نتائج البحث عن (إِنْكَارٌ) 27 نتيجة

(الْإِنْكَار) إِنْكَار الذَّات مجانبة الأثرة والتضحية عَن قصد فِي سَبِيل الْغَيْر وَيسْتَعْمل خَاصَّة لذِي الزهاد والأخلاقيين (محدثة)
الإنكار:[في الانكليزية] Communication ،junction [ في الفرنسية] Communication ،jonction عند المنجّمين نوع من الاتصال كما سيجيء.
الإنكاري:[في الانكليزية] Sentence without the definite article [ في الفرنسية] Proposition sans l'article defini عند أهل المعاني هو الكلام الملقى مع المنكر للحكم كما قال تعالى حكاية عن رسل عيسى عليه السلام إذ كذبوا في المرة الأولى إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ويجب التأكيد هاهنا بحسب الإنكار قوة وضعفا. هكذا يستفاد من الأطول في باب الاسناد الخبري.
الْإِنْكَار: ضد الْإِقْرَار. والهمزة قد تسْتَعْمل للإنكار التوبيخي أَي أَن مَا بعْدهَا مَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقع وَأَن فَاعله ملوم مَذْمُوم نَحْو أتعبدون مَا تنحتون. وَقد تَجِيء للإنكار الإبطالي أَي أَن مَا بعْدهَا غير وَاقع وَإِن مدعيه كَاذِب نَحْو أفاصفاكم ربكُم بالبنين. ولإفادتها نفي مَا بعْدهَا لزم ثُبُوته إِن كَانَ منفيا لِأَن نفي النَّفْي إِثْبَات وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {{أَلَيْسَ الله بِأَحْكَم الْحَاكِمين}} و {{أَلَيْسَ الله بكاف عَبده}} .
الإنكار: ضد العرفان وأصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره وذلك ضرب من الجهل، وربما ينكر الإنسان الشيء مع حصول صورته في القلب فيكون كاذبا.
الإنكار: ضد الإقرار.

إزالة الإنكار، في مسألة الأبكار

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

إزالة الإنكار، في مسألة الأبكار
للشيخ، الإمام، نجم الدين: سليمان بن عبد القوي، الطوفي، الحنبلي.
المتوفى: سنة عشر وسبعمائة.

الباعث، على إنكار البدع والحوادث

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الباعث، على إنكار البدع والحوادث
للشيخ، أبي شامة: عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي، الشافعي.
المتوفى: سنة خمس وستين وستمائة.

تحرير الإنكار، في جواب ابن العطار

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

تحرير الإنكار، في جواب ابن العطار
للشيخ، زين الدين: قاسم بن قطلوبغا الحنفي.
المتوفى: سنة تسع وسبعين وثمانمائة.
وهو في قول المحققين من أئمتنا: إن النفي والإثبات، إذا تعارضا، وكان النفي مما علم بدليله، فإنه يقضي على المثبت.

الكلامُ الإنكاريّ

معجم مقاليد العلوم للسيوطي

الكلامُ الإنكاريّ: مَا رد بِهِ حكم الْمُخَالف، وَقيل: مَا يكون الحكم فِيهِ مؤكدا لرد الْمُخَاطب إِلَى حكم الْمُخَاطب.
في الفرنسية/ Abnegation
في الانكليزية/ Abnegation
في اللاتينية/ Abnegatio
انكار الذات تخلّي المرء عن انانيته وعن كل ما يروقه، ويلذ له، ويرغب فيه. ويطلق على تضحية المرء الارادية باحدى نزعاته الطبيعية، أو بكل شيء يخصه في سبيل غيره، أو في سبيل المثل العليا التي يتصورها.
وانكار الذات اصطلاح صوفي يستعمله الزهاد، ورجال الدين. مثال ذلك قول المسيح: في انجيل متى: إن اراد احد ان يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني، فان من اراد ان يخلص نفسه يهلكها، ومن يهلك نفسه من اجلي يجدها، لأنه ما ذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه؟ (انجيل متى، الاصحاح السادس عشر، 24، 25، 26).

التَّعْرِيفُ:
1 - الإِْنْكَارُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَنْكَرَ وَيَأْتِي فِي اللُّغَةِ لِثَلاَثَةِ مَعَانٍ:
الأَْوَّل: الْجَهْل بِالشَّخْصِ أَوِ الشَّيْءِ أَوِ الأَْمْرِ. تَقُول: أَنْكَرْتُ زَيْدًا وَأَنْكَرْتُ الْخَبَرَ إِنْكَارًا، وَنَكَّرْتُهُ، إِذَا لَمْ تَعْرِفْهُ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} (1) .
وَقَدْ يَكُونُ فِي الإِْنْكَارِ مَعَ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالشَّيْءِ النَّفْرَةُ مِنْهُ وَالتَّخَوُّفُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَ آل لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} (2) أَيْ تُنْكِرُكُمْ نَفْسِي وَتَنْفِرُ مِنْكُمْ، فَأَخَافُ أَنْ تَطْرُقُونِي بِشَرٍّ.
الثَّانِي: نَفْيُ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى، أَوِ الْمَسْئُول عَنْهُ.
وَالثَّالِثُ: تَغْيِيرُ الأَْمْرِ الْمُنْكَرِ وَعَيْبُهُ وَالنَّهْيُ عَنْهُ. وَالْمُنْكَرُ هُوَ الأَْمْرُ الْقَبِيحُ، خِلاَفُ الْمَعْرُوفِ. وَاسْمُ الْمَصْدَرِ هُنَا (النَّكِيرُ) ، وَمَعْنَاهُ (الإِْنْكَارُ) (3) أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ فَيَرِدُ اسْتِعْمَال (الإِْنْكَارِ) بِمَعْنَى الْجَحْدِ، وَبِمَعْنَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَلَمْ يُسْتَدَل عَلَى وُرُودِهِ بِمَعْنَى الْجَهْل بِالشَّيْءِ فِي كَلاَمِهِمْ.
__________
(1) سورة يوسف / 58.
(2) سورة الحجر / 62.
(3) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (نكر) .

أَوَّلاً: الإِْنْكَارُ بِمَعْنَى الْجَحْدِ
الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ الإِْنْكَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَالْجَحْدِ وَالْجُحُودِ:
2 - سَاوَى بَعْضُ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الإِْنْكَارِ وَبَيْنَ الْجَحْدِ وَالْجُحُودِ. قَال فِي اللِّسَانِ: الْجَحْدُ وَالْجُحُودُ نَقِيضُ الإِْقْرَارِ، كَالإِْنْكَارِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَقَال الْجَوْهَرِيُّ: الْجُحُودُ الإِْنْكَارُ مَعَ الْعِلْمِ. يُقَال: جَحَدَهُ حَقَّهُ وَبِحَقِّهِ (1) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - النَّفْيُ:
3 - النَّفْيُ يَكُونُ بِمَعْنَى الإِْنْكَارِ أَوِ الْجَحْدِ، وَهُوَ مُقَابِل الإِْيجَابِ: وَقِيل الْفَرْقُ بَيْنَ النَّفْيِ وَبَيْنَ الْجَحْدِ أَنَّ النَّافِيَ إِنْ كَانَ صَادِقًا سُمِّيَ كَلاَمُهُ نَفْيًا وَلاَ يُسَمَّى جَحْدًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا سُمِّيَ جَحْدًا وَنَفْيًا أَيْضًا، فَكُل جَحْدٍ نَفْيٌ. وَلَيْسَ كُل نَفْيٍ جَحْدًا. ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ. قَالُوا: وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (2) .

ب - النُّكُول:
4 - النُّكُول أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْحَلِفِ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الدَّعْوَى، بِقَوْلِهِ: أَنَا نَاكِلٌ، أَوْ يَقُول لَهُ الْقَاضِي: احْلِفْ، فَيَقُول: لاَ أَحْلِفُ. أَوْ سَكَتَ سُكُوتًا يَدُل عَلَى الاِمْتِنَاعِ.

ج - الرُّجُوعُ:
5 - الرُّجُوعُ عَنِ الشَّيْءِ تَرْكُهُ بَعْدَ الإِْقْدَامِ عَلَيْهِ.
__________
(1) لسان العرب (جحد) .
(2) سورة النمل / 14، وانظر كشاف اصطلاحات الفنون 2 / 192، 6 / 1437 ط الهند.

فَالرُّجُوعُ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُول الشَّاهِدُ أَبْطَلْتُ شَهَادَتِي، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ رَدَدْتُهَا. وَقَدْ يَكُونُ الرُّجُوعُ عَنِ الإِْقْرَارِ بِادِّعَاءِ الْغَلَطِ وَنَحْوِهِ (1) .

د - الاِسْتِنْكَارُ:
6 - الاِسْتِنْكَارُ يَأْتِي بِمَعْنَى عَدِّ الشَّيْءِ مُنْكَرًا، وَبِمَعْنَى الاِسْتِفْهَامِ عَمَّا تُنْكِرُهُ، وَبِمَعْنَى جَهَالَةِ الشَّيْءِ مَعَ حُصُول الاِشْتِبَاهِ (2) .
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الاِسْتِنْكَارَ يُوَافِقُ الإِْنْكَارَ فِي مَجِيئِهِمَا بِمَعْنَى الْجَهَالَةِ، وَيَنْفَرِدُ الإِْنْكَارُ بِمَجِيئِهِ بِمَعْنَى الْجَحْدِ، وَيَنْفَرِدُ الاِسْتِنْكَارُ بِمَجِيئِهِ بِمَعْنَى الاِسْتِفْهَامِ عَمَّا يُنْكَرُ.

الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالإِْنْكَارِ فِي الدَّعْوَى.
7 - يَجِبُ عَلَى الْمُدَّعِي لإِِثْبَاتِ حَقِّهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ دَعْوَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ عَمَّا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُقِرَّ، وَإِمَّا أَنْ يُنْكِرَ.
فَإِنْ أَقَرَّ لَزِمَهُ الْحَقُّ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَضَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا وَطَلَبَ الْيَمِينَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِنَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ نَكَل حَكَمَ عَلَيْهِ. وَقِيل: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي. هَذَا طَرِيقُ الْحُكْمِ إِجْمَالاً، لِقَوْل النَّبِيِّ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (3)
__________
(1) القليوبي 4 / 332، 3 / 5.
(2) لسان العرب، ومعجم اللغة، والمرجع في اللغة.
(3) حديث: " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ". أخرجه البيهقي في سننه (10 / 252 - ط حيدر آباد) وحسنه ابن الصلاح كما في جامع العلوم والحكم (ص 294 - ط الحلبي) .

وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي (إِثْبَاتٍ، وَدَعْوَى، حَلِفٍ، إِقْرَارٍ، نُكُولٍ) .

مَا بِهِ يَتَحَقَّقُ الإِْنْكَارُ:

أَوَّلاً: النُّطْقُ:
8 - يَتَحَقَّقُ الإِْنْكَارُ بِالنُّطْقِ. وَيُشْتَرَطُ فِي النُّطْقِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا بِحَيْثُ لاَ يُحْتَمَل إِلاَّ الإِْنْكَارَ، كَأَنْ يَقُول لَمْ تُسَلِّفْنِي مَا تَدَّعِيهِ. وَهُنَاكَ أَلْفَاظٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِهَا صَرِيحَةً أَوْ غَيْرَ صَرِيحَةٍ، كَأَنْ يَقُول: لاَ حَقَّ لَهُ عِنْدِي. فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ إِنْكَارًا، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل الْحَنَابِلَةِ أَنْ يَكُونَ إِنْكَارًا؛ لأَِنَّ نَفْيَ الْمُطْلَقِ يَشْمَل نَفْيَ الْمُقَيَّدِ، فَقَوْلُهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ نَفْيٌ مُطْلَقٌ لِحَقِّ الْمُدَّعِي، أَيًّا كَانَ سَبَبُهُ، فَيُعْتَبَرُ جَوَابًا كَافِيًا وَإِنْكَارًا مُوجِبًا لِلْحَلِفِ بِشُرُوطِهِ (1) .

ثَانِيًا: الاِمْتِنَاعُ مِنَ الإِْقْرَارِ وَالإِْنْكَارِ:
9 - لَوْ قَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ امْتِنَاعِهِ هَذَا. فَقَال صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: هُوَ إِنْكَارٌ، فَيُسْتَحْلَفُ بَعْدَهُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِنَّ قَوْلَهُ لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ بِمَنْزِلَةِ النُّكُول، فَيَقْضِي بِلاَ اسْتِحْلاَفٍ، كَمَا يَقْضِي عَلَى النَّاكِل عَنِ الْيَمِينِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ
__________
(1) معين الحكام ص 74، وتبصرة الحكام 1 / 162. والقليوبي 4 / 338، وشرح منتهى الإرادات 3 / 485

يُعْلِمَهُ الْقَاضِي أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ حَكَمَ عَلَيْهِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ الْمُقَدَّمُ عِنْدَهُمْ: إِنْ قَال لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ لاَ يُسْتَحْلَفُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُظْهِرِ الإِْنْكَارَ، وَيُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ وَيُنْكِرَ. وَفِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يُؤَدِّبُهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى امْتِنَاعِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ لاَ أُقِرُّ وَلاَ أُنْكِرُ إِقْرَارٌ (1) . وَلَمْ نَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

ثَالِثًا: السُّكُوتُ:
10 - مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ أَمَامَ الْقَضَاءِ فَسَكَتَ، فَفِي اعْتِبَارِ سُكُوتِهِ إِنْكَارًا أَقْوَالٌ:
الأَْوَّل: إِنَّ سُكُوتَهُ إِنْكَارٌ، وَهَذَا قَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ. قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: لأَِنَّ الدَّعْوَى أَوْجَبَتِ الْجَوَابَ عَلَيْهِ، وَالْجَوَابُ إِمَّا إِقْرَارٌ وَإِمَّا إِنْكَارٌ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَمْل السُّكُوتِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْحَمْل عَلَى الإِْنْكَارِ أَوْلَى؛ لأَِنَّ الْعَاقِل الْمُتَدَيِّنَ لاَ يَسْكُتُ عَنْ إِظْهَارِ الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ لِغَيْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ حَمْل السُّكُوتِ عَلَى الإِْنْكَارِ أَوْلَى، فَكَانَ السُّكُوتُ إِنْكَارًا دَلاَلَةً.
وَهَذَا إِنْ كَانَ سُكُوتُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَمَا لَوْ كَانَ فِي لِسَانِهِ آفَةٌ تَمْنَعُهُ عَنِ التَّكَلُّمِ، أَوْ فِي
__________
(1) ابن عابدين 4 / 423، ومعين الحكام ص 75، ولسان الحكام 1 / 60، وتبصرة الحكام 1 / 163، 299، 301، وشرح المنتهى 3 / 95، والبدائع 8 / 3925.

سَمْعِهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ سَمَاعِ الْكَلاَمِ، فَلاَ يُعَدُّ سُكُوتُهُ إِنْكَارًا.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الأَْعْذَارِ أَيْضًا أَنْ يَسْكُتَ لِدَهْشَةٍ أَوْ غَبَاوَةٍ. أَمَّا الأَْخْرَسُ فَقَالُوا: إِنَّ تَرْكَهُ الإِْشَارَةَ بِمَنْزِلِهِ السُّكُوتِ (1) . فَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَطْلُبُ الْقَاضِي مِنَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي دُرَرِ الْحُكَّامِ (2) .
11 - الْقَوْل الثَّانِي مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ ثَانِي قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ سُكُوتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ النُّكُول، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِالسُّكُوتِ كَمَا يَحْكُمُ عَلَى الْمُنْكِرِ النَّاكِل عَنِ الْيَمِينِ، بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَهُ الْقَاضِي بِحُكْمِ سُكُوتِهِ، فَيَقُول لَهُ: إِنْ أَجَبْتَ عَنْ دَعْوَاهُ وَإِلاَّ جَعَلْتُك نَاكِلاً وَقَضَيْتُ عَلَيْكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
12 - الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ أَيْضًا: يَحْبِسُهُ الْقَاضِي حَتَّى يُجِيبَ عَنِ الدَّعْوَى (3) .

غَيْبَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ إِنْكَارِهِ:
13 - إِذَا حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي، فَأَنْكَرَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ، ثُمَّ غَابَ قَبْل إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ
__________
(1) شرح المجلة للأتاسي 6 / 118، والبدائع 8 / 3925، مطبعة الإمام، وابن عابدين والدر المختار 4 / 423، ومعين الحكام ص 75، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي وعميرة 4 / 338.
(2) درر الحكام 4 / 574.
(3) شرح المنهاج وحاشية القليوبي 4 / 338، والمقنع 3 / 619 ط السلفية، وشرح المقنع بهامش المغني 11 / 430، والتبصرة 1 / 301.

عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَكَذَا إِذَا سُمِعَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ ثُمَّ غَابَ قَبْل الْقَضَاءِ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ قِيَامُ الإِْنْكَارِ وَقْتَ الْقَضَاءِ.
وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَال بِصِحَّةِ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الْحَال؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُ الإِْصْرَارُ عَلَى الإِْنْكَارِ إِلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ، وَالإِْصْرَارُ ثَابِتٌ بَعْدَ غَيْبَتِهِ بِالاِسْتِصْحَابِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَصْلاً.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا وَالْمُعَامَلاَتِ وَالْمُدَايَنَاتِ وَالْوَكَالاَتِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ إِلاَّ الْعَقَارَ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِيهِ إِلاَّ أَنْ تَطُول غَيْبَتُهُ وَيَضُرَّ ذَلِكَ بِخَصْمِهِ (1) .

حُكْمُ الْمُنْكِرِ:
14 - إِذَا ادُّعِيَ عَلَى إِنْسَانٍ بِشَيْءٍ فَأَنْكَرَ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تُطْلَبُ مِنْ خَصْمِهِ، فَإِنْ أَقَامَهَا حُكِمَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِقَامَتِهَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَحْلِفُ الْمُنْكِرَ إِذَا طَلَبَ خَصْمُهُ تَحْلِيفَهُ، فَإِنْ حَلَفَ حَكَمَ بِبَرَاءَتِهِ مِنَ الْمُدَّعِي، وَإِنْ نَكَل قَضَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَلاَ يَقْضِي عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ، فَإِنْ حَلَفَ الطَّالِبُ حِينَئِذٍ قَضَى لَهُ (2) .
وَدَلِيل اسْتِحْلاَفِ الْمُنْكِرِ حَدِيثُ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (3) السَّابِقُ،
__________
(1) فتح القدير 6 / 401، قليوبي 4 / 308، والكافي 2 / 931.
(2) الطرق الحكمية 116.
(3) حديث: " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر " سبق تخريجه (ف 7) .

وَحَدِيثُ وَائِل بْنِ حُجْرٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلاً مِنْ كِنْدَةَ أَتَيَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال الْحَضْرَمِيُّ: إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي وَرِثْتُهَا عَنْ أَبِي. وَقَال الْكِنْدِيُّ: أَرْضِي وَفِي يَدَيَّ لاَ حَقَّ لَهُ فِيهَا. فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ قَال: إِنَّهُ لاَ يَتَوَرَّعُ عَنْ شَيْءٍ. قَال: لَيْسَ لَكَ إِلاَّ ذَلِكَ (1) .

شَرْطُ اسْتِحْلاَفِ الْمُنْكِرِ:
15 - انْفَرَدَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ بِاشْتِرَاطِ شَرْطَيْنِ لاِسْتِحْلاَفِ الْمُنْكِرِ، وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ فِي شَرْحِ الأَْرْبَعِينَ:
أ - أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ مُخَالَطَةٌ بِدَيْنٍ أَوْ تَكَرُّرُ بَيْعٍ وَلَوْ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، وَأَنْكَرَ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمُنْكِرِ شَيْءٌ، وَلَمْ يُطَالَبْ بِيَمِينٍ.
وَالْمُخَالَطَةُ عِنْدَهُمْ فِي كُل مُعَامَلَةٍ بِحَسْبِهَا.
وَاسْتَثْنَوْا مَوَاضِعَ تَجِبُ فِيهَا الْيَمِينُ بِدُونِ خُلْطَةٍ: مِنْهَا: أَهْل الظُّلْمِ، وَالضَّيْفُ، وَالْمُتَّهَمُ، وَالْمَرِيضُ، وَالصُّنَّاعُ فِيمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِمُ اسْتِصْنَاعُهُ، وَأَرْبَابُ الأَْسْوَاقِ وَالْحَوَانِيتِ فِيمَا ادُّعِيَ عَلَيْهِمْ بَيْعُهُ، وَالرُّفَقَاءُ فِي السَّفَرِ يَدَّعِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، الْوَدِيعَةُ إِذَا ادُّعِيَتْ عَلَى أَهْلِهَا، وَالْمُزَايَدَةُ إِذَا ادُّعِيَ عَلَى مَنْ حَضَرَهَا أَنَّهُ اشْتَرَى الْمَعْرُوضَ لِلْبَيْعِ (2) .
__________
(1) حديث: " شاهداك أو يمينه " أخرجه البخاري (الفتح 5 / 280 - ط السلفية) ومسلم (1 / 123 - ط الحلبي) .
(2) تبصرة الحكام 1 / 196، 201، وجواهر الإكليل 2 / 226، والدسوقي 4 / 145، والفتح المبين لابن حجر الهيثمي ص 243، وجامع العلوم والحكم لابن رجب ص 299.

ب - أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى التَّعَدِّي وَالْغَصْبِ وَنَحْوِهِمَا مَعْرُوفًا بِمِثْل مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا بِمِثْلِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ (1) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي: دَعْوَى، وَقَضَاءٍ، وَيَمِينٍ.

الْمَوَاضِعُ الَّتِي يُسْتَحْلَفُ فِيهَا الْمُنْكِرُ وَالَّتِي لاَ يُسْتَحْلَفُ فِيهَا:
16 - إِنَّهُ وَإِنْ كَانَتِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الأُْمُورِ لاَ اسْتِحْلاَفَ فِيهَا؛ لأَِنَّ الْحُقُوقَ نَوْعَانِ:
الأَْوَّل: حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْعِبَادَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ: فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ، أَنَّ الْمُنْكِرَ يُسْتَحْلَفُ فِيهَا إِذَا اتُّهِمَ. وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ تَزَوَّجَ مَنْ لاَ تَحِل لَهُ، ثُمَّ ادَّعَى الْجَهْل. أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى دَعْوَاهُ. وَكَذَا قَال إِسْحَاقُ فِي طَلاَقِ السَّكْرَانِ: يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْقِل، وَفِي طَلاَقِ النَّاسِي: يَحْلِفُ عَلَى نِسْيَانِهِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ اسْتِحْلاَفَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَصْلاً. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الزَّكَاةِ، وَبِهِ قَال طَاوُوسٌ وَالثَّوْرِيُّ.
الثَّانِي: حُقُوقُ الْعِبَادِ. أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الاِسْتِحْلاَفِ فِي الأَْمْوَال، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهَا: فَقَال الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ: يُسْتَحْلَفُ فِي جَمِيعِ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ.
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 327، 328، وجامع العلوم والحكم ص 299.

وَقَال مَالِكٌ: لاَ يُسْتَحْلَفُ إِلاَّ فِي كُل دَعْوَى لاَ تَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدَيْنِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: لاَ يُسْتَحْلَفُ إِلاَّ فِيمَا يَصِحُّ بَذْلُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ: لاَ يُسْتَحْلَفُ إِلاَّ فِيمَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُول.
وَمَثَّل لَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِمَنِ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى مَيِّتٍ، وَلِلْمَيِّتِ وَصِيٌّ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ، فَأَنْكَرَ. فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ حَكَمَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْوَصِيِّ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ مَقْصُودَ التَّحْلِيفِ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُول، وَالْوَصِيُّ لاَ يُقْبَل إِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ، وَلَوْ نَكَل لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي تَحْلِيفِهِ.
وَهَذَا الْخِلاَفُ الْمُتَقَدِّمُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ هُوَ فِي غَيْرِ الْمُؤْتَمَنِ، أَمَّا الْمُؤْتَمَنُ فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ، عَلَيْهِ الْيَمِينُ؛ لأَِنَّهُ مُنْكِرٌ فَيَدْخُل فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ: الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ.
الثَّانِي: لاَ يَمِينَ؛ لأَِنَّهُ صَدَّقَهُ، وَلاَ يَمِينَ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَهُوَ قَوْل الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ.
الثَّالِثُ: وَهُوَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ. لاَ يَمِينَ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يُتَّهَمَ؛ لأَِنَّهُ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ تُنَافِي مَعْنَى الاِئْتِمَانِ فَقَدِ اخْتَل الاِئْتِمَانُ (1) .
وَتَفْصِيل مَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ الاِسْتِحْلاَفَ لاَ يَكُونُ فِي الْحُدُودِ وَاللِّعَانِ، بِأَنْ
__________
(1) جامع العلوم والحكم ص 300، وانظر الفتح المبين بشرح الأربعين ص 243، والطرق الحكمية لابن القيم ص 108، والإنصاف 12 / 112، وما بعدها.

ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَذَفَهَا بِمَا يُوجِبُ اللِّعَانَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَاهَا، فَلاَ يُؤْخَذُ فِيهِمَا بِالنُّكُول.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُسْتَحْلَفُ الْمُنْكِرُ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالْفَيْءِ فِي الإِْيلاَءِ وَالرِّقِّ وَالاِسْتِيلاَدِ وَالْوَلاَءِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُسْتَحْلَفُ فِيهَا. وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا. وَقِيل عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي حَال الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ رَآهُ مُتَعَنِّتًا يُحَلِّفُهُ أَخْذًا بِقَوْلِهِمَا، وَإِنْ رَآهُ مَظْلُومًا لاَ يُحَلِّفُهُ أَخْذًا بِقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ.
ثُمَّ قَدْ قَال صَاحِبُ الأَْشْبَاهِ: لاَ يُسْتَحْلَفُ فِي إِحْدَى وَثَلاَثِينَ صُورَةً. وَنَقَل هَذَا صَاحِبُ الدُّرِّ وَعَدَّدَهَا بِالتَّفْصِيل، وَأَضَافَ إِلَيْهَا هُوَ وَابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الصُّوَرِ مَا تَمَّتْ بِهِ تِسْعًا وَسِتِّينَ صُورَةً (1) .

حُكْمُ الإِْنْكَارِ كَذِبًا:
17 - يَجُوزُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الإِْنْكَارُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي عِنْدَهُ حَقٌّ وَكَانَ مُبْطِلاً فِي دَعْوَاهُ. أَمَّا إِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَالِمًا بِحَقِّ الْمُدَّعِي عِنْدَهُ فَلاَ يَحِل لَهُ الإِْنْكَارُ.
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَسْأَلَتَيْنِ يَجُوزُ فِيهِمَا الإِْنْكَارُ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُحِقٌّ:
الأُْولَى: دَعْوَى الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، كَمَا إِذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمَال الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ فِيهِ كَذَا، فَلِلْبَائِعِ - وَلَوْ كَانَ وَاقِفًا عَلَى الْعَيْبِ الْقَدِيمِ - أَنْ
__________
(1) تكملة فتح القدير 7 / 169، 171، ط الميمنية، وحاشية ابن عابدين 3 / 447، 449، 451.

يُنْكِرَ وُجُودَهُ حَتَّى يَثْبُتَهُ الْمُشْتَرِي، وَيَرُدَّهُ إِلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ بِدَوْرِهِ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى مَنْ بَاعَهُ إِيَّاهُ.
الثَّانِيَةُ: لِوَصِيِّ الْمُتَوَفَّى أَنْ يُنْكِرَ دَيْنَ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ.
هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي دُرَرِ الْحُكَّامِ. وَفِي شَرْحِ الأَْتَاسِيِّ عَلَى الْمَجَلَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَسُوغُ لَهُ الإِْنْكَارُ إِنْ تَحَقَّقَتْ حَاجَتُهُ إِلَى الْبَيِّنَةِ. قَال: وَهَذَا فِي مَسَائِل مِنْهَا: اسْتَحَقَّ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يُعْذَرُ فِي الإِْنْكَارِ، وَإِنْ عَلِمَ صِدْقَ الْمُدَّعِي، إِذْ لَوْ أَقَرَّ هُوَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى بَائِعِهِ بِالْيَمِينِ (1) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا نَصَبَ الْقَاضِي مُسَخَّرًا (أَيْ مُمَثِّلاً لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ) يُنْكِرُ عَنِ الْبَائِعِ جَازَ لِلْمُسَخِّرِ الإِْنْكَارُ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا. وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِالْمَصْلَحَةِ (2) . وَلَعَلَّهُمْ يَقْصِدُونَ مَصْلَحَةَ تَمْكِينِ الْمُدَّعِي مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِتَكُونَ الْبَيِّنَةُ بِنَاءً عَلَى إِنْكَارِ مُنْكِرٍ.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ الإِْنْكَارُ فِي حَال الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ أَوِ الْمَال، وَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ بَابِ الإِْكْرَاهِ. قَالُوا: إِذَا اسْتَخْفَى الرَّجُل عِنْدَ الرَّجُل مِنَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ الَّذِي يُرِيدُ دَمَهُ أَوْ مَالَهُ، فَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ عَنْهُ، فَسَتَرَ عَلَيْهِ، وَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ، فَقَال لَهُ: احْلِفْ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَك، فَحَلَفَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي؛ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَدَمِهِ، أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ. أَمَّا إِنْ كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَقِيَهُ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أُجِرَ فِيمَا فَعَل، وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ فِيمَا حَلَفَ.
__________
(1) درر الحكام شرح المجلة 4 / 574 م 1817، وشرح المجلة للآتاسي 6 / 96.
(2) القليوبي 4 / 308.

قَالُوا: وَكَذَلِكَ فَعَل مَالِكٌ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ. أَمَّا التَّخَلُّصُ مِنْ مِثْل هَذَا الْمَأْزِقِ بِالتَّأْوِيل وَالتَّوْرِيَةِ فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (تَوْرِيَةٌ) (1) .

جَحَدَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَذِبًا، إِنْ كَانَ الآْخَرُ جَاحِدًا لِحَقِّهِ:
18 - ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْحَدَهُ حَتَّى فِي حَالَةِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ قِبَل الْمُدَّعِي، وَكَانَ الْمُدَّعِي قَدْ جَحَدَهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَدِّ الأَْمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ (2) .
وَلأَِنَّ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ دَيْنِهِ، كَأَنْ يَكُونَ دَيْنُ أَحَدِهِمَا ذَهَبًا وَدَيْنُ الآْخَرِ فِضَّةً، فَإِنَّ الْجَحْدَ هُنَا يَكُونُ كَبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ لاَ يَجُوزُ وَلَوْ تَرَاضَيَا. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيل الْمُقَاصَّةِ، وَهِيَ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي. إِذَنْ لَيْسَ لَهُ تَعْيِينُ حَقِّهِ بِغَيْرِ صَاحِبِهِ.
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ لِلْمَدِينِ جَحْدُ دَيْنِ مَنْ جَحَدَ دَيْنَهُ، إِذَا كَانَ عَلَى الْجَاحِدِ مِثْل مَا لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ، فَتَحْصُل الْمُقَاصَّةُ بَيْنَ الدَّيْنَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ شُرُوطُهَا لِلضَّرُورَةِ. فَإِنْ كَانَ لَهُ دُونَ مَا لِلآْخَرِ جَحَدَ مِنْ حَقَّةِ بِقَدْرِهِ (3) .
وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
__________
(1) تبصرة الحكام 1 / 300، 2 / 180، وانظر شرح المنتهى 3 / 491، والقليوبي 4 / 341.
(2) حديث: " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ". أخرجه أبو داود (3 / 805 - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (2 / 46 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(3) شرح الإقناع 6 / 358، وشرح المنتهى 3 / 503 والوجيز للغزالي 2 / 260، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني 10 / 292 ط الميمنية، والمدونة 15 / 160.

تَعْرِيضُ الْقَاضِي بِالإِْنْكَارِ فِي الْحُدُودِ:
19 - لِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ تَعْرِيضِ الْقَاضِي بِالإِْنْكَارِ لِلْمُقِرِّ بِحَدٍّ، ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْقَوْل الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لَدَى الْحَاكِمِ ابْتِدَاءً، أَوْ بَعْدَ دَعْوَى بِمَا يَسْتَوْجِبُ عُقُوبَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ، فَإِنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى سَبِيل الْجَوَازِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْبَابِ.
وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَاعِزٍ لَمَّا أَقَرَّ بِالزِّنَى: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ (1) .
وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ. مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ (2) .
الْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ لِلشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بِالإِْنْكَارِ فِي ذَلِكَ أَصْلاً.
وَالْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا، أَنَّهُ يَعْرِضُ لَهُ بِالرُّجُوعِ إِنْ كَانَ الْمُقِرُّ لاَ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ. فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ لاَ يَعْرِضُ لَهُ.
أَمَّا التَّصْرِيحُ بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ بِالْحَدِّ، وَتَلْقِينُ الْمُقِرِّ ذَلِكَ، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِهِ.
__________
(1) حديث: " لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت " أخرجه البخاري (الفتح 12 / 135 - ط السلفية) .
(2) حديث: " ما أخالك سرقت " أخرجه أحمد (5 / 293 - ط الميمنية) وأبو داود (4 / 543 - ط عزت عبيد دعاس) وأعله الخطابي كما في التلخيص لابن حجر (4 / 66 - ط شركة الطباعة الفنية المتحدة) .

قَالُوا: لاَ يَقُول لَهُ: " ارْجِعْ عَنْ إِقْرَارِكَ " وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَقَالُوا: لاَ بَأْسَ بِتَلْقِينِهِ الرُّجُوعَ.
وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ جَوَازُ التَّصْرِيحِ. وَيُؤَيِّدُهُ احْتِجَاجُ صَاحِبِ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ أُتِيَ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ سَرَقَتْ، فَقَال لَهَا: (أَسَرَقْتِ؟ قُولِي: لاَ) فَقَالَتْ: لاَ. فَخَلَّى سَبِيلَهَا (1) .

الضَّمَانُ بَعْدَ إِنْكَارِ الْحَقِّ:
20 - إِذَا أَنْكَرَ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ طَلَبِ رَبِّهَا لَهَا، دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ إِنْكَارِهِ، كَأَنْ كَانَتْ دَابَّةً فَمَاتَتْ، أَوْ دَارًا فَانْهَدَمَتْ، يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا، وَيَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا؛ لأَِنَّهُ بِإِنْكَارِهِ لَهَا يَكُونُ غَاصِبًا؛ وَلأَِنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ بِطَلَبِ الْمَالِكِ الْوَدِيعَةَ وَإِنْكَارِ الْمُودِعِ لَهَا؛ لأَِنَّهُ بِإِنْكَارِهِ عَزَل نَفْسَهُ عَنِ الْحِفْظِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَيَبْقَى مَال الْغَيْرِ بِيَدِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا، فَإِذَا هَلَكَ ضَمِنَهُ.
وَلَوْ أَنَّ الْمُودِعَ عَادَ بَعْدَ إِنْكَارِهِ، فَأَقَرَّ الْوَدِيعَةَ، لَمْ يَزُل عَنْهُ الضَّمَانُ.
وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَضْمَنُ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ بِالإِْنْكَارِ، إِلاَّ إِنْ نَقَلَهَا مِنْ مَكَانِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ وَقْتَ الإِْنْكَارِ، إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُنْقَل، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ بَعْدَ الْجُحُودِ، فَهَلَكَتْ، لاَ يَضْمَنُ.
أَمَّا إِنْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إِلَى صَاحِبِهَا بَعْدَ الإِْنْكَارِ وَقَبْل
__________
(1) حديث أبي الدرداء: " أتي بجارية سوداء قد سرقت. . . " أخرجه البيهقي في سننه (8 / 276 - ط دائرة المعارف العثمانية) وإسناده حسن وانظر حاشية الدسوقي القليوبي 4 / 196، وتبصرة الحكام 2 / 259، والمغني 8 / 212.

تَلَفِهَا فَيَزُول الضَّمَانُ، فَلَوْ أَوْدَعَهُ إِيَّاهَا مَرَّةً ثَانِيَةً فَتَلِفَتْ فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ (1) .

قَطْعُ مُنْكِرِ الْعَارِيَّةِ:
مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لاَ قَطْعَ عَلَى مُنْكِرِ الْوَدِيعَةِ أَوِ الْعَارِيَّةِ أَوِ الأَْمَانَةِ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِهِمْ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الأَْخْذِ مِنْ حِرْزٍ. قَالُوا: وَلِحَدِيثِ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ، وَلاَ مُخْتَلِسٍ، قَطْعٌ (2) .
وَالْخَائِنُ هُوَ جَاحِدُ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا. وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِمْ، إِلاَّ جَاحِدَ الْعَارِيَّةِ خَاصَّةً يَجِبُ قَطْعُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ سَارِقٌ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ يَدِهَا (3) .
قَال أَحْمَدُ: لاَ أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ. وَقَال الْجُمْهُورُ: فِي حَدِيثِ الْمَخْزُومِيَّةِ هَذَا، إِنَّ أَكْثَر رِوَايَاتِهِ أَنَّهَا " سَرَقَتْ " فَيُؤْخَذُ بِهَا. وَيُحْتَمَل أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَعِيرُ وَتَجْحَدُ، وَكَانَتْ تَسْرِقُ فَقُطِعَتْ لَسَرِقَتِهَا لاَ لِجُحُودِهَا (4)
__________
(1) ابن عابدين 4 / 498، وتبصرة الحكام 2 / 53، ومنح الجليل 3 / 466، 510، ونهاية المحتاج 6 / 130، والمغني 6 / 394 ط ثالثة.
(2) حديث: " ليس على المنتهب ولا على المختلس ولا على الخائن قطع " أخرجه الترمذي (4 / 52 - ط الحلبي) وهو حديث صحيح لطرقه، وذكرها ابن حجر في التلخيص (4 / 65 - 66 ط شركة الطباعة الفنية) .
(3) حديث: " أن امرأة. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1316 ط الحلبي) .
(4) تبيين الحقائق 3 / 216، نشر دار المعرفة بلبنان، ومنح الجليل 3 / 466، 510، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي 4 / 194، وكشاف القناع 6 / 129، والعدة على إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 4 / 371 - ط السلفية.

وَيَرْجِعُ فِي تَفْصِيل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْخِلاَفُ فِيهَا إِلَى مُصْطَلَحِ: (سَرِقَةٌ) .

الإِْنْكَارُ بَعْدَ الإِْقْرَارِ:
21 - مَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُ فِي الْحُدُودِ الَّتِي لِحَقِّ اللَّهِ، أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ:

أ - الإِْنْكَارُ بَعْدَ الإِْقْرَارِ بِمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ:
22 - لَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِالزِّنَى أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ حَقُّ اللَّهِ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ أَوْ رَجَعَ عَنْهُ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ اتِّجَاهَاتٌ ثَلاَثَةٌ:
الأَْوَّل: وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْقَوْل الْمُقَدَّمُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَلْزَمُهُ حُكْمُ إِقْرَارِهِ، بَل إِذَا رَجَعَ وَأَنْكَرَ السَّبَبَ أَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، أَوْ أَنْكَرَ إِقْرَارَهُ بِهِ، أَوْ أَكْذَب الشُّهُودَ - أَيْ شُهُودَ الإِْقْرَارِ - سَقَطَ الْحَدُّ، فَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ رُجُوعُهُ أَثْنَاءَ إِقَامَةِ الْحَدِّ سَقَطَ بَاقِيهِ.
قَال الْمَرْغِينَانِيُّ: لأَِنَّ الرُّجُوعَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ، كَالإِْقْرَارِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُكَذِّبُهُ فِيهِ، فَتَتَحَقَّقُ الشُّبْهَةُ فِي الإِْقْرَارِ، بِخِلاَفِ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ؛ لِوُجُودِ مَنْ يُكَذِّبُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا هُوَ حَقٌّ خَالِصٌ لِلشَّرْعِ (1) . وَمِثْل حَدِّ الزِّنَى فِي ذَلِكَ حَدُّ السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ. الثَّانِي: أَنَّ الْحَدَّ إِذَا ثَبَتَ بِالإِْقْرَارِ لَمْ يَسْقُطْ بِإِنْكَارِهِ أَوِ الرُّجُوعِ عَنْهُ.
__________
(1) الهداية وفتح القدير 5 / 12، وابن عابدين 3 / 144، والزرقاني على خليل 8 / 81، 107، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي 4 / 181، 182، وشرح المنتهى 3 / 340، 348.

وَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي السَّرِقَةِ خَاصَّةً (1) . الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ الرُّجُوعَ لاَ يُقْبَل إِلاَّ بِأَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ الْمُقِرُّ - لاَ مُطْلَقًا - وَمِثَال مَا يُعْذَرُ بِهِ الْمُقِرُّ أَنْ يَقُول وَطِئْتُ زَوْجَتِي أَوْ أَمَتِي وَهِيَ حَائِضٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ زِنًى (2) .

ب - الإِْنْكَارُ بَعْدَ الإِْقْرَارِ فِيمَا هُوَ حَقٌّ لِلْعِبَادِ:
23 - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: حُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ وَحُقُوقُ اللَّهِ الَّتِي لاَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ لاَ يُقْبَل رُجُوعُهُ عَنْ إِقْرَارِهِ بِهَا. لاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا (3) .
حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا ثَبَتَ الْمَال؛ لأَِنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ، وَسَقَطَ الْقَطْعُ؛ لأَِنَّهُ حَقُّ اللَّهِ. غَيْرَ أَنَّ الشُّبْهَةَ الَّتِي عَرَضَتْ مِنَ احْتِمَال أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي رُجُوعِهِ عَنْ إِقْرَارِهِ، دَعَتْ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَقُولُوا إِنَّ الْقَاضِيَ، إِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي إِقْرَارٍ، لاَ يَقْضِي عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ اسْتِحْلاَفِ خَصْمِهِ أَنَّ الإِْقْرَارَ لَمْ يَكُنْ بَاطِلاً.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ وَأَقْبَضَ الْهِبَةَ، أَوْ أَنَّهُ قَبَضَ الْمَبِيعَ، أَوْ آجَرَ الْمُسْتَأْجِرُ، ثُمَّ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَسَأَل إِحْلاَفَ خَصْمِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُسْتَحْلَفُ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لأَِنَّ دَعْوَاهُ تَكْذِيبٌ لإِِقْرَارِهِ؛ وَلأَِنَّ الإِْقْرَارَ أَقْوَى مِنَ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ فَقَال: حَلِّفُوهُ لِي مَعَ بَيِّنَتِهِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ. فَكَذَلِكَ هُنَا.
قَال: وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يُسْتَحْلَفُ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛
__________
(1) حاشية شرح المنهاج 4 / 196، ونهاية المحتاج 7 / 441.
(2) الزرقاني 8 / 81.
(3) المغني لابن قدامة 5 / 151 ط ثالثة.

لأَِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِالإِْقْرَارِ قَبْل الْقَبْضِ، فَيُحْتَمَل صِحَّةُ مَا قَالَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْلَفَ خَصْمُهُ لِنَفْيِ الاِحْتِمَال (1) .

أَثَرُ جُحُودِ الْعُقُودِ فِي انْفِسَاخِهَا:
24 - إِذَا جَحَدَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْبَيْعَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ - غَيْرَ النِّكَاحِ - لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى إِنْكَارِهِ لَهُ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ، وَكَانَ لِلآْخَرِ التَّمَسُّكُ بِالْعَقْدِ، وَلَهُ بَعْدَ الإِْثْبَاتِ الْمُطَالَبَةُ بِتَنْفِيذِهِ. لَكِنْ إِنْ رَضِيَ هَذَا الآْخَرُ بِالْفَسْخِ قَوْلاً، أَوْ بِتَرْكِهِ الْخُصُومَةَ مَعَ فِعْلٍ يَدُل عَلَى الرِّضَى بِالْفَسْخِ، كَنَقْلِهِ الْمَبِيعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ. فَلَوْ قَال الْمَالِكُ: اشْتَرَيْتُ مِنِّي هَذِهِ الدَّابَّةَ، وَأَنْكَرَ الآْخَرُ الشِّرَاءَ، فَرَضِيَ الْبَائِعُ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ، وَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ ادَّعَى الشِّرَاءَ بَعْدَ رِضَى الْبَائِعِ بِالْفَسْخِ لاَ يُقْبَل؛ لاِنْفِسَاخِ الْعَقْدِ.
أَمَّا النِّكَاحُ فَلَوْ جَحَدَ الرَّجُل أَنَّهُ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ، ثُمَّ ادَّعَى الزَّوَاجَ وَبَرْهَنَ، يُقْبَل مِنْهُ بُرْهَانُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ لاَ يَحْتَمِل الْفَسْخَ بِسَائِرِ الأَْسْبَابِ فَكَذَا بِهَذَا السَّبَبِ (2) .
وَيُوَافِقُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى أَنَّ إِنْكَارَ الزَّوْجِ النِّكَاحَ لاَ يَكُونُ فَسْخًا، وَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا طَلاَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَلَوْ نَوَاهُ؛ لأَِنَّ الْجُحُودَ هُنَا لِعَقْدِ النِّكَاحِ، لاَ لِكَوْنِهَا امْرَأَتَهُ. بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَال: لَيْسَتْ هِيَ
__________
(1) المغني 5 / 196 - ثالثة، ورد المحتار 4 / 458، وتبصرة الحكام 2 / 30.
(2) الدر المختار 4 / 363، وفتح القدير مع حواشيه 6 / 418.

امْرَأَتِي، فَإِنَّهُ إِنْ نَوَى الطَّلاَقَ وَقَعَ طَلاَقًا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَوْ نَوَى الطَّلاَقَ بِجَحْدِ النِّكَاحِ يَكُونُ طَلاَقًا، كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلاَقِ (1) .

أَثَرُ إِنْكَارِ الرِّدَّةِ فِي حُصُول التَّوْبَةِ مِنْهَا:
25 - إِذَا ثَبَتَتْ رِدَّةُ إِنْسَانٍ بِالْبَيِّنَةِ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ارْتَدَّ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ الإِْنْكَارِ مِنْهُ تَوْبَةً قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالرِّدَّةِ، وَهُوَ يُنْكِرُهَا، وَهُوَ مُقِرٌّ بِالتَّوْحِيدِ وَبِمَعْرِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِدِينِ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهُ، لاَ لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ، بَل لأَِنَّ إِنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ، فَيُمْتَنَعُ الْقَتْل فَقَطْ، وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ، كَحُبُوطِ عَمَلٍ وَبُطْلاَنِ وَقْفٍ. . . إِلَخْ (2) .
الثَّانِي: وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل اسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل (3) .
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمَالِكِيَّةُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ كَلاَمِهِمْ. هَذَا وَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ ثُبُوتُ رِدَّتِهِ بِالإِْقْرَارِ. فَإِنَّ إِنْكَارَهُ يَكُونُ تَوْبَةً، وَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهُ، كَمَا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ (4) . وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الْحَنَابِلَةِ نَصًّا فِي ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ.
__________
(1) الفتاوى الهندية 1 / 375، نقلا عن البدائع، وجواهر الإكليل 1 / 323، ونهاية المحتاج 8 / 323، وشرح منتهى الإرادات 3 / 484.
(2) الدر المختار 3 / 299.
(3) القليوبي 4 / 176.
(4) شرح المنتهى 3 / 392.

الصُّلْحُ مَعَ الإِْنْكَارِ:
26 - الصُّلْحُ عَقْدٌ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى الإِْصْلاَحِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ. وَالصُّلْحُ فِي الأَْمْوَال نَوْعَانِ: صُلْحٌ مَعَ الإِْنْكَارِ، وَصُلْحٌ مَعَ الإِْقْرَارِ. وَالصُّلْحُ مَعَ الإِْنْكَارِ عِنْدَمَا يَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَرَى أَنَّهُ لاَ حَقَّ عَلَيْهِ، فَيَدْفَعُ إِلَى الْمُدَّعِي شَيْئًا افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ، وَصِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنِ التَّبَذُّل بِالْمُخَاصَمَةِ فِي مَجَالِسِ الْقَضَاءِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ مِثْل هَذَا الصُّلْحِ، فَأَجَازَهُ الْجُمْهُورُ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ.
وَأَمَّا مَتَى كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُقِرًّا بِالْحَقِّ فَصَالَحَ عَنْهُ بِبَعْضِهِ، فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالصُّلْحِ مَعَ الإِْقْرَارِ (1) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْقَوْل فِي نَوْعَيِ الصُّلْحِ تَحْتَ عُنْوَانِ (صُلْحٌ) .

إِنْكَارُ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ:
27 - لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُنْكِرَ شَيْئًا مِنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ.
وَلَكِنْ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ مَا أَنْكَرَهُ أَمْرًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ قَدْ عُلِمَ قَطْعًا مَجِيءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ. كَوُجُوبِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمُنْكِرُ جَاهِلاً بِالْحُكْمِ وَلاَ مُكْرَهًا، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْحُودُ قَدْ عَلِمَ مَجِيءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ بِالضَّرُورَةِ، أَيْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى
__________
(1) المغني 4 / 476.

نَظَرٍ وَاسْتِدْلاَلٍ. أَوْ كَمَا عَبَّرَ الْبَعْضُ: يَعْرِفُهُ كُل الْمُسْلِمِينَ.
قَال ابْنُ الْهُمَامِ فِي مُسَايَرَةٍ: وَأَمَّا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الضَّرُورَةِ، كَاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الاِبْنِ السُّدُسَ مَعَ الْبِنْتِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، فَظَاهِرُ كَلاَمِ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ الإِْكْفَارُ بِجَحْدِهِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْرِطُوا سِوَى الْقَطْعِ فِي الثُّبُوتِ. وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ شَرَطَ كَوْنَهُ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَلاَ يَكْفُرُ عِنْدَهُ مَنْ جَحَدَ مِثْل هَذَا الْحُكْمِ.
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَسَائِل الإِْجْمَاعِيَّةَ تَارَةً يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَتَارَةً لاَ يَصْحَبُهَا. فَالأَْوَّل يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَاتُرَ لاَ لِمُخَالَفَتِهِ الإِْجْمَاعَ. وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ مِثْل ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَرِيبٌ مِنْ قَوْل مَنِ اشْتَرَطَ فِي الْمَجْحُودِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ قَوْل الْحَنَابِلَةِ، فَإِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا لِمَا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُنْتَهَى: مَنْ جَحَدَ حُكْمًا ظَاهِرًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ - بِخِلاَفِ (نَحْوِ) فَرْضِ السُّدُسِ لِبِنْتِ الاِبْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا لاَ سُكُوتِيًّا؛ لأَِنَّ فِيهِ - أَيِ الإِْجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ - شُبْهَةً، كَجَحْدِ تَحْرِيمِ الزِّنَى، أَوْ جَحْدِ تَحْرِيمِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، أَوْ مُذَكَّاةِ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ وَالدَّجَاجِ، وَمِثْلُهُ لاَ يَجْهَلُهُ لِكَوْنِهِ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُهُ وَعَرَفَ حُكْمَهُ، وَأَصَرَّ عَلَى الْجَحْدِ، كَفَرَ (1) .
__________
(1) ابن عابدين 3 / 284، والإعلام بقواطع الإسلام لابن حجر الهيتمي، مطبوع مع الزواجر له 2 / 352 - 354، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي وعميرة 4 / 175، وشرح منتهى الإرادات 3 / 386.

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَحْتَ عُنْوَانِ (رِدَّةٌ) .

ثَانِيًا الإِْنْكَارُ فِي الْمُنْكَرَاتِ
28 - إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ بِالْيَدِ أَوِ بِاللِّسَانِ، أَوْ بِالْقَلْبِ. فَمَنْ رَأَى حُدُودَ اللَّهِ تُنْتَهَكُ شُرِعَ لَهُ التَّغْيِيرُ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (1) وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (2) .
وَتَفْصِيل الْقَوْل فِي هَذَا الأَْمْرِ، وَبَيَانِ آدَابِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ يُنْظَرُ تَحْتَ عُنْوَانِ. (الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) .
هَذَا، وَإِنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإِْنْكَارَ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الأَْفْعَال، أَوْ مَا يَسْمَعُهُ مِنَ الأَْقْوَال، يَدُل عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْفِعْل أَوِ الْقَوْل، وَأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ شَرْعًا. وَهَذَا التَّرْكُ هُوَ أَحَدُ أُصُول الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَيُسَمِّيهِ الأُْصُولِيُّونَ (الإِْقْرَارَ) أَوِ (التَّقْرِيرَ) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَبَاحِثِهِ تَحْتَ عُنْوَانِ (تَقْرِيرٌ) وَفِي بَابِ (السُّنَّةِ) مِنَ الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
__________
(1) سورة آل عمران / 104.
(2) حديث: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. . . . . " أخرجه مسلم (1 / 69 - ط الحلبي) .

2 - صلح على إنكار:
بأن يكون للمدعي حق لا يعلمه المدعى عليه فينكره، فإذا اصطلحا على شيء صح الصلح، لكن إن كذب أحدهما لم يصح الصلح في حقه باطناً وما أخذه حرام.
* المسلمون على شروطهم، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً.
والصلح الجائز هو العادل الذي أمر الله ورسوله به، وهو ما يقصد به رضا الله تعالى عنه، ثم رضا الخصمين، وقد مدحه الله تعالى بقوله: ( .. وَالصُّلْحُ خَيْرٌ .. ) (النساء/128).
* الصلح العادل له شروط أهمها: أهلية المتصالحين بأن تصح منهما التصرفات الشرعية، وأن لا يشتمل الصلح على تحريم حلال أو تحليل حرام، وأن لا يكون أحد المتصالحين كاذباً في دعواه، وأن يكون المصلح تقياً عالماً بالوقائع، عارفاً بالواجب، قاصداً العدل.
* يحرم على المالك أن يحدث بملكه ما يضر بجاره من ماكينة قوية، أو فرن ونحوهما، فإن لم يضر فلا بأس، وللجار على جاره حقوق كثيرة أهمها: صلته وبره والإحسان إليه وكف الأذى عنه، والصبر على أذاه ونحو ذلك مما يجب على المسلم.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى طننت أنه سيورثه)). متفق عليه (¬1).
¬_________
(¬1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6015)، ومسلم برقم (2625).

وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

* وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلَّوا:
عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتُنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلِم، ولكن من رضي وتابع)) قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: ((لا. ما صلَّوا)). أخرجه مسلم (¬1).
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم برقم (1854).

تلقيب جلال الدين نفسه بـ (شاهنشاه) وإنكار العلماء عليه ومنهم الماوردي.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

تلقيب جلال الدين نفسه بـ (شاهنشاه) وإنكار العلماء عليه ومنهم الماوردي.
429 - 1037 م
سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله ليخاطب بشاهنشاه أي ملك الملوك، فامتنع، ثم أجاب إليه إذ أفتى الفقهاء بجوازه، فكتب فتوى إلى الفقهاء في ذلك، فأفتى القاضي أبو الطيب الطبري، والقاضي أبو عبد الله الصيمري، والقاضي ابن البيضاوي، وأبو القاسم الكرخي بجوازه، وامتنع منه قاضي القضاة أبو الحسن الماوردي، وجرى بينه وبين من أفتى بجوازه مراجعات، وخطب لجلال الدولة بملك الملوك، وكان الماوردي من أخص الناس بجلال الدولة، وكان يتردد إلى دار المملكة كل يوم، فلما أفتى بهذه الفتيا انقطع ولزم بيته خائفاً، وأقام منقطعاً من شهر رمضان إلى يوم عيد النحر، فاستدعاه جلال الدولة، فحضر خائفاً، فأدخله وحده وقال له: قد علم كل أحد أنك من أكثر الفقهاء مالاً، وجاهاً، وقرباً منا، وقد خالفتهم فيما خالف هواي، ولم تفعل ذلك إلا لعدم المحاباة منك، واتباع الحق، وقد بان لي موضعك من الدين، ومكانك من العلم، وجعلت جزاء ذلك إكرامك بأن أدخلتك إلي، وجعلت أذن الحاضرين إليك، ليتحققوا عودي إلى ما تحب، فشكره ودعا له.

قراءة الاعتقاد القادري الذي فيه إظهار السنة والإنكار على أهل البدع.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

قراءة الاعتقاد القادري الذي فيه إظهار السنة والإنكار على أهل البدع.
460 جمادى الآخرة - 1068 م
يوم النصف من جمادى الآخرة قرئ الاعتقاد القادري الذي فيه مذهب أهل السنة والجماعة، والإنكار على أهل البدع، وقرأ أبو مسلم الكجي البخاري المحدث كتاب التوحيد لابن خزيمة على الجماعة الحاضرين، وذكر بمحضر من الوزير ابن جهير وجماعة الفقهاء وأهل الكلام، واعترفوا بالموافقة، ثم قرئ الاعتقاد القادري على الشريف أبي جعفر بن المقتدي بالله بباب البصرة، وذلك لسماعه له من مصنفه الخليفة القادر بالله.

إنكار الشيخ أبي إسحاق الشيرازي مع عدد من الحنابلة على المفسدين.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إنكار الشيخ أبي إسحاق الشيرازي مع عدد من الحنابلة على المفسدين.
464 - 1071 م
قام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مع الحنابلة في الإنكار على المفسدين، والذين يبيعون الخمور، وفي إبطال المواجرات وهن البغايا، وكتبوا إلى السلطان في ذلك فجاءت كتبه في الإنكار.

إنكار البكري على السلطان قلاوون وما كان منه بشأن النصارى.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إنكار البكري على السلطان قلاوون وما كان منه بشأن النصارى.
714 محرم - 1314 م
في نصف المحرم اتفق أنه كان للنصارى مجتمع بالكنيسة المعلقة بمصر، واستعاروا من قناديل الجامع العتيق جملة، فقام في إنكار ذلك الشيخ نور الدين علي بن عبد الوارث البكري (وهو من أعداء شيخ الإسلام ابن تيمية الذين كانوا قد سعوا في أذاه مع أن شيخ الإسلام شفع فيه أيضا لما طلب من جهته)، وجمع من البكرية وغيرهم خلائق، وتوجه إلى المعلقة وهجم على النصارى وهم في مجتمعهم وقناديلهم وشموعهم تزهر، فأخرق بهم وأطفأ الشموع وأنزل القناديل، وعاد البكري إلى الجامع، وقصد القومة، وجمع البكري الناس معه على ذلك، وقصد الإخراق بالخطيب، فاختفى منه وتوجه إلى الفخر ناظر الجيش وعرفه بما وقع، وأن كريم الدين أكرم هو الذي أشار بعارية القناديل فلم يسعه إلا موافقته، فلما كان الغد عرف الفخر السلطان بما كان، وعلم البكري أن ذلك قد كان بإشارة كريم الدين، فسار بجمعه إلى القلعة واجتمع بالنائب وأكابر الأمراء، وشنع في القول وبالغ في الإنكار، وطلب الاجتماع بالسلطان، فأحضر السلطان القضاة والفقهاء وطلب البكري، فذكر البكري من الآيات والأحاديث التي تتضمن معاداة النصارى، وأخذ يحط عليهم، ثم أشار إلى السلطان بكلام فيه جفاء وغلظة حتى غضب منه عند قوله: أفضل المعروف كلمة حق عند سلطان جائر، وأنت وليت القبط المسالمة، وحكمتهم في دولتك وفي المسلمين، وأضعت أموال المسلمين في العمائر والإطلاقات التي لا تجوز، إلى غير ذلك، فقال السلطان له: ويلك! أنا جائر؟ فقال: نعم! أنت سلطت الأقباط على المسلمين، وقويت دينهم، فلم يتملك السلطان نفسه عند ذلك، وأخذ السيف وهم بضربه، فأمسك الأمير طغاى يده، فالتفت السلطان إلى قاضي القضاة زين الدين بن مخلوف، وقال: هكذا يا قاضي يتجرأ علي؟ إيش يجب أفعل به؟ قل لي!، وصاح به، فقال له ابن مخلوف: ما قال شيئاً ينكر عليه فيه، ولا يجب عليه شيء، فإنه نقل حديثاً صحيحاً، فصرخ السلطان فيه وقال: قم عني!، فقام من فوره وخرج، فقال صدر الدين بن المرحل - وكان حاضراً - لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعي: يا مولانا! هذا الرجل تجرأ على السلطان وقد قال الله تعالى أمرا لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون {{فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى}} فقال ابن جماعة للسلطان: قد تجرأ ولم تبق إلا مراحم مولانا السلطان، فانزعج السلطان انزعاجاً عظيماً، ونهض عن الكرسي، وقصد ضرب البكري بالسيف، فتقدم إليه طغاي وأرغون في بقية الأمراء، وما زالوا به حتى أمسك عنه، وأمر بقطع لسانه، فأخرج البكري إلى الرحبة، وطرح إلى الأرض، والأمير طغاي يشير إليه أن يستغيث، فصرخ البكري وقال: أنا في جيرة رسول الله، وكررها مراراً حتى رق له الأمراء، فأشار إليهم طغاي بالشفاعة فيه، فنهضوا بأجمعهم وما زالوا بالسلطان حتى رسم بإطلاقه وخروجه من مصر، وأنكر الأمير أيدمر الخطيري كون البكري قوى نفسه أولا في مخاطبة السلطان، ثم إنه ذل بعد ذلك، ونسب إلى أنه لم يكن قيامه خالصاً لله.

هو النفي قطعا أو ظنا لما يظهر امتناعه بحسب النوع أو الشخص، وهو أحد المعاني التي تأتي لها همزة الاستفهام، وهو نوعان: ١ ـ إبطاليّ، ويعني أنّ ما بعد الهمزة غير واقع، وأنّ مدّعيه كاذب، نحو الآية: (أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً) (الإسراء: ٤٠) .

٢ ـ توبيخيّ، ويعني أنّ ما بعد الهمزة واقع، وأنّ فاعله ملوم على فعله، فلهذا يوبّخ عليه، نحو الآية: (أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ.) (الصافات: ٩٥) .


راجع «الاستفهام الإنكاريّ» في «الاستفهام».

إزالة الإنكار في مسألة الأبكار

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

إزالة الإنكار، في مسألة الأبكار
للشيخ، الإمام، نجم الدين: سليمان بن عبد القوي، الطوفي، الحنبلي.
المتوفى: سنة عشر وسبعمائة.

الباعث على إنكار البدع والحوادث

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الباعث، على إنكار البدع والحوادث
للشيخ، أبي شامة: عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي، الشافعي.
المتوفى: سنة خمس وستين وستمائة.

تحرير الإنكار في جواب ابن العطار

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

تحرير الإنكار، في جواب ابن العطار
للشيخ، زين الدين: قاسم بن قطلوبغا الحنفي.
المتوفى: سنة تسع وسبعين وثمانمائة.
وهو في قول المحققين من أئمتنا: إن النفي والإثبات، إذا تعارضا، وكان النفي مما علم بدليله، فإنه يقضي على المثبت.

دفع التعرض والإنكار لبسط روضة المختار

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

دفع التعرض والإنكار، لبسط روضة المختار
وهو ملخص كتاب: (دلالات المرشد) .
يأتي في: هذا الحرف.

السيف النظار في الفرق بين الثبوت والإنكار

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

لغة: مصدر أنكر، ويأتي في اللغة لثلاثة معان: الأول: الجهل بالشخص أو الشيء أو الأمر، تقول: «أنكرت زيدا، وأنكرت الخبر إنكارا ونكرته» : إذا لم تعرفه، قال الله تعالى: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ. [سورة يوسف، الآية 58].
وقد يكون في الإنكار مع عدم المعرفة بالشيء: النفرة منه التخوّف، ومنه قوله تعالى: فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ.
قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [سورة الحجر، الآيتان 61، 62]، أي: تنكركم نفسي وتنفر منكم فأخاف أن تطرقونى بشرّ.
الثاني: نفى الشيء المدعى أو المسئول عنه.
الثالث: تغيير الأمر المنكر وعيبه والنهى عنه.
والمنكر: هو الأمر القبيح، خلاف المعروف، واسم المصدر هنا «النكير»، ومعناه: «الإنكار».
- الإنكار ضد الإقرار في اللغة: أنكرت حقه: إذا جحدته.
- اصطلاحا: فيرد استعمال الإنكار بمعنى: الجحد، وبمعنى:
تغيير المنكر، ولم يستدل على وروده بمعنى: الجهل بالشيء في كلامهم.
- والمنكر في الاصطلاح: من يتمسك ببقاء الأصل.
«المصباح المنير (نكر) ص 239، والموسوعة الفقهية 6/ 46، 47، 7/ 51، والقاموس القويم 2/ 286».

الارتداد الإنكار الردة

معجم المصطلحات الاسلامية

Abjuration الارتداد الإنكار الردة

شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت