نتائج البحث عن (الطبيع) 50 نتيجة

(الطبيعة) السجية ومزاج الْإِنْسَان الْمركب من الأخلاط وَالْقُوَّة السارية فِي الْأَجْسَام الَّتِي بهَا يصل الْجِسْم إِلَى كَمَاله الطبيعي وطبيعة النَّار أَو الدَّوَاء أَو نَحوه مَا سخر الله تَعَالَى من مزاجه (ج) طبائعو (علم الطبيعة) علم يبْحَث عَن طبائع الْأَشْيَاء وَمَا اخْتصّت بِهِ من الْقُوَّة والطبائع الْأَرْبَع عِنْد الأقدمين الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة
(الطبيعي) نِسْبَة إِلَى الطبيعة
الأجسام الطبيعية: عند أرباب الكشف: عبارة عن العرش والكرسي.
الأمور الطبيعية:[في الانكليزية] Natural necessary parts [ في الفرنسية] Parties naturelles necessaires هي عند الأطباء المبادي التي يبتني عليها وجود الإنسان وبها يكون قوامه. ولو فرض عدم شيء منها لم يكن له وجود أصلا، وهي سبعة:الأركان والأمزجة والأخلاط والأعضاء والأرواح والقوى من الطبيعة والنفسانية والحيوانية والأفعال. وإنما نسبت تلك الأمور إلى الطبيعة لأنها إمّا مادة لما هي فيه وهي الأركان والأخلاط والأعضاء والأرواح، أو صورة له وهي الأمزجة والقوى إذ الأمزجة هي الصور الأول والقوى هي الصور الثانية، أو غاية له وهي الأفعال. وقيل الأركان والأخلاط والأعضاء والأرواح كالمادة والأمزجة والقوى كالصورة. وألحق الأطباء الأفعال بها للتعلّق الشديد بين القوة والفعل، كذا في الأقسرائي شرح الموجز. وزاد بعض الأطباء أربعة أخرى وهي الأسنان والألوان والسحنات والفرق بين الذكر والأنثى، وأراد بالأمور المنسوبة إلى الطبيعة الداخلة في بقاء الإنسان وما يجري مجراها، ولا مشاحة في الاصطلاحات كذا في بحر الجواهر.
الطّبيعة:[في الانكليزية] Nature ،physics [ في الفرنسية] Nature ،physique

بالفتح وكسر الموحدة وبالفارسية: السّجيّة التي جبل الإنسان وطبع عليها، سواء صدرت عنها صفات نفسية أولا، كالطّباع بالكسر إذ الطّباع ما ركّب فينا من المطعم والمشرب وغير ذلك من الأخلاق التي لا تزايلنا، وكذا الغريزة هي الصفة الخلقية أي التي خلقت عليها كأنّها غرزت فيها، هكذا ذكر صاحب الأطول والسّيّد السّند. ولا تخرج سجية غير الإنسان من الحيوانات فإنّ قيد الإنسان وقع اتفاقا لا يقصد منه الاحتراز، وأيضا هذا تعريف لفظي فيجوز بالأخصّ ولكونه تعريفا لفظيا لا يلزم تعريف الشيء بنفسه من قوله وطبع عليها كما في العلمي في فصل الفلك قابل للحركة المستديرة.والطّبع بالفتح وسكون الباء أيضا بمعنى الطبيعة.

قال في الصّراح: الطّبع هو فطرة النّاس التي فطروا عليها،، وهو في الأصل مصدر طبيعة طباع كذلك انتهى.والطبيعة في اصطلاح العلماء تطلق على معان. منها مبدأ أول لحركة ما هي فيه وسكونه بالذات لا بالعرض. والمراد بالمبدإ المبدأ الفاعلي وحده، وبالحركة أنواعها الأربعة أعني الأينية والوضيعة والكمّية والكيفية، وبالسكون ما يقابلها جميعا وهي بانفرادها لا تكون مبدأ للحركة والسكون معا، بل مع اتصاف شرطين هما عدم الحالة الملائمة ووجودها. ويراد بما هي فيه ما يتحرّك ويسكن بها وهو الجسم، ويحترز به عن المبادئ القسرية والصناعية فإنّها لا تكون مبادي لحركة ما هي فيه، وبالأول عن النفوس الأرضية فإنها تكون مبادي لحركات ما هي فيه كالإنماء مثلا إلّا أنّها تكون مبادي باستخدام الطبائع والكيفيات، وتوسّط الميل بين الطبيعة والجسم عند التحرّك لا يخرجها عن كونها مبدأ أوّلا لأنّه بمنزلة آلة لها. والمراد بقولهم بالذات أحد المعنيين: الأول بالقياس إلى المتحرّك أي أنها تحرّك بذاتها لا عن تسخير قاسر إيّاها. والثاني بالقياس إلى المتحرّك وهو أن يتحرّك الجسم بذاته لا عن سبب خارج. ويراد بقولهم لا بالعرض أيضا أحد المعنيين: الأول بالقياس إلى المتحرّك وهو أنّ الحركة الصادرة عنها لا تصدر بالعرض كحركة السفينة، والثاني بالقياس إلى المتحرّك وهو أنّها تحرّك الشيء الذي ليس متحرّكا بالعرض كصنم من نحاس، فإنّه يتحرّك من حيث هو صنم بالعرض. والطبيعة بهذا المعنى تقارب الطّبع الذي يعمّ الأجسام حتى الفلك، كذا قال المحقّق الطوسي في شرح الإشارات في البسائط. فعلى هذا يكون ضمير هي راجعا إلى المبدأ بتأويل الطبيعة. وقوله بالذات احتراز عن طبيعة المقسور. وقوله لا بالعرض احتراز عن مبدأ الحركة العرضية. ولا يخفى أنّ قوله بالذات على هذا مستدرك لأنّ مبدأ الحركة القسرية لا يكون في الجسم بل في القاسر.وقيل ضمير هي راجع إلى حركة، ويلزم على هذا استدراك قوله ما هي فيه إذ يكفي أن يقال إنّه مبدأ أول للحركة والسكون. ثم التحقيق أنّ مبدأ الحركة القسرية قوة في ذات المقسور أوجدها القاسر فيه. فبقيد ما هي فيه لا يخرج مبدأ الحركة القسرية ولا بقوله بالذات. وأيضا قوله لا بالعرض مستدرك ويمكن أن يقال إنّ ضمير هي راجع إلى المبدأ ويكون قوله ما هي فيه احترازا عن مبدأ الحركة العرضية فإنّه ليس في المتحرّك بالعرض. ومعنى قوله بالذات أنّ حصول المبدأ في الجسم المتحرّك بالذات فخرج مبدأ الحركة القسرية، فإنّ حصوله فيه بسبب القاسر. ومعنى قوله لا بالعرض لا باعتبار العرض، وهو إشارة إلى أنّ الحركة مثلا في الكرة المتحرّكة من حيث إنّها كرة تعرض للجسم والكرة معا عروضا واحدا، إلّا أنّه للجسم والكرة معا عروضا واحدا، إلّا أنّه للجسم لذاته وللكرة بتوسّطه؛ لكنّ إطلاق الطبيعة على مبدأ تلك الحركة بالاعتبار الأول لا بالاعتبار الثاني، فتأمّل. هكذا ذكر عبد العلي البرجندي في حاشية الجغميني في الخطبة.ومنها مبدأ أول لحركة ما هي فيه وسكونه بالذات لا بالعرض من غير إرادة وهذا المعنى لا يشتمل لما له شعور فيكون أخصّ من الأول. قال السّيّد السّند في حاشية المطول في فنّ البيان: الطبيعة قد يخصّ بما يصدر عنها الحركة والسكون فيما هو فيه أوّلا وبالذات من غير إرادة، وهكذا ذكر المحقّق الطوسي في شرح الإشارات. وفي بعض شرح التجريد أنّ استعمال الطبيعة في هذا المعنى أكثر منه في الأول حيث قال إنّ الطّباع يتناول ماله شعور وإرادة وما لا شعور له، والطبيعة في أكثر استعمالاتها مقيّدة بعدم الإرادة. والطّبع قد يطلق على معنى الطّباع وقد يطلق على معنى الطبيعة، انتهى كلامه. وفي بعض حواشي شرح هداية الحكمة أنّ الطبيعة أيضا تطلق على سبيل النّدرة مرادفة للطّباع كما صرّح به بعض المحقّقين.ومنها مبدأ أول لحركة ما هي فيه وسكونه بالذات لا بالعرض على نهج واحد من غير إرادة، وهذا المعنى أخصّ من الأولين. قال المحقق الطوسي في شرح الإشارات: الطبيعة مبدأ أول لحركة ما هي فيه وسكونه بالذات لا بالعرض، وشرح هذا كما عرفت. ثم قال:وربما يزاد في هذا التعريف قولهم على نهج واحد من غير إرادة، وحينئذ يتخصّص المعنى المذكور بما يقابل النفس وذلك لأنّ المتحرّك يتحرّك إمّا على نهج واحد أولا على نهج واحد، وكلاهما بإرادة أو من غير إرادة. فمبدأ الحركة على نهج واحد ومن غير إرادة هو الطبيعة، وبإرادة هو القوة الفلكية، ومبدأها لا على نهج واحد من غير إرادة هو القوة النباتية، وبإرادة هو القوة الحيوانية، والقوى الثلاث تسمّى نفوسا، انتهى، ومما يؤيّده ما وقع في شرح حكمة العين في بيان النفس النباتية من أن الأفعال الصادرة عن صور أنواع الأجسام. منها ما يصدر عن إدراك وإرادة وينقسم إلى ما يكون الفعل الصادر منه على وتيرة واحدة كما للأفلاك، وإلى ما لا يكون على وتيرة واحدة بل على جهات مختلفة كما للحيوان. ومنها ما لا يصدر عن إرادة وإدراك وينقسم إلى ما يكون على وتيرة واحدة وهي القوّة السّخرية كما يكون للبسائط العنصرية كميل الأجزاء الأرضية إلى المركز، وإلى ما لا يكون على وتيرة واحدة بل على جهات مختلفة كما يكون للنبات والحيوان من أفاعيل القوّة التي توجب الزيادة في الأقطار المختلفة، وللقوة السخرية خصوصا باسم الطبيعة، والثلاثة الباقية يسمّونها النفس. ومنها الصورة النوعية بل الصورة الجسمية أيضا كما مرّ. ومنها الحقيقة كما ذكر عبد العلي البرجندي في حاشية الجغميني، وهذا هو المراد بالطبيعة الواقعة في تعريف الخاصة المطلقة. ومنها المفهوم الذي إذا أخذ من حيث هو هو لا يمنع وقوع الشركة، وهذا من مصطلحات أهل المنطق، كذا ذكر عبد العلي البرجندي أيضا في تلك الحاشية. ومنها قوة من شأنها حفظ كمالات ما هي فيه على ما ذكر عبد العلي البرجندي أيضا هناك. والظاهر أنّ الفرق بين هذا المعنى والمعنى الأول أنّ المبدأ الفاعلي في المعنى الأول سبب لوجود الحركة والسكون، والقوة المذكورة في هذا المعنى سبب فاعلي للحفظ لا للوجود، فإنّ الحركة والسكون أيضا من الكمالات والله أعلم. ومنها قوّة من قوى النفس الكلّية سارية في الأجسام فاعلة لصورها المنطبعة في موادها. ومنها حقيقة إلهية فعّالة للصّور كلّها.في شرح الفصوص للجامي في الفصّ الأول الطبيعة في عرف علماء الرسوم قوة من قوى النفس الكلية سارية في الأجسام الطبيعية السفلية والأجرام فاعلة لصورها المنطبعة في موادها الهيولانية. وفي مشرب الكشف والتّحقيق حقيقة إلهية فعّالة للصّور كلّها وهذه الحقيقة تفعل الصور الأسمائية بباطنها في المادة العمائية، فإنّ النّشأة واحدة جامعة بحقيقتها للصور الحقّانية الوجوبية والصّور الخلقية الكونية روحانية كانت أو مثالية أو جسمانية بسيطة أو مركبة. والصور في طور الحقيق الكشفي علوية وسفلية، والعلوية حقيقية وهي صور الأسماء الربوبية والحقائق الوجوبية ومادة هذه الصور وهيولاها العماء، والحقيقة الفعالة لها أحد جمع ذات الألوهية، وإضافية وهي حقائق الأرواح العقلية المهيمنية والنفسية، ومادة هذه الصور الروحانية هي النور.وأمّا الصور السفلية فهي صور الحقائق الإمكانية وهي أيضا منقسمة إلى علوية وسفلية. فمن العلوية ما سبق من الصور الروحانية ومنها صور عالم المثال المطلق والمقيّد. وأمّا السفلية فمنها صور عالم الأجسام الغير العنصرية كالعرش والكرسي، ومادتها الجسم الكلّ. ومنها صور العناصر والعنصريات، ومن العنصريات الصور الهوائية والنارية والمارجيّة، ومادة هذه الصور الهواء والنار وما اختلط معهما من الثقلين الباقيين من الأركان المغلوبين في الخفيفين ومنها الصور السفلية الحقيقية وهي ما غلب في نشئه الثقيلان وهما الأرض والماء على الخفيفين وهما النار والهواء، وهي ثلاث صور: صور معدنية، وصور نباتية، وصور حيوانية، وكلّ من هذه العوالم يشتمل على صور شخصية لا تتناهى ولا يحصيها إلّا الله سبحانه. والحقيقة الفعّالة الإلهية فاعلة بباطنها من الصور الأسمائية وبظاهرها الذي هو الطبيعة الكلّية التي هي مظهرها أصل صور العوالم كلها انتهى كلامه. ومنها القوة المدبّرة لبدن الإنسان من غير إرادة ولا شعور وهي مبدأ كلّ حركة وسكون بالذات على ما قال بقراط كما في بحر الجواهر. ومنها المزاج الخاص بالبدن.ومنها الهيئة التركيبية. ومنها حركة النفس. في بحر الجواهر قال العلّامة اسم الطبيعة يقال في عرف الطبّ على أربعة معان: أحدها على المزاج الخاص بالبدن. وثانيها على الهيئة التركيبية. وثالثها على القوّة المدبّرة. ورابعها على حركة النفس، والأطباء ينسبون جميع أحوال البدن إلى الطبيعة المدبّرة للبدن، والفلاسفة ينسبون ذلك إلى النفس ويسمّون هذه الطبيعة قوة جسمانية انتهى.وقال عبد العلي البرجندي في شرح حاشية الچغميني وقد تطلق الطبيعة على النفس كما وقع في عبارة الأطباء الطبيعة تقاوم المرض في البحران انتهى. فالمراد بالنفس هي النفس الناطقة.
الطّبيعي:[في الانكليزية] Natural [ في الفرنسية] Naturel هو ما يكون مستندا إلى الذات سواء كان استناده إلى نفس الذات أو جزئه أو لازمه، سواء كان مساويا أو أعمّ، فالطبيعة المنسوب إليها حينئذ بمعنى الحقيقة، ويراد أيضا بالطبيعي ما يكون مستندا إلى الصورة النوعية وقد سبق في لفظ الخبر. والأمور الطبعية ما يبتني عليها وجود الإنسان كما مرّ أيضا، ويطلق الطبعي أيضا على علم من العلوم المدوّنة الحكمية فإنّ علم الحكمة ينقسم إلى عملي ونظري، والحكمة النظرية تنقسم إلى علم طبيعي ورياضي وإلهي مسمّى بما بعد الطبيعة، وبما قبل الطبيعة أيضا.والطبيعيون هم أهل العلم الطبعي. ويطلق الطبيعيون أيضا على فرقة يعبدون الطبائع الأربع أي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة لأنّها أصل الوجود، إذ العالم مركّب منها وتسمّى هذه الفرقة بالطبائعية كذا في الإنسان الكامل.

الْأَجْسَام الطبيعية

دستور العلماء للأحمد نكري

الْأَجْسَام الطبيعية: تعلم من الْجِسْم الطبيعي. وَعند الطَّائِفَة الْعلية الصُّوفِيَّة عبارَة عَن الْعَرْش والكرسي.
الجسم الطبيعي: الَّذِي طبيعة من الطبائع وَحَقِيقَة من الْحَقَائِق جَوْهَر قَابل للانقسام فِي الْجِهَات الثَّلَاث. وَعند الْمَشَّائِينَ الْجِسْم الطبيعي مركب من الهيولى وَالصُّورَة الجسمية. وَعند الإشراقيين جَوْهَر بسيط لَا تركيب فِيهِ بل هُوَ صُورَة جسمية قَائِمَة بذاتها غير حَالَة فِي شَيْء. وَفِي التَّعْرِيف الْمَذْكُور للجسم الطبيعي نظر مَشْهُور وَهُوَ أَنهم إِن أَرَادوا بالقابل بِالذَّاتِ ف 5 لَا يصدق هَذَا التَّعْرِيف على شَيْء من أَفْرَاد الْمُعَرّف أَي الْجِسْم الطبيعي لِأَن الْقَابِل بِالذَّاتِ للانقسام فِي الْجِهَات الثَّلَاث منحصر فِي الْجِسْم التعليمي. وَإِن أَرَادوا الْقَابِل فِي الْجُمْلَة أَعم من أَن يكون بِالذَّاتِ أَو بِالْعرضِ أَي بِوَاسِطَة أَمر آخر يصدق التَّعْرِيف على كل من الهيولى وَالصُّورَة أَيْضا.وَالْحَاصِل أَن التَّعْرِيف غير جَامع على الأول وَغير مَانع على الثَّانِي.وَالْجَوَاب أَنا نَخْتَار الشق الأول يَعْنِي المُرَاد بالقابل الْقَابِل بِالذَّاتِ وَالْمرَاد مِنْهُ مَا لَا يكون قبُوله للانقسام بِوَاسِطَة جَوْهَر خَارج عَنهُ. وَلَا ريب فِي صدقه على الْجِسْم وَعدم صدقه على كل وَاحِدَة من الهيولى وَالصُّورَة إِذْ قبُول كل وَاحِدَة مِنْهُمَا للانقسام بِوَاسِطَة مُقَارنَة الآخر فَكَانَ قبُول كل وَاحِدَة مِنْهُمَا لَهُ بِوَاسِطَة جَوْهَر خَارج وَقبُول الْجِسْم لَهُ وَإِن كَانَ بواسطتهما وبواسطة الْجِسْم التعليمي الَّذِي هُوَ عرض فَلَيْسَ بِوَاسِطَة جَوْهَر خَارج عَنهُ. وَيُمكن الْجَواب بِإِرَادَة الشق الثَّانِي. وَالْمرَاد أَن الْجِسْم الطبيعي جَوْهَر مركب قَابل للانقسام فِي الْجِهَات فِي الْجُمْلَة وَحِينَئِذٍ لَا يصدق على الهيولى وَالصُّورَة وَحدهَا بِعَدَمِ تركيبهما.

الطبيعة الْمُطلقَة

دستور العلماء للأحمد نكري

الطبيعة الْمُطلقَة: قَالَ الزَّاهِد رَحمَه الله تَعَالَى إِن الْكُلِّي يُؤْخَذ على نحوين يُؤْخَذ من حَيْثُ هُوَ وَلَا يُلَاحظ مَعَه الْإِطْلَاق وَيُقَال لَهُ مُطلق الطبيعة وَحِينَئِذٍ يَصح إِسْنَاد أَحْكَام الْأَفْرَاد إِلَيْهِ لاتحاده مَعهَا ذاتا ووجودا وَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَار يتَحَقَّق بتحقق فَرد وينتفي بانتفائه وَهُوَ مَوْضُوع الْقَضِيَّة الْمُهْملَة إِذْ موجبتها تصدق بِصدق الْمُوجبَة الْجُزْئِيَّة وسالبتها تصدق بِصدق السالبة الْجُزْئِيَّة وَيُؤْخَذ من حَيْثُ إِنَّه مُطلق ويلاحظ مَعَه الْإِطْلَاق لَا بِأَن يكون الْإِطْلَاق قيدا لَهُ وَإِلَّا لَا يبْقى مُطلقًا بل بِأَن يكون عنوانا لملاحظته وشرحا لحقيقته وَيُقَال لَهُ الطبيعة الْمُطلقَة وَحِينَئِذٍ لَا يَصح إِسْنَاد أَحْكَام الْأَفْرَاد إِلَيْهِ لِأَن الْحَيْثِيَّة الإطلاقية تأبى عَنهُ وَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَار يتَحَقَّق بتحقق فَرد وَلَا يَنْتَفِي بانتفائه بل بِانْتِفَاء جَمِيع الْأَفْرَاد وَهُوَ مَوْضُوع الْقَضِيَّة الطبيعية.
الطبيعي: أَي أَمر طبيعي يَقْتَضِيهِ الطَّبْع. وَعند الْحُكَمَاء علم بأحوال مَا يفْتَقر إِلَى الْمَادَّة فِي الْوُجُود الْخَارِجِي والتعقل كالإنسان بِاعْتِبَار أَنه نوع من أَنْوَاع الْحَيَوَان الَّذِي هُوَ نوع من أَنْوَاع الْجِسْم الطبيعي وَإِلَّا فالإنسان بِاعْتِبَار الْمَاهِيّة دَاخل فِي الْعلم الْأَعْلَى - وَإِنَّمَا سمي هَذَا الْعلم بالطبيعي لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهِ عَن الْجِسْم الطبيعي.

الْقَضِيَّة الطبيعية

دستور العلماء للأحمد نكري

الْقَضِيَّة الطبيعية: هِيَ الَّتِي حكم فِيهَا على نفس الْحَقِيقَة وعَلى الْأَفْرَاد سَوَاء كَانَ موضوعها صَالحا للكلية والجزئية أَولا كَقَوْلِنَا الْإِنْسَان نوع وَالْحَيَوَان جنس.وَاعْلَم أَن الْقَضِيَّة الطبيعية لَا تقع كبرى الشكل الأول لاشْتِرَاط كليتها فاندفعت المغالطة الْمَشْهُورَة وَهِي أَن قَوْلنَا زيد إِنْسَان وَالْإِنْسَان نوع وَكَذَا قَوْلنَا الْإِنْسَان حَيَوَان وَالْحَيَوَان جنس على هَيْئَة الشكل الأول وينتج زيد نوع وَالْإِنْسَان جنس. وَلَا يخفى بُطْلَانه وَمَا ذكرنَا فِي تَعْرِيف الْقَضِيَّة الطبيعية أحسن من تَعْرِيفهَا الَّذِي يعلم من كَلَام صَاحب الشمسية وَهُوَ أَن الْقَضِيَّة الطبيعية هِيَ الْقَضِيَّة الحملية الَّتِي يكون موضوعها كليا غير صَالح للكلية والجزئية لِأَنَّهُ على هَذَا التَّعْرِيف يخرج مثل قَوْلنَا الْإِنْسَان حَيَوَان نَاطِق عَن الطبيعية لصلاحية وموضوعه لَهما بِخِلَاف ذَلِك التَّعْرِيف كَمَا لَا يخفى.وَاعْلَم أَن مثل قَوْلنَا الْإِنْسَان حَيَوَان نَاطِق يحْتَمل أَمريْن لِأَنَّهُ إِن حكم فِيهِ على نفس طبيعة الْإِنْسَان كَانَ طبيعية وَإِن كَانَ على أفرادها كَانَ مُهْملَة. وَإِنَّمَا قُلْنَا أحسن لَا مَكَان حمل تَعْرِيف صَاحب الشمسية على مَا ذكرنَا لِأَن نفس طبيعة الْإِنْسَان من حَيْثُ هِيَ هِيَ مَوْضُوع للحيوان النَّاطِق غير صَالح للكلية والجزئية فَافْهَم.

الْكُلِّي الطبيعي

دستور العلماء للأحمد نكري

الْكُلِّي الطبيعي: فَهُوَ معروض الْكُلِّي المنطقي وَإِنَّمَا سمي كليا طبيعيا لِأَنَّهُ طبيعة من الطبائع أَي حَقِيقَة من الْحَقَائِق أَو لِأَنَّهُ مَوْجُود فِي الطبيعة أَي فِي الْخَارِج. وَأما كليته فَلِأَنَّهُ يصلح لِأَن يكون معروض الْكُلية أَي عدم منع تصَوره عَن وُقُوع الشّركَة بَين كثيرين وَهِي أَفْرَاده. وَأما الْكُلِّي المنطقي فَلَيْسَ بكلي بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَفْرَاد الْكُلِّي الطبيعي بل كلي بِالنِّسْبَةِ إِلَى فراده وموضوعاته فَإِن الْإِنْسَان مثلا كلي طبيعي وافراده زيد وَعَمْرو وَبكر. والكلي المنطقي لَا يصدق على هَذِه الْأَفْرَاد فالكلي المنطقي لَيْسَ بكلي بِالْقِيَاسِ إِلَيْهَا بل بِالْقِيَاسِ إِلَى مَوْضُوعَاته أَعنِي مَفْهُوم الْإِنْسَان وَالْفرس وَالْبَقر وَغير ذَلِك وَالْأَمر الثَّالِث هُوَ.
النّظم الطبيعي: عِنْد المنطقيين هُوَ الِانْتِقَال من مَوْضُوع الْمَطْلُوب إِلَى الْحَد الْأَوْسَط ثمَّ مِنْهُ إِلَى الْمَحْمُول حَتَّى يلْزم مِنْهُ النتيجة - وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الشكل الأول من الأشكال الْأَرْبَعَة.
والأجسام الطبيعية: عند الصوفية العرش والكرسي، والعنصرية ما عداهما من السماوات وما فيها.
الأجسام المختلفة الطبائع, العناصر وما تركب منها من المواليد الثلاثة.
والأجسام البسيطة المستقيمة الحركة التي مواضعها الطبيعية داخل جوف فلك القمر، وتسمى أركانا وعناصر وإستقصات.
الطبيعة: القوة السارية في الأجسام التي بها يصل الجسم إلى كماله الطبيعي، كذا قرره ابن الكمال. وفي المصباح: الطبع الجبلة التي خلق عليها الإنسان، والطبيعة مزاج الإنسان المركب من الأخلاط. وقال الراغب. الطبع تصور الشيء بصورة ما كطبع السكة الدرهم، وهو أعم من الختم وأخص من النقش، والطابع والخاتم: ما يطبع به ويختم، وبه اعتبر الطبع والطبيعة التي هي السجية، فإن ذلك هو نقش النفس بصورة ما من حيث الخلقة أو العادة، وهو فيما ينقش به من جهة الخلقة أغلب، ولذلك قيل: "وتأبى الطباع على الناقل". وطبيعة الدواء ما سخره الله له من مزاجه.
الحركة الطبيعية: ما لا يحصل بسبب أمر خارج وليس بشعور وإرادة كحركة الحجر إلى السفل.
القضية الطبيعية: التي حكم فيها على نفس الحقيقة نحو: الحيوان جنس والإنسان نوع ينتج الحيوان نوع وهو باطل.
النظم الطبيعي: الانتقال من موضع المطلوب إلى الحد الأوسط ثم منه إلى محموله حتى يلزم منه النتيجة.
المد الطبيعي:" هو الذي لا يقوم ذات حرف المد دونه "، ويسمى (المد المقصور)، " لأنه قصر عن الهمزة الموجبة لزيادة الإشباع لخفائها وشدتها، أي حبس عنها ومنع منها "، ويطلق عليه (المد الأصلي) و (المد الذاتي) و (مد الصيغة).
الحاجة الطبيعية: في الاعتكاف ما لابدَّ منها ولا يُقضى في المسجد.
الطبع والطبيعة: السَّجية التي جُبل عليها الإنسان، وقيل: الطبع ما يقع على الإنسان بغير إرادة. وفي التعريفات: "الطبيعة: عبارة عن القوة السارية في الأجسام بها يصل الجسم إلى كماله الطبعي".

الجامع الكبير في المنطق والطبيعي والإلهي

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة

الجامع الكبير في المنطق والطبيعي والإلهي
لموفق الدين: عبد اللطيف بن يوسف البغدادي.
المتوفى: سنة 629، تسع وعشرين وستمائة.
وهو كتاب، مبسوط.
في نحو عشر مجلدات.

النفْسُ الطَّبِيعيَّة

معجم مقاليد العلوم للسيوطي

النفْسُ الطَّبِيعيَّة: بِخِلَافِهَا.
الطبيعيةُ: مَا لم يبين فِيهَا كمية أَفْرَاد مَا عَلَيْهِ الحكم، وَلم يصلح أَن تصدق كُلية وجزئية.
دَفْعُ الطبيعةِ: كَون الْكَوْكَب فِي برج لَهُ فِيهِ مراغمة، واتصاله بآخر لَهُ أَيْضا فِي ذَلِك البرج، وَقيل: اتِّصَال كَوْكَب نهاري بآخر نهاري، وهما فِي مَكَان النَّهَار وَبِالْعَكْسِ.دَفْع التَّدْبِير: هُوَ الِاتِّصَال إِلَى أَي جِهَة كَانَت.
القوةُ الطبيعيةُ: مَا يتَصَرَّف فِي الْغذَاء لبَقَاء الشَّخْص، ويعد تصرفها لبَقَاء النَّوْع.
القوةُ الطبيعيةُ: كَون الْكَوْكَب فِي حَظّ من حظوظه، أَو صاعدا فِي فلك، أَو جِهَة سريع السّير مُسْتَقِيمًا، مشرقا، أَو صاعدا لغَرَض الشمَال.
مظاهر الطبيعةدعا القرآن في مواضع شتى إلى التفكير فيما يحيط بالإنسان من مظاهر الكون، لأن هذا التفكير يدفع إلى إجلال خالقه، والإيمان العميق بقدرته وحكمته، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (البقرة 164)، وأثنى على أولئك الذين تدفعهم مظاهر الكون إلى التفكير فيها، لإدراك ما أودع فيها من أسرار، وما تدل عليه من أن مودع هذه الأسرار عليم قدير، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (آل عمران 190، 191).ونعى على هؤلاء الذين يمرون بهذه المظاهر، فلا تسترعى انتباههم، ولا تدفعهم إلى التدبر، والتفكير أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج 46). وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (يوسف 105).ولأن القرآن كتاب دين اتجه، وهو يتحدث عن مظاهر الطبيعة، إلى تلك الناحية التى تقود إلى الإيمان بالله، وقدرته التى لا يعجزها شىء، ووجه النظر إلى أن كثيرا من تلك المظاهر يقود إلى الإيمان بالبعث والحياة الثانية.فهو يوجه النظر إلى قدرة الله في خلق السموات والأرض إذ يقول: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (فاطر 41). وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (الحج 65).اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (الرعد 2 - 4). إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (البقرة 164). إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (الأعراف 54). وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (يس 37 - 40).وأَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (النحل 79). وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (الروم 25). أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (النمل 60، 61). أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (الأنبياء 30 - 33). أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (الغاشية 17 - 20).تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (الفرقان 61). أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (ق 6 - 7). فهو في كل هذه الآيات يدل بمظاهر الطبيعة علىقدرته، وهو من أجل ذلك يوجه النظر إلى السموات والأرض وما فيهما، طالبا التدبر والتأمل، لنصل بذلك إلى الإيمان بقدرته وجلال سلطانه، ولا أريد أن أطيل ببيان ما تفهمها.وفي التأمل في مظاهر الكون، فضلا عن الإيمان بقدرته، دعوة إلى عبادته، وهى دعوة مقرونة بأسبابها ودواعيها، والقرآن من أجل ذلك يقرن هذه المظاهر بالحديث عما في خلقها من نعم يسعد بها الإنسان، وفي توجيه النظر إلى هذه النعم تحريك الطبيعة الإنسانية النبيلة إلى عبادة خالق تلك النعم ومسديها، فشكر الجميل سجية من سجايا الإنسان الكريم، واستمع إلى القرآن يعدد النعم قائلا: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (يس 33 - 35). وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (يس 41، 42). الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (طه 53، 54). وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (الزخرف 12، 13). هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِوَإِلَيْهِ النُّشُورُ(الملك 15). وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً (نوح 19، 20). أو ليس في تذليل الأرض وتمكيننا من الانتفاع بها، ما مهد لنا سبيل الحياة عليها، والانتفاع الكامل بها؟ويذكر نعمته في تمكيننا من الأرض، ننتفع بها كما نشاء، فيقول: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (الأعراف 10). ويوجه نظرهم إلى السماء وما فيها من زينة وإلى الأرض وما ينبت بها من زرع بهيج، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ (ق 6 - 11). أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ (السجدة 27). وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها وَالْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (النازعات 30 - 33). هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَالسَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (النحل 10، 11). الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (طه 53، 54). وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (الحجر 22). وإلى نعمة خلق الشمس والقمر، هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ (يونس 5). ونعمة خلق النجوم والكواكب، فهى زينة وجمال، تزدان بها السماء في الليل، إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (الصافات 6). وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً (فصلت 12). وهى أعلام يهتدى الناس بها في الظلمات، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (الأنعام 97).وأكثر القرآن من توجيه النظر إلى ما في اختلاف الليل والنهار من نعمة على الإنسان، وإلى ما خلق له الليل من الهدوء والاستقرار والسكن فيه، وما خلق له النهار من الجهاد في سبيل العيش»، هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً (يونس 67). وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (القصص 73). وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (النبأ 10، 11). وإلى نعمة النوم، إذ قال: وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (الروم 23). ولما في اختلاف الليل والنهار من نعمة السكون استعدادا لطلب الرزق نهارا، تساءل القرآن موجها النظر إليها في قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (القصص 71، 72).ويتخذ القرآن من مظاهر الطبيعة وسيلة لإقناعنا بالبعث، فهذه الأرض الهامدة لا يلبث المطر أن ينزل عليها حتى تحيا وتخضر وتثمر، وهذه الظاهرة نراها بأعيننا في كل حين، تقرب إلى أذهاننا فكرة الحياة بعد الموت، وقد كرر القرآن ذلك المعنى حتى تقبله النفس، ويثبت فيها، وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (الأعراف 57). وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (فاطر 9). وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُيُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الحج 5، 6)، وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فصلت 39).ومن ذلك يبدو أن مظاهر الطبيعة التى نراها بأعيننا، قد وجه القرآن النظر إليها، ليصل بها إلى تثبيت الإيمان في النفس إيمان منشؤه الاقتناع ويدعمه الحب الذى يدفع إلى العبادة. وإن ما يدركه العلماء كل يوم مما أودع في الطبيعة من أسرار، ليزيد النفوس يقينا بقدرة الخالق وحكمته. والقرآن يتخذ ما عليه الكون من نظام دقيق حجة على وحدانية الله، ودليلا على تفرده بالصنع والإتقان، فيقول: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (الأنبياء 22)، ولا جرم يفسد النظام، إذا كان يدير الكون إلهان، ويشعر كل منهما بالقوة والسلطان، وإذا كان الله هو المنفرد بخلق السموات والأرض فلا معنى لأن يشرك به سواه ممن لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج 73، 74).

الإطار النظري - إشكاليات نظرية - الفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري

إن الثنائية الفضفاضة (ثنائية الخالق والمخلوق والإنسان/الطبيعة) ليست اثنينية أو ثنائية صلبة لأن الإنسان، من خلال النزعة الربانية داخله، ينفصل عن الإله وعن الطبيعة ولكنه يتفاعل ويتجاوب معهما، ومن خلال تفاعله يكتسب المقدرة على التجاوز وتزداد حريته. والوجود الإنساني الأمثل ليس محو النزعة الجنينية والتعبير الخالص عن النزعة الربانية، ولا هو محو النزعة الربانية والتعبير الخالص عن النزعة الجنينية، وإنما التكامل والتقابل بينهما. وهذه الثنائية الوجودية الأنطولوجية الأساسية الفضفاضة تتجلى في المنظومات المعرفية (مجهول/معروف ـ غيب/علم ـ مطلق/نسبي ـ روح/جسد) والمنظومات الأخلاقية (خير/شر) والدلالية (دال/مدلول) والجمالية (جميل/قبيح) ، وعلى كل المستويات (ذكر/أنثى ـ أعلى/أسفل ـ سماء/أرض) . وهناك ثنائية غير متعادلة تُفترَض فيها أسبقية العنصر الأول على العنصر الثاني (جميل/قبيح) ولكن هناك أيضاً ثنائيات لا تُفترَض فيها أسبقية عنصر على الآخر (ذكر/أنثى) وإن كانت تفترض الاختلاف.
الباب الرابع: الفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية
في كل المداخل السابقة حاولنا أن نبيِّن أن ثمة ثنائية فضفاضة تسم الوجود الإنساني (الخالق/المخلوق ـ النزعة الربانية/النزعة الجنينية ـ الإنسان/الطبيعة) . وثنائية الإنسان/الطبيعة هي أهم هذه الثنائيات. وقد عبَّرت عن نفسها في الجدل المثار في العلوم الإنسانية منذ بداية ظهورها في القرن التاسع عشر وهل هناك «علم طبيعي» مختلف عن «العلوم الإنسانية» أم أن هناك وحدة (أي واحدية) للعلوم.

ويُطلَق مصطلح» العلم الطبيعي» على كل دراسة تتناول معطيات الواقع المادي بكلياته وجزئياته. ووسيلة هذه الدراسة هي منهج الملاحظة المباشرة والتجربة المتكررة والمتنوعة. والدراسة وكذلك عمليات التجريب تتم بهدف التفسير من خلال التوصل إلى تعميمات وقوانين تحقق الانتقال من الخاص إلى العام وتكشف عن العلاقات المطّردة الثابتة بين الظواهر. وهذه القوانين يتم التعبير عنها عن طريق تحويل صفات الكيف (التي لا تُقاس) إلى صفات كم بحيث يتم التعبير عنها برموز رياضية. وتتميَّز قوانين العلوم الطبيعية بأنها دقيقة وعامة تتخطى الزمان والمكان، وهي حتمية (ولكنها، بعد اهتزاز الحتمية، أصبحت احتمالية ترجيحية: ترجيحية تقارب اليقين وتظل صالحة للاستعمال حتى يثبت بطلانها (.
ويذهب البعض إلى أن نموذج العلوم الطبيعية (بما ينطوي عليه من واحدية موضوعية مادية) لابد أن يُطبَّق في كل العلوم الأخرى (وضمن ذلك العلوم الاجتماعية والإنسانية) . وقد لاحظ كثير من العلماء في الشرق والغرب خلل مثل هذه المحاولة نذكر منهم د. حامد عمار، د. توفيق الطويل، د. حسن الساعاتي (الذين يعتمد هذا المدخل على كتاباتهم) وبينوا الاختلافات بين الظاهرة الإنسانية والظاهرة الطبيعية، ونوجزها فيما يلي:
1ـ أ) الظاهرة الطبيعية مُكوَّنة من عدد محدود نسبياً من العناصر المادية التي تتميَّز ببعض الخصائص البسيطة، وهذا يعني أنه يمكن تفتيتها إلى الأجزاء المكوِّنة لها. كما أن الظاهرة الطبيعية توجد داخل شبكة من العلاقات الواضحة والبسيطة نوعاً والتي يمكن رصدها.

ب) الظاهرة الإنسانية مُكوَّنة من عدد غير محدود تقريباً من العناصر التي تتميَّز بقدر عال من التركيب ويستحيل تفتيتها لأن العناصر مترابطة بشكل غير مفهوم لنا. وحينما يُفصَل الجزء عن الكل، فإن الكل يتغيَّر تماماً ويفقد الجزء معناه. والظاهرة الإنسانية توجد داخل شبكة من علاقات متشابكة متداخلة بعضها غير ظاهر ولا يمكن ملاحظته.
2ـ أ) تنشأ الظواهر الطبيعية عن علة أو علل يسهل تحديدها وحصرها، ويسهل بالتالي تحديد أثر كل علة في حدوثها وتحديد هذا الأثر تحديداً رياضياً.
ب) الظاهرة الإنسانية يصعب تحديد وحصر كل أسبابها، وقد تُعرَف بعض الأسباب لا كلها، ولكن الأسباب تكون في العادة متداخلة متشابكة، ولذا يتعذر في كثير من الحالات حصرها وتحديد نصيب كل منها في توجيه الظاهرة التي ندرسها.
3ـ أ) الظاهرة الطبيعية وحدة متكررة تَطَّرد على غرار واحد وبغير استثناء: إن وُجدت الأسباب ظهرت النتيجة. ومن ثم، نجد أن التجربة تُجرَى في حالة الظاهرة الطبيعية على عينة منها ثم يُعمَم الحكم على أفرادها في الحاضر والماضي والمستقبل.
ب) الظاهرة الإنسانية لا يمكن أن تَطَّرد بنفس درجة الظاهرة الطبيعية لأن كل إنسان حالة متفردة، ولذا نجد أن التعميمات، حتى بعد الوصول إلىها، تظل تعميمات قاصرة ومحدودة ومنفتحة تتطلب التعديل أثناء عملية التطبيق من حالة إلى أخرى.
4ـ أ) الظاهرة الطبيعية ليس لها إرادة حرة ولا وعي ولا ذاكرة ولا ضمير ولا شعور ولا أنساق رمزية تُسقطها على الواقع وتدركه من خلالها، فهي خاضعة لقوانين موضوعية (برانية) تحركها.

ب) الظاهرة الإنسانية على خلاف هذا، ذلك لأن الإنسان يتسم بحرية الإرادة التي تتدخل في سير الظواهر الإنسانية، كما أن الإنسان له وعي يسقطه على ما حوله وعلى ذاته فيؤثر هذا في سلوكه. والإنسان له ذاكرة تجعله يُسقط تجارب الماضي على الحاضر والمستقبل، كما أن نمو هذه الذاكرة يُغيِّر وعيه بواقعه. وضمير الإنسان يجعله يتصرف أحياناً بشكل غير منطقي (من منظور البقاء والمنفعة المادية) ، كما أن الأنساق الرمزية للإنسان تجعله يُلوِّن الواقع البراني بألوان جوانية.
5ـ أ) الظواهر الطبيعية ينم مظهرها عن مخبرها ويدل عليه دلالة تامة بسبب ما بين الظاهر والباطن من ارتباط عضوي شامل يُوحِّد بينهما فيجعل الظاهرة الطبيعية كلاًّ مصمتاً تحكمه من الداخل والخارج قوانين بالغة الدقة لا يمكنها الفكاك منها، ولهذا تنجح الملاحظة الحسية والملاحظة العقلية في استيعابها كلها.
ب) الظواهر الإنسانية ظاهرها غير باطنها (بسبب فعاليات الضمير والأحلام والرموز) ولذا فإن ما يَصدُق على الظاهر لا يَصدُق على الباطن. وحتى الآن، لم يتمكن العلم من أن يُلاحظ بشكل مباشر التجربة الداخلية للإنسان بعواطفه المكبوتة وأحلامه الممكنة أو المستحيلة.
6ـ أ) لا يوجد مكوِّن شخصي أو ثقافي أو تراثي في الظاهرة الطبيعية؛ فهي لا شخصية لها، مجردة من الزمان والمكان تَجرُّدها من الوعي والذاكرة والإرادة.
ب) المكوِّن الشخصي والثقافي والذاتي مكوِّن أساسي في بنية الظاهرة الإنسانية. والثقافة ليست شيئاً واحداً وإنما هي ثقافات مختلفة، وكذا الشخصيات الإنسانية.
7ـ أ) معدل تحوُّل الظاهرة الطبيعية يكاد يكون منعدماً (من وجهة نظر إنسانية) ، فهو يتم على مقياس كوني، كما أن ما يلحق بها من تغير يتبع نمط برنامج محدد، ولذا فإن الظواهر الطبيعية في الماضي لا تختلف في أساسياتها عنها في الحاضر، ويمكن دراسة الماضي من خلال دراسة الحاضر.

ب) معدل التغيُّر في الظواهر الإنسانية أسرع بكثير ويتم على مقياس تاريخي، وما يطرأ عليها من تغير قد يتبع أنماطاً مسبقة ولكنه قد ينسلخ عنها. وعالم الدراسات الاجتماعية لا يستطيع أن يرى أو يسمع أو يلمس الظواهر الإنسانية التي وقعت في الماضي، ولذا فهو يدرسها عن طريق تقارير الآخرين الذين يلونون تقاريرهم برؤيتهم، فكأن الواقعة الإنسانية في ذاتها تُفقَد إلى الأبد فور وقوعها.
8ـ أ) بعد دراسة الظواهر الطبيعية والوصول إلى قوانين عامة، يمكن التثبت من وجودها بالرجوع إلى الواقع. ولأن الواقع الطبيعي لا يتغيَّر كثيراً، فإن القانون العام له شرعية كاملة عبر الزمان والمكان.
ب) بعد دراسة الظواهر الإنسانية، يصل الإنسان إلى تعميمات. فإن هو حاول تطبيقها على مواقف إنسانية جديدة فإنه سيكتشف أن المواقف الجديدة تحتوي على عناصر جديدة ومكونات خاصة إذ من غير الممكن أن يحدث في الميادين الاجتماعية ظرفان متعادلان تماماً، ومتكافئان من جميع النواحي.
9ـ أ) لا تتأثر الظواهر الطبيعية بالتجارب التي تُجرَى عليها سلباً أو إيجاباً، كما أن القوانين العامة التي يُجرِّدها الباحث والنبوءات التي يطلقها لن تؤثر في اتجاهات مثل هذه الظواهر، فهي خاضعة تماماً للبرنامج الطبيعي.
ب) تتأثر العناصر الإنسانية بالتجربة التي قد تُجرَى عليها، فالأفراد موضوع البحث يحوِّلون من سلوكهم (عن وعي أو عن غير وعي) لوجودهم تحت الملاحظة، ففي إمكانهم أن يحاولوا إرضاء صاحب التجربة أو يقوضوا نتائجه. كما أن النبوءات التي يطلقها الباحث قد تزيد من وعي الفاعل الإنساني وتغيِّر من سلوكه.
10ـ أ) بإمكان الباحث الذي يدرس الظاهرة الطبيعية أن يتجرد إلى حدٍّ كبير من أهوائه ومصالحه لأن استجابته للظاهرة الطبيعية وللقوانين الطبيعية يَصعُب أن تكون استجابة شخصية أو أيديولوجية أو إنسانية، ولذا يمكن للباحث أن يصل إلى حدٍّ كبير من الموضوعية.

ب) أما الباحث الذي يدرس الظاهرة الإنسانية فلا يمكنه إلا أن يستجيب بعواطفه وكيانه وتحيزاته، ومن خلال قيمه الأخلاقية ومنظوماته الجمالية والرمزية، ولذا يَصعُب عليه التجرد من أهوائه ومصالحه وقيمه التي تعوقه في كثير من الأحيان عن الوصول إلى الموضوعية الصارمة.
ولكل ما تقدَّم، فإن من الممكن إجراء التجارب المباشرة المنضبطة المتكررة على العناصر الطبيعية ويمكن قياسها بمقاييس كمية رياضية فهي تخلو من الاستثناءات والتركيب والخصوصيات، ويمكن التَوصُّل إلى قوانين عامة تتسم بالدقة تنطبق على الظاهرة في كليتها وفي جوانيتها وبرانيتها. أما الظاهرة الإنسانية، فلا يمكن إجراء التجارب المباشرة المنضبطة عليها ويستحيل تصويرها بالمعادلات الرياضية الدقيقة إذ لا تخلو من الاستثناءات والتركيب والخصوصيات، ولذا لا يمكن التَوصُّل إلى قوانين عامة (وإن تم التوصل إلى قوانين فلابد أنه تعوزها الدقة والضبط) . وهناك عدد كبير من الكُتَّاب الغربيين من أوائلهم فيكو ومن أهمهم كانط وديلتاي وريكرت ينطلقون من محاولة التمييز بين الإنسان والطبيعة. ولكن غالبية المفكرين الغربيين يدورون في إطار الواحدية المادية (أو الواحدية المثالية) ويحاولون القضاء على هذه الثنائية تماماً وإلغاء الحيز الإنساني وبالتالي يدافعون عن وحدة (أو واحدية) العلوم.
إشكالية الإنسانى والطبيعى في العالم العربى

ثمة وعي عميق بإشكالية التمييز بين الإنساني والطبيعي في الأدبيات العربية، فالمفكر الماركسي د. فؤاد مرسي يدعو بوضوح في كتاب إشكالية العلوم الاجتماعية (في دراسة له بعنوان "المنهج بين الوحدة والتعدد") إلى عدم التمييز بين الإنسان والطبيعة فيُعرِّف الإنسان بأنه "قوة من قوى الطبيعة"؛ إنسان طبيعي/مادي يتكيف معها ولكنه في الوقت نفسه يُعيد صياغتها. وهذه هي الإشكالية الكبرى التي تواجه الماديين ودعاة العلمانية الشاملة: هل الإنسان الطبيعي/المادي يزعن للطبيعة أم يهيمن عليها؟ وتتضح الإشكالية في كتابات د. فؤاد مرسي نفسه، فهو يؤكد أن الإنسان سيزداد وعياً ومن ثم سيزداد بُعداً عن الحيوان. ولكنه يعود ويُعرِّف الإنسان في إطار طبيعي مادي ويجد أن "الاقتصاد هو مجال رئيسي للعلاقة المتبادلة بين الطبيعة والمجتمع"، فبعد أن "ابتعد" الإنسان عن الحيوان، وهو ما يعني ابتعاده عن الطبيعة وتفوقه عليها فإنه يعود فيدخل في علاقة "تبادلية" تفترض المساواة الكاملة. وتظهر هذه التبادلية بشكل أوضح حين يُوحِّد د. فؤاد مرسي بين الطبيعة والمادة فيقول "لهذا أصبح العلم كله، طبيعياً واجتماعياً، علماً ذا طابع اجتماعي". و"أصبح تَقدُّم البشرية حالياً رهناً إلى حدٍّ كبير بالتداخل الأكبر والتفاعل بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية". والتداخل والتفاعل قد يعني ثنائية (وهو ما يرفضه الفكر المادي) ، وقد يعني مساواةً وتَوحُّداً، وهو الأرجح، ولذا نجده في السطر التالي يقول: "إن كل محاولة للفصل بين المجتمع والطبيعة تصبح محاولة وهمية. فوجود المجتمع هو جانب من وجود الطبيعة". ولكنه يعود للثنائية فيقول: "وتاريخ المجتمع هو تاريخ امتلاك الإنسان للطبيعة"، ثم يعود للواحدية فيقول: "إن وحدة الثورتين التكنولوجية والاجتماعية كفيلة في المستقبل أن تجعل من البشر لأول مرة في التاريخ، السادة الحقيقيين للطبيعة". ثم يتحدث عن احتدام الصراع بين الطبيعة

والإنسان وعن "الإنسان الشامل الذي يختزن في نفسه قدراً لا مثيل له من المعرفة بالكون كله". ولكن ما هي النتيجة النهائية لهذا التأرجح الكوميدي بين الاندماج العضوي في الطبيعة والإذعان لها من جهة، والانفصال عنها وتملكها والهيمنة عليها من جهة أخرى. يختتم الدكتور مرسي مقاله بقوله "هناك يتوحَّد الإنسان تماماً مع المجتمع والطبيعة"، أي أن الحالة الجنينية والواحدية المادية تنتصر تماماً. وعلى كلٍّ، فإن عنوان هذا الجزء من المقال هو "نحو وحدة الكون" وليس "نحو مركزية الإنسان في الكون أو هيمنته عليه".
ولكن العدد الأكبر من علمائنا الأجلاء كانوا من المدافعين عن الإنسان ضد المادية والطبيعية. فعلى سبيل المثال، يقول الدكتور حامد عمار في كتابه من همومنا التربوية والثقافية:
"إن منهج التفكير العلمي الذي أرسته العلوم الطبيعية قد شاع باعتباره المنهج الصحيح الوحيد في الوصول إلى المعرفة الصحيحة. واصطنعت العلوم الاجتماعية الإنسانية هذا المنهج في دراستها وبحوثها. بيد أن معظمها قد توقف عند المرحلة النيوتونية من مناهج البحث العلمي الطبيعي، واختزال المنهج إلى تجزئة الظواهر وتفكيك أجزائها، ومحاولة فرض الفروض المرتبطة بذلك الجزء أو ذاك، وإخضاع الفروض حوله للقياس والاختبار. وجرى العُرْف عند الكثيرين على اعتبار النتائج علمية ثابتة غير قابلة للتعديل.
"وأُطلق على هذه التجزئة للظواهر وإخضاعها للدراسة الميدانية العينية ما عُرف باسم المنهج الإمبيريقي أو الوصفي، محللاً للظاهرة كما تُوجَد في موقعها الزماني والمكاني ... ودون تَصوُّر لأنواع العلاقات ودينامياتها في الظاهرة المدروسة مع سياقها الثقافي الاجتماعي. ومن ثم فقدت الدراسة منظوماتها العضوية الدينامية في إطار الزمان والمكان والبُعد التاريخي لنشأتها وتطورها وتوظيفها الاجتماعي.

واستقر في أذهان كثير من الباحثين الاجتماعيين أن نتائجهم علمية لا يرقى إليها التصحيح ... وأصبح من المسلمات في الرسائل الجامعية في العلوم الاجتماعية الإنسانية ألا تُعاد دراسة الموضوع؛ لأن ما سبق من بحوث قد استقر [باعتباره] حقائق علمية. ثم إن هذه البحوث تدَّعي الموضوعية العلمية المطلقة، وأن لا شأن لذات الباحث أو أيديولوجيته أو تحيزاته أي تدخُّل في مختلف مراحل البحث وتفسيراته، فالنتائج جاءت «علمية» من خلال معطيات الواقع العيني.
"ومع هذا الاختزال الإمبريقي الوضعي الوظيفي للمنهج العلمي الطبيعي في آفاقه الرحبة والمتجددة، فإن ثمة مناهج أخرى للمعرفة العلمية تبدأ من الملاحظة والمشاركة الملاحظة (بكسر الحاء) امتداداً إلى الحس التاريخي والوعي الذاتي. والبصيرة والحدس، والفهم الكيفي في السياق الثقافي الاجتماعي التاريخي والخبرة الإنسانية. وليس بالضرورة أن تلجأ تلك المناهج إلى البيانات الرقمية والقياس؛ إذ أن تلك الأدوات كثيراً ما تُشوِّه المعرفة بعالم الوعي والخبرة والفهم النوعي للواقع وإمكانات المستقبل، فضلاً عن قصورها عن فهم القيم وديناميات الدوافع والأخلاق.

"إن هذه الأساليب والأدوات المعرفية تصبح علمية طالما قامت على ملاحظة منتظمة أو خبرة مطردة، وطالما كانت بياناتها وشواهدها منطقية ومتسقة في نموذج مفاهيمي. وتتدعم علميتها مع اختبارها وتقييمها على أرض الواقع ومن خلال الممارسة، وقد تتدعم فيما بعد بجوانب كمية للتوضيح والتعزيز. ومن هنا فإن على العلوم الاجتماعية الإنسانية أن تُعنَى بمعالجة القضايا النوعية والقيمية المستمدة من الخبرة الإنسانية ومجالاتها فيما يستقر بها من الشعور والوعي ومن اللاشعور والحدس دون أن تُنقص عوامل الذاتية من جدوى المعارف المُتوَلدة من مثل هذه المناهج. وفي قضايا التربية والاجتماع وعلم النفس مساحات عريضة لجدوى توظيف تلك المناهج بما فيها من ضبط وتنظيم وقابلية للمراجعة والتفنيد والتطوير".
وفي كتاب إشكالية العلوم الاجتماعية، يُبيِّن الدكتور حسن الساعاتي في مقال بعنوان "إشكالية المنهج في العلوم الاجتماعية" أن علماء الاجتماع الذين تأثَّروا بمناهج الدراسة والعلوم الطبيعية يذهبون إلى "أن العلوم الاجتماعية، وعلى رأسها علم الاجتماع، لا تكوِّن علوماً بمعنى الكلمة، أي دقيقة ومضبوطة النتائج، إلا إذا تَرسَّم علماؤها خطى الباحثين في العلوم الطبيعية التي يرتكز محور التفكير في ظواهرها على التجريب، أي ما يجرونه عليها من تغيير مقصود وبطريقة مرسومة من قبل، مستهدفين أهدافاً معيَّنة يستنتجون منها الحقائق، إذا تكرر استقراؤها من تجارب مماثلة صارت نظريات علمية أو قوانين ثابتة.

"وقد فات هؤلاء العلماء ... ، وغيرهم ممن قلدوهم في مسارهم الفكري بدون رويّة واستبصار، أن الظواهر الاجتماعية تختلف تماماً عن الظواهر الطبيعية التي لا عقل ولا إرادة لعناصرها، والتي ينمُّ مظهرها عن مخبرها، لأنها، في رأينا، أحادية النسق، تحكمها كلاًّ أو جزءاً قوانين ونظريات واحدة لا تتبدل. ولذلك نجد أن كلاًّ من الملاحظة الحسية، أي المشاهدة، والملاحظة العقلية، أي التأمل والاستبصار، وجميع خطوات التجريب التي تُجرَى عليها، بوصفها ظواهر طبيعية أحادية النسق، تستوعبها كلها في جميع مظاهرها، لأن ظاهرها لا يختلف عن باطنها في شيء، حتى إنه ليدل عليه دلالة تامة، لما بين الظاهر والباطن من ارتباط عضوي شامل متكامل.
"أما الظواهر الاجتماعية فتختلف عن الظواهر الطبيعية في أنها، بوصفها ظواهر عنصرها الأساسي الإنسان الاجتماعي العاقل ذو الإرادة، الذي يعيش مُعاشراً لغيره من البشر ومرتبطاً بهم بشتى العلاقات الاجتماعية، نقول تختلف في أنها ثنائية النسق. فكما أن للإنسان جوانية وبرانية، فهي بالمثل ذات نسقين، أحدهما جواني أي باطن، والآخر براني أي ظاهر. ومادامت كذلك، فإن البحث فيها ينقسم إلى قسمين: أحدهما يُعنَى بالنسق البراني، أي بما يتبدَّى من الظاهرة الاجتماعية للحواس فتدركه وتتعقله، والآخر يُركِّز على النسق الجواني الخفي منها، الذي يُعدُّ غرفة عمليات للنسق البراني، ليستجلبه ويدركه ويتعقله".
إشكالية الموضوعية والذاتية: مقدمة

تترجم الإشكاليات السابقة نفسها إلى إشكالية الموضوعي والذاتي، فإذا كان الإنسان كياناً طبيعياً مادياً فبالإمكان رصده بشكل مادي براني وكأنه شيء بين الأشياء، وهو شيء لا تفرُّد فيه ومن ثم يمكن رده باعتباره جزءاً إلى الكل الطبيعي/المادي يسري عليه ما يسري على الكائنات المادية الأخرى، ومن ثم لا يوجد فارق بين الجزء الإنساني والكل الطبيعي/المادي، فتمحي كل الثنائيات وتُرد كل الظواهر إلى مبدأ (مادي) واحد وننتهي في الواحدية الموضوعية المادية. أما إذا كان الإنسان كياناً مركباً يحوي عناصر مادية تُرد إلى عالم الطبيعة/المادة وعناصر غير مادية، فالرصد البراني، الموضوعي المادي، يصبح غير كاف، ويصبح كل إنسان فرد كيانه مستقل عن الكل، ولا يسقط الإنسان في قبضة الواحدية الموضوعية المادية.
وليام ديلتاى (1833 – 1911 (
عالم اجتماع ألماني، كان قليل الكتابة، ويعود إسهامه الأساسي في محاولته التنبيه إلى أن ثمة فارقاً جوهرياً بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية. وقد أكد ديلتاي أن معرفة الإنسان من خلال الملاحظة البرانية وتبادل المعلومات الموضوعية المادية عنه أمر غير ممكن، فهو كائن ذو قصد، أي أن سلوكه تحدده دوافع إنسانية جوانية (معنى ـ ضمير ـ إحساس بالذنب ـ رموز ـ ذكريات الطفولة ـ تأمل في العقل) يصعب شرحها وشرح أسبابها. والإنسان لا يعيش منعزلاً وإنما يتفاعل مع الآخرين وتتحدد تجربته الشخصية من خلال هذا التفاعل. ولكل هذا، لا يمكننا أن نشرح الإنسان وسلوكه بشكل براني أو نخضعه للتجريب.

ولكن ديلتاي يشير إلى حقيقة أساسية وهي أننا قد لا نعرف العقل البشري بنفس الدرجة أو الطريقة التي تُعرَف بها الأشياء ولكن هناك مناهج أخرى غير مناهج العلوم الطبيعية. فالعلوم الطبيعية لا تنفذ إلى كينونة الأشياء والعمليات الفيزيائية، أما الجوهر الإنساني فيمكننا الوصول إليه مباشرةً من خلال تَفهُّم ومعايشة تجربة الآخر والتعاطف معها وتخيلها وفهم المعنى الذي يسقطه الفاعل الإنساني على فعله.
كما أن ثمة ثنائية جوهرية تبين الفرق بين الإنساني والطبيعي وبين مناهج العلوم الاجتماعية ومناهج العلوم الطبيعية، وهي ثنائية تتبدَّى في قول دلتاي ليس بإمكاننا أن نشرح الإنسان وإنما نحن نشرح الطبيعة بطريقة برانية ونفهم أو نتفهم (فرشتيهن) الإنسان، أي نُفسِّره بطريقة اجتهادية جوانية.
الهرمنيوطيقا
«هرمنيوطيقا» من الكلمة اليونانية «هرمنويين hermeneuin» بمعنى «يُفسِّر» أو «يُوضح» . والفعل مشتق من كلمة «هرمنيوس» وهي كلمة مجهولة الأصل وإن كان يُقال إنها تعود إلى الإله هرميس رسول الإله زيوس. وفي اللاهوت المسيحي، تشير الكلمة إلى ذلك الجزء من الدراسات اللاهوتية المَعْنيِّ بتأويل النصوص الدينية بطريقة خيالية ورمزية تبعد عن المعنى الحرفي والسطحي المباشر وتحاول اكتشاف المعاني الحقيقية والخفية للنصوص المقدَّسة (وخاصةً الإنجيل) والقواعد التي تحكم التفرُّد المشروع للنص المقدَّس. وقد استخدم هايدجر هذا المصطلح ليشير إلى أن دراسته في طبيعة الوجود الإنساني هي دراسة ميتافيزيقية (أي هرمنيوطيقية (.
والكلمة، في الوقت الحاضر، تعني محاولة فهم العالم لا باعتباره نظاماً ميتافيزيقياً وإنما باعتباره موضوع الفكر والعقل الإنساني وباعتباره تجربة معاشة (بالألمانية: ليبنزفلت Lebenswelt، أي عالم الحياة) كما أصبحت مرتبطة بالمعنى العميق (والروحي) للنصوص وتَميُّز الظاهرة الإنسانية عن الظواهر الطبيعية.

وقد قام ديلتاي بنقل المصطلح من اللاهوت إلى الفلسفة ثم إلى العلوم الإنسانية. واستخدمه للإشارة إلى المناهج الخاصة بالبحث في المؤسسات الإنسانية والسلوك الإنساني باعتباره سلوكاً تحدده دوافع إنسانية جوانية يَصعُب شرحها عن طريق مناهج العلوم الطبيعية. ومن ثم، فإن الهرمنيوطيقا لا تتناول فقط المعطيات الخام للحواس وإنما تحاول فهم معناها الداخلي. وأصبحت الهرمنيوطيقا بالنسبة لبعض العلماء هي الطريقة الوحيدة الممكنة لقراءة النصوص الدينية والشعرية والتاريخية والفلسفية وأي نص يتحدث عن الإنسان.
والأطروحات الأساسية للهرمنيوطيقا هي (كما لخصها ديلتاي (:
1 ـ التفسير العلمي ليس هو الشكل الوحيد للتفسير. فالتفسير العلمي ينظر للإنسان باعتباره كياناً عضوياً تحركه الدوافع الفيزيقية، بينما يُفترَض أن ننظر إليه باعتبار أن له دوافع داخلية وقيماً.
2 ـ إننا نفهم العالم الإنساني من خلال طرح أسئلة عليه. ويتحدد كل سؤال، من ناحية الشكل والمضمون، بمقدار الاهتمام الكامن وراءه.
3 ـ السؤال ذاته يمثل تفسيراً جزئياً للظاهرة موضع السؤال.
ومن هذه الأطروحات، يظهر ما يُسمَّى «الدائرة الهرمنيوطيقية» :
1 ـ لا يمكن أن نفهم أجزاء أية وحدة أو أن نتعامل معها إلا وعندنا إدراك مسبق بالمعنى الكلي، لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع معرفة المعنى الكلي إلا من خلال معرفة معاني أجزائه.
2 ـ ويمكن طرح القضية بطريقة أخرى فنقول: إن التفسير لا يمكن أن يكون إلا بعد أن يبدأ التفسير، فالعالم لا يوجد كموضوع لوعينا إلا من خلال اللغة.
ودائرة الهرمنيوطيقا ليست حلقة مفرغة، إذ أن فهمنا يتعمق من خلال عملية حلزونية تبدأ بالإحساس بالمعنى الكلي، ثم ندرس المكونات الجزئية في ضوء المعنى الكلي فيتعمق المعنى الكلي من خلال معرفة معنى الأجزاء، ثم نعود للأجزاء مرة أخرى ... وهكذا.
الشرح والتفسير (فرشتيهن (

أصبحت كلمة «يشرح» تعني «يشرح تماماً» أو «يُزيل اللبس تماماً» . بل أصبحت لها أبعاد تفكيكية، فهي تعني «تعريف أسباب الظاهرة وردها إلى مبدأ عام واحد أو عدة مبادئ» . كما أنها قد تعني «يفضح» أو «ينزع السر عن» . وهذه الأبعاد ليست واضحة في اللغة العربية بالقدر الكافي، إلا أنها أكثر وضوحاً في اللغة الإنجليزية. فكلمة «يشرح» باللغة الإنجليزية هي «إكسبلين explain» من الفعل اللاتيني «إكسبلاناري explanare» بمعنى «يُسطِّح الشيء» أو «يسويّه» أو «يجعله مستوياً» (كلمة «بلين plane» الإنجليزية تعني «السطح المستوي» ) . هذا على عكس فعل «إنتربريت interpret» (من الفعل اللاتيني «إنتربريتاري interpretari» وهو يعني «يُفاوض» ) . ففعل «إنتربريت» يعني «يُبرز المعنى الكامن ويوضحه» و «يؤول النص» و «يعطي تفسيراً للموضوع» و «يترجم» أو «يقوم بدور المترجم» ، ومن الواضح أن كلمة «يشرح» تدور في إطار المرجعية الموضوعية: يُسطِّح وىُسوِّي حتى يستوي مع معيارية برانية، أما كلمة «يُفسِّر» ، فهي لا تنفي الأبعاد الذاتية الاجتهادية لعملية الإدراك.

وهذا التداخل بين التفسير (بمعنى الاجتهاد في فهم الظاهرة وجعلها مفهومة إلى حدٍّ ما من خلال التعاطف معها وفهمها أو تفهمها من الداخل) والشرح (بمعنى إدخال الظاهرة في شبكة السببية الصلبة المطلقة والقوانين الطبيعية وكشف العلاقة الموضوعية بين السبب والنتيجة) يعود إلى أن العلوم الطبيعية والرياضة بنماذجها الواحدية الموضوعية المادية تلقي بظلالها الكثيفة على العلوم الإنسانية. فالاستنباط (العقلاني) هو منهج العلوم الرياضية، والاستقراء (التجريبي) هو منهج العلوم الطبيعية، وكلاهما يحاول أن يصل إلى درجة عالية من الدقة والعمومية في نتائجه. ومن ثم، يحاول بعض علماء الدراسات الإنسانية تبني المناهج السائدة في العلوم الطبيعية والرياضية (العلوم الدقيقة!) ويحاولون تفسير الظواهر الاجتماعية والإنسانية تماماً مثلما تُفسَّر الظواهر الطبيعية بطريقة كمية، فيتبنون نماذج رصد موضوعية واحدية مادية تُسقط الأبعاد الجوانية والخاصة والكيفية للظاهرة الإنسانية وتُهمل الدوافع والوعي والقيمة تماماً، ثم تُرَدُّ الظاهرة في كل تفاصيلها إلى قانون أو مبدأ عام واحد، وتُزال كل المسافات والثغرات والثنائيات والخصوصيات حتى نصل إلى ما يُتصوَّر أنه التفسير الموضوعي الكامل أو شبه الكامل للظاهرة، أي أن دراسة سلوك الإنسان لا يختلف عن دراسة سلوك اليرقات فكلاهما يُدرَس من خلال سلوكه البراني وحركته الخاصة (ومع هذا، ينبغي الإشارة إلى أن العلوم الطبيعية نفسها قد انسلخت عن هذه الرؤية وأصبحت أكثر احتمالية في رؤيتها، كما أنها أخذت بالتدريج تكوِّن لنفسها عالماً خاصاً بها مؤلفاً من كيانات عقلية ورياضية لا تستطيع أن تجد لها وجوداً في عالم الظواهر. ويبدو أن الفرض العلمي، الذي كان يمثل الخطوة الثانية التي تلي خطوة الملاحظة والتجربة والذي كان يشير إلى مُدرَكات حسية، أصبح في المنهج العلمي المعاصر فرضاً صورياً لا يشير إلى مدركات حسية ويأتي

سابقاً على الملاحظة والتجربة. لكن الفرض العلمي لم يعد تعميقاً لوقائع تجريبية ـ كما كان شائعاً في الماضي ـ وإنما هو نتاج العبقرية العلمية الخلاقة التي تأتي به بأية طريقة أو بأي منهج. وما يهم في الفرض العلمي مدى مقدرته على أن تجعل هذا العالم مفهوماً ومعقولاً، أي أن الحاجة إلى حقائق صلبة أو سببية صلبة لم تَعُد موجودة) .
وفي العالم الغربي، اكتشف كثير من العلماء سذاجة بل تفاهة الرؤية التجريبية والوضعية (الواحدية الموضوعية المادية) التي تصر على الحقائق الصلبة وعلى السببية الصلبة والمطلقة والتي ذهبت إلى أن قوانين التاريخ والمجتمع الإنسانيين تشبه قوانين الطبيعة (بالمعنى الساذج لفكرة القانون العلمي) وحاولت اكتشاف هذه القوانين وصياغتها بطريقة "علمية" دقيقة كمية، وأصر هؤلاء العلماء الذين رفضوا مثل هذه الرؤية الساذجة على ضرورة التمييز بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية وعلى ضرورة رفض فكرة وحدة (أي واحدية) العلوم. ومن مظاهر هذه الثورة محاولة التمييز بين الشرح من جهة والفهم (بمعنى «التفهم» و «التفسير الاجتهادي» ) من جهة أخرى.

وقد بدأ استخدام الفعل الألماني «فرشتيهن verstehen» بمعنى «يفهم» أو «يتفهم» مقابل «إركليرين erklaren» بمعنى «يشرح من خلال ملاحظة الحوادث وربطها بالحوادث الأخرى حسب القوانين الطبيعية» ، وذلك لوصف عملية فهم السلوك الإنساني المركب من خلال التعاطف وإدراك الدوافع الإنسانية الجوانية (مقابل شرح الأسباب البرانية) . وقد استخدم هذا المصطلح كلٌّ من فلهلم ديلتاي وجورج زيميل وكارل ياسبرز وماكس فيبر وآخرون. وقال ياسبرز: "إن الحياة النفسية [الإنسانية] لا يمكن دراستها من الخارج، كما أن الحقائق الطبيعية لا يمكن دراستها من الداخل. الأولى يمكن فهمها من خلال النفاذ النفسي، أما الثانية فيمكن شرحها من خلال دراسة العلاقة الموضوعية المادية". وقارن ياسبرز بين دراسة حَجَر يَسقُط من عل (من جهة) ودراسة علاقة تجارب الإنسان في طفولته ببعض الأمراض النفسية في شبابه وشيخوخته (من جهة أخرى) ، فالأول لا يمكن أن نراه إلا بشكل براني (في إطار قانون الجاذبية) ، أما الثاني فيتطلب عمليات فكرية وعقلية أكثر تركيباً.

ولكن المصطلح ارتبط أساساً باسم ماكس فيبر. فقد بيَّن فيبر الفرق بين الرصد الموضوعي المتلقي المادي وعمليات التفسير الاجتهادية حين قال إن دراسة حظيرة الدجاج أمر جدُّ مختلف عن دراسة المجتمع الإنساني، فعلم اجتماع الدجاج لن يدرس سوى أنماط سلوكية متكررة من الخارج يمكن فهمها في إطار المثير المادي والاستجابة السلوكية. ونحن لا نعرف شيئاً عن العالم الجواني للدجاج وعواطفه وأفكاره وتأملاته إن كان هناك مثل هذا العالم. أما في حالة المجتمع الإنساني، فنحن مزودون بقدر كبير من المعرفة عن العالم الجواني للإنسان (نتوصل إليه من خلال معرفتنا لذواتنا ومن خلال ألفتنا للطبيعة البشرية) وعن الدوافع الداخلية المركبة وعالم المعنى الذي ينبع منه السلوك الإنساني. ولذا، إذا كان من الممكن شرح سلوك الدجاج في إطار شبكة السببية الصلبة المطلقة ومن خلال الملاحظة البرانية المباشرة، فلن يكون هذا كافياً بالنسبة للبشر. والمحاولة الوضعية السلوكية لوصف عالم الإنسان من خلال سلوكه البراني محكوم عليها بالفشل ومحكوم عليها بأن تظل سطحية تافهة، فهي بإصرارها على ضرورة الشرح البراني الموضوعي ستستبعد قضايا إنسانية أساسية مثل انشغال الإنسان بمصيره وتجربته في الكون وإحساسه بالاغتراب. ولكن هذا لا يعني أن السلوك الإنساني لا يخضع لأية سببية وإنما يعني أن الرصد البراني لا يكفي، والمطلوب هو عملية تفسير لا تدور في إطار الواحدية الموضوعية المادية وتسعى إلى الفهم العميق من خلال التعاطف المستمر والإدراك المبدع لتركيبية الدوافع الإنسانية وغموضها.
التحول عن التنظير المركب إلى الممارسة الاختزالية

هناك وعي محدد بقضية الفرق بين الطبيعي والإنساني واستقلال الحيز الإنساني عن الحيز الطبيعي في العالم العربي (كما أسلفنا) ، ولكننا مع هذا نجد أن النموذج الاختزالي المعلوماتي التراكمي (الواحدي الموضوعي المادي) الذي لا يُفرِّق بين الظاهرة الطبيعية البسيطة والظاهرة الإنسانية المركبة يهيمن على الدراسات والبحوث في جامعاتنا ومراكزنا البحثية بل يكتسحها تماماً. وأعتقد أن ما يحدث هو أنه رغم وجود الوعي النظري بالاختلاف الجوهري بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية إلا أنه لا يتم تفعيله ولا ينتقل إلى مستوى الممارسة البحثية نفسها. وأعتقد أن كثيراً من الباحثين يتخلون عن وعيهم هذا ويَسقُطون في الممارسة الاختزالية التي لا تُفرِّق بين الطبيعي البسيط والإنساني المركب.
وعادةً ما يحدث هذا في مرحلة صياغة الفروض. وقد عُرِّف الفَرْض العلمي بأنه منطوق أو مقولة أو تقرير مبدئي لما نعتقد أنه علاقة بين متغيرين أو أكثر، ويعكس الفرض تكهنات الباحث بالنسبة لنتائج البحث المرتقبة. ويَتبنَّى الباحث الفرض بشكل مؤقت حتى يتحقق صدقُه أو كَذبه عن طريق الملاحظة والتجريب. ويقوم الفرض بتوجيه الباحث إلى المعلومات والبيانات التي يتعين جمعها وهو ما يوفر كثيراً من الوقت والجهد كان يمكن أن ينفقه في الحصول على بيانات محدودة أو عديمة القيمة تتصل بالمشكلة قيد الدراسة. فمن الواضح أن مرحلة صياغة الفروض هي من أهم مراحل البحث إن لم تكن أهمها. ولكنها، بدلاً من أن تكون المرحلة التي يبدأ الباحث فيها عملية التفكيك والتركيب بشكل مُتعمِّق وبلورة الإشكالية التي سيتناولها، أصبحت (في كثير من الأحيان) المرحلة التي يَتبنَّى فيها الباحث النماذج الاختزالية الواحدية المادية التي تقتل الواقع الإنساني وتميته وتقضي على أبعاده المركبة وتقذف بالباحث في براثن النماذج المعلوماتية التراكمية والموضوعية المتلقية.

وقد صدرت بعض الدراسات التي تُميِّز بين الظواهر الطبيعية والإنسانية بحماس شديد وبراديكالية صارمة على المستوى النظري. ومع هذا، حينما وصلت هذه الدراسات إلى قضية الفروض، وصفتها في عبارات مثل:
ـ كلما كانت الفروض واضحة، ساعد ذلك الباحث على دقة تحديد أهداف البحث وحسن اختيار عينة البحث وأسلوبه وأدواته.
ـ يجب أن تُصاغ الفروض في كلمات بسيطة كلما أمكن.
ـ يجب أن تكون الفروض محدَّدة في منظورها لا واسعة عريضة.
ـ يجب أن تكون الفروض متمشية مع معظم الحقائق المعروفة السابقة التي ثبت صدقها أو صحتها.
ولابد أن نقرر أن الأمثلة السابقة حالة متطرفة من الاختزالية ولكنها حالة متطرفة ممثِّلة. وما يهمنا تقريره هنا أن النموذج المهيمن في مرحلة صياغة الفروض هو عادةً نموذج اختزالي يستبعد الإنسان كإنسان ويحدد ويُشيِّئ الظاهرة الإنسانية ليجعلها تشبه الظاهرة الطبيعية في بساطتها وبرانيتها، وهو ما يخلق لدى الباحث وهماً مفاده أن الظاهرة الإنسانية يمكن رصدها بشكل براني، عن طريق مراكمة المعلومات التي تتوافر عنها.
بل يمكننا القول بأن العلوم الإنسانية في بلادنا أصبحت تعيش في ظلال النماذج المستمدة من العلوم الطبيعية باعتبارها نماذج بسيطة وواضحة ودقيقة، وأصبح الطموح الخفي للعلوم الإنسانية أن تصبح في بساطة ووضوح ودقة وموضوعية العلوم الطبيعية مما يعني افتراض أن الإنسان ظاهرة طبيعية وأنه جزء لا يتجزأ منها، مما يعني ضمور بل اختفاء الحيز الإنساني (وعلى العكس من هذا نجد أن افتراض انفصال الإنسان عن الطبيعة هو تأكيد للتركيب على حساب البساطة، وللكيف على حساب الكم، وللعمق على حساب الوضوح والدقة) .

ومما ساعد على هذا الاتجاه نحو «تطبيع» الظاهرة الإنسانية (أي النظر إليها كما لو كانت ظاهرة طبيعية) اتساع قاعدة المعلومات وما يُسمَّى «ثورة المعلومات» أو "انفجارها". فإذا كان على الأستاذ الجامعي (أو المؤلف) أن يقرأ عشرات الكتب والحوليات ويحضر عشرات المؤتمرات ويشرف على عشرات المشاريع البحثية والرسائل الجامعية، فلابد أن يفضل التعامل مع المسلمات البسيطة الواضحة والدقيقة فمعالجتها أمر سهل، وتقبُّلها أمر حتمي، أما مناقشتها واختبارها فأمر يحتاج جهداً مركباً ووقتاً طويلاً. والخطاب التحليلي لنفس الأستاذ لابد أن يتسم بنفس البساطة والوضوح والدقة، والرسائل التي يناقشها لابد أن تتسم بالخصائص نفسها حتى يتمكن خط التجميع الأكاديمي من أن يستمر في السير وأن تستمر آلة المؤتمرات في الدوران. ولذا فكثيراً ما تُعزَل الفرضية عما حولها حتى يمكن "معالجتها" في رسالة أو كتاب. ويتحول الفكر إلى مجموعة أفكار متراصة، وكأن كل فكرة ليست سوى شيء لا يربطه رابط بالأفكار الأخرى، وكأنها ليست جزءاً من رؤية للكون.

إن النموذج الفعال، الذي يُستخدَم أثناء صياغة الفروض في الرسائل الجامعية وفي عملية التأليف، يعيش في ظلال النماذج المستقاه من العلوم الطبيعية، ولذا نجده لا يُفرِّق في كثير من الأحيان بين مناهج البحث في العلوم الطبيعية وفي العلوم الإنسانية، ولا بين الظواهر الطبيعة والظواهر الإنسانية. وحيث إن النموذج الفعال مستبطن بشكل غير واع فإنه لا يُعلن عن نفسه بصراحة إلا في حالات نادرة (وعلى كل، من يجرؤ أن يصرح بالقول بأن الإنسان والشيء لا فرق بينهما؟) إلا أنه مع هذا يتبدَّى من خلال مجموعة من الافتراضات والآراء والاختيارات. فيُلاحَظ على سبيل المثال أن ثمة إيماناً في حقل العلوم الإنسانية بأن هناك معنى واحداً نهائياً صائباً ننجح في الاقتراب منه إن تحلينا بالموضوعية والحياد. ويسود الاعتقاد بأن المعرفة سلسلة مترابطة الحلقات كل حلقة تؤدي إلى التي تليها، ولا يمكن تَخطِّي الحلقات المتجاورة لأن سلسلة المعرفة ـ حسب هذا التصوُّر ـ سلسلة تراكمية صلبة (تماماً كما هو الحال في حقل العلوم الطبيعية) ، ومفهوم السببية الذي يسود فيها هو بنفس الصلابة. وتأخذ عملية التأليف من ثم شكل إضافة معلومات الواحدة للأخرى ومراكمتها، ويصبح التأليف هو إجراء تجارب في إطار النظرية العامة السائدة حتى نزداد اقتراباً من الحقيقة الواحدة (التي تعادل القانون الطبيعي أو الرياضي في العلوم الطبيعية) .

ويتبدَّى هذا النموذج الفعال في اقتراحات الرسائل الجامعية في حقل العلوم الإنسانية. أذكر في الماضي (أي حتى أواخر الستينيات) حينما كان طالب الماجستير أو الدكتوراه يسجل موضوع بحثه كان يكتفي باختيار عنوان الموضوع (أي الإشكالية التي سيتناولها الباحث) في سطر أو سطرين، ويُترَك بعد ذلك هو وأستاذه، فالمسألة "بحث" والبحث لابد أن يكون منفتحاً، ولابد أن يؤدي إلى تحولات فكرية. أما الآن مع افتراض إجراء التجربة في إطار النظرية العامة السائدة، ومع افتراض فكرة التراكم المعلوماتي، فإن مشروع الرسالة يصل أحياناً إلى ستين صفحة حيث يذكر الباحث كل ما سيقوله مسبقاً، وكل المراجع بل فصول البحث. ولكن إذا كان "الباحث" يعرف ما سيقول، فلماذا يكتب الرسالة إذن؟

وانطلاقاً من نفس التصور التراكمي والطموح نحو البساطة والوضوح والدقة والموضوعية والإيمان بوجود معنى واحد نهائي صائب (يشبه القانون العام في العلوم الطبيعية) ، أصبح من الأمور الشائعة الآن في حقل الدراسات العليا في العلوم الإنسانية أن يتقدم الطالب باقتراح لكتابة دراسة عن "الفكر التربوي للشيخ محمد عبده"، على سبيل المثال، فيُقال له "إن هذا الموضوع قد دُرس من قبل" وأنه "تمت تغطيته". والافتراض هنا أن الدراسة تغطي موضوعاً (الفكر التربوي للشيخ محمد عبده بشكل عام) ، لا إشكالية أو إشكاليات محددة (علاقة فكر الشيخ محمد عبده التربوي بفكره الديني ـ التناقضات بينهما، إن كان ثمة تناقضات ـ علاقة فكر الشيخ محمد عبده التربوي بفكر من سبقه من المفكرين ومن أتوا بعده ـ علاقة فكره السياسي بفكره التربوي) . وإذا كان موضوع الرسالة هو موضوع بشكل عام (وليس إشكاليات محددة) يرصد بشكل موضوعي براني، فمن المنطقي أن يتحول كاتب الرسالة إلى عامل أرشيف ومن ثم يمكن أن يُقال له: "إن هذا الموضوع قد دُرس من قبل وتمت تغطيته"، بمعنى أن المعلومات الخاصة بهذا الموضوع تم جمعها، تماماً مثلما تُجمَع المعلومات البرانية عن إحدى الكائنات (وهي ـ في واقع الأمر ـ مرحلة دنيا من مراحل الدراسة في العلوم الطبيعية، لابد أن تعقبها مرحلة ربط المعلومات بعضها ببعض ثم التعميم منها، وهي عمليات عقلية تتطلب قدراً عالياً من الخيال والمقدرة على التجريد) .

هذا الموقف يستبعد بطبيعة الحال الذات المركبة المُدركة المتفاعلة مع الموضوع التي تصوغ الإشكالية المحددة ويستبعد فكرة أن التساؤلات التي يطرحها باحث ما في العلوم الإنسانية، يحمل أعباءه النفسية والفلسفية الخاصة، لابد أن تكون مختلفة عن تلك التي يثيرها باحث آخر يحمل أعباء نفسية وفلسفية أخرى، وأن اختلاف التساؤلات لابد أن يؤدي إلى اختلاف النتائج. كما يعني هذا الموقف تجاه البحث والتأليف إنكار إمكانية التحولات الفكرية أثناء عملية البحث بسبب تركيبية الإنسان وتركيبية الظاهرة. ولذا انتهى الأمر بأن أصبحت عملية البحث والتأليف في العلوم الإنسانية هي مجرد إجراء تجارب في إطار النظرية والفروض العامة السائدة، وظهر ولع غير طبيعي بالأرقام والإحصاءات والجداول والرسوم البيانية، وأصبح الاستبيان سبيل الوصول إلى الدقة المزعومة والتوصل إلى الحقيقة الواحدة. وفي نهاية الأمر أصبح التأليف، عند الكثيرين، هو التوثيق: توثيق شيء معروف مسبقاً أو تطبيق لنظرية (ثبت صدقها تماماً) على جزئية ما دون أن تثمر عملية التطبيق الجديدة أي تعديل للنظرية أو اكتشاف للمنحى الخاص للظواهر موضع الدراسة، وهو ما أسميه التوثيق الأفقي: أن يأخذ الباحث مقولة معروفة مستقرة ويوثقها من كتب أخرى دون إبداع أو تساؤل، كأن يثبت الباحث بما لا يقبل الشك أن الصهيونية حركة عنصرية، وأن الرومانتيكية عودة للطبيعة والعواطف، وأن مصر هبة النيل، وأن حافظ إبراهيم شاعر الوطنية!

وقد أصبح كثير من البحوث الأكاديمية التي يُقال لها «علمية» ، والتي يتقدم أصحابها من أساتذة الجامعة للترقية، ويحصلون عليها في معظم الأحيان، ليست إلا إعادة ترتيب لبعض الحقائق التي وردت في دراسات سابقة أو ربما اكتشاف حقيقة جديدة لا علاقة لها بنموذج أو نمط (وكأن الباحث مُخبر أو شرلوك هولمز) ، بحيث أصبح البحث العلمي مثل الكائن الطفيلي الذي يعيش على البحوث المنشورة أو مثل الطائر الجارح الذي ينقض على فريسته إن غفل الآخرون عنها. وأصبحت معايير الترقية مسألة كمية مثل: عدد المراجع ـ تاريخ نشرها ـ عدد اللغات التي كُتب بها ـ هل هي من آخر المراجع ... إلخ، وهي كلها تنم عن أن كثيراً من أساتذة الجامعة (من المتقدمين للترقيات وممن يقومون بمنحها) يدورون في هذا الإطار العقيم. وأصبحت الرسائل الجامعية دراسات في موضوعات عامة مثل "تاريخ ليبيا في النصف الأول من القرن العشرين" أو "المدرسة الطبيعية في الأدبين الإنجليزي والفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر". وتصبح القضية لبحث الطالب عن موضوع "لم يكتب عنه أحد من قبل". وحينما يختار "الموضوع" يقف الطالب مدهوشاً في حيرة من أمره لا يدري ماذا يفعل وأين يبدأ وأين ينتهي. ولكن عادةً ما يتم التغلب على هذه الحيرة عن طريق صيغة نمطية محددة: تحديد عدد الصفحات ـ كتابة فصل عن حياة الكاتب ـ فصل آخر عن خلفيته ـ فصل ثالث عن أفكاره ـ فصل رابع عن أعماله الأولى ـ فصل خامس عن أعماله في شبابه، وهكذا. وتبدأ الآلة في الدوران وفي مراكمة المعلومات ولا تتوقف إلا حينما يشعر الأستاذ أن الدارس قد أُنهك بما فيه الكفاية وجمع من المعلومات الكثير. ولابد أن تأتي الإشارة من الأستاذ لأن مثل هذه الدراسة لا يمكن أن تكون لها نهاية، فهي ليست لها بداية بسبب افتقار الإشكالية وعدم وجود أسئلة محددة. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة مناقشة الرسالة والتي لا تختلف عادةً في منهجها عن المنهج المتبع في كتابتها

(وذاك الشبل من ذاك الأسد) ،فالمناقشات تدور في الغالب حول حصر آخر المراجع وآخر المعلومات وكم المعلومات. و"النقد الموضوعي" يأخذ شكل نقد معلوماتي كميّ، إذ يُحصي الأستاذ المناقش الأخطاء المطبعية والمعلوماتية التي وقع فيها الكاتب والمَرَاجع التي لم يَطلِّع عليها، أما وجود أو غياب الإشكالية، أما العملية الإبداعية الأساسية، عملية التفكيك والتركيب، فهذه أمور تُترَك وشأنها وكأنها أمر ثانوي لا أهمية له.
وغني عن القول أن مناهجنا التعليمية تَصدُر عن فلسفة تراكمية ذرية مماثلة فكتبنا الدراسية تركز على المعلومات وكمها، لا على طريقة تصنيفها والربط بينها والتعميم منها وتفسيرها ونقدها، والهدف من العملية التربوية هو تلقين الطالب حشداً هائلاً من المعلومات (معلومة بجوار معلومة، درساً بعد درس) فيبرز متوسطو الذكاء الذين لا يتمتعون إلا بموهبة الحفظ والتكرار والاجترار، وتفقد الأجيال مقدرتها على التفسير والإبداع والنقد.

ويصل النظام التربوي إلى قمته أو هوته في ظاهرة الدروس الخصوصية، حيث تصبح الكفاءة الأساسية هي الكفاءة في تلقِّي الحقائق البسيطة الواضحة الدقيقة. وعلى مستوى الجامعة يقوم الأستاذ بإملاء محاضراته فيدوِّنها الطلبة بكفاءة عالية، ثم تتطور الأمور فيطبع الأساتذة محاضراتهم فيما يُسمَّى «المذكرات الجامعية» فيقوم الطلبة بحفظها ويقوم الأساتذة بجَمْع "فائض القيمة". وتدور العملية التربوية بأسرها حول الامتحانات: أي كفاءة تلقِّي الحقائق البسيطة الواضحة الدقيقة وكفاءة كتابتها في بساطة ووضوح ودقة في ورقة الامتحانات في أسرع وقت! وتدريجياً تصبح القضية التربوية الأساسية هي الأرباح التي يتقاضاها المدرسون عن دروسهم الخصوصية والأساتذة عن مذكراتهم الجامعية. ويطالب بعض "المصلحين" بضرب هذه العملية الاستغلالية عن طريق تنظيم مجموعات في المدارس وعن طريق دعم الكتاب الجامعي، ويسقط الجميع في الموضوعية المتلقية حيث يصبح المعلم شيئاً مسيطراً ويصبح الطالب شيئاً مذعناً، ويتحرك الجميع داخل إطار جامد لا يؤدي إلى أية تحولات فكرية أو إثراء فكري أو معرفة جديدة، فما يُعرَف هو عادةً مجموعة من الحقائق المتناثرة (البسيطة الواضحة الدقيقة) التي ينساها الطالب بعد الامتحان ويصبح عقله مرة أخرى صفحة بيضاء من غير سوء، ويضمر الإبداع وتضيع الحقيقة. ولحسن الحظ فإن كثيراً من الباحثين الأذكياء يفلتون من قبضة هذه النماذج، ولكن هناك العديد أيضاً ممن يسقطون صرعى لها، فيسقطون الإبداع والخيال والمقدرة على التفكيك والتركيب ويراكمون المعلومات بشكل موضوعي متلق، محايد بارد. وترتبط هذه القضية ارتباطاً وثيقاً بمشكلة الموضوعية والذاتية في العلوم الإنسانية.
الموضوع

«الموضوع» بالإنجليزية «أوبجيكت object» من الفعل اللاتيني «أوبجيكتاري objcetare» ، ومعناه «يُعارض» أو «يُلقي أمام» ، المشتق من فعل «جاكري jacere» بمعنى «يلقي بـ» ، و «أوب ob» بمعنى «ضد» . و «الموضوع» هو الشيء الموجود في العالم الخارجي وكل ما يُدرَك بالحس ويخضع للتجربة وله خارجيته وشيئيته، وكل ما هو مستقل عن الإرادة ويوجد خارج الوعي الإنساني مستقلاً عن رغائبنا وآرائنا. والموضوع ينطوي على طبيعته وحقيقته، ووجوده ليس رهناً بمعرفته ولا بتسميته. وعادةً ما يجري تصوُّر الموضوع على أنه ثابت مستقر. ويمكن القول بأن «الموضوع» في الفلسفات التي يمكن تصنيفها على أنها «موضوعية» هو الركيزة الأساسية للعالم، وهو المطلق الموجود بذاته، وهو الكل المركب المتجاوز للأجزاء، فليس له سبب متقدم عليه ولا فاعل ولا صورة ولا مادة ولا غاية فهو بمقام المحرك الأول.
ويرى البعض أن الذات هي التي تضفي الحقيقة على الموضوع. وعند بعض المفكرين المحدثين، الموضوع هو الفعل وعند الآخرين هو نتائج وآثار الفعل.
وتُستخدَم كلمة «موضوع» للإشارة إلى أي شيء نتحدث عنه وإلى المادة التي يَبني عليها المتكلم أو الكاتب كلامه وإلى مادة البحث، فنقول مثلاً: "موضوع هذا البحث هو كذا". وموضوع العلم هو معطياته ومادته وظواهره وحقائقه. وموضوع القضية (بالإنجليزية: سابجيكت subject) يقابل المحمول (بالإنجليزية: بردكيت predicate) ، فهو الذي يُتحدَث عنه ويُحكَم عليه في أي قضية إما إثباتاً أو نفياً.

ونحن نذهب إلى أن الفلسفات العلمانية الشاملة تفترض الطبيعة/المادة كنقطة مرجعية نهائية وكركيزة أساسية، فهو الموضوع النهائي الذي يستوعب كل شيء بما في ذلك الذات الإنسانية. وتشير كلمة «موضوع» في هذه الموسوعة إلى هذا المطلق باعتباره الموضوع النهائي المتجاوز، كما تشير أيضاً إلى أية مجردات ومطلقات مادية لا إنسانية هي في جوهرها تنويع على الطبيعة/المادة ومرجعيتها النهائية واحدية مادية. وهذه المطلقات المادية تتجاوز الإنسان ولا يتجاوزها وتستوعب الإنسان ولا يستوعبها. ونشير إليها أحياناً بتعبير «المطلق العلماني» ، فهي مرجعية ذاتها (الدولة القومية ـ السوق/المصنع ـ الدافع الاقتصادي ـ المنفعة ـ اللذة ـ حتمية التاريخ (.
كما نذهب إلى أن المنظومات الحلولية الكمونية، حيث يكون المركز كامناً حالاً في المادة، تنطوي على صراع حاد بين الذات والموضوع، فتتمركز الذات حول نفسها باعتبار أنها هي المركز ولكنها تفقد حدودها وتجد نفسها متمركزة حول الموضوع مذعنة له.
الذات
«الذات» بالإنجليزية «سابجيكت subject» عن نفس أصل كلمة «أوبجيكت object» ، وهما من فعل «جاكري jacere» بمعنى «يُلقي» . ولكن، بدلاً من «أوب ob» والتي تعني «فوق» التي تضاف لكلمة «أوبجيكت object» ، يضاف مقطع «سب sub» بمعنى «تحت» أو «مع» . والأصل الإنجليزي يشير إلى حالة الاستقطاب بين الموضوعي والذاتي. والذاتي هو ما يُنسَب إلى الذات، أي ما يتصل بها أو يخضع لها:
1 ـ ذات الشيء هي جوهره وهويته وشخصيته. والذات هي حقيقة الموجود ومقوماته. ويقابله «العَرَض» ، أي التبدلات الظاهرة على سطح الأشياء. والذات ثابتة أما الأعراض فمتبدلة.
2 ـ ما به الشعور والتفكير، فتقف الذات على الواقع وتتقبل الرغبات والمطالب وتُوجِد الصور الذهنية وتُقابِل العالم الخارجي (غير موضوعي) الذي يقع خارج نطاق الوعي.

3 ـ العقل أو الأنا أو الفاعل الإنساني المفكر وصاحب الإرادة الحرة أو الكيان الذي يتصف بصفات محدَّدة (الموضوع هو المفعول به (.
4 ـ العقل الديكارتي أو الكانطي الذي يُدرَك العالم الخارجي من خلال مقولاته.
5 ـ صانع التاريخ كفرد أو طبقة (باعتبار أن التاريخ هو الموضوع (.
ونحن نشير في هذه الموسوعة إلى الذات باعتبارها الذات الإنسانية الحرة الفاعلة المسئولة. وفي إطار المنظومة العلمانية العقلانية المادية، يمكن القول بأن الذات الإنسانية ذات طبيعية مادية ليس لها أصول ربانية. ومع أنها لا توجد إلا في الزمان والمكان، فإنها تصر على أنها مركز الكون وأنها ستحقق تجاوزاً لقوانين الطبيعة. ولكنها، لأنها ذات طبيعية، تفقد حدودها وتتفكك ويهيمن الموضوع النهائي على الطبيعة/المادة، وبذا يؤدي التمركز حول الذات (الإنسانية) داخل المنظومة المادية إلى التمركز حول الموضوع (الطبيعة/المادة) وتحل الموضوعية المادية محل الواحدية الذاتية الإنسانية.
إشكالية الموضوعية والذاتية
«الموضوعية» مصدر صناعي من كلمة «موضوع» . والموضوعية هي إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوهها نظرة ضيقة أو أهواء أو ميول أو مصالح أو تحيزات أو حب أو كره. ولذا، فإن وُصف شخص بأن "تفكيره موضوعي"، فإن هذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه تستند إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل وبعد معرفة كل الملابسات والظروف والمكونات.

والموضوعية هي الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجوداً مادياً خارجياً في الواقع، وبأن الحقائق يجب أن تظل مستقلة عن قائليها ومدركيها، وبأن ثمة حقائق عامة يمكن التأكد من صدقها أو كذبها، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المُدركة) إدراكاً كاملاً، وأن بوسعه أن يحيط بها بشكل شامل، هذا إن واجه الواقع بدون فرضيات فلسفية أو أهواء مسبقة، فهو بهذه الطريقة يستطيع أن يصل إلى تَصوُّر موضوعي دقيق للواقع يكاد يكون فوتوغرافياً.
وكلمة «الذاتي» تعني «الفردي» ، أي ما يخص شخصاً واحداً، فإن وُصف شخص بأن "تفكيره ذاتي" فهذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على شعوره وذوقه. ويُطلَق لفظ «ذاتي» توسعاً على ما كان مصدره الفكر لا الواقع، ومنه الأحكام الذاتية (مقابل الأحكام الموضوعية) وهي الأحكام التي تعبِّر عن وجهة نظر صاحبها وشعوره وذوقه. فمعرفتنا بالواقع محدودة تماماً عن طريق خبرتنا الذاتية الخاصة وتجربتنا الفريدة ووعينا وإدراكنا.
و «الذاتي» في الميتافيزيقا هو رد كل وجود إلى الذات، والاعتداد بالفكر وحده. أما «الموضوعي» ، فهو رد كل الوجود إلى الموضوع، المبدأ الواحد المتجاوز للذات. أما في نظرية المعرفة، فإن «الذاتية» تعني أن التفرقة بين الحقيقة والوهم لا تقوم على أساس موضوعي، فهي مجرد اعتبارات ذاتية، وليس ثمة حقيقة مطلقة، أما «الموضوعية» فترى إمكانية التفرقة. وفي عالم الأخلاق، تذهب الذاتية إلى أن مقياس الخير والشر إنما يقوم على اعتبارات شخصية إذ لا تُوجَد معيارية متجاوزة، أما الموضوعية فترى إمكانية التوصل إلى معيارية. وفي عالم الجمال، تذهب الذاتية إلى أن الأحكام الجمالية مسألة ذوق، أما الموضوعية فتحاول أن تصل إلى قواعد عامة يمكن عن طريقها التمييز بين الجميل والقبيح.

ورغم أن هذه التعريفات تبدو سلسة وبسيطة، ورغم أن التعارض بين الذاتي والموضوعي سلس وواضح، فإن ثمة مفاهيم معرفية كلية نهائية متضمَنة غير واضحة تجيب على الأسئلة الكلية النهائية (ما الإنسان؟ ما العناصر المكونة له؟ ما علاقة عقله بالواقع؟ ما الهدف من وجوده؟ أيهما يسبق وجوده وجود الآخر ـ الإنسان أم الطبيعة؟) . وسنلاحظ ابتداءً أن هناك أشكالاً كثيرة من الموضوعية (تماماً كما أن هناك أشكالاً كثيرة من العقلانية) ، ولكن المرجعيات عادةً غير واضحة. فإذا قلنا "فلنكن موضوعيين" أو "فلنُحكِّم العقل" ولم نزد، فنحن نقول في واقع الأمر "فلنكن موضوعيين ولنُحكِّم العقل في إطار المنظومة المعرفية السائدة التي تسبق كلاًّ من الموضوع والعقل". وفي العصر الحديث، نجد أن المنظومة المهيمنة هي المنظومة المادية ونموذج الطبيعة/ المادة حيث لا فرق بين الطبيعة والإنسان. ولذا، فإن عبارة بريئة مثل «فلنكن موضوعيين» تعني في واقع الأمر «فلنتجرد من عواطفنا وذكرياتنا ومنظوماتنا الأخلاقية وتراثنا ولنرصد الواقع الإنساني والطبيعي كما هو» ، أي أن كلمة «موضوعية» بشكل مجرد تعني عادةً «الموضوعية المادية» أو «المتلقية» (تماماً كما أن كلمة «عقل» بشكل مجرد تعني «العقل المادي» ) . وبهذا المعنى، فإن الموضوعية هي، في واقع الأمر، العقلانية المادية في مرحلة التمركز حول الموضوع (لا التمركز حول الذات) . وأنها نتاج الرؤية المتمركزة حول الطبيعة/المادة، وعادةً ما تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة في الطبيعة/المادة (على عكس الذاتية، فهي نتاج الرؤية المتمركزة حول الذات والإنسان، وعادةً ما تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة في الذات) .

ويمكن تلخيص الأبعاد الكلية والنهائية (المعرفية) للموضوعية (المادية) بأنها الإيمان بأن العالم (الإنسان والطبيعة) كل متجانس مكتف بذاته. وتبدأ المتتالية النماذجية للموضوعية المادية (شأنها شأن أية منظومة حلولية كمونية مادية) بمرحلة إنسانية ذاتية (واحدية ذاتية ـ تَمركُز حول الذات) . ومع تحقُّق المتتالية وبعد مرحلة قصيرة من الثنائية الصلبة تصبح الطبيعة/المادة هي المركز وتهيمن الواحدية الموضوعية المادية (التمركز حول الموضوع) وهذا يعني في واقع الأمر استبعاد الإنسان كعنصر فاعل وتحويله إلى عنصر سلبي متلق، والطبيعة نفسها تتحول إلى كيان بسيط منبسط مُسطَّح يستوعب هذا الإنسان، أي أن ثنائية الإنسان والطبيعة الفضفاضة يتم القضاء عليها لصالح الطبيعة وتسود الواحدية المادية.
وتتبدَّى هذه الأبعاد التفكيكية للموضوعية (المادية) في موقفها من القضايا التالية:
1 ـ عقل الإنسان:
أ) العقل السليم من منظور الرؤية الموضوعية (المادية) إن هو إلا صفحة بيضاء أو سطح شمعي (باللاتينية: تابيولا رازا tabula rasa) ، وهو ما يعني أنه مادة محضة، فهو دماغ أو مخ أكثر منه عقلاً (فالعقل مفهوم فلسفي وليس مجرد وجود فسيولوجي) .
ب) العقل سلبي بسيط محايد، فهو كالآلة تنطبع عليه المعطيات والمدركات الحسية وتتراكم.
جـ) عقل الإنسان لا متناه في قدرته الاستيعابية والامتصاصية والتسجيلية.
د) العقل السليم يسجل ويمتص ويرصد بحياد شديد دون أن يُشوِّه أو يغيِّر أو يُعدِّل ما يصله من معطيات حسية وحقائق صلبة.

هـ) هذا العقل جزء لا يتجزأ من الطبيعة/المادة، أي أن الحيز الإنساني ليس له وجود مستقل، ولهذا السبب تسري على عقل الإنسان القوانين المادية العامة التي تسري على الأشياء، فهو لا يتمتع بأي استقلال عنها ومن ثم فلا هوية له ولا شخصية ولا حدود (حدوده تتطابق تماماً مع حدود الطبيعة/المادة) ، وهو مثل الطبيعة يتحرك في إطار القانون المادي العام ويرى العالم في إطار التشابه والتجانس. وهذا هو المعنى الحقيقي للقول بأن ثمة تقابلاً بين قوانين العقل وقوانين الواقع، وبين الذات والموضوع.
و) ولهذا السبب نفسه، فإن العقل قادر على التعامل مع العالم الموضوعي الخارجي، أي العالم المحسوس، بكفاءة بالغة، أما حينما يتعامل مع عالم الإنسان الداخلي، فهو أقل كفاءة.
2 ـ الواقع:
أ) الواقع الموضوعي (الطبيعة) واقع خام بسيط (يأخذ في أغلب الأحوال شكل ذرات متحركة) ، وهو مجموعة من الحقائق الصلبة والوقائع المحددة (التي تنطبع على العقل) .
ب) ثمة قانون طبيعي واحد يسري على الظواهر الطبيعية وعلى الظواهر الإنسانية، وعلى جسد الإنسان وعقله، وعلى الأمور المادية والمعنوية. وهذا يعني أيضاً أن تُعامَل الظاهرة الإنسانية تماماً مثلما تُعامَل الظواهر الطبيعية، وتُزال الفروق بين الإنسان والطبيعة بحيث يتحول الإنساني إلى طبيعي، أي أن الموضوعية تَصدُر عن الإيمان بوحدة (أي واحدية) العلوم بحيث يصبح الإنسان موضوعاً لا يختلف عن الموضوع الطبيعي، يُوصَف ويُرصَد من الخارج وتُستخدَم مناهج العلوم الطبيعية لدراسته.
جـ) الحقائق، لهذا السبب، عقلية وحسية (فالعقل جزء من الطبيعة) وقابلة لأن تُعرَف من جميع جوانبها، والموجود هو ما نحسه ونعقله وما وراء ذلك فأوهام. المعرفة، إذن، عقلية وحسية فقط (ولكن العقلي والحسي متقابلان فهما شيء واحد) .

د) أجزاء الواقع الموضوعي تترابط من تلقاء نفسها حسب قوانين الترابط الطبيعية/المادية العامة، وحسب حلقات السببية الواضحة المطلقة، وبشكل صلب لا تتخلله ثغرات أو فجوات، فكل شيء يدخل شبكة السببية الصلبة ومن ثم يمكن رد كل الأجزاء المتعينة المتفردة إلى الكل العام المجرد.
هـ) هذه السببية كامنة في الأشياء أو لصيقة بها تماماً.
3 ـ الإدراك:
أ) عملية الإدراك تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة، ولذا فهي عملية اتصال بسيطة مباشرة (جسدية مادية؟) بين صفحة العقل البيضاء والواقع البسيط الخام (منبه فاستجابة) ، وهي عملية محكومة مسبقاً بقوانين الطبيعة/المادة، تلك القوانين التي تسري على الإنسان سريانها على الأشياء.
ب) وهي عملية تلقٍ موضوعية مادية تراكمية (ذرية) إذ يقوم العقل بتلقي الحقائق الصلبة والوقائع المحددة المتناثرة التي تأتي من الواقع الموضوع الطبيعي/المادي الذي يتراكم فوق عقل الإنسان.
جـ) وبإمكان هذا العقل أن يقوم بعمليات تجريبية، أي أن يختار عناصر من الواقع ويستبعد عناصر أخرى ثم يربطها ببعضها البعض. ولكنه، حتى في نشاطه هذا، لا يمكنه أن يكون مستقلاً عن قوانين الطبيعة/المادة. ولذا، سيختار العقل (بشكل تلقائي أو آلي) الجوانب العامة والمشتركة والمتشابهة في الظواهر (فهي وحدها المحسوسة والقابلة للقياس والنظر العقلي) وهي التي تساعد على التوصل إلى القانون العام.
د) ونحن حين نقول «العقل يربط» فهذا من قبيل التجاوز. فالأشياء ـ كما أسلفنا ـ مرتبطة في الواقع برباط السببية الواضح. والواقع والمعطيات الحسية ترتبط في عقل الإنسان من تلقاء نفسها، بشكل آلي، حسب قوانين الترابط المادية الألية العامة. إذ تترابط الأحاسيس الجزئية وتتحوَّل إلى أفكار بسيطة، ثم تترابط الأفكار البسيطة لتتحوَّل إلى أفكار مركبة تترابط بدورها لتصبح أفكاراً أكثر تركيباً، وهكذا حتى نصل إلى الأفكار الكلية.

هـ) عملية الإدراك عملية عامة لا تتأثر بالزمان والمكان أو بموقع المدرك من الظاهرة.
و) العقل قادر على زيادة التجريد إلى أن يصل إلى القوانين العامة للحركة ويصوغ هذه القوانين في لغة بسيطة عامة يُستحسن أن تكون لغة الجبر، حتى لا تختلف لغة الإفصاح من مدرك لآخر.
4 ـ بعض نتائج الموضوعية) المادية: (
تُلغي الموضوعية (المادية) كل الثنائيات، وخصوصاً ثنائية الإنسان والطبيعة، وتُرجِّح المرجعية الكامنة الموضوعية على المرجعية الكامنة الذاتية:
أ) تدور الموضوعية (المادية) في إطار الواحدية السببية (المرتبطة تمام الارتباط بوحدة [أي واحدية] العلوم) ، فثمة سبب واحد أو عدة أسباب لتفسير كل الظواهر.
ب) ثمة إيمان بضرورة الوصول إلى درجة عالية من اليقينية وشمولية التفسير تتفق مع الواحدية السببية.
جـ) تنقل الموضوعية (المادية) مركز الإدارك من العقل الإنساني إلى الشيء نفسه، ولذا فإن هناك اتجاهاً دائماً نحو تأكيد الحتميات الموضوعية المادية المختلفة.
د) تستبعد النماذج الموضوعية (المادية) الإنسان كعامل قادر على تَجاوُز المعطيات المادية حوله، بل ترده في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير لهذه المعطيات.
هـ) الموضوعية (المادية) لا تعترف بالخصوصية، ومنها الخصوصية الإنسانية، فهي تُركِّز على العام والمشترك بين الإنسان والطبيعة، ولذا فإن الفكر الموضوعي يُعبِّر عن نفور عميق من الهوية والخصوصية.
و) لا تعترف الموضوعية (المادية) بالغائيات الإنسانية ولا بالقصد، فالغائيات لا يمكن دراستها أو قياسها، كما أنها مقصورة على الإنسان دون عالم الطبيعة، ولذا تستبعد الموضوعية فكرة المعنى.
ز) لا تعترف الموضوعية (المادية) بالإبهام، فهي تُفضِّل الدقة الكمية التي يمكن استخدامها في دراسة كلٍّ من الإنسان والطبيعة، ولذا فهي تستبعد، بقدر الإمكان، عناصر الإبهام وعدم التحدد في الطبيعة والإنسان.

ح) تفضل الموضوعية (المادية) البراني (فهذا هو المشترك بين الإنسان والحيوان) وتهمل الجواني.
ط) دوافع الإنسان بسيطة واضحة برانية مستمدة إما من البيئة الاجتماعية أو من العناصر الوراثية، وهي دوافع يمكن رصدها ببساطة.
ي) المعرفة نتاج تراكم براني للمعلومات.
ك) يمكن تفسير سلوك الإنسان وأفكاره في إطار التأثير والتأثر (البراني) لا التوليد أو الإبداع (الجواني) .
ل) تفضل الموضوعية الاستمرار (استمرار عالم الطبيعة والإنسان كعنصر أساسي في وحدة العلوم) وترفض الانقطاع (أي تَميُّز الإنسان عن الطبيعة) ، أو تنظر له بكثير من الشك.
م) الالتزام بالموضوعية (المادية) يعني أن يتجرد الباحث من ذاتيته وخصوصيته الحضارية بل الإنسانية، ومن عواطفه وحواسه وحسه الخلقي وكليته الإنسانية، بحيث يمكنه أن يُسجِّل ويصف بحياد شديد لدرجة تموت معها الأشياء، ويتشيأ الإنسان ويُرصَد من الخارج كما تُرصَد الأشياء. فالالتزام يُعبِّر عن موقف مسبق قد يؤثر في الرؤية الموضوعية، كما أنه يفترض غائية إنسانية لا أساس لها في الطبيعة/المادة.
5 ـ الموضوعية (المادية) والنموذج التراكمي:
النموذج الكامن في الرؤية الموضوعية (المادية) نموذج تراكمي:
أ) فثمة إيمان بأن كل المشتركين في العلوم (إن توافرت لهم الظروف الموضوعية) يفكرون بنفس الطريقة ويسألون نفس الأسئلة، وهذا يعني أن ثمة حقيقة موضوعية ثابتة واحدة نحاول الوصول إليها جميعاً وبنفس الطريقة، وهو ما يؤدي إلى تراكم الإجابات وتشابكها على مستوى الجنس البشري بأسره، وهذا التراكم والتشابك سيؤدي إلى تزايد رقعة المعلوم تدريجياً ويؤدي بالتالي إلى تَقلُّص رقعة المجهول.

ب) عملية التراكم ستوصلنا إلى نموذج النماذج، القانون العام، الإجابة الكلية (النهائية) ، فما هو مجهول في الطبيعة (المادية والبشرية) هو أمر مؤقت، إذ سيصبح من خلال تراكم المعلومات معلوماً، وتتراجع رقعة المجهول، وسيؤدي تزايد رقعة المعلوم والتراكم المعرفي المستمر إلى سد كل الثغرات والتحكم الكامل أو شبه الكامل وإلى معرفة الطبيعة البشرية المادية معرفة كاملة أو شبه كاملة بحيث تصبح كل الأمور (إنسانية كانت أم طبيعية) أموراً نسبية مادية معروفة ومحسوبة ومبرمجة، ويصبح العالم مادة استعمالية لا قداسة لها.
جـ) يُحكَم على المعرفة من منظور مدى قُربها أو بُعدها من النقطة النهائية الواحدية التي يتحقق فيها القانون العام وتتطابق الكليات مع الجزئيات.
د) هدف الإنسان من الكون هو عملية التراكم والتحكم هذه، وهدف العلم هو السيطرة على الأرض وهزيمة الطبيعة وتسخير مواردها وتحقيق الهيمنة الكاملة للإنسان على الطبيعة. ولتحقيق هذا، لابد من إدخال كل الأشياء (الإنسان والطبيعة) في شبكة السببية الصلبة والمطلقة حتى يتم شرحها وإخضاعها للقوانين الطبيعية. ويعني تزايد الدراسة الموضوعية تزايُّد التحكم وصولاً إلى الفردوس الأرضي ونهاية التاريخ أو على الأقل إلى النظام العالمي الجديد.
هـ) العقل قادر على إعادة صياغة الإنسان وبيئته المادية والاجتماعية في ضوء ما تراكم عنده من معرفة وبما يتفق مع القوانين الطبيعية العامة التي أدركها الإنسان من خلال دراسته الموضوعية لعالم الطبيعة والأشياء (وهذا ما يسمى عملية الترشيد، أي تنميط الواقع من خلال فرض الواحدية المادية عليه حتى يمكن التحكم الكامل فيه ثم حوسلته، أي تحويله إلى وسيلة ومادة استعمالية يمكن توظيفها بكفاءة عالية كما يمكن تعظيم فائدتها (.

ويُلاحَظ أن ثمة استقطاباً حاداً في كل المنظومات الحلولية الكمونية المادية. يتضح هذا في الاستقطاب بين الموضوعية (في تأليهها للكون وإنكارها للذات) والذاتية (في إنكارها للكون وتأليهها للذات) . فالموضوعية تَفترض أن الواقع معقول وأنه مكمن الحقيقة وأنه يمكن معرفته وتفسيره في ضوء القوانين العامة التي يستخلصها الإنسان من خلال إذعان الذات للموضوع. أما الذاتية فترى أن الواقع غير موجود أو لا يمكن الوصول إليه ولا يمكن إدراكه أو تفسيره ولا يمكن التوصل إلى أية قوانين أو حقائق عامة، ومن ثم تصبح علاقة الذات بالموضوع واهية، وقد تختفي تماماً.
وقد واجه الفلاسفة مشكلة الاستقطاب الحاد بين الذات والموضوع (الواحدية الذاتية والواحدية الموضوعية) ، وطُرحت القضية التالية: هل الذات قادرة على معرفة الموضوعات، أم أن الموضوعات برانية بحيث لا يمكن الوصول إليها؟ وهل الذات هي مقياس حقيقة الأشياء (أي معقوليتها) أم أن الموضوع يحتوي نظامه (ومعقوليته) دون ارتباطه بالذات الإنسانية؟ وقد حاول كثير من فلاسفة القرن العشرين حل إشكالية ثنائية الذات والموضوع عن طريق إلغائها تماماً، فقالوا بعدم انفصال الذات عن الموضوع، فالموضوع ليس شيئاً مستقلاً عن الإرادة البشرية وإنما هو الفعل الناجم عن ممارسة القوة (فلسفات القوة) . وقال البعض الآخر إن الفعل ليس هو في ذاته ولكنه نتائج وآثار الفعل (الفلسفة البرجماتية) . والأمر عند فريق ثالث لا هذا ولا ذاك وإنما هو ما يتجه نحوه الوعي (الفلسفة الفينومينولوجية) . ومن ثم، فإن الذات لا وجود لها خارج الموضوع، وهي تستمد وجودها من تقابلها معه.

ولكن، ورغم الاستقطاب الشديد، فإن ثمة نقط تشابه بين الذاتية والموضوعية، فكلاهما يدور في إطار الحلولية الكمونية التي تفترض وجود مركز الكون داخله (الذات أو الموضوع) ، ومن ثم فإن كليهما واحدي يُلغي المسافة وإمكانية التجاوز. وتؤكد الموضوعية (المادية) أن الأشياء المحسوسة مادية ولها وجود موضوعي. ولكن هل العلاقة بين هذه الأشياء المحسوسة علاقة مادية وموضوعية تماماً أم أن رصدها يتطلب إجراء عمليات عقلية (ذاتية) تختلف من شخص لآخر؟ وجوهر الموضوعية هو الاستقراء، أي التعميم من عدد من الحالات الموضوعية، ولكن يمكننا أن نسأل: كيف يَحق للإنسان أن ينتقل من عدد من الظواهر الفردية إلى كل الظواهر التي تندرج تحت هذا النوع في الماضي (الذي لم يرصده الإنسان) والحاضر (الذي رصد بعض حالاته) والمستقبل (المجهول تماماً) ؟ ألا يشكل هذا الانتقال شكلاً من أشكال الإيمان بالثبات؟ وإذا كانت الحواس الفردية للإنسان مصدر المعرفة، فهل هي مصدر يمكن الاعتماد عليه؟ كل هذا يُبيِّن أن الحديث عن معارف كلية يقينية (نتوصل إليها من خلال عمليات الربط والتعميم) أمر يتنافى مع الموضوعية، وأن أي حديث عن معرفة نتوصل إليها من خلال الحواس يفتقد إلى المصداقية، ولذا تنحل الموضوعية في اتساقها مع نفسها وتسقط في ذاتية كاملة إذ أن كل واحد فينا (حسب الرؤية الموضوعية المادية نفسها) حبيس حواسه وحبيس التفاصيل التي يرصدها.

ويمكن أن تحل الموضوعية (المادية) هذه الإشكالية بأن تُضيِّق نطاقها بقدر المستطاع فتقتصر وظيفتها على تعريف الظواهر ووصفها واكتشاف قوانينها (المادية) وترتيب القوانين من الخاص إلى العام، وتحل الملاحظة محل الخيال والتأمل والاستدلال النظري، وتقوم التجربة المادية مقام التصورات والافتراضات. ثم تضيق الحلقة وتصبح الموضوعية (المادية) هي تسجيل التفاصيل والحقائق المتناثرة. وفي هذه الحالة، تصبح الموضوعية موضوعية متلقية سلبية لا تستطيع التمييز بين مختلف المعطيات الحسية والمعطيات العقلية. ويصبح الرصد الموضوعي رصداً لأمور غير مهمة وربما تافهة ولكنها، مع هذا، "موجودة" موضوعياً ومادياً في الواقع. ويمكن أن يكون الرصد أفقياً بمعنى أن تُوضَع كل التفاصيل جنباً إلى جنب دون ربط أو ترتيب هرمي. كما يمكن أن تصبح الموضوعية (المادية) احتمالية تماماً، تضع الحقائق والتعليمات دون أن تَنسب لها أي ثبات. ولهذا يجب ألا يُطرَح السؤال على هذا النحو: هل الحقائق موجودة بالفعل أم لا؟ وإنما يجب أن يُطرَح بهذه الطريقة: ما دلالة الحقائق ومعناها وأهميتها؟ وهل تستحق التسجيل أم لا؟ فإن قلنا مثلاً إن الأساتذة الجامعيين يلبسون بذلاً زرقاء أما غيرهم فيلبسون بذلاً خضراء، فهل يصلح هذا أساساً لتصنيف أساتذة الجامعة؟

إن أساس اختيار الحقائق أكثر أهمية ودلالة من الحقائق في ذاتها. وكم المعلومات (مهما تضخَّم) لا علاقة له بالصدق أو الدلالة، فالصدق والكذب ليسا كامنين في الحقائق الموضوعية (أي من حيث هي كذلك) وإنما في طريقة تناولها وفي القرار الخاص باختيارها أو استبعادها. ومن هنا قولي بأن الحقائق شيء والحقيقة شيء آخر والحق شيء ثالث. فالحقائق أشياء مادية صرفة تُوجَد في الواقع على هيئة تفاصيل متناثرة منعزلة عن ماضيها التاريخي وسياقها الحاضر وعن الحقائق الأخرى، أما الحقيقة فهي لا توجد في الواقع وإنما يقوم العقل المبدع بتجريدها واستخلاصها من خلال عمليات عقلية تُجرَى على كم المعلومات والوقائع والحقائق المتناثرة فيقوم العقل بربط الوقائع والحقائق والتفاصيل ببعضها البعض الآخر ويراها في علاقتها بالحقائق المشابهة ومعارضتها للحقائق الأخرى كما يربطها بماضيها التاريخي وواقعها الاجتماعي ثم يربطها بحقائق وأنماط مماثلة حتى يصل إلى النموذج التفسيري الذي يُفسِّر أكبر قدر ممكن من الحقائق المتناثرة (أما الحق، فهو ينتمي إلى عالم المُثُل والإيمان وهو يشكِّل المنظور الأخلاقي [المطلق] الذي لا يجده الإنسان جاهزاً في الواقع المادي وإنما يُحاكم على أساسه كلاًّ من الحقائق المادية والحقيقة الفكرية العقلية) .

ولنضرب مثلاً مثيراً من واقع أعضاء الجماعات اليهودية يبرهن على انعدام جدوى عملية الرصد الموضوعي (المتلقي) مهما بلغ من دقة وأمانة ونزاهة. ولنتخيل باحثاً (سنشير إليه بعبارة «الباحث الافتراضي» ) قرر أن يتخذ موقفاً موضوعياً تماماً من هجرة أعضاء الجماعات اليهودية وأن يرصدها بأمانة. سيبدأ هذا الباحث الافتراضي بعمل جدول يدرج فيه أسماء الجماعات اليهودية في العالم، وبجانب كل جماعة سيدرج الأرقام الخاصة بعدد اليهود الذين هاجروا منها ثم قد يضيف جدولاً آخر بأسماء البلاد التي هاجروا إليها. وقد يقرر أن يعمل جدولاً تاريخياً يضم أسماء الجماعات اليهودية وأسماء البلاد التي هاجروا إليها وتواريخ الهجرة والنسب المئوية المختلفة. وستكون النهاية أو الثمرة جدولاً ضخماً أو عدة جداول ضخمة أو متوسطة الحجم. ولا شك في أن مثل هذه الجداول، باختلاف أحجامها وأشكالها مرحلة أساسية في عملية الرصد. ولكن أن نكتفي بهذه الخطوة، فهذا هو التلقي السلبي بعينه، فالجدول قد يحتوي على كل شيء ولكنه لا يقول شيئاً، إذ يجب أن يُنظَر له باعتباره مادة خام، مجرد حقائق، يتعامل معها العقل لا كنهاية في حد ذاتها وإنما كي يفسرها ويجردها ويستخرج الأنماط منها حتى نصل إلى الحقيقة، ولكن لا يمكن أن نتصور أن المادة الخام هي النمط وأن الحقائق هي الحقيقة. ولكن صاحبنا، الباحث الموضوعي الافتراضي الذي أشرنا إليه، يكتفي بالرصد ولا يُعمل عقله ولا يجتهد ولا يسأل ولا يطرح الإشكاليات ولا يربط ولا يجرد ولا يبقي ولا يستبعد، ولعله لو فعل لاكتشف أن هجرة اليهود في العالم القديم لم تكن مجرد أرقام متراكمة بلا شكل أو اتجاه وإنما جزءاً من نمط، فقد كانت في معظم الأحيان هجرة من المناطق المتقدمة إلى المناطق المتخلفة، ولاكتشف أن هذا النمط انعكس مع بداية القرن السادس عشر. ولاكتشف أيضاً أن أعضاء الجماعات اليهودية لا يهاجرون والسلام وإنما يتحركون عادةً داخل حدود

إمبراطورية ما، تُيسِّر لهم الحركة وتؤمِّنهم، وأن هذا ما حدث لهم في العصر الحديث مع التشكيل الاستعماري الإمبريالي (الإمبراطوري) الغربي، وأن ما يحدد حركتهم (هجرتهم) هو حركيات التشكيل الاستيطاني الغربي. ولذا هاجر 80% من المهاجرين اليهود في العالم الغربي إلى الولايات المتحدة (تماماً كما هاجر 85% من مهاجري العالم الغربي إليها) . ولعل باحثنا الافتراضي هذا لو أعمل عقله قليلاً لاكتشف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يتحركوا داخل هذا التشكيل الاستعماري الغربي على وجه العموم وإنما داخل التشكيل الأنجلو ساكسوني على وجه التحديد، ومن هنا تواجدهم المكثف في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا، ومن هنا أيضاً إسرائيل، فهي ليست جزءاً من الحركة العامة لليهود وإنما هي جزء من التشكيل الاستعماري الأنجلو ساكسوني. الرصد الموضوعي سيُعطي كل البيانات ويُرهقنا تماماً (حقائق بلا حقيقة) ، أما الاجتهاد فسيُعطينا الحقائق داخل أنماط قد لا تضم كل الحقائق وقد لا تنطق بكل الحقيقة ولكنها بلا شك ستُفسِّر لنا كثيراً من جوانب الواقع.
والافتراضات التي يستند إليها الفكر الموضوعي تنبع من العقلانية المادية لعصر الاستنارة، وقد ثبت أنها افتراضات إما خاطئة تماماً أو بسيطة إلى درجة كبيرة، ولذا فمقدرتها التفسيرية ضعيفة. وهذا يعود لعدة أسباب:
1 ـ تركيبية الواقع وخصوصية الظواهر:
الواقع المادي ليس بسيطاً ولا منبسطاً ولا صلباً ولا صلداً وإنما مركب ومليء بالثغرات والنتوءات، ولا ترتبط معطياته الحسية برباط السببية الصلبة الواضحة إذ ثمة عناصر مبهمة فيه وثمة احتمالات وإمكانيات كثيرة يمكن أن يتحقق بعضها وحسب ولا يتحقق البعض الآخر.

وكما بيَّن الدكتور حامد عمار فإن صورة عالم نيوتن المادي الآلي الثابت لم تَعُد الصورة المهيمنة في العلوم الطبيعية، فقد جاءت نظرية النسبية والحركة والطاقة لتكمل مفهومنا عن عالم المادة التي تبدو في السطح مستقرة ثابتة، لكن استقرارها إنما هو نتيجة لدينامية في انتظام الحركة داخل مكوناتها. والجُزَيْءُ النووي يتمثل في مادة كما يتمثل في موجات، ويتوقف التعامل معه على نوع السؤال الموجه له في أي من البُعدين. كذلك أدَّت نظرية أينشتاين في النسبية إلى القضاء على المفهوم المطلق لكل من الزمان والمكان، وإلى اعتبارهما بُعداً واحداً رابعاً يعمل في سياق بيئة معيَّنة. وامتدت أبحاث الفيزياء الحديثة من خلال نظرية الكم (كوانتوم) إلى أن الحقائق الكونية تتحدد أكثر ما تتحدد بعلاقتها بغيرها. وأن تعريفها يعتمد أكثر ما يعتمد على نوع علاقتها المتبادلة مع غيرها. أضف إلى ذلك أن تحديد المادة وفهمها إنما يتأثر إلى حدٍّ ما بالمشاهد نفسه، فهو مشارك في تحديد طبيعة ما يراه، وليس مجرد ملاحظ سلبي لما يراه. وهذا يعني أننا لا يمكن أن نفصل العقل عن إدراك عالم الإلكترون كما يقول علماء الفيزياء، باعتبار أن له خصائص مستقلة عن الشخص المُدرك، وأننا لا يمكن أن نتحدث عن عالم الطبيعة والمادة دون أن نتحدث عن أنفسنا وطبيعة ذواتنا، ووعينا ومقاصدنا.
ومن خلال هذه الجهود والنظريات العلمية في عالم الفيزياء الحديثة أصبح التوجه العام في النظر إلى الكون نظرة يمكن وصفها بأنها عضوية وكلية بيئية، أي من خلال نظرية المنظومة العامة. وهذا المنطلق العلمي يناقض النظرة الميكانيكية التي تنظر إلى الكون باعتباره (آلة ـ ماكينة) تتألف من أجزاء منفصلة بعضها عن بعض، لكنها أجزاء مترابطة في علاقات متبادلة في هذا الكل الكوني الموحد. فالأشياء إنما هي علاقات بين أشياء، وأن هذه الأشياء إنما هي علاقات بين أشياء أخرى، وهكذا.

وينبع قدر كبير من الخلل في تَصوُّر الكائنات الحية عموماً باعتبارها آلات، مع أن هناك خلافاً جوهرياً بينهما، فالآلات تُصنَع وتُركَّب، بينما الكائنات الحية تنمو وتتطور. كذلك فبينما تتحدد أنشطة الآلة من خلال بنية أجزائها، فإن نشاط الكائنات الحية، وبخاصة الإنسان، إنما يتحدد بالعكس، أي أن بنيتها تتحدد من خلال العمليات التي تقوم بها. ثم إن عمل الآلة محكوم بسلسلة خطية من السبب والنتيجة، وحين يحدث خلل يمكن التعرف على السبب في ذلك الخلل، أما في الكائن الحي فإن جسمه يعمل من خلال علاقات دائرية يؤثر بعضها في البعض، ثم يعود ليؤثر مرة أخرى في المؤثر الأول من خلال التغذية الراجعة. ومن ثم يصبح الخلل ناجماً عن مجموعة مركبة من العوامل يعزز بعضها بعضاً، وبالتالي يصبح التعرف على السبب الأول غير ذي موضوع، وإنما الأهم هو محصلة العلاقات المتداخلة".
ولذا، لا يمكن فهم الواقع من خلال القوانين البسيطة الصلبة المطلقة وإنما من خلال الافتراضات والقوانين الاحتمالية والسببية الترابطية، ولذا أصبحنا ندرك خطورة التجريب العلمي وأنه ليس من الممكن القيام بكل التجارب الممكنة التي تغطي كل الاحتمالات. ولعل ظهور مفهوم الـ «إيكو سيستم eco-system» ، أي «النظام البيئي» ، تأكيد لتركيبية هذا العالم الذي نعيش فيه وأنه لن يقع في قبضة السببية الصلبة المطلقة التي توهمها العلم الغربي في القرن التاسع عشر، قبل أن يصل إلى قدر من النضوج فيما يتصل بقدراته وحدوده.
ومما يزيد من تركيبية الكون وجود أهم الثغرات طُراً فيه، أي الإنسان، فهو أكثر الكائنات تركيباً، لا يقف في الكون كشيء ضمن الأشياء الأخرى، ظاهرة مثل الظواهر، وإنما يقف شامخاً في مركز الكون تأتي عنده القوانين الطبيعية فتُعدِّل من مسارها وتتغير وتتحور، بل قد تتوقف أحياناً تماماً.
2 ـ خصوصية وتركيبية الإدراك:

ما ينطبق على الإنسان ينطبق، بطبيعة الحال، على عقله الذي يرصد الكون، فقد اكتشفنا أن العقل قاصر وله حدوده الخاصة ولا يمكنه تسجيل كل المعطيات المادية المحيطة به ولا الإحاطة بكل جوانب الفعل. نعم ينطبع الواقع على خلايا المخ، ولكن عدد الانطباعات الحسية في أية لحظة يكون هائلاً لدرجة يستحيل معها تسجيله. والعقل، رغم هذا، بل بسبب هذا، أبعد ما يكون عن السلبية والبساطة، فهو ليس بصفحة بيضاء تتراكم عليها المعلومات وتصبح معرفة من تلقاء نفسها، فالعقل في أبسط العمليات الإدراكية فاعل فعال، مبدع حر، يتمتع بقدر من الاستقلال عن المعطيات المادية المحيطة به وعن قوانين الطبيعة/المادة، فاللحظة الحسية في عملية الإدراك ليست سوى لحظة.

وعملية الإدراك ليست بسيطة تأخذ شكل منبه أو مثير فاستجابة فهي مسألة تبلغ الغاية في التركيب، فبين المنبه المادي والاستجابة الحسية والعقلية والإدراكية يُوجَد عقل نشيط مبدع ينظم وهو يتلقى. والمعرفة تتضمن فهماً وتركيباً وتنظيماً، والحواس عاجزة بذاتها عن فهم المحسوسات وتنظيمها إذ أن التنظيم يستدعي قدرة أخرى وفاعلية أخرى تصل وتفصل وتقارن وترتب وتنظم، ولن تكون هذه القوة ناشئة عن المحسوسات لأن الحواس لا تمدنا إلا ببعض الصفات الظاهرة للمُعطَى الحسي كاللون والرائحة والطعم والحجم. وهي معطيات جزئية فردية منعزلة لا تؤلف وحدة متكاملة ومترابطة. وما يحدث أن الكم الهائل والحصيلة الضخمة للمعطيات الحسية التي تُسجَّل على عقل الإنسان، والتي تصل إليه على هيئة جزئيات غير مترابطة، هذا الكم يفرض عليه جهازه الحسي والعصبي ترشيحها وفرزها وترتيبها (فهو لا يستوعب إلا الكليات المترابطة) ، ثم يجري العقل عملية تجريدية تفكيكية تركيبية تتضمن استبعاد بعض العناصر وإبقاء البعض الآخر، ثم يقوم بترتيب ما تم إبقاؤه من معطيات فيُبرز بعضها باعتباره مركزياً ويُهمِّش البعض الآخر باعتباره ثانوياً بحيث تصبح الجزئيات المتناثرة كلاً مفهوماً وتصبح العلاقات بين المعطيات المادية التي أدركها العقل تتشاكل، ولا تتطابق بالضرورة، مع ما يتصور الإنسان أنه العلاقات الجوهرية في الواقع.

وعملية الإبقاء والاستبعاد هذه لا تتم بشكل عشوائي (ذاتي) محض، ولا تتم بشكل آلي (موضوعي) محض، وإنما على أساس مجموعة من المسلمات الكلية النهائية التي استبطنها المُدرك (وهي مفطورة في عقل الإنسان) . وهذه العملية ليست عملية محايدة، مفرغة تماماً من القيم (بالإنجليزية: فاليو فري value-free) وإنما تدور في إطار المنظومة القيمية للمدرك. ومما يزيد عملية الإدراك تركيباً أن عقل الإنسان لا ينظم المعطيات الحسية ويفككها ويركبها وحسب، بل يختزن ذكريات عن الواقع هي في حقيقة الأمر صورة مثالية وذاتية لهذا الواقع، وهو يُولِّد من المعطيات الحسية رموزاً وأساطير، وتصبح الذكريات والمثل والرموز والأساطير جزءاً من آليات إدراكه. كما أن وضع المُدرك في الزمان والمكان يؤثر ولا شك في علاقته بالظاهرة التي يدرسها.
وعملية رصد الإنسان عملية تبلغ الغاية في التركيب. فالحقائق الإنسانية لا يمكن فهمها إلا من خلال دراسة دوافع الفاعل وعالمه الداخلي والمعنى الذي يُسقطه عليه، فالإنسان ليس مجرد سلوك براني مادي وحسب يُرصَد من خارجه وإنما هو سلوك براني تُحركه دوافع جوانية يَصعُب الوصول إليها مباشرةً من خلال الوصف الموضوعي وغيره، ولذا يحاول العقل البشري أن يصل إليها من خلال عملية حدس وتخمين وتعاطف وتخيُّل وتركيب عقلي ومقاربات ذهنية يَصعُب أن نسميها «موضوعية» . وقد قيل إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يستجيب للمنبهات وإنما لفهمه لها ولدلالتها وللمعنى الذي يُسقطه هو عليها. والبُعد الجواني في الظاهرة الإنسانية يفوق في أهميته السلوك البراني الخاضع للرصد المادي، فكأن الموضوعية عاجزة عن رصد الإنسان باعتباره كائناً مركباً، وتنجح فقط في تحويله إلى كائن طبيعي، وهو ما يُبيِّن أنها تدور في إطار المرجعية الواحدية المادية الكامنة.
3 ـ خصوصية القول وتركيبية الإفصاح:

ويمكن أن نضيف لكل هذا أن اللغة التي يستخدمها المُدرك للإفصاح عن إدراكه للواقع يمكن أن تكون لغة جبرية دقيقة في المواقف التافهة البسيطة أو في وصف بعض الظواهر الطبيعية. أما إن انتقلنا إلى الظواهر الأكثر تركيباً، فنحن عادةً ما نستخدم لغة مركبة قد تكون مجازية أو رمزية أو غير لفظية، وهي لغة تختلف من شخص لآخر.
الواقع مركب لا يمكن رصده ببساطة، والإنسان تبلغ الغاية في التركيب ويستحيل أحياناً رصد عالمه الجواني. وهو نفسه، كراصد للواقع، لا يتلقى المعطيات وإنما يفككها ويركبها ويعيد صياغتها، وحينما يفصح عنها، فإن لغة الإفصاح تكون مرتبطة به وبتجربته. ولذا، فقد اتضح تدريجياً أن فكرة الموضوعية الكاملة والانفصال الكامل للذات المدركة عن الموضوع المدرَك مجرد أوهام. وفي السنوات العشرين الأخيرة، اتضح لنا كل هذا على صعيد حياتنا اليومية، فرقعة المعلوم آخذة في التزايد بشكل مذهل ولكن رقعة المجهول تزايدت معها بشكل أكبر. وقد حقق الإنسان معدلات تقدم مادية مذهلة ولكن آدابه تتحدث عن نكبة الإنسان الحديث، وتحكي مدنه (بتلوثها وجرائمها) قصة مختلفة عما تقوله الإحصاءات. لكل هذا، أدركنا أن المعرفة الموضوعية النهائية هي حلم المستحيل وكابوسه، وأن التحكم الإمبريالي الموعود الذي يفترض انفصال الذات المتحكمة عن الموضوع المُتحكَّم فيه هي أضغاث أحلام.

في الفرنسية/ ( adj) Naturel
في الانكليزية/ Natural
في اللاتينية/ Naturalis
الطبيعي هو المنسوب إلىالطبيعة (راجع: الطبيعة)، وهو ضد المكتسب والارادي، والصناعي، والمفتعل، والوضعي، والخارق، والمعجز، والغيبي، والشرعي.
فاذا كان ضد المكتسب دل على ما هو متعلق بطبيعة الموجود كالحاجة الطبيعية، والتشويه الطبيعي في الخلقة، ويرادفه الخلقي، والفطري والوراثي.
وإذا كان ضد. الارادي دل على الأفعال التلقائية التي ليس للتأمل والارادة اثر في حدوثها، كالانتباء الطبيعي، والتنفس الطبيعي.
وإذا كان ضد الصناعي دل على الأشياء التي لم تمتد اليها يد الإنسان، كالبحيرات الطبيعية، والغابات الطبيعية، والاشارات الطبيعية.
وإذا كان ضد المفتعل دلّ على ما كان خاليا من التصنع. تقول:
البكاء الطبيعي، والاسلوب الطبيعي في الكتابة.
وإذا كان ضد الوضعي دلّ على ما كان بديهيا من الأخلاق المكتوبة على صفحات القلب، كالحق الطبيعي فهو ضد الحق الوضعي المدون في الشرائع.
وإذا كان ضد الخارق والمعجز دل على ما هو موافق لطبائع الأشياء المادية والحيوية والنفسية كالمطر، وغرق الحجر في الماء، والهضم، والغضب، والتذكر، والتفكير الخ، فهي ظواهر طبيعية مضادة للمعجزات والخوارق وعجائب المخلوقات. تقول: الظواهر الطبيعية، وتعني بذلك أنها أشياء واقعية مضادة للامور الغيبية، وتقول ايضا: ان امور الطبيعة مضادة لأمور ما بعد الطبيعة وكل ما يمكن ان يتصف به الإنسان من صفات مثالية يجوز ان يعد مقابلا لما يتميز به من صفات طبيعية.
ويطلق لفظ الطبيعي على ما كان مضادا للشرعي كالولد الطبيعي، فهو ضد الولد الشرعي.

في الفرنسية/ Naturalisme
في الانكليزية/ Naturalism
المذهب الطبيعي في الفلسفة العامة هو القول ان الطبيعة هي الوجود كله، وان لا وجود الا للطبيعة، أي للحقيقة الواقعية المؤلفة من الظواهر المادية المرتبطة بعضها ببعض، على النحو الذي نشاهده في عالم الحس والتجربة، ومعنى ذلك ان المذهب الطبيعي يفسر جميع ظواهر الوجود بارجاعها إلىالطبيعة، ويستبعد كل مؤثر يجاوز حدود الطبيعة ويفارقها. ويسمى اصحاب هذا المذهبه بالطبيعيين ( Naturalistes)، وهم الدهريون الذين ينكرون وجود الصانع المدبر، ويزعمون ان العامل وجد بنفسه دون حاجة إلىعلة خارجة عنه.
والمذهب الطبيعي في فلسفة الأخلاق هو القول ان الحياة الاخلاقية امتداد للحياة البيولوجية، وان المثل الأعلى للاخلاق تعبير عن الحاجات والغرائز التي تتميز بها ارادة الحياة.
قال فويه: المثالية الحق لا مختلف عن المذهب الطبيعي الحق، لأن الطبيعة هي التي تسوق إلىالتفكير في المثل الاعلى، والى تحقيقه بالتفكير فيه ( idee. L. Fouillee. A V. ch. V I, droit du moderne 340: P) ومعنى هذا القول ان المثل الأعلى ليس صورة خيالية مفارقة للطبيعة، وانما هو صورة حقيقية ذات جذور طبيعية.
والمذهب الطبيعي في فلسفة الجمال هو القول ان قوام الفن محاكاة الطبيعة، أي اظهار الأشياء كما هي، دون تفرقة بين قبيح وجميل. وهذا المذهب الطبيعي في الفن مرادف للمذهب الواقعي ( Realisme)، وهو ضد المذهب المثالي القائل بوجوب تبديل الطبيعة والاعراض عن جوانبها الخسيسة. وقد يبالغ الفنان الطبيعي في واقعيته، فيحرص على التعبير عن جوانب الطبيعة القبيحة أكثر من حرصه على التعبير عن جوانبها الجميلة، أو يسلك في التعبير عن هذه الجوانب المختلفة طريقة العلوم الطبيعية.
والفرق بين الواقعية والمثالية ان الاولى تصور الطبيعة كما هي، على حين ان الثانية تصورها كما يجب ان تكون. وسواء أ كان المذهب الطبيعي متعلقا بالاخلاق ام بالفن، فان امرا واحدا لا ريب فيه، وهو ان ميله إلىالتقيد بالواقع مبني على اعتقاده ان الحقيقة الواقعية تامة التكوين، وان الفرق بين فنان وآخر يرجع إلىما يتميّز به كل منهما من القدرة على التعبير، فإن كان تعبيره مطابقا للحقيقة كان عمله الفني كاملا، وان كان غير مطابق لها كان عمله الفني ناقصا، وبين طرفي النقص والكمال درجات متفاوتة.

في الفرنسية/ Naturisme
في الانكليزية/ Naturism
الطبيعية أو عبادة الطبيعة مذهب الذين يرون ان الصورة البدائية الدين تأليه ما في الطبيعة من كائنات وقوى. فالدين عندهم ينشأ عن تشخص قوى الطبيعة للانسان، ومعنى هذا التشخص ان في الطبيعة اشياء تؤثر في مخيلة الإنسان البدائي، كالشمس، والكواكب، والنار، والليل، والعاصفة، فتتراءى له هذه الأشياء على صورة اشخاص عقلاء يعبدهم ويتوكل عليهم. وتسمّى هذه النظرية بنظرية الدين التاريخية.
والطبيعية ايضا هي القول بضرورة الرجوع إلىالطبيعة لاسباب صحيحة أو فلسفية. ومعنى الرجوع إلىالطبيعة ترك ما اكسبتنا اياه الحضارة من انماط الحياة المعتقدة، والتخلق باخلاق الشعوب البدائية البسيطة، كالحياة في الهواء الطلق، وتناول الاطعمة الطبيعية، والتبذل، والعري، وما شابه ذلك.

في الفرنسية/ nature la de Philosophie
في الانكليزية/ nature of Philosophy
فلسفة الطبيعة مرادفة للفلسفة الطبيعية ( naturelle Philosophie) وتطلق على المثالية الرومانسية الالمانية ونظرياتها، ولا سيما نظريات (شلينغ) و (هيجل) في الطبيعة المادية.

في الفرنسية/ Metaphysique
في الانكليزية/ Metaphysics
في اللاتينية/ Metaphysica
1 - علم ما بعد الطبيعة هو الاسم الذي نطلقه اليوم على مقالات أرسطو المخصوصة بالفلسفة الأولى.
سميت بهذا الاسم لأن (اندرونيقوس) الرودسي الذي جمع كتب (ارسطو) في القرن الأول قبل الميلاد وضع الفلسفة الاولى في ترتيب هذه الكتب بعد العلم الطبيعي.
وعلم ما بعد الطبيعة، عند الكندي، هو الفلسفة الاولى، وعلم الربوبية، وعند الفارابي، هو العلم بالموجود بما هو موجود، وعند ابن سينا، هو العلم الالهي، قال ابن سينا: ان هذا العلم يبحث عن الموجود المطلق، وينتهي في التفصيل إلىحيث تبتدئ منه سائر العلوم، فيكون في هذا العلم بيان مبادئ سائر العلوم الجزئية (النجاة، ص 322).
اما ابن رشد فانه يسمّي هذا العلم بعلم ما بعد الطبيعة، وغرضه عنده النظر في الوجود بما هو موجود، وله ثلاثة أقسام:
القسم الأول ينظر فيه في الأمور المحسوسة بما هي موجودة، وفي جميع أجناسها التي هي المقولات العشر، وفي جميع اللواحق التي تلحقها، والقسم الثاني ينظر فيه في مبادئ الجوهر، وهي الأمور المفارقة، ويعرف أي وجود وجودها، ونسبتها ايضا إلىمبدئها الأول، الذي هو اللّه، والثالث بنظر فيه في موضوعات العلوم ومبادئها. أما مرتبة هذا العلم في التعليم فبعد العلم الطبيعي، اذ كان يستعمل على جهة الأصل الموضوع على ما يبرهن في ذلك العلم من وجود قوى لا في هيولى، ويشبه أن يكون إنما سمي هذا العلم علم ما بعد الطبيعة من مرتبته في التعليم، والّا فهو متقدم في الوجود، ولذلك سمّي الفلسفة الأولى (ابن رشد كتاب ما بعد الطبيعة، وهو تلخيص مقالات أرسطو، ص 3 - 5). ويرى بعضهم ان هذا العلم يمكن ان يسمّى بعلم ما فوق الطبيعة لسمو موضوعه، أو بعلم ما قبل الطبيعة لاستناد العلم الطبيعي إليه.
2 - وقد اختلف مدلول هذا العلم باختلاف العصور، فموضوعه عند أرسطو والمدرسيين مشتمل على البحث في الأمور الالهية، والمبادي الكلية، والعلل الاولى، وموضوعه عند المحدثين مقصور على البحث في مشكلة الوجود، ومشكلة المعرفة.
آ- مشكلة الوجود.
لعلم ما بعد الطبيعة، من جهة ما هو مشتمل على البحث في صنف خاص من الموجودات، ثلاثة معان.
الأول هو القول ان هذا العلم يبحث في الموجودات اللامادية كالموجود بوجه عام، والاله، والكائنات الروحية بوجه خاص، هذا الذي اشار اليه القدماء بقولهم انه علم باحث عن احوال الموجودات التي لا تفتقر في وجودها إلىالمادة (تعريفات الجرجاني)، وهذا ايضا معنى قول (ديكارت) ان غرض علم ما بعد الطبيعة، أو الفلسفة الاولى، معرفة اللّه والنفس.
والثاني هو القول ان هذا العلم يبحث في حقائق الأشياء، لا في ظواهرها، ومعنى ذلك انه يجاوز حدود التجربة، ويحاول الكشف عن الحقائق المطلقة. والفرق بين علم ما بعد الطبيعة، وعلم الجدل، ان الأول يبحث في الموجودات من جهة ما هي ساكنة، على حين ان الثاني يبحث في الموجودات من جهة ما هي متحركة، أي خاضعة للتاريخ والصيرورة.
والثالث هو القول ان هذا العلم يبحث فيما يجب أن يكون، أي في الوجود المثالي، أو الوجود الواجب، لا لأن هذا النمط من الوجود أعلى من الوجود الواقعي فحسب، بل لأنه يفسره ويبين اسبابه. وأولى الحقائق التي يجب تدوينها في علم ما بعد الطبيعة هي الحقائق الاخلاقية، لا الحقائق العقلية، أو العلمية، لأن العلم لا يقود إلىعلم ما بعد الطبيعة اضطرارا، كما ان علم ما بعد الطبيعة لا يزود العلم بما يحتاج اليه من المبادي المنظمة
( Positive science La ,Liard .L ,partie e 3 ,metaphysique la et VII ch )
والخلاصة ان هذه المعاني الثلاثة تشترك في امر واحد، وهو البحث عن المطلق. قال (ليارد):
نريد معرفة المطلق بعد معرفة الظواهر، ومعرفة علة الوجود بعد معرفة شروطه، فموضوع علم ما بعد الطبيعة اذن تعيين هذا المطلق، والكشف عن هذه العلة.
(1 propos Avant, ibid, Liard. L)
ب- مشكلة المعرفة.
لعلم ما بعد الطبيعة من جهة ما هو نمط من انماط المعرفة والفكر عدة معان.
الأول قولهم: ان موضوع علم ما بعد الطبيعة هو المعرفة المطلقة التي يحصل عليها بالحدس المباشر، لا بالاستدلال والنظر العقلي، قال (هنري برغسون): غرض علم ما بعد الطبيعة الاطلاع على الحقيقة المطلقة، لا على الحقيقة النسبية، والنفوذ إلىاعماق هذه الحقيقة، لا النظر اليها من جوانبها، وادراكها بالحدس، لا بالتحليل، وفهمها فهما مجردا عن كل لفظ، أو اشارة، أو ترجمة، أو تمثيل رمزي، فعلم ما بعد الطبيعة اذن هو العلم الذي يريد ان يستغني عن الرموز.
والثاني قولهم ان علم ما بعد الطبيعة هو المعرفة التي يحصل عليها بالعقل من جهة ما هو قادر بنفسه على ادراك حقائق الأشياء، وعلى الاحاطة بالمبادئ الاولى للعلوم المادية والأخلاقية، قال (فرانك) في معجمه: جميع المدارس الفلسفية تعترف بأن هنالك علما أعم وأعلى من سائر العلوم، وهو العلم بالمبادئ التي تستمدّ منها جميع معارفنا وحدتها وصفتها اليقينة، حتى ان الذين بحثوا عن المبادي في باطن العقل، أو في باطن الفكر الإنساني الذي لا يتغير، اضطروا إلىاطلاق هذه المبادي على كل موجود، والى عدها تعبيرا دقيقا عن طبائع الأشياء، أو اساسا مقوما لجميع الكائنات
‏- Me .V ,philosophiques Sciences taphysique )
( des Dictionnaire ,Franck .A
والثالث هو المعنى الذي نجده عند (كانت)
، وهو اطلاق اسم ما بعد الطبيعة على جملة المعارف المستمدة من العقل وحده، اعني المعارف القبلية، المؤلفة من المعاني المجردة، والخارجة عن نطاق التجربة، وعن نطاق الزمان والمكان.
والرابع هو القول ان غرض علم ما بعد الطبيعة معرفة الوجود الحقيقي بتحليل التجربة وتركيبها على اكمل وجه، ولا سيما التجربة الداخلية التي هي اساس كل تجربة اخرى. قال (دونان): يجب علينا ان نعرّف علم ما بعد الطبيعة بقولنا: انه تصور عقلي لشيء يدخل فيه، بقليل أو كثير من الوضوح والتميّز، تصور عقلي لكل شيء.
ان لكل انسان مذهبه أو مذاهبه، وكل انسان بمعنى ما فيلسوف، سواء كان شاعرا بذلك، أو غير شاعر به، والاشتغال بمسائل ما بعد الطبيعة ليس أكثر من الاهتمام بتنسيق الافكار وتنظيمها، والفرق الوحيد بين الفيلسوف المتافيزيقي والرجل العامي ان تنسيق الافكار عند الأول اكثر شمولا، وتعقيدا، ونضجا مما هو عليه عند الثاني.
(-436 - 436. P )
‏Philo de Essais ,Dunan .Ch ,Metaphysique ,generale Sophie
والخامس هو قول (اوغوست كومت) ان حالة ما بعد الطبيعة حالة فكرية متوسطة بين الحالة اللاهوتية والحالة الوضعية، وتتميز هذه الحالة الفكرية بميل العقل إلىالبحث عن حقائق الأشياء، وأصلها، ومصيرها، كما تتميّز بسيطرة المجردات العقلية والتفسيرات اللفظية على التفسيرات الحقيقية.
3 - ولعلم ما بعد الطبيعة في مناهج التعليم مدلول خاص، وهو اطلاقه على الموضوعات التي لا تدخل في علم النفس، والمنطق، والاخلاق وغيرها من المواد الفلسفية، وينقسم عند (بول جانه) إلىقسمين، وهما آ- المتافيزيقا العامة، أو علم الوجود بما هو موجود، وموضوعه البحث في المبادي بحثا مجردا وعاما.
ب- المتافيزيقا الخاصة التي تبحث في الموجودات، وتنقسم إلىثلاثة فروع، وهي (1) السيكولوجيا العقلية، أو علم النفس النظري (2) الكوزمولوجيا النظرية، أو فلسفة الطبيعة، ونظرية الكون بوجه عام، وحقيقة المادة (3) اللاهوت العقلي أو الالهيات.
4 - وما بعد الطبيعي (( adj) Metaphysique) هو المنسوب إلى ما بعد الطبيعة، ويطلق على البعيد عن المألوف، أو على المجاوز لحدود التجربة، أو على المتعلق بحقائق الأشياء لا بظواهرها، أو على المشتمل على درجة عالية من التجريد والتركيب.

في الفرنسية/ naturelle Lumiere
في اللاتينية/ Naturale Lumen
1 - النور مرادف للضوء، والفرق بينهما ان المضيء مضيء بنفسه، والمنير مضيء بغيره.
والمتصوفون يقولون: ان النور هو الوجود الحق، كما ان الحكماء الاشراقيين يقولون: لا شيء أغنى عن التعريف من النور، لأن النور هو الظهور، والظهور بالنسبة إلىالخفاء كالوجود بالنسبة إلىالعدم. فالوجود اذن نور، والعدم ظلمة. واللّه تعالى نور، ويسمّى كذلك بنور الانوار، والنور المحيط، والنور القيوم، والنور المقدس، والنور الاعظم. الخ.
والنور الطبيعي هو العقل الفطري من جهة ما هو مجموعة مبادئ بديهية لا يتطرق اليها الشك، تفرض نفسها على الذهن مباشرة عند توجيهه اليها. ولهذا الاصطلاح جذور قديمة، فالقديس (اوغستينوس) يسمي العقل نورا طبيعيا ( etc baptismo De, Augustin. St 25 I) وابن سينا يسمي العلم الحاصل في النفس نورا أو ضياء، وحكمة اللّه زيتا، والعقل الفعّال نارا (الاشارات، ص 126)، وصاحب الرسالة الجامعة يفسر قول تعالى: يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور بقوله:
تكاد للطافتها وشرفها تكون عقلا.
والغزالي يعلن ان نفسه لم يتعد إلىالصحة والاعتدال الّا بنور قذفه اللّه في صدره، ومن هذا النور ينبغي ان يطلب الكشف. قال:
و ذلك النور ينبجس من الجود الالهي في بعض الاحايين، ويجب الترصد له، كما قال عليه السلام:
ان لربكم في ايام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها (المنقذ من الضلال، ص 68. من طبعتنا السابعة). ومن قبيل ذلك فقرة لديكارت في كتاب مبادئ الفلسفة عنوانها: البحث عن الحقيقة، لا بمعونة الفلسفة والدين، بل بالنور الطبيعي الذي يحدد ما يأخذ به كل رجل من الآراء المتعلقة بالأشياء التي تخطر بباله ( de Principes 30, I philosophie la).
3 - وفلسفة الانوار أو حركة التنوير (- lu des Philosophie mieres) حركة فلسفية بدأت في القرن الثامن عشر تتميز بفكرة التقدم، والشك في التقاليد، ومعارضة الدين، والايمان بالعقل، والدعوة إلىالتفكير الذاتي، والتفاؤل بتأثير التعليم في الاصلاح الاخلاقي.

31 - علم الطبيعة
لغة: الطبيعة السجية، وهى القوة السارية فى الجسم التى بها يصل إلى كماله الطبيعى (لسان العرب).
واصطلاحا: العلم المختص بتفهم الظواهر الطبيعية التى تحدث فى الكون معتمدا على الملاحظات التجريبية والقياسات الكمية.
وأهم أهدافه استنباط القوانين التى تحكم الظواهر الطبيعية لتطوير نظريات يمكن لها أن تتنبأ بنتائج التجارب، وتصاغ القوانين الأساسية لهذه النظريات بلغة الرياضيات التى تمثل الجسر الذى يربط بين النظرية والتجربة.
وعندما يظهر تناقض بين النظرية والتجربة الفيزيقية، تنبثق نظريات جديدة وتجارب جديدة لحل هذا التناقض، وفى هذا دفع للبحث العلمى.
وتنقسم الفيزيقا إلى ستة مجالات، هى:
1 - الميكانيكا التقليدية التى تختص بحركة الأجسام ذات سرعة تقل كثيرا عن سرعة الضوء.
2 - النظرية النسبية التى تصف الجسيمات المتحركة بسرعة تقترب من سرعة الضوء.
3 - الديناميكا الحرارية وتختص بدراسة تغير درجة حرارة الأجسام على التركيب الداخلى للمواد.
4 - الضوء ويتضمن الضوء الفيزيقى والضوء الهندسى والظواهر الضوئية المختلفة، وكذلك علم الليزر الذى ظهر حديثا.
5 - الكهرومغناطيسية وتتضمن النظرية الكهربائية والمغناطيسية والمجالات الكهرومغناطيسية.
6 - ميكانيكا الكم وهى نظرية تختص بسلوك الجسيمات على المستوى بالغ الصغر (دون المجهر).
وتسمى الفيزيقا التى تم تطويرها قبل عام 1900م "الفيزيقا التقليدية".
ومن العلماء الذين أسهموا بجهد كبير فى تطوير هذه الفيزيقا على مر العصور.
كل من العالم العربى المسلم "الحسن بن الهيثم" (357 - 430هـ/965 - 1038م) الذى أنجز معظم أعماله فى مدينة القاهرة، وأهمها نظرية الضوء والتفسير الصحيح لعملية الرؤية، وقد تضمن كتابه "المناظر" بحوثا عديدة تعتبر انقلابا فى علم الضوء.
وترجم هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية بعد وفاته بقرنين من الزمان، وظل هو المرجع الرئيسى لعلم الضوء حتى القرن السابع عشر.
كما أن العالم المصرى القاهرى "ابن يونس" (399هـ/1008م) هو مخترع الرقاص (بندول الساعة) والذى ينسب خطأ للعالم الإيطالى جاليليو (564 - 1642م) الذى أسهم فى تطويرعلم الميكانيكا التقليدية.
وإذا كان العالم الإنجليزى إسحق نيوتن (1642 - 1727م) قد صاغ قانون الجاذبية، وقوانين الحركة الثلاث؛ فإن مفهوم القانون الأول لنيوتن قد ظهر فى أعمال العلماء المسلمين ابن سينا (ت 428هـ-1037م) والرازى (ت 321هـ-924م) وغيرهم.
ومن العلماء المسلمين الذين كان لهم دور كبير فى تقدم علم الفيزيقا "الخازن" القرن السادس الهجرى. القرن الثانى عشر الميلادى) الذى وضع كتابا فى الميكانيكا سماه "ميزان الحكمة" وقد سبق العالم تورشيللى (1608 - 1647م) فى وزنه الهواء، وفى تفسيره بأن حركة الأجسام فى الهواء لها قوة رافعة كالسوائل، كما قام الخازن بقياس كثافة كثير من العناصر والمركبات بدرجة من الدقة لم يصل إليها علماء القرن الثامن عشر كما أوضح أن سقوط الأجسام إلى الأرض ناتج عن قوة تجذب هذه الأجسام فى اتجاه مركز الأرض، وهذا هو قانون الجاذبية الذى ينسب إلى نيوتن.
وبنهاية القرن التاسع عشر بدأت الفيزيقا الحديثة فى الظهور، وسبب ظهورها هو قصور الفيزيقا التقليدية عن تفسير عدد من الظواهر الفيزيقية التى تم كشفها، مثل تفسير حركة الجسيمات بسرعة تقترب من سرعة الضوء، والذى فشلت قوانين نيوتن فى تفسيرها، فظهرت النظرية النسبية للعالم ألبرت أينشتين (1879 - 1955م) لتوضح هذا التفسير، كما توضح أن سرعة الضوء فى أقصى سرعة فى الكون، وكذلك تحدد العلاقة بين الكتلة والطاقة.
وقد فشلت الفيزيقا التقليدية أيضا فى تفسير عدد من الظواهر الفيزيقية مثل سلوك الذرات والجزيئات والأنوية، فظهر علم ميكانيكا الكم على أيدى مجموعة من العلماء منهم نيلزبور (1885 - 1962م) وشرودنجر (1887 - 1961م) وهيزنبرج (1901 - 1976م).
وتعتمد هذه النظرية على مبدأ عدم الحتمية الذى صاغه هيزنبرج، ويتمثل فى استحالة حساب سرعة جسيم مع تحديد مكانه بنفس الدقة، كما تعتمد على اعتبار أن الجسيم الدقيق يمكن أن يسلك سلوك الموجات ومنه ظهرت معادلة شرودنجر الشهيرة التى تصف حركة الجسيمات عن طريق دراسة الموجات المصاحبة لها. وبحل هذه المعادلة يتم التوصل إلى الوصف الدقيق للذرة ومكوناتها، وهى النواة الموجبة والإلكترونات السالبة الشحنة، والتى تتحرك على مسافة بعيدة عن النواة -رغم ارتباطها بها- حتى لا تتلاشى الشحنات، وتتركب النواة من جسيمات البروتون والنيوترون التى تتماسك بقوة هائلة.
وقد ظهرت اشعة الليزر عام 1960 وهى عبارة عن تكبير للضوء ناتج عن إثارة عدد كبير من ذرات عناصر معينة -مثل الهليوم والنيون- والتى عندما تعود إلى حالتها الطبيعية تنطلق هذه الأشعة، واليوم أصبح لها تطبيقات فى معظم فروع العلم والصناعة والطب.
ويمكن تلخيص علم الفيزيقا بأنه يتناول دراسة القوى الأساسية فى الكون وهى كالآتى:
1 - القوى النووية القوية: وهى التى تربط بين دقائق النويات (البروتون والنيوترون).
2 - القوى النووية الضعيفة: وهى القوى الناتجة عن إشعاع الجسيمات الدقيقة (بيتا) والأشعة (جاما) والجسيمات غير الدقيقة (ألفا) من العناصر المشعة مثل (اليورانيوم).
وتستخدم هذه المصادر فى الطب والصناعة.
3 - القوى الكهرومغناطيسية: وهى قوى التجاذب بين الشحنات المتضادة والتنافر بين الشحنات المتشابهة.
4 - القوى التثاقلية: وهى الناتجة عن تجاذب الأجسام مثل الأرض والشمس أو الأرض والقمر، وينتج عنها استقرار الحركات الدورانية للكواكب والتوابع.
ومن العلماء المسلمين الذين أسهموا فى تطوير علم الفيزيقا الحديثة العالم الباكستانى عبد السلام (1926 - 1994م) الذى قام بتوحيد القوى النووية الضعيفة والقوى الكهرومغناطيسية لتصبح مجالا موحدا، وقد نال جائزة نوبل فى الفيزيقا عام 1979م عن نظريته تلك.
والعالم المصرى أحمد زويل الذى نال جائزة نوبل عام 1999م بعد أن اكتشف وحدة قياس جديدة لقياس الزمن المتناهى فى الصغر.
أ. د/على حلمى موسى
__________
مراجع الاستزادة:
1 - معجم المصطلحات العلمية والفنية، مجمع اللغة العربية القاهرة.
2 - تاريخ العلم ودور العلماء العرب فى تقدمه د/عبدالحليم منتصر دار المعارف سنة 1980م.
3 - الحياة العلمية فى الدولة الإسلامية محمد الحسينى عبدالعزيز وكالة المطبوعات بالكويت.
4 - تقدم العرب فى العلوم والصناعات وأستاذيتهم لأوربة عبدالله بن العباس الجرارى دار الفكر العربى القاهرة سنة 1961م.
5 - فلسفة العلوم الطبيعية "كارل همبل ترجمة د/جلال محمد موسى دار الكتاب المصرى

مصر وإسرائيل توقعان اتفاقا لبيع الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل ..

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مصر وإسرائيل توقعان اتفاقا لبيع الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل ..
1426 جمادى الأولى - 2005 م
وقعت مصر وإسرائيل اتفاقاً لبيع الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل بعد أن تأجل التوقيع أكثر من مرة بسبب خلافات حول الترتيبات النهائية للاتفاق. وأبرم الاتفاق سامح فهمي وزير البترول المصري، وبنيامين اليعازر، وزير البنية التحتية الإسرائيلي بمقر القرية الذكية جنوب غربي القاهرة. وبموجب الاتفاق تمد مصر إسرائيل بنحو 1,7 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً بقيمة 2,5 مليار دولار لمدة 15 عاماً مع إمكانية تمديد المدة إلى 5 سنوات أخرى. وذلك من خلال خط أنبوب قطره 24 بوصة يبدأ من منطقة الشيخ زويد بشرق العريش بشبه جزيرة سيناء، وهي نفس نقطة انطلاق خط الغاز العربي الواصل إلى كل من الأردن وسوريا ولبنان، ويمتد الخط إلى منطقة عسقلان بإسرائيل بطول 100 كيلو متر.

الجامع الكبير في المنطق والطبيعي والإلهي

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

الجامع الكبير في المنطق والطبيعي والإلهي
لموفق الدين: عبد اللطيف بن يوسف البغدادي.
المتوفى: سنة 629، تسع وعشرين وستمائة.
وهو كتاب، مبسوط.
في نحو عشر مجلدات.

حدائق الحقائق في المنطق والطبيعي والإلهي

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

حدائق الحقائق في المنطق والطبيعي والإلهي
للشيخ، زين الدين: عبد الرحمن بن محمد الكشي.
وهو مجلد.
مرتب على مقدمتين، وثلاثة كتب، فيما ذكر من الفنون الثلاثة.
أوله: (الحمد لله، الذي أنشأ الخلائق بقدرته 000 الخ) .
علم الطبيعي
وهو: علم يبحث فيه أحوال الأجسام الطبيعية، وموضوعه الجسم.

العجائب الطبيعية والغرائب الصناعية

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

العجائب الطبيعية، والغرائب الصناعية
لأبي الريحان البيروني: محمد بن أحمد.
المتوفى: سنة 430، ثلاثين وأربعمائة.
تكلم فيه: على العزائم، والنيرنجيات، والطلسمات، بما يغرس به اليقين، في قلوب العارفين، ويزيل الشبه عن المرتابين.

فصل المقال فيما بين الشريعة والطبيعة من الاتصال

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

فصل المقال، فيما بين الشريعة والطبيعة من الاتصال
وهو: كتاب يبحث فيه عن العلم الإلهي.
لابن الرشد: محمد بن أحمد بن محمد: أبي الوليد بن رشد الأندلسي.
المتوفى: سنة 595.
أوله: (حمدا لله بجمع محامده ... الخ) .
كتاب: السماع الطبيعي
مجلدان.
لموفق الدين البغدادي.
المذكور في: (الإنصاف) .
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت