبائل «الكانورى» وهى خليط من العرب والبربر والزنوج، وهؤلاء يكوِّنون أغلب سكان هذه السلطنة، يضاف إلى ذلك قبائل «التبو» (التدا) من البربر، وكذلك «بربر الطوارق» من سكان المناطق الشمالية الصحراوية، وكذلك قبائل العرب الذين كانوا يُعرَفون هناك باسم (الشوا)، وقد قدموا إلى «تشاد» من «وادى النيل»، ومن القارة عبر الصحراء، وكانوا يتمثَّلون فى قبائل «جذام» و «جهينة» و «أولاد سليمان»، وقد أدَّى اختلاط هؤلاء العرب بالوطنيين إلى ظهور عناصر جديدة، منها: «التنجور» و «البولالا» و «السالمات» وغيرهم.
وينقسم تاريخ هذه السلطنة إلى عصرين: عصر سيادة «كانم»، ثم عصر سيادة «برنو»، ويقع إقليم «كانم» - الذى كان مهدًا لقيام هذه الدولة - فى الشمال الشرقى لبحيرة تشاد وبه العاصمة «جيمى»، أما إقليم «برنو» فإنه يقع غرب هذه البحيرة، وبه العاصمة «بيرنى نجازرجامو» التى انتقل الحكم إليها بعد انقضاء عصر سيادة «كانم».
وقد قامت هذه الدولة فى القرن التاسع للميلاد على يد أسرة من البربر البيض هى الأسرة «الماغومية السيفية»، التى تزعم أنها من أصل عربى من نسل «سَيْفِ بن ذِى يَزن الحِمْيَرِى»، واستطاعت هذه الأسرة أن تسيطر على حوض «بحيرة تشاد»، وأن تتخذ من مدينة «جيمى» عاصمة لها، وبدأ الإسلام يطرق أبواب هذه الدولة منذ قيامها، وخاصة من الشمال والشرق على يد التجار والمهاجرين الذين توافدوا عليها فى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين.
وتتحدث

9 - 6:إمارات الهوسا الإسلامية فى شمالى نيجيريا

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل السادس *إمارات الهوسا الإسلامية فى شمالى نيجيريا تشمل بلاد «الهوسا» ما يعرف الآن بنيجيريا الشمالية، وجزءًا من جمهورية «النيجر»، وكانت تقع فى العصور الوسطى فى المنطقة المحصورة بين سلطنتى «مالى» و «صنغى» غربًا، وسلطنة «البرنو» شرقًا، تحدُّها من الشمال بلاد «أهير» والصحراء الكبرى، ومن الجنوب ما يعرف الآن بنيجيريا الجنوبية.
و «الهوسا» (أو الحوصا) مصطلح يطلق على الذين يتكلمون بلغة «الهوسا»، ولذلك فليس هناك جنس يمكن أن يتسمى بهذا الاسم؛ إذ إن الهوسويين لاينحدرون من دم واحد، بل جاء أغلبهم نتيجة امتزاج حدث بين جماعات قَبَلِيَّة وعِرْقِية كثيرة، أهمها: السودانيون.
أهل البلاد الأصليون، والطوارق من البربر، والفولانيون وغيرهم.
ونتج عن هذا الامتزاج هذا الشعب الذى أصبح يتكلم لغة واحدة، هى لغة «الهوسا» التى انتشرت انتشارًا كبيرًا فى إفريقيا الغربية، حتى أصبحت لغة الناس والمعاملات المالية والتجارية.
وعلى الرغم من أن المتكلمين بلغة «الهوسا» فى هذا الجزء من القارة الذى يعرف الآن بنيجيريا كانوا يعيشون متجاورين، ويتكلمون لغة واحدة، ويدين معظمهم بالإسلام، فإنهم لم يعيشوا تحت حكم دولة واحدة، بل كَوَّنُوا سبع إمارات صغيرة، تُعرف باسم إمارات أو ممالك «الهوسا»، وهى: «كانو»، و «كاتسينا»، و «زاريا»، و «جوبير»، و «دورا»، و «رانو»، و «زمفرة».
ويرى بعض الباحثين أن «دورا» هى أقدم هذه الإمارات، وأن دماء أهلها وافدة من «مصر العليا» و «الحبشة» وبلاد العرب، و «كاتسينا» التى كانت تتوسط هذه الإمارات، و «زاريا» أوسعها أرضًا، و «كانو» أغناها، و «جوبير» أجدبها، وتقع فى شماليِّها.
وعلى ذلك فقد كانت كل إمارة من هذه الإمارات مستقلة عن الأخرى، وكانت الحروب تندلع فيما بينها فى فترات كثيرة؛ نتيجة لأطماع حكامها فى فرض سيطرتهم، كل على الآخر؛ أو نتيجة لتحالف أحدهم مع القوى الكبيرة المجاورة لبلاد «الهوسا» وهى:

9 - 7:سلطنة البلالة الإسلامية فى حوض بحيرة تشاد

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل السابع * سلطنة البلالة الإسلامية فى حوض بحيرة تشاد [766 - 1318 هـ =1365 - 1900م]: قامت هذه السلطنة فى حوض بحيرة «تشاد» (أى: فى بلاد السودان الأوسط)، وبالتحديد فى حوض بحيرة «فترى»، وإلى الشمال منها حتى بحيرة «تشاد»، وظهرت كدولة يمكن التحقق من تاريخها منذ عام (766هـ = 1365م)، واستمرت حتى بداية القرن العشرين، عندما سقطت المنطقة كلها فى يد الاستعمار الفرنسى.
وعلى الرغم من طول مدة بقاء هذه السلطنة، فإن المؤرخين لم يذكروها كثيرًا ولم يهتموا بها؛ لأنها كانت تابعة لسلطنة «الكانم والبرنو» فى كثير من فترات حياتها.
ويعود اسم «البلالة» إلى أول زعيم لهم ويدعى «بولال» أو «بلال» أو «جيل» أو «جليل»، ومنه جاء اسم أول زعمائهم وهو «عبدالجليل»، وربما جاء اسم «بلالة» أو «بولالة» من «بولو» الذى كان ابنًا لقبائل «البيوما» التى كانت تسكن منطقة «بيو» ( Biyo)، ثم أُضيف إليه المقطع التماشكى ( ilalla) فجاء اسم «بولالا» أو «بلالة»، وهى كلمة تعنى الأحرار النبلاء، وربما جاء الاسم أيضًا من اسم ميناء كان ولايزال يقع على الساحل الشرقى لبحيرة «تشاد»، ويسمى «بول» ( Bol)، ثم أُضيف إليه المقطع التماشكى، فصار «بولالا» أو «بلالة» كما ينطقه البلاليون أنفسهم فى هذه الأيام.
أما أصل قبائل «البلالة» فقد جاء نتيجة اختلاط عناصر متعددة سكنت هذه المنطقة، وهى: البربر والعرب والسودان والزنج، وقد تصاهرت هذه العناصر فيما بينها، فأدَّى ذلك إلى امتزاجهم وتغير فى صفاتهم.
وقد كان «البلالة» وثنيين حتى القرن الثانى عشر الميلادى؛ حيث أسلموا عقب إسلام بنى عمومتهم الذين يتمثلون فى «الأسرة السيفية الماغومية» الحاكمة فى سلطنة «كانم» فى القرن الحادى عشر الميلادى.
أما من الناحية السياسية فقد ظهر خطر «البلالة» على سلاطين دولة «كانم» منذ وقت مبكر، رغم صلة القرابة التى تربط بينهما، ويعود

9 - 10:سلطنة الفونج الإسلامية فى سنار

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل العاشر *سلطنة الفونج الإسلامية فى سنار [910 - 1236هـ = 1505 - 1820م]: اختلف الباحثون فى أصل «الفونج»، فقيل إنهم من سلالة عربية أموية هربت من وجه العباسيين، وأنهم جاءوا إلى «الحبشة» أولا ومنها إلى «السودان الشرقى» (النيلى)؛ حيث تصاهروا مع ملوك «السودان»، وظهرت نواة إمارة «الفونج» عقب القضاء على مملكة «دنقلة» المسيحية، وتسرَّب العرب على نطاق واسع إلى مملكة «علوة» المسيحية، واتَّسع نطاق هذه الإمارة غربًا، ووصل إلى أطراف منطقة الجزيرة من الشرق، ثم تمَّ التحالف بين هذه الإمارة النامية فى عهد أميرها «عمارة دونقس» (911 - 941هـ= 1505 - 1534م) وبين عرب «القواسمة» الذين ينتمون إلى مجموعة «الكواهلة» فى عهد زعيمهم وشيخهم «عبدالله جَمَّاع».
وقد كان لهذا التحالف نتائج مهمة فى تاريخ «سودان وادى النيل»: أولها: قضاء الحليفين على مملكة «علوة» المسيحية عام (911هـ= 1505م).
وثانيها: قيام مملكة «العبد لاب» التى اتَّخذت مدينة «قِرِّى» حاضرة لها، ثم انتقلت منها إلى «حلفاية»، وشاركت «الفونج» فى السيطرة على القسم الشمالى من البلاد وامتدَّ ملكهم من مصب «دندر» إلى بلاد «دنقلة».
وثالثها: قيام مملكة «الفونج» الإسلامية التى كان «عمارة دونقس» أول سلطان لها وامتدت من «النيل الأزرق» إلى «النيل الأبيض».
وقد بلغت هذه السلطنة أوج مجدها فى عهد السلطان «بادى الثانى أبو دقن» (1052 - 1088هـ = 1642 - 1677م)؛ إذ امتدت رقعتها من «الشلال الثالث» إلى «النيل الأزرق»، ومن «البحر الأحمر» إلى «كردفان»، واستمر توسُّع هذه الدولة طيلة القرن الثامن عشر الميلادى فى عهد الملك «بادى الرابع».
غير أنه قبيل نهاية ذلك القرن ظهرت عوامل الضعف فى هذه السلطنة، عندما تصدَّعت عُرَى التحالف بين سلاطين «الفونج» و «عرب القواسمة»، كما كان لاستبداد الوزراء والقواد أثره فى القضاء على هذه الدولة، فقد استطاع «محمد بن أبى لكيلك كتمور» المتوفى سنة

9 - 11:سلطنة دارفور الإسلامية

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل الحادي عشر *سلطنة دارفور الإسلامية [849=1292هـ = 1445 - 1875م]: بلاد «دارفور» عبارة عن هضبة تنتشر فيها المراعى وتتخللها بعض المرتفعات، ويتألف سكانها من العنصر الزنجى والعنصر الحامى، وكانت هذه البلاد مستقرا لشعب يُسمَّى شعب «الداجو»، وفد عليها من الشرق أو من «جبال النوبا» الواقعة غرب «النيل الأبيض» قبل القرن الثانى عشر الميلادى وأسس فيها مُلكًا.
وفى القرن الثانى عشر الميلادى دخل هذه البلاد عنصر مغربى من «تونس» يتمثل فى «شعب التنجور» أو «عرب التنجور»، وهم عنصر من البربر أو العرب، وقد خالط هؤلاء شعب «الداجو» وصاهروهم، ونتج عن ذلك وجود جنس مختلط يُسمَّى شعب الفور استطاع أن يصل إلى الحكم.
كان أول السلاطين المولدين من «الداجو» «والتنجور» هو «أحمد المعقور» الذى تزوج من ابنة ملك «دارفور» الوثنى، بعد أن أثبت جدارته فى الإشراف على شئون بيت الملك، وقد اتخذه الملك مستشارًا، ولما لم يكن للملك أبناء ذكور، فقد زوج ابنته لأحمد المعقور، وعينه خليفة له، فتأسست بذلك أول سلطنة إسلامية فى «دارفور».
ولقد اقترنت إصلاحات السلطان «أحمد» وأولاده من بعده بنشاط ملحوظ فى نشر الدعوة الإسلامية، على أن «دارفور» لم تدخل فى الإسلام حقا إلا نتيجة جهود أحد ملوكها وهو «سليمان سولون» الذى وصل إلى الحكم نتيجة لإحدى الهجرات العربية التى وفدت على «دارفور» منحدرة من «وادى النيل» فى القرن الخامس عشر الميلادى وأصهر هؤلاء العرب إلى سلاطين «الفور»، كما أصهروا إلى ملوك «النوبة» من قبل.
وكان «سليمان سولون» وليد هذه المصاهرة، وتمكن من اعتلاء عرش «دارفور» (849 - 881هـ = 1445 - 1476م)، وفتح البلاد للهجرات العربية، فوفدت قبائل «الحبانية» و «الرزيقات» و «المسيرية» و «التعايشة» و «بنى هلبة» و «الزيادية» و «الماهرية» و «المحاميد» و «بنى حسين» وغيرهم، وبفضل هؤلاء العرب المهاجرين إلى «دارفور»، اصطبغت السلطنة بالصبغة الإسلامية الواضحة، وعمد
الفصل الثالث عشر *سلطنة شوا الإسلامية (283 - 684هـ = 896 - 1285م) أسست هذه السلطنة على يد أسرة عربية تسمى «بنى مخزوم» سنة (283هـ = 896م)، وليس ثمة شك فى أن هؤلاء كانوا عربًا هاجروا إلى هذه الجهات فى ذلك الوقت المبكر، وليس بعيدًا أن يكونوا قد نزلوا أول الأمر فى ضيافة إمارة محلية، ثم اختلطوا بالأمراء عن طريق المصاهرة حتى آل إليهم الملك آخر الأمر.
وأيا كان الأسلوب الذى انتقل به الحكم فى «شوا» إلى هذه الأسرة العربية المخزومية، فقد أدى ذلك إلى قيام «سلطنة شوا الإسلامية»، التى استمرت أربعة قرون من الزمان فى الفترة (283 - 684هـ = 896 - 1285م) تمتعت فى معظمها بالأمن والاستقرار وازدهار العمران، وكثرة المدن والقرى والنواحى، حتى إن وثيقة «تشيروللى» ذكرت أكثر من خمسين اسمًا لمواقع كانت موجودة، ووقعت على أرضها أحداث مهمة.
ومن أمثلة هذه المدن أو النواحى مدينة «ولِلَّه» العاصمة، ومدن هكلة (هجلة) وجداية، ودجن، وأبتا، ومورة، وحدية (لعلها مملكة هدية الإسلامية) والزناتير، والمحررة، وعَدَل التى أصبحت عاصمة لمملكة إسلامية فى القرن الخامس عشر الميلادى، مما يدل على أن هذه السلطنة اتسمت بسعة المكان وازدهار العمران وكثرة المدن والبلدان.
وهذا الازدهار العمرانى الحضارى الذى تمتعت به سلطنة شوا الإسلامية كان نتيجة لما تملكه من أرض غاية فى الخصوبة استغلها السكان وزرعوا فيها ما يكفى حاجتهم ويسد مطالبهم، خاصة أنه قد استمر توافد الجماعات الإسلامية المهاجرة فى أعداد يسيرة، واستطاعت أن تتجمع وتدعم كيان هذه السلطنة الإسلامية بزعامة هذه الأسرة العربية التى اتخذت من «وللِّه» عاصمة لها، والتى يصعب تحديد موضعها الآن نتيجة لكثرة التغيرات التى تعرضت لها المنطقة.
ونتيجة لهذا الإزدهار لم تكن الدولة المخزومية فى «شوا» إمارة أو مملكة صغيرة، بل كانت سلطنة كبيرة، توالى على حكمها كثير من

9 - 14:سلطنة أوفات الإسلامية

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل الرابع عشر *سلطنة أوفات الإسلامية [حوالى 648 - 805هـ = 1250 - 1402م]: كانت الحركة الإسلامية قد ازدادت قوة فى بلاد الزيلع منذ القرن العاشر الميلادى.
وبلاد الزيلع هى البلاد التى تحيط بهضبة الحبشة من الشرق والجنوب الشرقى، وتتمثل الآن فيما يعرف بإريتريا وجيبوتى والصومال الكبير بأقسامه الثلاثة: الشمالى والجنوبى والغربى، المعروف باسم إقليم «أوجادين»، يضاف إلى ذلك كل المناطق الإسلامية التى ضمتها الحبشة بالغلبة والقوة قرب نهاية القرن التاسع عشر الميلادى.
فى هذه البقعة الواسعة التى تنحصر بين ساحل البحر الأحمر وخليج عدن وبين هضبة الحبشة قامت مراكز تجارية عديدة على الساحل وانتشرت أيضًا فى الداخل، وتحولت فى النهاية إلى إمارات وممالك إسلامية نامية تحدث عنها المؤرخون القدامى، وقالوا إنها كانت سبع ممالك هى: «أوفات» و «هدية» و «فطجار» و «دارة» و «بالى» و «أرابينى» و «شرخا»، وامتدت هذه الممالك إلى «هرر» وبلاد «أروسى» جنوبًا حتى منطقة البحيرات، مطوقة الحبشة من الجنوب والشرق.
غير أن هذه الممالك والسلطنات التى قامت فى شرق الحبشة وجنوبها تختلف عما رأيناه فى أقطار إفريقية أخرى فى هذه المرحلة من التطور؛ إذ لم تكن هذه السلطنات إفريقية خالصة، أسستها أسرات من أهل البلاد الأصليين الذين أسلموا، كما حدث فى «مالى» و «صنغى» و «كانم وبرنو»، إنما أسستها أسرات عربية الأصل، فسلاطين «أوفات» وسلاطين «شوا» وغيرها يمثلون أرستقراطية عربية مهاجرة، استقرت فى هذه الجهات ونمت ثروتها وازداد نفوذها واستولت على حكم البلاد وكانت الرعية مسلمة ومن أهل البلاد الأصليين.
وكانت العلاقات بين هذه الإمارات متوترة تسودها المنافسات القبلية، ولم يكن بينها من رابط سوى الصلة الروحية فقط، وكانت من الضعف بحيث إن أمراءها لايتولون العرش - فى كثير من الأحيان - إلا بموافقة ملك الحبشة المسيحى، وليس معنى ذلك أن مسلمى تلك
الفصل الخامس عشر *سلطنة عَدَل الإسلامية [817 - 985هـ = 1414 - 1577م]: كانت «عَدَل» إقليمًا من الأقاليم التى خضعت لسلاطين «أوفات».
وليس ببعيد أن تكون قد تأسست فيها إمارة محلية تدين بالولاء لبنى ولشمع، ويبدو أن موقعها المتطرف قد ساعد على نجاتها من التوسع الحبشى الذى أطاح بالإمارات السابقة.
وكان طبيعيا أن يأوى «بنو سعد الدين» إلى إقليم قريب من البحر يتيح لهم الاتصال ببلاد اليمن بعيدًا عن مناطق النفوذ الحبشى.
وكانت تلك السلطنة تضم البلاد الواقعة بين ميناء «زيلع» و «هرر» وتشمل ما يعرف بالصومال الشمالى والغربى وإقليم «أوجادين»، وسميت هذه البلاد «بر سعد الدين» تخليدًا لسعد الدين الذى مات بزيلع ودفن بها.
استأنف سلاطين «عَدَل» الجهاد مرة أخرى فى عهد «صبر الدين الثانى» الذى اتخذ مدينة «دَكَّر» عاصمة له، واستطاع الاستيلاء على عدة بلاد حبشية فيما يعرف بحرب العصابات، وبعد وفاته عام (825هـ = 1422م) خلفه أخوه «منصور» المتوفى سنة (828هـ = 1425م) الذى بدأ عهده بحشد عدد كبير من مسلمى «الزيلع» وهاجم بهم ملك الحبشة وقتل صهره وكثيرًا من جنده، وحاصر منهم نحوًا من ثلاثين ألفًا مدة تزيد على شهرين، ولما طلبوا الأمان خيَّرهم بين الدخول فى الإسلام أو العودة إلى قومهم سالمين، فأسلم منهم نحو عشرة آلاف وعاد الباقون إلى بلادهم، ولم يقتلهم «منصور» ولم يستعبدهم كما كان يفعل ملوك الحبشة بجنود المسلمين الذين كانوا يقعون فى أسرهم.
لكن ملك «الحبشة» «إسحاق بن داود» أعد جيشًا كبيرًا وهجم به على «منصور» وقواته وهزمها هزيمة شنيعة لدرجة أن السلطان «منصور» وقع هو وأخوه الأمير «محمد» فى أسر «إسحاق» عام (828هـ = 1425م).
ولكن راية الجهاد ضد عدوان الأحباش لم تسقط بهذه الهزيمة، فقد قام أخ للسلطان الأسير وهو السلطان «جمال الدين» برفع راية الجهاد من جديد.
وانتصر على ملك الحبشة فى مواقع كثيرة، ولكن أبناء عمه حقدوا

9 - 16:الإسلام والسلطنات الإسلامية فى منطقة الساحل الشرقى لإفريقيا

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل السادس عشر *الإسلام والسلطنات الإسلامية فى منطقة الساحل الشرقى لإفريقيا: كما واجه المسلمون والسلطنات الإسلامية السابقة الخطر الصليبى الحبشى فى منطقة «القرن الإفريقى»؛ واجه المسلمون والسلطنات الإسلامية فى «مقديشيو»، وعلى طول الساحل الجنوبى الشرقى من القارة خطرًا صليبيا آخر لا يقل خطرًا، وهو الخطر البرتغالى، ولذلك تميزت الحركات الإسلامية سواء هنا أو هناك، بأسلوب الجهاد الذى اتبعته حتى تحافظ على كيانها.
ولاشك أن هذا الأسلوب كان من العوامل التى أذكت الحماسة الدينية فى نفوس المسلمين، وساعدت على نشر الإسلام فى تلك المناطق، وخير دليل على ذلك هو إسلام قبائل «الأعفار» و «الصومال» و «الجلا»، وغيرها من القبائل الزنجية فى بداية العصر الحديث، ثم قيام هذه القبائل بتولى عبء الدفاع عن الإسلام سواء ضد الخطر الحبشى فى الشمال أو الخطر البرتغالى القادم من الجنوب.
وسوف نتحدث عن السلطنات الإسلامية التى قامت على طول الساحل الشرقى لإفريقيا، بدءًا من «مقديشيو» وحتى نهر «الزمبيرى» فى «موزمبيق»، وتتمثل هذه السلطنات فى ثلاث هى: «سلطنة مقديشيو» و «سلطنة بات»، و «سلطنة كلوة».
سلطنة «مقديشيو» الإسلامية (الصومال): كانت بلاد «الصومال» تعرف فى العصور الوسطى باسم «سلطنة مقديشيو».
وينتمى الصوماليون إلى العنصر الكوشى الحامى، ومنهم قبائل «الجَلا» و «الدناكل»، وهؤلاء اختلطوا بالعناصر السامية التى هاجرت من جنوب بلاد العرب قبل الميلاد، وبالزنوج البانتو، وتكون منهم «شعب الصومال».
وبعد ظهور الإسلام تدفقت القبائل العربية على تلك المنطقة، إما بهدف التجارة أو نشر الإسلام أو الإقامة فرارًا من الانقسامات السياسية، وأقام هؤلاء المهاجرون العرب مراكز تجارية على طول الساحل الشرقى الإفريقى؛ فى «مقديشيو» و «براوة» و «سوفالة»، و «بات» و «ممبسة» و «مالندى» و «كلوة» وغيرها، وعلى أيديهم نشأت معظم هذه المدن.
الفصل السابع عشر *سلطنة كلوة الإسلامية [365 - 911هـ = 975 - 1505م]: قامت هذه السلطنة نتيجة هجرة قدمت من «شيراز» بفارس، كان على رأسها «على بن حسن بن على» وأبناؤه الستة، حيث كانوا على متن سفنهم بما فيها من بضائع بقصد التجارة، ولما وصلوا إلى «جزيرة كلوة» التى تقع أمام الساحل الشرقى لإفريقيا، وهى ضمن دولة «تنزانيا» الآن، استقروا فيها منذ عام (365هـ = 975م)، ووفد عليهم كثير من العرب، وكان هؤلاء الوافدون يفضلون المعيشة فى الجزر لسهولة الدفاع عنها والاعتصام بها إذا ما حاول الأهالى الساكنون فى البر الإفريقى الاعتداء عليهم، وعند وفاة «على بن حسن بن على الشيرازى» كان نفوذه يمتد إلى مدينة «سوفالة» فى الجنوب، وإلى «ممبسة» فى الشمال، وبعد وفاته اعتدى الأهالى على ابنه، واضطروه إلى الفرار إلى «زنجبار» عام (1020م) وبعد قليل جمع السلطان المطرود جنوده وعاد بهم إلى «كلوة» ودخلها مرة ثانية، وازدهرت المدينة خلال القرن التالى بسبب تجارة العاج والذهب الذى كان يُصدَّر من «سوفالة» التى تقع جنوب نهر «الزمبيرى»، أى جنوب «كلوة» وحرمت «مقديشيو» من تلك التجارة التى كانت تحصل عليها من «سوفالة»، وخاصة فى عهد السلطان «داود بن سليمان» سلطان «كلوة» (1130 - 1170م)، وبذلك صارت الزعامة السياسية والاقتصادية لكلوة، ويعتبر القرنان الثانى عشر والثالث عشر الميلاديان هما العصر الذهبى لتلك السلطنة الزنجية الإسلامية، فقد أصبحت «كلوة» عروس الشاطئ الإفريقى، وقام سلطانها بسك النقود، وقد عثر فى «كلوة» و «مافيا» و «زنجبار» على نحو (10000) قطعة نحاسية من هذه النقود.
ولما كان مؤسسو «كلوة» الأوائل من الشيرازيين الفرس، فلا غرو أن يكون لهم تأثير كبير على أسلوب الحضارة الذى ازدهر هناك خلال القرون من العاشر إلى الثالث عشر الميلادى، فظهر الأسلوب الفارسى فى البناء بالحجارة، وفى صناعة الجير والأسمنت

9 - 20:طابع الإسلام والثقافة الإسلامية فى شرق إفريقيا

الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي

الفصل العشرون *طابع الإسلام والثقافة الإسلامية فى شرق إفريقيا بعد الحديث عن السلطنات الإسلامية وحركات الجهاد فى بلاد الحبشة والصومال وعلى طول الساحل الشرقى الجنوبى حتى نهر «زمبيزى» فى «موزمبيق» نلقى نظرة على طابع الإسلام فى تلك الجهات وعن مدى انفعال تلك الشعوب بالإسلام، ومدى انتشار الثقافة الإسلامية فى هذه المناطق.
تميزت الإمارات الإسلامية فى هذه المنطقة بطابع أثر فى كيانها السياسى وفى موقفها ضد الأحباش والبرتغاليين وفى عطائها الحضارى والثقافى.
هذا الطابع تمثل فى أن هذه السلطنات والممالك لم يكن بينها أى نوع من أنواع الوحدة السياسية، وكان من أثر ذلك خضوع معظم هذه الإمارات للأحباش فى النهاية رغم حركات الجهاد التى استمرت نحو أربعة قرون من الزمان.
وترجع هذه الفرقة السياسية إلى أن هذه السلطنات تكونت من بطون عربية مختلفة فضلا عن اختلاف المذاهب الدينية فيما بينها.
فكانت هذه المدن والسلطنات تستقل كل واحدة منها عن الأخرى بنشاطها التجارى، وكانت العداوات لاتفتأ تشتعل فيما بينها، مثل النزاع بين «مالندة» و «ممبسة» والذى استمر حتى قدوم البرتغاليين الذين استغلوه فى السيطرة على هذه المنطقة، وقد بلغت البغضاء بين هذه المراكز الإسلامية حدا جعل بعضها يتعاون مع البرتغاليين نكاية فى الآخرين.
إذن كان طابع هذه الإمارات اقتصاديا صرفًا، فتنوعت مشروعاتها الاقتصادية، واشتغلت بالزراعة فى المناطق الخصبة، وجلبت مزروعات جديدة لم تألفها البلاد من قبل مثل البرتقال والذرة والفلفل والأرز والقرنفل.
وكان لها أيضًا نشاط صناعى، فقد عرفت «مقديشيو» بصناعة المنسوجات الرفيعة التى كانت تصدر إلى العالم الإسلامى كما عرفت «سوفالة» باستخراج الذهب إلى جانب التجارة فى العاج وجوز الهند والرقيق.
وقد أدى ذلك إلى ثراء هذه المدن والسلطنات ثراءً كبيرًا ظهر فى وصف الرحالة العرب وغيرهم لها.
*غانة الإسلامية (دولة) «غانة» التى نقصدها بهذا الحديث ليست هى «غانا» التى تقع اليوم فى أقصى الجنوب من غرب إفريقيا وعاصمتها «أكرا» وإنما هى التى تقع بين منحنى «النيجر» و «نهر السنغال»، وتضرب حدودها فى جنوبى «موريتانيا» الحالية، وكانت عاصمتها مدينة تُسمَّى «كومبى» وتقع على بعد (200) ميل شمال «باماكو» عاصمة دولة «مالى» الحالية.
وكانت غانة القديمة متسعة النفوذ والسلطان حتى قيل عنها: إنها كانت إمبراطورية خضع لها معظم بلاد «السودان الغربى» فى النصف الأول من العصور الوسطى.
وتعد هذه الدولة أو الإمبراطورية من أقدم ممالك غربى إفريقيا شمال نطاق الغابات، ويرجع تاريخ نشأتها إلى الفترة مابين القرن الثالث والرابع الميلاديين، ويبدو أن كلمة «غانة» كانت لقبًا يطلق على ملوكهم، ثم اتَّسع مدلول هذا الاسم حتى أصبح يطلق على العاصمة والإمبراطورية.
وقد قامت هذه الدولة على يد جماعة من البيض وفدوا من الشمال، وكان أول ملوكهم المدعو «كازا» قد اتَّخذ مدينة «أوكار» قرب «تمبكت» الحالية عاصمة له، وكان الشعب يتكون من قبائل «السوننك»، وهى أحد فروع شعب «الماندى» الذى يسكن معظم نواحى غرب إفريقيا.
واستطاعت هذه الدولة منذ أواخر القرن الثامن الميلادى، وبعد أن انتقل الحكم إلى فرع «السوننكى» - أن تُخضِع بلاد «فوتا» حيث التكرور والولوف والسرير، ووصل هذا التوسع إلى نهايته القصوى فى مستهل القرن الحادى عشر للميلاد، فأصبحت «غانة» تسيطر على المسافات الممتدة من أعالى «نهر السنغال» وأعالى «نهر النيجر»، وامتد نفوذها إلى موقع «تمبكت» شرقًا وبلاد «التكرور» أو «السنغال» غربًا، وينابيع نهر «النيجر» جنوبًا، وأغلب الصحراء الغربية (موريتانيا حاليا) شمالا، وانتقلت عاصمتها إلى مدينة «كومبى» أو «كومبى صالح» وهى نفسها مدينة «غانة».
وقد اعتمدت إمبراطورية «غانة» على التجارة كمصدر رئيسى فى اقتصادها خاصة تجارة الذهب، حتى صارت
*الجامعة الإسلامية هى الدعوة التى نادى بها جمال الدين الأفغانى المتوفَّى سنة (1897م)، من خلال صحيفته العروة الوثقى التى صدرت سنة ( 1884م) وتبنى السلطان عبد الحميد المتوفى سنة (1918م) هذه الفكرة الرامية إلى وحدة المسلمين وتجمعهم حول الدولة العثمانية؛ لتخليص العالم الإسلامى من السيطرة السياسية والعسكرية الاستعمارية الأوربية، والنهوض بالمسلمين من جمودهم الفكرى والحضارى.
وترتكز دعوة الأفغانى إلى الجامعة الإسلامية على دعامتين هما: الحج، والخلافة، وضرورة التمسك بهما كنظام دينى وسياسى؛ لذلك نشر الأفغانى دعوته من خلال الصحافة ورحلاته إلى البلاد الإسلامية، وتبنى السلطان العثمانى عبد الحميد الثانى هذه الفكرة من خلال دعم الخلافة وتقويتها وإنشاء خط حديد الحجاز.
ولاقت هذه الدعوة تأييدًا كبيرًا فى مصر والشام والهند والشمال الإفريقى، ورغم ذلك عارضها البعض وبخاصة المسيحيون.
وقد حققت الجامعة الإسلامية نجاحًا تمثل فى مساندة المسلمين للدولة العثمانية أثناء حربها ضد إيطاليا سنة (1911م)، ورغم هذا النجاح فقد تعثرت بسبب التخلف والجمود الفكرى فى ديار المسلمين، وقيام الحركة الطورانية التى تمجد العنصر التركى، بالإضافة إلى عزل السلطان عبد الحميد سنة (1908م).

1 - أصول الفقه الإسلامي

موسوعة الفقه الإسلامي

1 - أصول الفقه الإسلامي
- الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية بأدلتها التفصيلية.
- أقسام الفقه:
الفقه في الدين ينقسم إلى قسمين:
الأول: فقه القلوب:
وهو العلم بالأحكام الشرعية العلمية بأدلتها التفصيلية كالعلم بالله، وأسمائه وصفاته، وأفعاله.
والعلم بأركان الإيمان، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
والعلم بما يجب لله عز وجل من التوحيد والإيمان والعبادة والإخلاص واليقين، والخوف والرجاء، والتعظيم والمحبة، والإنابة والتوكل، ونحو ذلك مما يجب لله.
الثاني: فقه الجوارح:
وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية كالعلم بالأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين كالصلاة والزكاة، والصوم والحج، والأذكار والأدعية، والحدود والبيوع ونحو ذلك من العبادات والمعاملات.
والأول هو الأصل، والثاني تابع له، وكلاهما مطلوب، وأسعد الناس من رُزق هذا وهذا.

3 - الموسوعة الإسلامية العامة

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

3 - مقدمة
للأستاذ الدكتور/ محمود حمدي زقزوق
وزير الأوقاف

فى شهر رمضان 1417هـ الموافق فبراير 1996م تم بعون الله إنشاء " مركز الدراسات والموسوعات الإسلامية" فى إطار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية للقيام بمهمتين أساسيتين:
أولاهما: تتبع ما ينشر عن الإسلام فى الخارج باللغات الأجنبية وإعداد البحوث والدراسات باللغات ذاتها للرد العلمى عليها.
ثانيهما: إصدار موسوعات إسلامية متخصصة بالعربية وباللغات الأجنبية.
أما عن المهمة الأولى: فقد تم تشكيل لجنة متخصصة دائمة تعكف على رصد ما يبث عن الإسلام من معلومات على شبكة "الإنترنت الدولية" وإعداد البرامج المناسبة لتصحيح ما يحتاج من هذه المعلومات إلى تصويب، وذلك بالإضافة إلى التعريف بالإسلام بوصفه عقيدة وشريعة وأخلاقا وحضارة. ويقوم المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ببث ذلك كله على موقع المجلس على شبكة الإنترنت الذى تم إنشاؤه فى 30/ 6/ 1998 م وأما عن المهمة الثانية فهى موضوع حديثنا فى هذه المقدمة.

مدى الحاجة إلى موسوعات إسلامية متخصصة:
من الملاحظ أن الساحة الفكرية الإسلامية تزدحم بالكثير من الضباب حول العديد من المصطلحات الإسلامية، الأمر الذى أدى إلى جدل عنيف فى الماضى والحاضر تقطعت به وشائج الوحدة الفكرية والثقافية، بل والدينية بين أبناء الأمة التى وصفها القرآن الكريم بقوله: {{إن هذه أمتكم أمة واحدة}} (الأنبياء 92)
وقد أدت الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التى مرت بالأمة الإسلامية منذ الفتنة الكبرى - التى يوصف بها ما كان من صراع مسلح بين على ومعاوية - رضى الله عنهما - إلى ظهور العديد من الفرق الإسلامية المتناحرة فى فترات مختلفة من تاريخ الأمة الإسلامية.
وتحاول بعض الفئات المعاصرة أن تعيد خلافات الماضى رافعة شعارات مضللة، ومفاهيم مغلوطة، وأفكارا خاطئة، الأمر الذى أدى إلى حدوث نوع من البلبلة الفكرية لدى الكثيرين.
وعلى الرغم من هذه الصورة السلبية فإن الأمة الإسلامية قد شهدت على الجانب الآخر صفحات مشرقة عكست عظمة الإسلام فى تعاليمه السامية ومبادئه الراقية التى قدمت للإنسانية أعظم حضارة عرفها الإنسان.
من هنا أراد المجلس الأعلى للشئون الإسلامية أن يسهم فى تجلية المصطلحات الإسلامية، وإزالة الغبار الذى علق بالكثير منها من أجل القضاء على البلبلة الفكرية التى أحدثتها الصراعات المختلفة. وذلك حماية للمسلمين من الاغترار بالشعارات المضللة، والدعايات الكاذبة التى يقصد من ورائها جر الأمة إلى متاهات لا يعلم إلا الله مدى ما تخبئه لها من مصير مظلم، فى وقت تحتاج فيه الأمة الإسلامية إلى تجنيد كل إمكاناتها للحاق بركب العصر، واحتلال مكانها اللائق بها على خريطة عالمنا المعاصر.
وإذا كنا نحرص على تقديم الجانب المشرق الذى قدمته الحضارة الإسلامية، بهدف حفز الهمم للانطلاق مرة أخرى على خُطى الأسلاف العظام فإن ذلك لا يعنى بأى حال من الأحوال أن نغض الطرف عن الجوانب السلبية التى شابت مسيرة هذه الحضارة فى بعض الأحيان، وذلك حتى نتجنب الوقوع فيها مرة أخرى.

طريقتنا فى إعداد الموسوعة:
ونحن إذ نقدم ذلك كله، فإنما نقدمه بأسلوب علمى وبموضوعية متجردة، بعيدة عن التحيز أوالتعصب أو الميل الدعائى. فنحن على يقين من أن الإسلام فى عالم اليوم لا يمكن أن يخدم إلا عن طريق العلم. فالإسلام كدين لا يخشى عليه من أى تيارات مناوئة مهما كانت قوتها، طالما وجد هذا الدين من بين أبنائه من يفهمه فهما سليما فى أصوله ومبادئه، ويحسن عرضه بالأسلوب العلمى السليم.
وعندما فكر المجلس فى إعداد "الموسوعة الإسلامية" كان أمامه خياران: إما أن يسير على خُطى الجهات التى سبقتنا فى إعداد مثل هذه الموسوعات التى يستغرق إعدادها جيلا أو جيلين حتى تكتمل، ويجد فيها القارئ ضالته المنشودة وبذلك نكرر ما فعله غيرنا.
وإمّا أن نلجأ إلى خيار آخر: هو أن نقوم بحصر جوانب الفكر والحضارة الإسلامية، ونخرج فى كل فرع منها مجلدا خاصا مكتملا يلبى حاجة القارئ فى وقت معقول.
وقد آثرنا الخيار الثانى. وتم حصر مجالات الفكر الإسلامى فى خمسة عشر مجالا على النحو التالى: العقيدة- القرآن وعلومه- السيرة والسنة- التشريع الإسلامى- الأخلاق الإسلامية - الحضارة الإسلامية ـ الفلسفة الإسلامية - التصوف الإسلامى- الفرق الإسلامية- القضايا المعاصرة- تاريخ العلوم- الفكر السياسى الإسلامى- التراجم- الأدب الإسلامى- التاريخ الإسلامى.
وذلك بالإضافة إلى مجلد تمهيدى يشتمل على "المفاهيم والمصطلحات الإسلامية العامة".

الموسوعة الإسلامية العامة:
وهكذا استقر الرأى على أن نبدأ بمجلد يحمل عنوان: (الموسوعة الإسلامية العامة)، وتم تشكيل لجنة للإعداد لها من السادة الأساتذة العلماء. المذكورة أسماؤهم بعد هذه المقدمة. وقامت اللجنة باقتراح عدد من المداخل، وتم استكتاب طائفة كبيرة من العلماء والمفكرين زاد عددهم على المائة كما هو وارد فى الصفحات التالية. وشكلت لجنة للتحرير من الباحثين بالمجلس حتى خرج هذا العمل الذى بين أيدينا اليوم ليمثل الباكورة التمهيدية لتلك الموسوعة المأمولة فى أجزائها الخمسة عشر التى ستصدر تباعا إن شاء الله تعالى.
وفى تخطيط المجلس أن يترجم كل مجلد عقب الفراغ منه إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، حتى يعم النفع بهذه الموسوعات المسلمين وغير المسلمين ممن لديهم اهتمام بالتعرف على الإسلام وحضارته وتاريخه وآدابه وكل ما يتعلق به فى مشارق الأرض ومغاربها.
ويعكس هذا العمل وجهة النظر الإسلامية ليكون موازيا لما أنجزه المستشرقون فى دائرة المعارف الإسلامية، والتى تعكس تصوراتهم. وبذلك نكون قد أحدثنا نوعا من التوازن فى هذا المجال، حيث إن التصور الإسلامى فى مجال الموسوعات الحديثة مازال غائبا عن ساحة الفكر الغربى.
وقد كان ذلك أحد الدوافع التى حفزتنا للقيام بهذا المشروع الكبير، على الرغم مما ندركه من ضخامة العمل وعظم المسئولية، ولكن جهود الزملاء من العلماء والباحثين وحماسهم لهذا المشروع شجعنا على المضى فيه. حتى ظهر الإصدار الأول تحت عنوان (موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة) التى ضمت (314) مصطلحا فقط.

أما الموسوعة التى بين أيدينا الآن فتضم ما يقرب من (770) مادة علمية (*) بينها مصطلحات الإصدار الأول.
وإذ نقدم اليوم باكورة إنتاج المجلس الأعلى للشئون الإسلامية من هذا المشروع الطموح فإننا نتوجه بالرجاء إلى العلماء والباحثين فى مجال الموسوعات والدراسات الإسلامية أن يتفضلوا مشكورين بإمدادنا بما قد يكون لديهم من ملاحظات على هذا العمل العلمى، لمراعاة ذلك فى الطبعة الثانية إن شاء الله. فهدفنا فى النهاية هو أن نقدم للقارئ الكريم عملا علميا دقيقا ومشرفا ينتفع به الناس.
ولا يفوتنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير للسادة العلماء الذين أسهموا فى التخطيط، وجمع المصطلحات وتصنيفها، وللسادة العلماء الذين أسهموا بالكتابة فى هذا المجلد، ونسأل الله أن يجزيهم جميعا خير الجزاء، كما نعبر عن شكرنا بصفة خاصة للأخ الأستاذ الدكتور/ عبد الصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وللأستاذ الدكتور/ على جمعة محمد الأستاذ بجامعة الأزهر اللذين بذلا جهودا مضاعفة فى سبيل الإعداد والتحرير لهذا المجلد وإخراجه على هذا النحو الطيب. والشكر موصول أيضا لكل من أسهم بالرأى فى الإصدار الأول وبصفة خاصة الأستاذ/ سامى خشبة.
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.

أ. د. محمود حمدى زقزوق
1من ربيع أول 1422هـ
24 من مايو 2001م
__________
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: عدد المواد في هذه النسخة الإلكترونية 684 مادة، وهو كل المتاح على موقع وزارة الأوقاف المصرية

1 - مدى الحاجة إلى موسوعات إسلامية متخصصة

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

3 - مقدمة
للأستاذ الدكتور/ محمود حمدي زقزوق
وزير الأوقاف

فى شهر رمضان 1417هـ الموافق فبراير 1996م تم بعون الله إنشاء " مركز الدراسات والموسوعات الإسلامية" فى إطار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية للقيام بمهمتين أساسيتين:
أولاهما: تتبع ما ينشر عن الإسلام فى الخارج باللغات الأجنبية وإعداد البحوث والدراسات باللغات ذاتها للرد العلمى عليها.
ثانيهما: إصدار موسوعات إسلامية متخصصة بالعربية وباللغات الأجنبية.
أما عن المهمة الأولى: فقد تم تشكيل لجنة متخصصة دائمة تعكف على رصد ما يبث عن الإسلام من معلومات على شبكة "الإنترنت الدولية" وإعداد البرامج المناسبة لتصحيح ما يحتاج من هذه المعلومات إلى تصويب، وذلك بالإضافة إلى التعريف بالإسلام بوصفه عقيدة وشريعة وأخلاقا وحضارة. ويقوم المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ببث ذلك كله على موقع المجلس على شبكة الإنترنت الذى تم إنشاؤه فى 30/ 6/ 1998 م وأما عن المهمة الثانية فهى موضوع حديثنا فى هذه المقدمة.

مدى الحاجة إلى موسوعات إسلامية متخصصة:
من الملاحظ أن الساحة الفكرية الإسلامية تزدحم بالكثير من الضباب حول العديد من المصطلحات الإسلامية، الأمر الذى أدى إلى جدل عنيف فى الماضى والحاضر تقطعت به وشائج الوحدة الفكرية والثقافية، بل والدينية بين أبناء الأمة التى وصفها القرآن الكريم بقوله: {{إن هذه أمتكم أمة واحدة}} (الأنبياء 92)
وقد أدت الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التى مرت بالأمة الإسلامية منذ الفتنة الكبرى - التى يوصف بها ما كان من صراع مسلح بين على ومعاوية - رضى الله عنهما - إلى ظهور العديد من الفرق الإسلامية المتناحرة فى فترات مختلفة من تاريخ الأمة الإسلامية.
وتحاول بعض الفئات المعاصرة أن تعيد خلافات الماضى رافعة شعارات مضللة، ومفاهيم مغلوطة، وأفكارا خاطئة، الأمر الذى أدى إلى حدوث نوع من البلبلة الفكرية لدى الكثيرين.
وعلى الرغم من هذه الصورة السلبية فإن الأمة الإسلامية قد شهدت على الجانب الآخر صفحات مشرقة عكست عظمة الإسلام فى تعاليمه السامية ومبادئه الراقية التى قدمت للإنسانية أعظم حضارة عرفها الإنسان.
من هنا أراد المجلس الأعلى للشئون الإسلامية أن يسهم فى تجلية المصطلحات الإسلامية، وإزالة الغبار الذى علق بالكثير منها من أجل القضاء على البلبلة الفكرية التى أحدثتها الصراعات المختلفة. وذلك حماية للمسلمين من الاغترار بالشعارات المضللة، والدعايات الكاذبة التى يقصد من ورائها جر الأمة إلى متاهات لا يعلم إلا الله مدى ما تخبئه لها من مصير مظلم، فى وقت تحتاج فيه الأمة الإسلامية إلى تجنيد كل إمكاناتها للحاق بركب العصر، واحتلال مكانها اللائق بها على خريطة عالمنا المعاصر.
وإذا كنا نحرص على تقديم الجانب المشرق الذى قدمته الحضارة الإسلامية، بهدف حفز الهمم للانطلاق مرة أخرى على خُطى الأسلاف العظام فإن ذلك لا يعنى بأى حال من الأحوال أن نغض الطرف عن الجوانب السلبية التى شابت مسيرة هذه الحضارة فى بعض الأحيان، وذلك حتى نتجنب الوقوع فيها مرة أخرى.

طريقتنا فى إعداد الموسوعة:
ونحن إذ نقدم ذلك كله، فإنما نقدمه بأسلوب علمى وبموضوعية متجردة، بعيدة عن التحيز أوالتعصب أو الميل الدعائى. فنحن على يقين من أن الإسلام فى عالم اليوم لا يمكن أن يخدم إلا عن طريق العلم. فالإسلام كدين لا يخشى عليه من أى تيارات مناوئة مهما كانت قوتها، طالما وجد هذا الدين من بين أبنائه من يفهمه فهما سليما فى أصوله ومبادئه، ويحسن عرضه بالأسلوب العلمى السليم.
وعندما فكر المجلس فى إعداد "الموسوعة الإسلامية" كان أمامه خياران: إما أن يسير على خُطى الجهات التى سبقتنا فى إعداد مثل هذه الموسوعات التى يستغرق إعدادها جيلا أو جيلين حتى تكتمل، ويجد فيها القارئ ضالته المنشودة وبذلك نكرر ما فعله غيرنا.
وإمّا أن نلجأ إلى خيار آخر: هو أن نقوم بحصر جوانب الفكر والحضارة الإسلامية، ونخرج فى كل فرع منها مجلدا خاصا مكتملا يلبى حاجة القارئ فى وقت معقول.
وقد آثرنا الخيار الثانى. وتم حصر مجالات الفكر الإسلامى فى خمسة عشر مجالا على النحو التالى: العقيدة- القرآن وعلومه- السيرة والسنة- التشريع الإسلامى- الأخلاق الإسلامية - الحضارة الإسلامية ـ الفلسفة الإسلامية - التصوف الإسلامى- الفرق الإسلامية- القضايا المعاصرة- تاريخ العلوم- الفكر السياسى الإسلامى- التراجم- الأدب الإسلامى- التاريخ الإسلامى.
وذلك بالإضافة إلى مجلد تمهيدى يشتمل على "المفاهيم والمصطلحات الإسلامية العامة".

الموسوعة الإسلامية العامة:
وهكذا استقر الرأى على أن نبدأ بمجلد يحمل عنوان: (الموسوعة الإسلامية العامة)، وتم تشكيل لجنة للإعداد لها من السادة الأساتذة العلماء. المذكورة أسماؤهم بعد هذه المقدمة. وقامت اللجنة باقتراح عدد من المداخل، وتم استكتاب طائفة كبيرة من العلماء والمفكرين زاد عددهم على المائة كما هو وارد فى الصفحات التالية. وشكلت لجنة للتحرير من الباحثين بالمجلس حتى خرج هذا العمل الذى بين أيدينا اليوم ليمثل الباكورة التمهيدية لتلك الموسوعة المأمولة فى أجزائها الخمسة عشر التى ستصدر تباعا إن شاء الله تعالى.
وفى تخطيط المجلس أن يترجم كل مجلد عقب الفراغ منه إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية، حتى يعم النفع بهذه الموسوعات المسلمين وغير المسلمين ممن لديهم اهتمام بالتعرف على الإسلام وحضارته وتاريخه وآدابه وكل ما يتعلق به فى مشارق الأرض ومغاربها.
ويعكس هذا العمل وجهة النظر الإسلامية ليكون موازيا لما أنجزه المستشرقون فى دائرة المعارف الإسلامية، والتى تعكس تصوراتهم. وبذلك نكون قد أحدثنا نوعا من التوازن فى هذا المجال، حيث إن التصور الإسلامى فى مجال الموسوعات الحديثة مازال غائبا عن ساحة الفكر الغربى.
وقد كان ذلك أحد الدوافع التى حفزتنا للقيام بهذا المشروع الكبير، على الرغم مما ندركه من ضخامة العمل وعظم المسئولية، ولكن جهود الزملاء من العلماء والباحثين وحماسهم لهذا المشروع شجعنا على المضى فيه. حتى ظهر الإصدار الأول تحت عنوان (موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة) التى ضمت (314) مصطلحا فقط.

أما الموسوعة التى بين أيدينا الآن فتضم ما يقرب من (770) مادة علمية (*) بينها مصطلحات الإصدار الأول.
وإذ نقدم اليوم باكورة إنتاج المجلس الأعلى للشئون الإسلامية من هذا المشروع الطموح فإننا نتوجه بالرجاء إلى العلماء والباحثين فى مجال الموسوعات والدراسات الإسلامية أن يتفضلوا مشكورين بإمدادنا بما قد يكون لديهم من ملاحظات على هذا العمل العلمى، لمراعاة ذلك فى الطبعة الثانية إن شاء الله. فهدفنا فى النهاية هو أن نقدم للقارئ الكريم عملا علميا دقيقا ومشرفا ينتفع به الناس.
ولا يفوتنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير للسادة العلماء الذين أسهموا فى التخطيط، وجمع المصطلحات وتصنيفها، وللسادة العلماء الذين أسهموا بالكتابة فى هذا المجلد، ونسأل الله أن يجزيهم جميعا خير الجزاء، كما نعبر عن شكرنا بصفة خاصة للأخ الأستاذ الدكتور/ عبد الصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وللأستاذ الدكتور/ على جمعة محمد الأستاذ بجامعة الأزهر اللذين بذلا جهودا مضاعفة فى سبيل الإعداد والتحرير لهذا المجلد وإخراجه على هذا النحو الطيب. والشكر موصول أيضا لكل من أسهم بالرأى فى الإصدار الأول وبصفة خاصة الأستاذ/ سامى خشبة.
والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.

أ. د. محمود حمدى زقزوق
1من ربيع أول 1422هـ
24 من مايو 2001م
__________
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: عدد المواد في هذه النسخة الإلكترونية 684 مادة، وهو كل المتاح على موقع وزارة الأوقاف المصرية
3 - الجامعة الإسلامية
اصطلاحا: هى عبارة عن دائرة انتماء عقائدى وحضارى وسياسى، نبعت وتنبع من التوحيد الإسلامى.
والانتماء إلى الجامعة الإسلامية وإن اعترف واحترم واغتنى بالانتماءات الفرعية، إلا أنه لا يكتفى بها، ولا يقف عند حدودها كنهاية للمطاف، وإنما يوظف هذه الانتماءات الفرعية.
وفي العصر الحديثه أصبح شعار "الجامعة الإسلامية" المظلة التى استظلت بها دعوات وحركات جمعتها مقاصد إنهاض المسلمين بالإسلام، للخروج من مأزق التراجع الحضارى، ولمواجهة المد الاستعمارى الغربى مع التمايز فى سبل ووسائل هذا النهوض، وذلك تبعا للملابسات الإقليمية والتوجهات المذهبية عند رواد هذه الحركات والدعوات، مثل الدعوة الوهابية والدعوة السنوسية والدعوة والحركة المهدية والحزب الوطنى. وأوسع فصائل تيار الجامعة الاسلامية، كان ذلك الذى تبلور من حول جمال الدين الأفغانى والذى تأسس شعبيا وخاصة بين الصفوة والعلماء وقادة الرأى العام -ثم تحالف مع الدولة العثمانية- بقيادة السلطان عبد الحميد الثانى لنصرة الدعوة إلى الجامعة الإسلامية.
جمع هذا الاتجاه بين الأصول الإسلامية وبين التجديد، وانطلق من مصر فى سبعينات القرن التاسع عشر إلى كل أنحاء العالم الإسلامى وتميزت دعوته ب:
1 - الإصلاح الدينى: من منطلق العقلانية الإسلامية التى توازن بين "الرأى" و" الأثر".
2 - المحافظة على الدولة العثمانية، باعتبارها الدولة الإسلامية الجامعة.
3 - تجديد الصلات الحضارية مع الغرب واقتباس المناسب من حضارتها وعلومها، من واقع التمايز الثقافى والاستقلال الحضارى.
4 - تحرير ثروات العالم الإسلامى من النهب الاستعمارى والسيطرة الغربية.
واذا كانت التحديات، واختلال موازين القوى، قد غالبت هذا "التيار الانقاذى" فحالت بينه وبين النجاح فى تجديد الدولة العثمانية إلا أن دعوته إلى الجامعة الإسلامية هى المظلة التى عملت فى ظلالها كل دعوات التجديد الإسلامى.
ففى مواجهة الأحزاب الوطنية التي وقفت بالوطن عند الإقليم، وقنعت بالدولة القطرية وعلى خلاف الأحزاب القومية التى وقفت عند العرف واللغة مهملة الدائرة الحضارية الإسلامية، ظلت دعوات وحركات الجامعة الإسلامية على مناهجها الجامعة بين الوطنية والقومية فى إطار الجامعة.
وهكذا أصبحت تركز على قضايا التحرر الوطنى، ومحاربة التغريب الفكرى إلى جانب تجديد الفكر الإسلامى.
وأصبح طريقها إلى الجامعة الإسلامية هو إقامة الدولة الإسلامية النموذج، التى لا تقف مقاصدها عند الإقليم، وإنما تسعى لتسلك الأقاليم الإسلامية فى "رابطة شعوب إسلامية" وذلك وصولا إلى إعادة الوحدة الإسلامية فى الجوامع الخمسة: العقيدة، والشريعة، والأمة، والحضارة، ودار الإسلام.
وكما طمحت دعوة الجامعة الإسلامية إلى إقامة الوحدة الإسلامية الجامعة لأقاليم عالم الإسلام، فلقد حرصت على وحدة الأمة بالمعنى السياسى، على النحو الذى يجعل القوميات الإسلامية المتمايزة فى اللغات والطوائف الدينية -غير المسلمة- المتميزة فى الملل والشرائع، لبنات فى بناء الأمة الواحدة.
فالجامعة الإسلامية هى رابطة أمة، بأقوامها المتعددة ومللها المتمايزة، وهى ليست نزعة دينية متعصبة ضد غير المسلمين، سواء فى داخل الأوطان الإسلامية أو فى الغرب النصرانى، وإنما هى رابطة إسلامية لشعوب المدنية الإسلامية، تحتضن "التنوع" فى إطار جوامع الإسلام.
أ. د/محمد عمارة
__________
مراجع الاستزادة:
1 - الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغانى، دراسه وتحقيق: د/محمد عمارة -طبعة بيروت- المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1979م.
2 - حاضر العالم الإسلامى لوثروب ستودارد ترجمة: عجاج نوبيض تعليق شكيب أرسلان طبعة دار الفكر بيروت 1971م.
3 - الجامعة الإسلامية والفكرة القومية عند مصطفى كامل، د/محمد عمارة طبعة القاهرة دار الشروق 1994م.
4 - فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية، عبد الرازق السنهورى وترجمة نادية السنهورى، طبعة الهيئة العامة للكتاب القاهرة 1989م

42 - العواصم الإسلامية (الحواضر)

موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

42 - العواصم الإسلامية

(الحواضر)
اصطلاحا: ظهر هذا المصطلح عندما بدأت حركة الفتوحات الإسلامية الأولى فى شمال جزيرة العرب وغربها، وأحس الفاتحون بحاجتهم إلى الاستقرار فى الأقاليم المفتوحة، فأسسَّوا مدنا جديدة أشبه بالمعسكرات الحربية، اتخذوها عواصم لهذه الأقاليم وأطلقوا عليها " الأمصار"، فكانت الكوفة والبصرة هما أول الأمصار الإسلامية.

وأسست هذه الأمصار، بوجه عام، فى مواضع بعيدة عن عواصم الحكم القديم، فكانت البصرة والكوفة فى العراق بعيدة عن مدائن كسرى، والفسطاط والقيروان فى إفريقيا بعيدة عن الأسكندرية وقرطاجنة، كما أنها كانت قبل كل شىء ذات صفة حربية خالصة، قصد بها أن تكون معسكرات للجند الفاتحين ونقاط ارتكاز استراتيجية ومعقلا يتحصنون به إذا اضطروا للجوء إليها.

وإذا كان الفاتحون قد اضطروا إلى إنشاء مدن جديدة (أمصار) فى جنوب العراق ومصر وإفريقية، فإنهم احتلوا المدن الرومانية التى خلاها البيزنطيون فى سوريا وفلسطين وطوروها وطوعوا منشآتها لتخدم وظائف الإسلام الرئيسية مثل مدينة دمشق عاصمة الأمويين.

ولم يمض جِيلان حتى تحولّت هذه الأمصار إلى مراكز للنشاط الفكرى والحضرى، وأصبحت مراكز جذب للمسلمين الجدد بعد أن استقربها عدد من كبار الصحابة والتابعين.

ومع قيام الخلافة العباسية فى أواسط القرن الثانى الهجرى والخلافة الفاطمية فى مطلع القرن الرابع الهجرى، استعيض عن المعسكرات الحربية بإنشاء مدن ملكية من نمط آخر، محاطة بالأسوار معنّى بمنشآتها يغلب عليها طابع الفخامة اتخذت مقرا للخلفاء، ومن ينوب عنهم (بغداد وسامرا والقاهرة).

ولا تعيننا التواريخ العربية القديمة على رسم صورة صادقة لما كانت عليه المدن الإسلامية فى أول إنشائها ولكن من خلال ما وصل إلينا من معلومات فقد كانت المدينة الإسلامية تجمعات محلية لها كيانها وشخصيتها ومقوماتها المتميزة التى تعطيها وحدتها وتكاملها وطابعها الخاص، وتظهر هذه الشخصية فى كل المدن التى أسست فى ظل الإسلام وتكشف عن وجود روح عامة ثابتة ومستمرة خلال التاريخ الإسلامى كله لا يخطئها المرء فى تنقله من بغداد إلى حلب إلى دمشق وصنعاء والقاهرة وفاس.

فالحياة الإجتماعية فى هذه المدن هى نتاج لتاريخ طويل تمتزج فيه عناصر الإسلام والعروبة بالعناصر المحلية القومية المتمثلة فى العادات والتقاليد المتوارثة، وتميزت المدن الإسلامية بمجموعة من الأبنية والمنشآت، ذات صبغة دينية واجتماعية، أضفت على المدينة شخصيتها بحيث توصف بأنها إسلامية هى: المسجد- دار الإمارة- الأسواق- الحمامات- المصَلّى- المقابر.

فقد كان الجامع والسوق، وفى بعض الأحيان دار الإمارة، هى المركز الجاذب لكل المجموعة السكنية، وكانت دار الإمارة عادة تفتح على المسجد الجامع ليؤم الأمير أو الوالى جموع المصلين. وأحاطت الأسواق بالجامع وجعل لكل طائفة أو صنعة سوق خاص بها. وحول هذا المركز اختطت القبائل والجماعات خططها.

ودائما ما كان خارج المدينة رحبة مكشوفة يجتمع فيها المسلمون للصلاة فى العراء يومى عيد الفطر وعيد الأضحى تعرف بـ "مصلى العيدين".

أما "المقابر، فكانت تقام خارج أسوار المدينة، والأغلب أن تكون بجوار أحد أبوابها.

هذا من الناحية التخطيطية، أما من الناحية التنظيمية والوظيفية فقد نشأت بظهور الإسلام مجموعات من الوظائف ميزت المدينة الإسلامية، حقيقة أن بعضها كان معروفا فى المدن الرومانية، إلا أن تعاليم الإسلام أضفت عليها ثوبا جديدا مثل وظائف الوالى والقاضى وصاحب السوق أو المحتسب وصاحب الشرطة وصاحب المعونة وصاحب العَسَس أو متولى الطوف ليلا.

أما الصورة النموذجية للمدينة الإسلامية فى عصر ازدهارها فكانت تحتوى على:
1ـ حى ملكى أو مدينة ملكية كان يستعاض عنها أحيانا ببناء قلعة تقوم على موضع له طبيعة دفاعية. ويضم هذا الحى أو المدينة الملكية قصور الأفراد والإدارات الحكومية والدواوين وأماكن لسكنى الحرس.
2 - مركز للمدينة يضم المسجد الجامع والمساجد الكبرى والمد ارس الدينية والأسواق المركزية وكثيرا ما كان توزيع الأسواق يتحدد بالنسبة للجامع والمدارس حسب الدور الدينى للسلع التى كانت تباع فيها وموقف الشريعة من تلك السلع.
3 - وتأتى بعد ذلك منطقة الأحياء السكنية التى كانت تعكس الروابط الدينية والحرفية إلى جانب الاستقلال النسبى لكل حي من هذه الأحياء، حيث يميل أبناء الدين الواحد والحرفة الواحدة إلى التجمع معا.
4 - ثم تأتى الضواحى أو الأحياء الخارجية التى كان يقيم بها الوافدون الجدد، وحيث يصرح بممارسة بعض الأعمال والقيام ببعض الصناعات التى قد تلوث جو المدينة.
5 - وأخيرا تأتى أضرحة الأولياء والمدافن التى كانت تقام فى الأغلب وراء أسوار المدينة.

وبعد القرن الخامس الهجرى أصبحت المدارس ودور الحديث ودور القرآن، ثم الأسبلة والكتاتيب إضافة إلى المؤسسات الاقتصادية مثل الوكالات والفنادق والخانات، والمؤسسات ذات الصفة الاجتماعية مثل البيمارستانات وأمثالها هى أحد مميزات المدينة الإسلامية.

أ. د/ أيمن فؤاد سيد
__________
المراجع
1 - المدينة الإسلامية لمحمد عبد الستار عثمان-ص 5 4، 56 سلسلة عالم المعرفة 128 - الكويت 1988م.
2 - الموسوعة العربية الميسرة غربال- المجلد 2.
3 - "
المدينة الإسلامية" عدد خاص من مجلة عالم الفكر، المجلد الحادى عشر- العدد الأول (إبريل- يونيه) 1980م
4 - "
المدينة الإسلامية والدراسات الحديثة التى تناولتها " المجلة التاريخية المصرية- أيمن فؤاد سيد.

في الجانب الآخر من الوطن الإسلامي

تاريخ دولة آل سلجوق

وانتهى أمر مفاوضات الصلح إلى أن يتقاسم الأخوان البلاد، ويتقاسما اللقب، فيكون لقب بركيارق: (السلطان) ولقب محمد: (الملك)، على أن يكون له جنزة وأعمالها، وأذربيجان، وديار بكر، والجزيرة، والموصل ومضى كل منهما إلى مقره.
ثم عاد محمد فاقتنع أنه مغبون في هذه المصالحة، وأن الأمراء خامروا عليه فعاد الأمر إلى ما كان عليه من التنازع في تفاصيل مهلكة دامية نتجاوز ذكرها.
في الجانب الآخر من الوطن الإسلامي
في الوقت الذي كان فيه هؤلاء السلاجقة يتناحرون في المشرق الإسلامي وينحرون الشعب معهم ويبهضونه بما لا يطيق حمله، في الوقت الذي كان فيه بركيارق مثلا يحاصر أخاه محمدا في أصفهان ويضيق عليها، فتعدم فيها الأقوات، ويرغم محمد أعيان البلد على أن يقرضوه، فيأخذ منهم مالا عظيما، ثم يعود فيقسط على البلد شيئا آخر فيأخذه بالشدة والعنف، ثم يضطر للفرار من البلد، فيصبح أمر أصفهان كما وصفه ابن الأثير: (فلما فارق محمد أصفهان اجتمع من المفسدين والسوادية ومن يريد النهب ما يزيد على مئة ألف نفس وزحفوا إلى البلد بالسلالم والدبابات وطموا الخندق بالتبن والتصقوا بالسور، وصعد الناس في السلالم فقاتلهم أهل البلد قتال من يريد أن يحمي حريمه وماله فعادوا خائبين).
وفي الوقت الذي كان الوالي السلجوقي إسماعيل بن سلانجق يقتل من أهل مدينة (الري) مقتلة عظيمة، ويرسل من شعورهم إلى سلطانه بركيارق ما عمل منه مقاود وشكلات للدواب. في هذا الوقت بالذات وفي السنة نفسها كان صنجيل الصليبيي يحاصر طرابلس ويرغم أهلها على أن يدفعوا إليه مالا وخيلا ويتقدم منها إلى مدينة (أنطرسوس) فيحصرها ويفتحها ويقتل من بها من المسلمين، ثم يسير إلى حمص فينازلها ويحصر أهلها ويملك أعمالها. وكان القمص ينازل عكا ويضيق عليها، وكان الصليبيي صاحب الرها يسير إلى بيروت ويحصرها ويضايقها.
ومن بين هذه الظلمات تتوقد شعلة في القاهرة فتخرج عساكرها إلى عسقلان ليمنعوا الإفرنج عما بقي في أيديهم من البلاد الشامية على حد تعبير ابن الأثير،

في غرب العالم الإسلامي

تاريخ دولة آل سلجوق

فأتاهم الباطنية وقت السحر، فوضعوا فيهم السيف، وقتلوهم كيف شاءوا وغنموا أموالهم ودوابهم، ولم يتركوا شيئا).
ونحن هنا لا نستطيع أن نتهم ابن الأثير بالمبالغة، لأنه حين تحدث عما جرى على الإسماعيليين وصف الشدة التي نزلت بهم بمثل ما وصف ما أنزلوه هم من الشدة في الحجاج وغيرهم.
ولا يشفع للإسماعيليين أنهم كانوا يثأرون لما نزل بهم ظلما، وأن قلوبهم كانت تغلى بالحقد على من فعلوا بهم ما فعلوا، فالثأر لا يكون من الحجاج البريئين القادمين من كل مكان، والحقد على الحكام لا يجوز أن يبعث على الانتقام من الشعب. على أننا ونحن نقول ذلك لا ننسى مسئولية الحكام عما جرى، هذه المسئولية التي أوضحها ابن الأثير بقوله: (لاشتغال السلاطين عنهم).
لقد كان أول واجبات السلاطين حفظ الأمن، ورعاية أمور الشعب، وحمايته من عبث فريق منه بفريق آخر، ولكن سلاطين السلاجقة كانوا في شاغل عن ذلك بالاقتتال فيما بينهم، والتنازع على الاستئثار بظلم الناس. وإذا كانوا هم وجنودهم لا يتورعون عن السلب والتخريب والقتل والنهب فكيف يطلب من الناس أن يتورعوا عن ذلك؟! إنهم وهم الذين اعتدوا على الإسماعيليين الذين لا ذنب لهم، جروا الإسماعيليين على أن يعتدوا على من لا ذنب لهم.
في غرب العالم الإسلامي
إذا كان الجانب الشرقي من العالم الإسلامي ظل يموج ويمور بمحن السلاجقة فيه، فكذلك كان الجانب الغربي يموج ويمور بمحن الصليبيين فيه، غير أن السلاجقة الذين اعتبروا أنفسهم غير ملزمين بشيء تجاه العالم الإسلامي، وإن استباحه الصليبيين له لا تعنيهم، فانفردوا بالجانب الشرقي من هذا العالم مشغولين بأنفسهم، غير مبالين بما يجري في الجانب الآخر من ذبح للمسلمين وانتهاك لحرماتهم، إذا كان الأمر كذلك حتى الآن، فإننا سنرى أن فيهم من تعاون مع
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت