المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
البدعة:[في الانكليزية] Heresy [ في الفرنسية] Heresie بالكسر في اللغة ما كان مخترعا على غير مثال سابق، ومنه بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي موجدها على غير مثال سبق. قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما أحدث وخالف كتابا أو سنّة أو إجماعا أو أثرا فهو البدعة الضّالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك فهو البدعة المحمودة. والحاصل أنّ البدعة الحسنة هي ما وافق شيئا ممّا مرّ، ولم يلزم من فعله محذور شرعي، وأنّ البدعة السّيئة هي ما خالف شيئا من ذلك صريحا أو التزاما. وبالجملة فهي منقسمة إلى الأحكام الخمسة.فمن البدع الواجبة على الكفاية الاشتغال بالعلوم العربية المتوقّف عليها فهم الكتاب والسنّة كالنحو والصرف والمعاني والبيان واللغة، بخلاف العروض والقوافي ونحوهما، وبالجرح والتعديل وتمييز صحيح الأحاديث عن سقيمها، وتدوين نحو الفقه وأصوله وآلاته، والردّ على نحو القدرية والجبرية والمجسمة، لأنّ حفظ الشريعة فرض كفاية، ولا يتأتى إلّا بذلك. ومحلّ بسطه كتب أصول الدين.ومن البدع المحرّمة مذاهب سائر أهل البدع المخالفة لما عليه أهل السنّة والجماعة.ومن المندوبة إحداث نحو الرباطات والمدارس.ومن المكروهة زخرفة المساجد وتزويق المصاحف. ومن المباحة التوسّع في لذيذ المآكل والمشارب والملابس.وفي الشرع ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص أو العام، هكذا يستفاد من فتح المبين شرح الأربعين للنووي في شرح الحديث الخامس والحديث الثامن والعشرين.
وفي شرح النخبة وشرحه: البدعة شرعا هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بمعاندة، بل بنوع شبهة. وفي إشارة إلى أنه لا يكون له أصل في الشرع أيضا، بل مجرد إحداث بلا مناسبة شرعية أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» حيث قيده بقوله ما ليس منه. وإنما قيل لا بمعاندة لأنّ ما يكون بمعاندة فهو كفر.والشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت كأدلة المبتدعين.وقد فصّل الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح المشكاة في باب الاعتصام بالكتاب والسنة فقال: اعلم بأنّ كلّ ما ظهر بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو بدعة. وكلّ ما وافق الأصول والقواعد أو القياس فتلك البدعة الحسنة. وما لم يوافق ذلك فهو البدعة السّيئة والضلالة. ومفتاح «كل بدعة ضلالة» محمول على هذا.هذا وإنّ بعض البدع واجبة شرعا مثل تعلّم وتعليم الصّرف والنحو واللغة التي بها تعرف الآيات والأحاديث. وحفظ غريب الكتاب والسنة يصير ممكنا، وبقية الأشياء التي يتوقّف عليها حفظ الدين والأمّة.وثمّة بدع مستحسنة ومستحبّة مثل بناء الرّباط والمدارس وأمثال ذلك؛ وبعض البدع مكروهة مثل تزيين المساجد بالنقوش والمصاحف على حدّ قول بعضهم. وبعض البدع مباحة مثل الرفاهية في المطاعم اللذيذة والملابس الفاخرة بشروط منها أن تكون حلالا وأن لا تدعو إلى الطغيان والتكبّر والمفاخرة، وكذلك المباحثات التي لم تكن في عصره صلى الله عليه وسلم.وبعض البدع حرام كما هي حال مذاهب أهل البدع والأهواء المخالفة للسّنة والجماعة، وما فعله الخلفاء الراشدون وإن لم يكن موجودا في عصره صلى الله عليه وسلم فهو بدعة ولكن من قسم البدعة الحسنة، بل هو في الحقيقة سنّة لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم حضّ على التمسك بسنته وسنّة الخلفاء الراشدين من بعده رضي الله عنهم. |
دستور العلماء للأحمد نكري
|
الْبِدْعَة: هِيَ الْأَمر الْمُحدث وَفِي شرح الْمَقَاصِد الْبِدْعَة المذمومة هِيَ الْمُحدث فِي الدّين من غير أَن يكون فِي عهد الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا عَلَيْهِ دَلِيل شَرْعِي وَمن الجهلة من يَجْعَل كل أَمر لم يكن فِي زمن الصَّحَابَة بِدعَة مذمومة وَإِن لم يقم دَلِيل على قبحه تمسكا بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إيَّاكُمْ ومحدثات الْأُمُور وَلَا يعلمُونَ أَن المُرَاد بذلك هُوَ أَن يَجْعَل فِي الدّين مَا لَيْسَ مِنْهُ عصمنا الله تَعَالَى من اتِّبَاع الْهوى وثبتنا على اقتفاء الْهدى بِالنَّبِيِّ وَآله الأمجاد انْتهى.وَقَالَ مَوْلَانَا دَاوُد رَحمَه الله قَوْله وَمن الجهلة إِلَى آخِره وَلَا يعلمُونَ أَن الْبِدْعَة خَمْسَة أَقسَام - وَاجِبَة - ومحرمة - ومندوبة - ومكروهة - ومباحة - وَذَلِكَ أَنَّهَا إِن وَافَقت قَوَاعِد الْإِيجَاب (فواجبة) أَو قَوَاعِد التَّحْرِيم فَهِيَ (مُحرمَة) أَو الْمَنْدُوب (مَنْدُوبَة) أَو الْمَكْرُوه (مَكْرُوهَة) أَو الْمُبَاح (مُبَاحَة) . فَالْوَاجِب كالاشتغال بِعلم النَّحْو وَالْأُصُول إِذْ بهما يعرف حفظ الشَّرِيعَة وَحفظ الشَّرِيعَة وَاجِب وَمَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَوَاجِب والمحرمة مَذْهَب الجبرية والقدرية وَأهل الْبدع والأهواء وَالرَّدّ على هَؤُلَاءِ من الْبدع الْوَاهِيَة والمندوبة كأحداث الْمدَارِس وَالْكَلَام فِي دقائق التصوف والمباحة كالتوسيع فِي اللذائذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن وَهَؤُلَاء المتمردون لَا يميزون بَين هَذِه الْأَقْسَام ويجعلون جَمِيع ذَلِك من الْمُحرمَات. وَهل هَذَا إِلَّا تعصب وضلالة عصمنا الله تَعَالَى عَنهُ فِي أُمُور الدّين. ورزقنا اتِّبَاع الْحق وَالْيَقِين. بِحرْمَة سيد الْمُرْسلين. انْتهى. وَسمعت من كبار الْعلمَاء أَن المُرَاد بالبدعة الْكفْر فِي قَوْلهم سبّ الشَّيْخَيْنِ كفر وَسَب الختنين بِدعَة وَإِنَّمَا هُوَ تفنن فِي الْعبارَة.
|
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
البِدْعة: هي الأمر المُحدَث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي قاله السيد.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
إعلام الأريب، بحدوث بدعة المحاريب
رسالة. للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة. ألفها: لبيان أن محراب المساجد بدعة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
بدعة الخاطر، ومتعة الناظر
في الكنايات. لأبي زيد: عبد الحق بن علي. وهو كتاب كبير. في ثلاث مجلدات. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
بيان الإجماع، على منح الاجتماع، في بدعة الغناء والسماع
لبرهان الدين: إبراهيم بن عمر البقاعي. المتوفى: سنة خمس وثمانين وثمانمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تحذير العباد، من أهل العناد، ببدعة الاتحاد
رسالة. للشيخ، برهان الدين: إبراهيم بن عمر البقاعي، الشافعي. المتوفى: سنة خمس وثمانمائة. أولها: (الحمد لله الهاد، لأركان الجبابرة الشداد ... الخ). فيه: (الفصوص)، و(التائية)، وأمثالها، من آثار أهل وحدة الوجود. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْبِدْعَةُ لُغَةً: مِنْ بَدَعَ الشَّيْءَ يَبْدَعُهُ بَدْعًا، وَابْتَدَعَهُ: إِذَا أَنْشَأَهُ وَبَدَأَهُ. وَالْبِدْعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ أَوَّلاً، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {قُل مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُل} (1) أَيْ لَسْتُ بِأَوَّل رَسُولٍ بُعِثَ إِلَى النَّاسِ، بَل قَدْ جَاءَتِ الرُّسُل مِنْ قَبْل، فَمَا أَنَا بِالأَْمْرِ الَّذِي لاَ نَظِيرَ لَهُ حَتَّى تَسْتَنْكِرُونِي. وَالْبِدْعَةُ: الْحَدَثُ، وَمَا ابْتُدِعَ فِي الدِّينِ بَعْدَ الإِْكْمَال. وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْمُبْتَدِعُ الَّذِي يَأْتِي أَمْرًا عَلَى شَبَهٍ لَمْ يَكُنْ، بَل ابْتَدَأَهُ هُوَ. وَأَبْدَعَ وَابْتَدَعَ وَتَبَدَّعَ: أَتَى بِبِدْعَةٍ، (2) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} (3) وَبَدَّعَهُ: نَسَبَهُ إِلَى الْبِدْعَةِ، وَالْبَدِيعُ: الْمُحْدَثُ الْعَجِيبُ، وَأَبْدَعْتُ الشَّيْءَ: اخْتَرَعْتُهُ لاَ عَلَى مِثَالٍ، __________ (1) سورة الأحقاف / 9 (2) لسان العرب والصحاح مادة: " بدع ". (3) سورة الحديد / 27. وَالْبَدِيعُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: الْمُبْدِعُ، لإِِبْدَاعِهِ الأَْشْيَاءَ وَإِحْدَاثِهِ إِيَّاهَا. أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ، فَقَدْ تَعَدَّدَتْ تَعْرِيفَاتُ الْبِدْعَةِ وَتَنَوَّعَتْ؛ لاِخْتِلاَفِ أَنْظَارِ الْعُلَمَاءِ فِي مَفْهُومِهَا وَمَدْلُولِهَا. فَمِنْهُمْ مَنْ وَسَّعَ مَدْلُولَهَا، حَتَّى أَطْلَقَهَا عَلَى كُل مُسْتَحْدَثٍ مِنَ الأَْشْيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَيَّقَ مَا تَدُل عَلَيْهِ، فَتَقَلَّصَ بِذَلِكَ مَا يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا مِنَ الأَْحْكَامِ. وَسَنُوجِزُ هَذَا فِي اتِّجَاهَيْنِ. الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: 2 - أَطْلَقَ أَصْحَابُ الاِتِّجَاهِ الأَْوَّل الْبِدْعَةَ عَلَى كُل حَادِثٍ لَمْ يُوجَدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْعِبَادَاتِ أَمِ الْعَادَاتِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَذْمُومًا أَمْ غَيْرَ مَذْمُومٍ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَمِنْ أَتْبَاعِهِ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ، وَالنَّوَوِيُّ، وَأَبُو شَامَةَ. وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الْقَرَافِيُّ، وَالزَّرْقَانِيُّ. وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ: ابْنُ عَابِدِينَ. وَمِنَ الْحَنَابِلَةِ: ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَمِنَ الظَّاهِرِيَّةِ: ابْنُ حَزْمٍ. وَيَتَمَثَّل هَذَا الاِتِّجَاهُ فِي تَعْرِيفِ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ لِلْبِدْعَةِ وَهُوَ: أَنَّهَا فِعْل مَا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى بِدْعَةٍ وَاجِبَةٍ، وَبِدْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، وَبِدْعَةٍ مَنْدُوبَةٍ، وَبِدْعَةٍ مَكْرُوهَةٍ، وَبِدْعَةٍ مُبَاحَةٍ. (1) وَضَرَبُوا لِذَلِكَ أَمْثِلَةً: فَالْبِدْعَةُ الْوَاجِبَةُ: كَالاِشْتِغَال بِعِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ كَلاَمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهُ لِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَالْبِدْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ مِنْ أَمْثِلَتِهَا: مَذْهَبُ الْقَدَرِيَّةِ، وَالْجَبْرِيَّةِ، وَالْمُرْجِئَةِ، وَالْخَوَارِجِ. وَالْبِدْعَةُ الْمَنْدُوبَةُ: مِثْل إِحْدَاثِ الْمَدَارِسِ، وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ، وَمِنْهَا صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ. وَالْبِدْعَةُ الْمَكْرُوهَةُ: مِثْل زَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ، وَتَزْوِيقِ الْمَصَاحِفِ. وَالْبِدْعَةُ الْمُبَاحَةُ: مِثْل الْمُصَافَحَةِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، وَمِنْهَا التَّوَسُّعُ فِي اللَّذِيذِ مِنَ الْمَآكِل وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلاَبِسِ. (2) وَاسْتَدَلُّوا لِرَأْيِهِمْ فِي تَقْسِيمِ الْبِدْعَةِ إِلَى الأَْحْكَامِ الْخَمْسَةِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: (أ) قَوْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ نِعْمَتِ __________ (1) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2 / 172 ط الاستقامة، والحاوي للسيوطي 1 / 539 ط محيي الدين، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي 1 / 22 القسم الثاني ط المنيرية، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص 16 ط المنيرية، وابن عابدين 1 / 376 ط بولاق، والباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة 13 - 15 ط المطبعة العربية. (2) قواعد الأحكام 2 / 172، والفروق 4 / 219. الْبِدْعَةُ هَذِهِ (1) . فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَال: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُل لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُل فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ. فَقَال عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَل، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قَارِئِهِمْ، قَال عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَل مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْل. وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. (ب) تَسْمِيَةُ ابْنِ عُمَرَ صَلاَةَ الضُّحَى جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةً، وَهِيَ مِنَ الأُْمُورِ الْحَسَنَةِ. رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَال: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ صَلاَةَ الضُّحَى، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلاَتِهِمْ - فَقَال: بِدْعَةٌ (2) . (ج) الأَْحَادِيثُ الَّتِي تُفِيدُ انْقِسَامَ الْبِدْعَةِ إِلَى الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ، وَمِنْهَا مَا رُوِيَ مَرْفُوعًا: مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِل بِهَا __________ (1) حديث عمر في التراويح أخرجه البخاري (الفتح 4 / 250 - ط السلفية) . (2) قول ابن عمر في صلاة الضحى. أخرجه البخاري (الفتح 3 / 599 -.) . إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: 3 - اتَّجَهَ فَرِيقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى ذَمِّ الْبِدْعَةِ، وَقَرَّرُوا أَنَّ الْبِدْعَةَ كُلَّهَا ضَلاَلَةٌ، سَوَاءٌ فِي الْعَادَاتِ أَوِ الْعِبَادَاتِ. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الإِْمَامُ مَالِكٌ وَالشَّاطِبِيُّ وَالطُّرْطُوشِيُّ. وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ: الإِْمَامُ الشُّمُنِّيُّ، وَالْعَيْنِيُّ. وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ، وَابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ. وَمِنَ الْحَنَابِلَةِ: ابْنُ رَجَبٍ، وَابْنُ تَيْمِيَةَ (2) . وَأَوْضَحُ تَعْرِيفٍ يُمَثِّل هَذَا الاِتِّجَاهَ هُوَ تَعْرِيفُ الشَّاطِبِيِّ، حَيْثُ عَرَّفَ الْبِدْعَةَ بِتَعْرِيفَيْنِ: الأَْوَّل أَنَّهَا: طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ. وَهَذَا التَّعْرِيفُ لَمْ يُدْخِل الْعَادَاتِ فِي الْبِدْعَةِ، بَل خَصَّهَا بِالْعِبَادَاتِ، __________ (1) حديث: " من سنة حسنة. . . " أخرجه مسلم (2 / 705 ط الحلبي) . (2) الاعتصام للشاطبي 1 / / 18، 19 ط التجارية، والاعتقاد على مذاهب السلف للبيهقي ص 114 ط دار العهد الجديد، والحوادث والبدع للإمام الطرطوشي ص 8 ط تونس، واقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص 228، 278 ط المحمدية، وجامع بيان العلوم والحكم ص 160 ط الهند، وجواهر الإكليل 1 / / 112 ط شقرون، وعمدة القاري 25 / / 37 ط المنيرية، وفتح الباري 5 / / 156 ط الحلبي. بِخِلاَفِ الاِخْتِرَاعِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا. الثَّانِي أَنَّهَا: طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ تُضَاهِي الشَّرِيعَةَ يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ. (1) وَبِهَذَا التَّعْرِيفِ تَدْخُل الْعَادَاتُ فِي الْبِدَعِ إِذَا ضَاهَتِ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ، كَالنَّاذِرِ لِلصِّيَامِ قَائِمًا لاَ يَقْعُدُ مُتَعَرِّضًا لِلشَّمْسِ لاَ يَسْتَظِل، وَالاِقْتِصَارِ فِي الْمَأْكَل وَالْمَلْبَسِ عَلَى صِنْفٍ دُونَ صِنْفٍ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ. (2) وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِذَمِّ الْبِدْعَةِ مُطْلَقًا بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: (أ) أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ كَمُلَتْ قَبْل وَفَاةِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال سُبْحَانَهُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلاَمَ دِينًا} (3) فَلاَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَجِيءَ إِنْسَانٌ وَيَخْتَرِعَ فِيهَا شَيْئًا؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا تُعْتَبَرُ اسْتِدْرَاكًا عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَتُوحِي بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ نَاقِصَةٌ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ. (ب) وَرَدَتْ آيَاتٌ قُرْآنِيَّةٌ تَذُمُّ الْمُبْتَدِعَةَ فِي الْجُمْلَةِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا __________ (1) الاعتصام للشاطبي 1 / / 19 ط التجارية. (2) التعريف الأول للشاطبي خص البدعة بالاختراع في الدين، بخلاف الاختراع في الدنيا فلا يسمى بدعة، وبهذا القيد تنفصل العلوم الخادمة للدين عن البدعة، مثل علم النحو والصرف. (3) سورة المائدة / 3. صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (1) (ج) كُل مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبِدْعَةِ جَاءَ بِذَمِّهَا، مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: وَعَظَنَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. فَقَال قَائِلٌ: يَا رَسُول اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا. فَقَال: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِوُلاَةِ الأَْمْرِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُْمُورِ. فَإِنَّ كُل مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُل بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ (2) (د) أَقْوَال الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَال: دَخَلْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَسْجِدًا، وَقَدْ أُذِّنَ فِيهِ، وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِ، فَثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَال: " اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدِعِ " وَلَمْ يُصَل فِيهِ (3) . __________ (1) سورة الأنعام / / 153. (2) حديث العرباض أحرجه ابن ماجه (1 / / 16 - ط الحلبي) وأبو داود (5 / 16 - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (1 / / 96 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه وافقه الذهبي. (3) أثر عبد الله بن عمر أخرجه الطبراني (مجمع الزوائد 2 / 202) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمُحْدَثَاتُ: 4 - الْحَدِيثُ نَقِيضُ الْقَدِيمِ، وَالْحُدُوثُ: كَوْنُ شَيْءٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَمُحْدَثَاتُ الأُْمُورِ: مَا ابْتَدَعَهُ أَهْل الأَْهْوَاءِ مِنَ الأَْشْيَاءِ الَّتِي كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى غَيْرِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُْمُورِ (1) وَالْمُحْدَثَاتُ جَمْعُ مُحْدَثَةٍ بِالْفَتْحِ، وَهِيَ: مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ وَلاَ إِجْمَاعٍ. (2) وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَلْتَقِي الْمُحْدَثَاتُ مَعَ الْبِدْعَةِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي. ب - الْفِطْرَةُ: 5 - الْفِطْرَةِ: الاِبْتِدَاءُ وَالاِخْتِرَاعُ. وَفَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ: خَلَقَهُمْ وَبَدَأَهُمْ، وَيُقَال: أَنَا فَطَرْتُ الشَّيْءَ أَيْ: أَوَّل مَنِ ابْتَدَأَهُ. (3) وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَلْتَقِي مَعَ الْبِدْعَةِ فِي بَعْضِ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ. ج - السُّنَّةُ: 6 - السُّنَّةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقَةُ، حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ سَيِّئَةً. (4) قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ سَنَّ __________ (1) حديث: " إياكم ومحدثات الأمور. . . " سبق مطولا وتخريجه ورد في ف / / 3 (2) لسان العرب والصحاح للجوهري مادة: " حدث ". (3) لسان العرب والصحاح مادة: " فطر ". (4) لسان العرب والصحاح والمصباح والمغرب مادة: " سنن ". سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِل بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. (1) وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ الْجَارِيَةُ فِي الدِّينِ الْمَأْثُورَةُ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ صَحْبِهِ. لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُقَابِلَةٌ لِلْبِدْعَةِ وَمُضَادَّةٌ لَهَا تَمَامًا. وَلِلسُّنَّةِ إِطْلاَقَاتٌ أُخْرَى شَرْعِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ بِهَا، مِنْهَا: أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا، كَقَوْلِهِمْ: الأَْوْلَى بِالإِْمَامَةِ الأَْعْلَمُ بِالسُّنَّةِ. وَمِنْهَا: مَا هُوَ أَحَدُ الأَْدِلَّةِ الأَْرْبَعَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ مَا صَدَرَ عَنْ رَسُول اللَّهِ - غَيْرَ الْقُرْآنِ - مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ. وَمِنْهَا: مَا يَعُمُّ النَّفَل، وَهُوَ مَا فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلاَ وُجُوبٍ. (2) د - الْمَعْصِيَةُ: 7 - الْعِصْيَانُ: خِلاَفُ الطَّاعَةِ يُقَال: عَصَى الْعَبْدُ رَبَّهُ إِذَا خَالَفَ أَمْرَهُ، وَعَصَى فُلاَنٌ أَمِيرَهُ: إِذَا خَالَفَ أَمْرَهُ. وَشَرْعًا: عِصْيَانُ أَمْرِ الشَّارِعِ قَصْدًا، وَهِيَ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ. __________ (1) حديث: " من سن سنة حسنة. . . " سبق تخريجه (ف / / 2) . (2) التهانوي 3 / / 703، ودستور العلماء 2 / / 182 ط الأعلى للطباعة. فَهِيَ إِمَّا كَبَائِرُ وَهِيَ: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حَدٌّ، أَوْ وَعِيدٌ بِالنَّارِ أَوِ اللَّعْنَةِ أَوِ الْغَضَبِ، أَوْ مَا اتَّفَقَتِ الشَّرَائِعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَحْدِيدِهَا. وَإِمَّا صَغَائِرُ وَهِيَ: مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ إِذَا اجْتُنِبَ الإِْصْرَارُ عَلَيْهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (1) وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْبِدْعَةُ أَعَمَّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، حَيْثُ تَشْمَل الْمَعْصِيَةَ، كَالْبِدْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَغَيْرَ الْمَعْصِيَةِ كَالْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ وَالْمُبَاحَةِ. (2) هـ - الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ: 8 - الْمَصْلَحَةُ لُغَةً كَالْمَنْفَعَةِ وَزْنًا وَمَعْنًى، فَهِيَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الصَّلاَحِ، أَوْ هِيَ اسْمٌ لِلْوَاحِدِ مِنَ الْمَصَالِحِ. وَالْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ اصْطِلاَحًا هِيَ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ الْمُنْحَصِرِ فِي الضَّرُورِيَّاتِ. الْخَمْسِ، كَمَا قَال الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَوْ هِيَ اعْتِبَارُ الْمُنَاسِبِ الَّذِي لاَ يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ الشَّاطِبِيِّ، أَوْ هِيَ أَنْ يَرَى الْمُجْتَهِدُ أَنَّ هَذَا الْفِعْل فِيهِ مَنْفَعَةٌ رَاجِحَةٌ وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يَنْفِيهِ عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَةَ. أَوْ هِيَ أَنْ يُنَاطَ الأَْمْرُ بِاعْتِبَارٍ __________ (1) سورة النساء / / 31. (2) المغني لابن قدامة 9 / / 167، وحاشية ابن عابدين 4 / 377، ومغني المحتاج 4 / 427. مُنَاسِبٍ لَمْ يَدُل الشَّرْعُ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَلاَ إِلْغَائِهِ إِلاَّ أَنَّهُ مُلاَئِمٌ لِتَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، (1) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّعْرِيفَاتِ الأُْخْرَى الَّتِي يُرْجَعُ لِتَفَاصِيلِهَا إِلَى مُصْطَلَحِ (مَصْلَحَةٌ مُرْسَلَةٌ) . حُكْمُ الْبِدْعَةِ التَّكْلِيفِيُّ: 9 - ذَهَبَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ وَالْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ وَأَبُو شَامَةَ، وَالنَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالإِْمَامُ الْقَرَافِيُّ وَالزَّرْقَانِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنِيفَةِ إِلَى تَقْسِيمِ الْبِدْعَةِ تَبَعًا لِلأَْحْكَامِ الْخَمْسَةِ إِلَى: وَاجِبَةٍ أَوْ مُحَرَّمَةٍ أَوْ مَنْدُوبَةٍ أَوْ مَكْرُوهَةٍ أَوْ مُبَاحَةٍ. (2) وَضَرَبُوا لِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الأَْقْسَامِ أَمْثِلَةً: فَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدْعَةِ الْوَاجِبَةِ: الاِشْتِغَال بِعِلْمِ النَّحْوِ، الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ كَلاَمُ اللَّهِ وَكَلاَمُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَِنَّ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ، وَلاَ يَتَأَتَّى حِفْظُهَا إِلاَّ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَتَدْوِينُ الْكَلاَمِ فِي الْجَرْحِ __________ (1) المستصفى 1 / / 286 والاعتصام 2 / / 95، ومجموع فتاوى ابن تيمية 11 / / 342، وإرشاد الفحول ص 242. (2) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2 / / 172 ط دار الكتب العلمية بيروت، ودليل الفالحين 1 / / 416، والحناوي للسيوطي 1 / / 539 ط محيي الدين، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي 1 / / 22 القسم الثاني ط المنيرية، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص 16 ط المنيرية، وحاشية ابن عابدين 1 / / 376 ط بولاق، والباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة ص 13 - 15 ط المطبعة العربية، والمنثور في القواعد 1 / / 218. وَالتَّعْدِيل لِتَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنَ السَّقِيمِ؛ لأَِنَّ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِيمَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُتَعَيِّنِ، وَلاَ يَتَأَتَّى حِفْظُهَا إِلاَّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ: مَذْهَبُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُجَسِّمَةِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدْعَةِ الْمَنْدُوبَةِ: إِحْدَاثُ الْمَدَارِسِ وَبِنَاءُ الْقَنَاطِرِ وَصَلاَةُ التَّرَاوِيحِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَكْرُوهَةِ: زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقُ الْمَصَاحِفِ. وَأَمَّا أَمْثِلَةُ الْبِدْعَةِ الْمُبَاحَةِ فَمِنْهَا: الْمُصَافَحَةُ عَقِيبَ صَلاَةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَمِنْهَا التَّوَسُّعُ فِي اللَّذِيذِ مِنَ الْمَآكِل وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلاَبِسِ (1) . هَذَا وَقَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الْبِدْعَةَ الْمُحَرَّمَةَ إِلَى بِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ وَغَيْرِ مُكَفِّرَةٍ، وَصَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي. الْبِدْعَةُ فِي الْعَقِيدَةِ: 10 - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الْعَقِيدَةِ مُحَرَّمَةٌ، وَقَدْ تَتَدَرَّجُ إِلَى أَنْ تَصِل إِلَى الْكُفْرِ. فَأَمَّا الَّتِي تَصِل إِلَى الْكُفْرِ فَهِيَ أَنْ تُخَالِفَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، كَبِدْعَةِ الْجَاهِلِيِّينَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي قَوْله تَعَالَى: __________ (1) قواعد الأحكام 2 / / 172، والفروق 4 / 219، والمنثور في القواعد 1 / 219. {مَا جَعَل اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} (1) وقَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَْنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} (2) وَحَدَّدُوا كَذَلِكَ ضَابِطًا لِلْبِدْعَةِ الْمُكَفِّرَةِ، وَهِيَ: أَنْ يَتَّفِقَ الْكُل عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْبِدْعَةَ كُفْرٌ صُرَاحٌ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ (3) . الْبِدْعَةُ فِي الْعِبَادَاتِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْهَا مَا يَكُونُ حَرَامًا وَمَعْصِيَةً، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مَكْرُوهًا. أ - الْبِدْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ: 11 - وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: بِدْعَةُ التَّبَتُّل وَالصِّيَامِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، وَالْخِصَاءِ لِقَطْعِ الشَّهْوَةِ فِي الْجِمَاعِ وَالتَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ. لِمَا جَاءَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الرَّهْطِ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَال أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْل أَبَدًا، وَقَال الآْخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَال الآْخَرُ: أَنَا أَعْتَزِل النِّسَاءَ فَلاَ __________ (1) سورة المائدة / 103. (2) سورة الأنعام / 139. (3) قواعد الأحكام 2 / 172، والاعتصام 2 / 31، 32. أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأََخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ. لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي. (1) ب - الْبِدْعَةُ الْمَكْرُوهَةُ: 12 - قَدْ تَكُونُ الْبِدْعَةُ فِي الْعِبَادَاتِ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ، مِثْل الاِجْتِمَاعِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لِلدُّعَاءِ لِغَيْرِ الْحُجَّاجِ فِيهَا (2) ، وَذِكْرِ السَّلاَطِينِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ لِلتَّعْظِيمِ، أَمَّا لِلدُّعَاءِ فَسَائِغٌ، وَكَزَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ (3) . جَاءَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي الْبُحْتُرِيِّ قَال: أَخْبَرَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَنَّ قَوْمًا يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِيهِمْ رَجُلٌ يَقُول: كُبِّرُوا اللَّهَ كَذَا وَكَذَا، وَسَبِّحُوا اللَّهَ كَذَا وَكَذَا، وَاحْمَدُوا اللَّهَ كَذَا وَكَذَا، قَال عَبْدُ اللَّهِ: فَإِذَا رَأَيْتَهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَأْتِنِي فَأَخْبِرْنِي بِمَجْلِسِهِمْ، فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ، فَلَمَّا سَمِعَ مَا يَقُولُونَ قَامَ فَأَتَى ابْنَ مَسْعُودٍ فَجَاءَ - وَكَانَ رَجُلاً حَدِيدًا - فَقَال أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، __________ (1) حديث: " وجاء ثلاثة رهط. . . " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 104 ـ ط السلفية) ومسلم (2 / 1020ـ ط الحلبي) . (2) البدع والنهي عنها للوضاح القرطبي ص 46، 47 ط الاعتدال دمشق 1349هـ. (3) قواعد الأحكام 2 / 172، والاعتصام 2 / 31، 32، وإنكار البدع والحوادث ص 25، 23. وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ جِئْتُمْ بِبِدْعَةٍ ظُلْمًا، وَلَقَدْ فَضَلْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا. فَقَال عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. فَقَال عَلَيْكُمْ بِالطَّرِيقِ فَالْزَمُوهُ، وَلَئِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالاً لَتَضِلُّنَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (1) . الْبِدْعَةُ فِي الْعَادَاتِ: 13 - الْبِدْعَةُ فِي الْعَادَاتِ مِنْهَا الْمَكْرُوهُ، كَالإِْسْرَافِ فِي الْمَآكِل وَالْمَشَارِبِ وَنَحْوِهَا. وَمِنْهَا الْمُبَاحُ، مِثْل التَّوَسُّعِ فِي اللَّذِيذِ مِنَ الْمَآكِل وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلاَبِسِ وَالْمَسَاكِنِ، وَلُبْسِ الطَّيَالِسَةِ، وَتَوْسِيعِ الأَْكْمَامِ، مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلاَ اخْتِيَالٍ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الاِبْتِدَاعَ فِي الْعَادَاتِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْعِبَادَاتِ جَائِزٌ؛ لأَِنَّهُ لَوْ جَازَتِ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الاِبْتِدَاعِ فِي الْعَادَاتِ لَوَجَبَ أَنْ تُعَدَّ كُل الْعَادَاتِ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ الصَّدْرِ الأَْوَّل - مِنَ الْمَآكِل وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلاَبِسِ وَالْمَسَائِل النَّازِلَةِ - بِدَعًا مَكْرُوهَاتٍ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقُل أَحَدٌ بِأَنَّ تِلْكَ الْعَادَاتِ الَّتِي بَرَزَتْ بَعْدَ الصَّدْرِ الأَْوَّل مُخَالِفَةٌ لَهُمْ؛ وَلأَِنَّ الْعَادَاتِ مِنَ الأَْشْيَاءِ الَّتِي تَدُورُ مَعَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. (2) دَوَاعِي الْبِدْعَةِ وَأَسْبَابُهَا: 14 - دَوَاعِي الْبِدْعَةِ وَأَسْبَابُهَا وَبَوَاعِثُهَا كَثِيرَةٌ __________ (1) تلبيس إبليس 16 - 17 ط النهضة، والآداب الشرعية 2 / 110 ط الرياض، وإنكار البدع والحوادث لأبي شامة ص 23. (2) قواعد الأحكام 2 / 172، 173، والاعتصام للشاطبي 2 / 31، 32 وَمُتَعَدِّدَةٌ، يَصْعُبُ حَصْرُهَا؛ لأَِنَّهَا تَتَجَدَّدُ وَتَتَنَوَّعُ حَسَبَ الأَْحْوَال وَالأَْزْمَانِ وَالأَْمْكِنَةِ وَالأَْشْخَاصِ، وَأَحْكَامُ الدِّينِ وَفُرُوعُهُ كَثِيرَةٌ، وَالاِنْحِرَافُ عَنْهَا وَاتِّبَاعُ سُبُل الشَّيْطَانِ فِي كُل حُكْمٍ مُتَعَدِّدُ الْوُجُوهِ. وَكُل خُرُوجٍ إِلَى وَسِيلَةٍ مِنْ وَسَائِل الْبَاطِل لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ بَاعِثٍ. وَمَعَ ذَلِكَ فَمِنَ الْمُمْكِنِ إِرْجَاعُ الدَّوَاعِي وَالأَْسْبَابِ إِلَى مَا يَأْتِي: أ - الْجَهْل بِوَسَائِل الْمَقَاصِدِ: 15 - أَنْزَل اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا لاَ عُجْمَةَ فِيهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ جَارٍ فِي أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ وَأَسَالِيبِهِ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (1) . وَقَال: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} (2) وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لاَ تُفْهَمُ إِلاَّ إِذَا فَهِمَ اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} (3) وَالإِْخْلاَل فِي ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْبِدْعَةِ. ب - الْجَهْل بِالْمَقَاصِدِ: 16 - مَا يَنْبَغِي لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَعْلَمَهُ وَلاَ يَجْهَلَهُ مِنَ الْمَقَاصِدِ أَمْرَانِ: (1) أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ كَامِلَةً تَامَّةً لاَ نَقْصَ فِيهَا وَلاَ زِيَادَةَ، وَيَجِبُ أَنْ يُنْظَرُ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْكَمَال __________ (1) سورة يوسف / 2. (2) سورة الزمر / 28. (3) سورة الرعد / 37. لاَ بِعَيْنِ النَّقْصِ، وَأَنْ يَرْتَبِطَ بِهَا ارْتِبَاطَ ثِقَةٍ وَإِذْعَانٍ، فِي عَادَاتِهَا وَعِبَادَاتِهَا وَمُعَامَلاَتِهَا، وَأَلاَّ يَخْرُجَ عَنْهَا أَلْبَتَّةَ. وَهَذَا الأَْمْرُ أَغْفَلَهُ الْمُبْتَدِعَةُ فَاسْتَدْرَكُوا عَلَى الشَّرْعِ، وَكَذَبُوا عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيل لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: نَحْنُ لَمْ نَكْذِبْ عَلَى رَسُول اللَّهِ وَإِنَّمَا كَذَبْنَا لَهُ. وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، الْمَعْرُوفِ بِالأُْرْدُنِّيِّ، أَنَّهُ قَال: إِذَا كَانَ الْكَلاَمُ حَسَنًا لَمْ أَرَ فِيهِ بَأْسًا، أَجْعَل لَهُ إِسْنَادًا إِلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (2) أَنْ يُوقِنَ إِيقَانًا جَازِمًا أَنَّهُ لاَ تَضَادَّ بَيْنَ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَبَيْنَ الأَْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ، أَوْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ لأَِنَّ النَّبْعَ وَاحِدٌ، وَمَا كَانَ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، وَإِنَّ قَوْمًا اخْتَلَفَ عَلَيْهِمُ الأَْمْرُ لِجَهْلِهِمْ، هُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ الرَّسُول بِقَوْلِهِ: يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ. فَيَتَحَصَّل مِمَّا قَدَّمْنَا كَمَال الشَّرِيعَةِ وَعَدَمُ التَّضَادِّ بَيْنَ نُصُوصِهَا. أَمَّا كَمَال الشَّرِيعَةِ فَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلاَمَ دِينًا} (1) . وَأَمَّا عَدَمُ التَّضَادِّ فِي اللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ الْمُتَدَبِّرَ لاَ يَجِدُ فِي الْقُرْآنِ اخْتِلاَفًا؛ لأَِنَّ __________ (1) سورة المائدة / 3. الاِخْتِلاَفَ مُنَافٍ لِلْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ (1) {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} . (2) ج - الْجَهْل بِالسُّنَّةِ: 17 - مِنَ الأُْمُورِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْبِدْعَةِ الْجَهْل بِالسُّنَّةِ. وَالْجَهْل بِالسُّنَّةِ يَعْنِي أَمْرَيْنِ: الأَْوَّل، جَهْل النَّاسِ بِأَصْل السُّنَّةِ. وَالثَّانِي: جَهْلُهُمْ بِالصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَخْتَلِطُ عَلَيْهِمُ الأَْمْرُ. أَمَّا جَهْلُهُمْ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَيَجْعَلُهُمْ يَأْخُذُونَ بِالأَْحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ وَرَدَتِ الآْثَارُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُل أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} (3) وَقَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (4) . __________ (1) الاعتصام 2 / 268، والفخر الرازي 10 / 196، 197. (2) سورة النساء / 82. (3) سورة الإسراء / 39. (4) حديث: " من كذب على معتمدا. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 202 ط السلفية) من حديث أبي هريرة، ومسلم (4 / 2298، 2299 ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري. وَمِنْ جَهْلِهِمْ بِالسُّنَّةِ، جَهْلُهُمْ بِدَوْرِهَا فِي التَّشْرِيعِ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَكَانَةَ السُّنَّةِ فِي التَّشْرِيعِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (1) . د - تَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْعَقْل: 18 - عَدَّ الْعُلَمَاءُ مِنْ دَوَاعِي الْبِدْعَةِ تَحْسِينَ الظَّنِّ بِالْعَقْل، وَيَتَأَتَّى هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ يَعْتَمِدَ عَلَى عَقْلِهِ، وَلاَ يَعْتَمِدُ عَلَى الْوَحْيِ وَإِخْبَارِ الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجُرُّهُ عَقْلُهُ الْقَاصِرُ إِلَى أَشْيَاءَ بَعِيدَةٍ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ فِي الْخَطَأِ وَالاِبْتِدَاعِ، وَيَظُنُّ أَنَّ عَقْلَهُ مُوَصِّلُهُ، فَإِذَا هُوَ مُهْلِكُهُ. وَهَذَا لأَِنَّ اللَّهَ جَعَل لِلْعُقُول فِي إِدْرَاكِهَا حَدًّا تَنْتَهِي إِلَيْهِ لاَ تَتَعَدَّاهُ، مِنْ نَاحِيَةِ الْكَمِّ وَمِنْ نَاحِيَةِ الْكَيْفِ. أَمَّا عِلْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَلاَ يَتَنَاهَى، وَالْمُتَنَاهِي لاَ يُسَاوِي مَا لاَ يَتَنَاهَى. وَيَتَخَلَّصُ مِنْ ذَلِكَ: (1) أَنَّ الْعَقْل مَا دَامَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لاَ يُجْعَل حَاكِمًا بِإِطْلاَقٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقٍ، وَهُوَ الشَّرْعُ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ مَا حَقُّهُ التَّقْدِيمُ، وَيُؤَخِّرَ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ. (2) إِذَا وَجَدَ الإِْنْسَانُ فِي الشَّرْعِ أَخْبَارًا يَقْتَضِي ظَاهِرُهَا خَرْقَ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ - الَّتِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أَنْ رَآهَا أَوْ عَلِمَ بِهَا عِلْمًا صَحِيحًا - __________ (1) سورة الحشر / 7. لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ لأَِوَّل وَهْلَةٍ الإِْنْكَارَ بِإِطْلاَقٍ، بَل أَمَامَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: الأَْوَّل: إِمَّا أَنْ يُصَدِّقَ بِهِ وَيَكِل الْعِلْمَ فِيهِ لِلرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ وَالْمُتَخَصِّصِينَ فِيهِ مُتَمَثِّلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} (1) الثَّانِي: يَتَأَوَّل عَلَى مَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ مِنَ الآْرَاءِ بِمُقْتَضَى الظَّاهِرِ. (2) وَيَحْكُمُ هَذَا كُلَّهُ قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَْمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (3) وَقَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (4) . هـ - اتِّبَاعُ الْمُتَشَابِهِ: 19 - قَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمُتَشَابِهُ هُوَ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَقَال آخَرُونَ: هُوَ مَا تَقَابَلَتْ فِيهِ الأَْدِلَّةُ. (5) وَقَدْ نَهَى الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ بِقَوْلِهِ: إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ __________ (1) سورة آل عمران / 7. (2) الاعتصام للشاطبي 2 / 275 - 284، وإعلام الموقعين 1 / 47 ط دار الجيل، والموافقات 1 / 87. (3) سورة الجاثية / 18. (4) سورة النساء / 59. (5) أحكام القرآن للجصاص 3 / 2 ط دار الكتب، وتفسير الطبري 3 / 173ط الحلبي، والاعتصام 1 / 174. فَاحْذَرُوهُمْ (1) وَقَدْ ذَكَرَهُمُ الْقُرْآنُ فِي قَوْله تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَل عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} (2) . فَلَيْسَ نَظَرُهُمْ فِي الدَّلِيل نَظَرَ الْمُسْتَبْصِرِ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَحْتَ حُكْمِهِ، بَل نَظَرُ مَنْ حَكَمَ بِالْهَوَى. ثُمَّ أَتَى بِالدَّلِيل كَالشَّاهِدِ لَهُ. (3) و اتِّبَاعُ الْهَوَى: 20 - يُطْلَقُ الْهَوَى عَلَى مَيْل النَّفْسِ وَانْحِرَافِهَا نَحْوَ الشَّيْءِ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَيْل الْمَذْمُومِ وَالاِنْحِرَافِ السَّيِّئِ. (4) وَنُسِبَتِ الْبِدَعُ إِلَى الأَْهْوَاءِ، وَسُمِّيَ أَصْحَابُهَا بِأَهْل الأَْهْوَاءِ؛ لأَِنَّهُمْ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فَلَمْ يَأْخُذُوا الأَْدِلَّةَ مَأْخَذَ الاِفْتِقَارِ إِلَيْهَا وَالتَّعْوِيل عَلَيْهَا، بَل قَدَّمُوا أَهْوَاءَهُمْ وَاعْتَمَدُوا عَلَى آرَائِهِمْ، ثُمَّ جَعَلُوا الأَْدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مَنْظُورًا فِيهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ. 21 - مَدَاخِل هَذِهِ الأَْهْوَاءِ (5) : أ - اتِّبَاعُ الْعَادَاتِ وَالآْبَاءِ وَجَعْلُهَا دِينًا. قَال __________ (1) حديث: " إذا رأيتم الذين يتبعون ماتشابه منه. . . " أخرجه البخاري (الفتح 8 / 209 ط السلفية) ومسلم (4 / 2053 ط الحلبي) واللفظ لمسلم. (2) سورة آل عمران / 7. (3) الاعتصام 1 / 175. (4) المصباح في المادة. (5) الاعتصام للشاطبي 2 / 293 - 313، واقتضاء الصراط المستقيم ص 14 - 35. تَعَالَى فِي شَأْنِ هَؤُلاَءِ: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} (1) فَقَال الْحَقُّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ {قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} (2) ب - رَأْيُ بَعْضِ الْمُقَلِّدِينَ فِي أَئِمَّتِهِمْ وَالتَّعَصُّبُ لَهُمْ، فَقَدْ يُؤَدِّي هَذَا التَّغَالِي فِي التَّقْلِيدِ إِلَى إِنْكَارِ بَعْضِ النُّصُوصِ وَالأَْدِلَّةِ أَوْ تَأْوِيلِهَا، وَعَدِّ مَنْ يُخَالِفُهُمْ مُفَارِقًا لِلْجَمَاعَةِ. ج - التَّصَوُّفُ الْفَاسِدُ وَأَخْذُ مَا نُقِل عَنِ الْمُتَصَوِّفَةِ مِنَ الأَْحْوَال الْجَارِيَةِ عَلَيْهِمْ، أَوِ الأَْقْوَال الصَّادِرَةِ عَنْهُمْ دِينًا وَشَرِيعَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. د - التَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ الْعَقْلِيَّانِ. فَإِنَّ مَحْصُول هَذَا الْمَذْهَبِ تَحْكِيمُ عُقُول الرِّجَال دُونَ الشَّرْعِ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنَ الأُْصُول الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا أَهْل الاِبْتِدَاعِ فِي الدِّينِ، بِحَيْثُ إِنَّ الشَّرْعَ إِنْ وَافَقَ آرَاءَهُمْ قَبِلُوهُ وَإِلاَّ رُدَّ. هـ - الْعَمَل بِالأَْحْلاَمِ. فَإِنَّ الرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ أَخْلاَطٍ مُهْتَاجَةٍ. فَمَتَى تَتَعَيَّنُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ النَّقِيَّةُ حَتَّى يُحْكَمَ بِهَا؟ ،. __________ (1) سورة الزخرف / 22. (2) سورة الزخرف / 24. أَنْوَاعُ الْبِدْعَةِ: تَنْقَسِمُ الْبِدْعَةُ مِنْ حَيْثُ قُرْبُهَا مِنَ الأَْدِلَّةِ أَوْ بُعْدُهَا عَنْهَا إِلَى حَقِيقِيَّةٍ وَإِضَافِيَّةٍ. الْبِدْعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ: 22 - هِيَ الَّتِي لَمْ يَدُل عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، لاَ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ وَلاَ إِجْمَاعٍ وَلاَ اسْتِدْلاَلٍ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أَهْل الْعِلْمِ، لاَ فِي الْجُمْلَةِ وَلاَ فِي التَّفْصِيل، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ بِدْعَةً حَقِيقِيَّةً؛ لأَِنَّهَا شَيْءٌ مُخْتَرَعٌ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُبْتَدِعُ يَأْبَى أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ الْخُرُوجُ عَنِ الشَّرْعِ؛ إِذْ هُوَ مُدَّعٍ أَنَّهُ دَاخِلٌ بِمَا اسْتَنْبَطَ تَحْتَ مُقْتَضَى الأَْدِلَّةِ، وَلَكِنْ ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ، لاَ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ وَلاَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، أَمَّا بِحَسَبِ نَفْسِ الأَْمْرِ فَبِالْعَرْضِ، وَأَمَّا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فَإِنَّ أَدِلَّتَهُ شُبَهٌ وَلَيْسَتْ بِأَدِلَّةٍ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: (1) التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالرَّهْبَانِيَّةِ وَتَرْكِ الزَّوَاجِ مَعَ وُجُودِ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَفَقْدِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ، كَرَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} (2) فَهَذِهِ كَانَتْ قَبْل الإِْسْلاَمِ، أَمَّا فِي الإِْسْلاَمِ فَقَدْ نُسِخَتْ فِي شَرِيعَتِنَا بِمِثْل قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي. (3) __________ (1) الاعتصام / 1 / 232. (2) سورة الحديد / 27. (3) حديث: " فمن رغب. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 104 ط السلفية) . وَمِنْهَا: أَنْ يَفْعَل الْمُسْلِمُ مِثْل مَا يَفْعَل أَهْل الْهِنْدِ فِي تَعْذِيبِ النَّفْسِ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ الشَّنِيعِ وَالْقَتْل بِالأَْصْنَافِ الَّتِي تَفْزَعُ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَتَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ، مِثْل الإِْحْرَاقِ بِالنَّارِ عَلَى جِهَةِ اسْتِعْجَال الْمَوْتِ لِنَيْل الدَّرَجَاتِ الْعُلْيَا وَالْقُرْبَى مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي زَعْمِهِمْ. الْبِدْعَةُ الإِْضَافِيَّةُ: 23 - وَهِيَ الَّتِي لَهَا شَائِبَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَهَا مِنَ الأَْدِلَّةِ مُتَعَلِّقٌ، فَلاَ تَكُونُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ بِدْعَةً، وَالثَّانِيَةُ لَيْسَ لَهَا مُتَعَلِّقٌ إِلاَّ مِثْل مَا لِلْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ. وَلَمَّا كَانَ الْعَمَل لَهُ شَائِبَتَانِ، وَلَمْ يَتَخَلَّصْ لأَِحَدٍ الطَّرَفَيْنِ، وُضِعَتْ لَهُ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ؛ لأَِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ سُنَّةٌ لاِسْتِنَادِهَا إِلَى دَلِيلٍ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجِهَةِ الأُْخْرَى بِدْعَةٌ لاِسْتِنَادِهَا إِلَى شُبْهَةٍ لاَ إِلَى دَلِيلٍ، أَوْ لأَِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَنِدَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْبِدَعِ هُوَ مَثَارُ الْخِلاَفِ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْبِدَعِ وَالسُّنَنِ. وَلَهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: صَلاَةُ الرَّغَائِبِ، وَهِيَ: اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ الأُْولَى مِنْ رَجَبٍ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَدْ قَال الْعُلَمَاءُ: إِنَّهَا بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ مُنْكَرَةٌ. وَكَذَا صَلاَةُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَهِيَ: مِائَةُ رَكْعَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ. وَصَلاَةُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ. وَوَجْهُ كَوْنِهَا بِدْعَةً إِضَافِيَّةً: أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ، بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إِلَى أَصْل الصَّلاَةِ، لِحَدِيثٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَْوْسَطِ الصَّلاَةُ خَيْرٌ مَوْضُوعٌ (1) وَغَيْرُ مَشْرُوعَةٍ بِاعْتِبَارِ مَا عَرَضَ لَهَا مِنَ الْتِزَامِ الْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ وَالْكَيْفِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ. فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا، مُبْتَدَعَةٌ بِاعْتِبَارِ مَا عَرَضَ لَهَا. (2) الْبِدَعُ الْمُكَفِّرَةُ وَغَيْرُ الْمُكَفِّرَةِ: 24 - الْبِدَعُ مُتَفَاوِتَةٌ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يُقَال: إِنَّهَا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ هُوَ الْكَرَاهَةُ فَقَطْ، أَوِ التَّحْرِيمُ فَقَطْ. فَقَدْ وُجِدَ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ فِي أَحْكَامِهَا، فَمِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ، كَبِدْعَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي نَبَّهَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَْنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} (3) الآْيَةَ، وقَوْله تَعَالَى: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَْنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} (4) وقَوْله تَعَالَى: {مَا جَعَل اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} (5) . __________ (1) حديث: " الصلاة خير موضوع " أخرجه ابن حبان (ص 52 - موارد الظمآن ط السلفية) . (2) ابن عابدين 1 / 461، والاعتصام للشاطبي 1 / 232، والمجموع للنووي 4 / 56، إنكار البدع والحوادث ص 63 - 67. (3) سورة الأنعام / 136. (4) سورة الأنعام / 139. (5) المائدة / 103، وانظر القرطبي 7 / 335 ط دار الكتب، والفخر الرازي 12 / 109، 13 / 204 ط عبد الرحمن محمد. وَكَذَلِكَ بِدْعَةُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الدِّينَ ذَرِيعَةً لِحِفْظِ النَّفْسِ وَالْمَال وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} (1) فَهَذَا وَأَضْرَابُهُ لاَ يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ كُفْرٌ صُرَاحٌ، لاِبْتِدَاعِهِ أَشْيَاءَ أَنْكَرَتْهَا النُّصُوصُ وَتَوَعَّدَتْ عَلَيْهَا. وَمِنْهَا مَا هُوَ كَبِيرَةٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ، أَوْ يُخْتَلَفُ فِيهِ هَل هُوَ كُفْرٌ أَمْ لاَ؟ كَبِدَعِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ اتِّفَاقًا، كَبِدْعَةِ التَّبَتُّل وَالصِّيَامِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، وَالْخِصَاءِ بِقَطْعِ شَهْوَةِ الْجِمَاعِ، لِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ بَعْضٌ مِنْهَا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (2) . تَقْسِيمُ الْبِدَعِ غَيْرِ الْمُكَفِّرَةِ إِلَى كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ: 25 - إِنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْهَا صَغَائِرُ وَمِنْهَا كَبَائِرُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي الضَّرُورِيَّاتِ أَوِ الْحَاجِيَّاتِ أَوِ التَّحْسِينَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الضَّرُورِيَّاتِ فَهِيَ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي التَّحْسِينَاتِ فَهِيَ أَدْنَى رُتْبَةً بِلاَ إِشْكَالٍ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْحَاجِيَّاتِ فَمُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} (3) وَقَوْلِهِ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا __________ (1) سورة آل عمران / 167. (2) سورة النساء / 29، وانظر أحكام أهل الذمة 2 / 673. (3) سورة النجم / 32. كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا} (1) ، وَإِذَا كَانَتْ لَيْسَتْ رُتْبَةً وَاحِدَةً فَالْبِدَعُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي، وَقَدْ ثَبَتَ التَّفَاوُتُ فِي الْمَعَاصِي، فَكَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ مِثْلُهُ فِي الْبِدَعِ، فَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ، وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الْحَاجِيَّاتِ، وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ التَّحْسِينَاتِ. وَمَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيَّاتِ، مِنْهُ مَا يَقَعُ فِي الدِّينِ، أَوِ النَّفْسِ، أَوِ النَّسْل، أَوِ الْعَقْل، أَوِ الْمَال. (2) فَمِثَال وُقُوعِهِ فِي الدِّينِ: اخْتِرَاعُ الْكُفَّارِ وَتَغْيِيرُهُمْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: {مَا جَعَل اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} (3) وَحَاصِل مَا فِي الآْيَةِ تَحْرِيمُ مَا أَحَل اللَّهُ عَلَى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِهِ إِلَيْهِ، مَعَ كَوْنِهِ حَلاَلاً بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَمِثَال مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ: مَا عَلَيْهِ بَعْضُ نِحَل الْهِنْدِ، مِنْ تَعْذِيبِهَا أَنْفُسَهَا بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَاسْتِعْجَال الْمَوْتِ، لِنَيْل الدَّرَجَاتِ الْعُلَى عَلَى زَعْمِهِمْ. وَمِثَال مَا يَقَعُ فِي النَّسْل: مَا كَانَ مِنْ أَنْكِحَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مَعْهُودَةً وَمَعْمُولاً بِهَا وَمُتَّخَذَةً __________ (1) سورة النساء / 31. (2) الاعتصام للشاطبي 2 / 31، وقواعد الأحكام 1 / 19، وابن عابدين 3 / 309، 310. (3) سورة المائدة / 103. كَالدِّينِ، وَهِيَ لاَ عَهْدَ بِهَا فِي شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلاَ غَيْرِهِ، بَل كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَا اخْتَرَعُوهُ. مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَدِيثِ أَنْكِحَةِ الْجَاهِلِيَّةِ. (1) وَمِثَال مَا يَقَعُ فِي الْعَقْل: مَا يُتَنَاوَل مِنَ الْمُسْكِرَاتِ وَالْمُخَدِّرَاتِ بِدَعْوَى تَحْصِيل النَّفْعِ وَالتَّقَوِّي عَلَى الْقِيَامِ بِبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي ذَاتِهَا. وَمِثَال مَا يَقَعُ فِي الْمَال: قَوْلُهُمْ {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْل الرِّبَا} (2) فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ. (3) وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُحْدِثُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْبُيُوعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ وَالْغَرَرِ. 26 - هَذَا التَّقْسِيمُ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُ الْبِدْعَةِ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ: الأَْوَّل: أَلاَّ يُدَاوَمَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ مِنَ الْمَعَاصِي لِمَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا تَكْبُرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنِ الإِْصْرَارِ عَلَيْهَا، وَالإِْصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً، وَلِذَلِكَ قَالُوا: لاَ صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ، وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ. الثَّانِي: أَلاَّ يَدْعُوَ إِلَيْهَا. فَإِذَا ابْتُلِيَ إِنْسَانٌ بِبِدْعَةٍ فَدَعَا إِلَيْهَا تَحَمَّل وِزْرَهَا وَأَوْزَارَ الآْخَرِينَ مَعَهُ، مِصْدَاقًا لِقَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَنَّ __________ (1) حديث عائشة في أنكحة الجاهلية أخرجه البخاري (الفتح 9 / 182ـ 183 ط السلفية) . (2) سورة البقرة / 276 (3) الاعتصام للشاطبي 2 / 31 - 59. سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. (1) الثَّالِثُ: أَلاَّ تُفْعَل فِي الأَْمَاكِنِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا النَّاسُ، أَوِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، وَتَظْهَرُ فِيهَا أَعْلاَمُ الشَّرِيعَةِ، وَأَلاَّ يَكُونَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ يَحْسُنُ بِهِ الظَّنُّ، فَإِنَّ الْعَوَامَّ يَقْتَدُونَ - بِغَيْرِ نَظَرٍ - بِالْمَوْثُوقِ بِهِمْ أَوْ بِمَنْ يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِهِ، فَتَعُمُّ الْبَلْوَى وَيَسْهُل عَلَى النَّاسِ ارْتِكَابُهَا. (2) تَقْسِيمُ الْمُبْتَدِعِ إِلَى دَاعِيَةٍ لِبِدْعَتِهِ وَغَيْرِ دَاعِيَةٍ: 27 - الْمَنْسُوبُ إِلَى الْبِدْعَةِ فِي الْعُرْفِ لاَ يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِيهَا أَوْ مُقَلِّدًا، وَالْمُقَلِّدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا مَعَ الإِْقْرَارِ بِالدَّلِيل الَّذِي زَعَمَهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُبْتَدِعُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، كَالْعَامِّيِّ الصِّرْفِ الَّذِي حَسَّنَ الظَّنَّ بِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّفْصِيل يَتَعَلَّقُ بِهِ، إِلاَّ تَحْسِينَ الظَّنِّ بِالْمُبْتَدِعِ خَاصَّةً. وَهَذَا الْقِسْمُ كَثِيرٌ فِي الْعَوَامِّ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ آثِمٌ، فَلَيْسَ الإِْثْمُ الْوَاقِعُ عَلَيْهِ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ. بَل هُوَ عَلَى مَرَاتِبَ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْ جِهَةِ كَوْنِ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ دَاعِيًا إِلَيْهَا أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الزَّيْغَ فِي قَلْبِ الدَّاعِي أَمْكَنُ مِنْهُ فِي قَلْبِ الْمُقَلِّدِ؛ وَلأَِنَّهُ أَوَّل مَنْ __________ (1) حديث: " من سن سنة سيئة. . " سبق تخريجه ف / 2. (2) الاعتصام 2 / 57، وابن عابدين 2 / 140، والزواجر 1 / 4، وقواعد الأحكام لابن عبد السلام 1 / 22ط الاستقامة. سَنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ؛ وَلأَِنَّهُ يَتَحَمَّل وِزْرَ مَنْ تَبِعَهُ، مِصْدَاقًا لِحَدِيثِ: مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِل بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. كَمَا يَخْتَلِفُ الإِْثْمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِْسْرَارِ وَالإِْعْلاَنِ؛ لأَِنَّ الْمُسِرَّ ضَرَرُهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لاَ يَتَعَدَّاهُ، بِخِلاَفِ الْمُعْلِنِ. كَمَا يَخْتَلِفُ كَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الإِْصْرَارِ عَلَيْهَا أَوْ عَدَمِهِ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا كُفْرًا أَوْ غَيْرَ كُفْرٍ. (1) رِوَايَةُ الْمُبْتَدِعِ لِلْحَدِيثِ: 28 - رَدَّ الْعُلَمَاءُ رِوَايَةَ مَنْ كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ، وَلَمْ يَحْتَجُّوا بِهِ فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ. وَلَكِنَّهُمْ شَرَطُوا لِلْكُفْرِ بِالْبِدْعَةِ، أَنْ يُنْكِرَ الْمُبْتَدِعُ أَمْرًا مُتَوَاتِرًا مِنَ الشَّرْعِ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. أَمَّا مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِبِدْعَتِهِ، فَلِلْعُلَمَاءِ فِي رِوَايَتِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الأَْوَّل: لاَ يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ رَأْيُ الإِْمَامِ مَالِكٍ؛ لأَِنَّ فِي الرِّوَايَةِ عَنِ الْمُبْتَدِعِ تَرْوِيجًا لأَِمْرِهِ وَتَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ أَصْبَحَ فَاسِقًا بِبِدْعَتِهِ. الثَّانِي: يُحْتَجُّ بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِل الْكَذِبَ فِي نُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ دَاعِيَةً أَمْ لاَ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَالثَّوْرِيِّ. __________ (1) الاعتصام 1 / 126، 129، 130، وابن عابدين 3 / 297، 5 / 446 والاعتصام 1 / 129، 130. الثَّالِثُ: قِيل يُحْتَجُّ بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيًا إِلَى بِدْعَتِهِ، وَلاَ يُحْتَجُّ بِهِ إِنْ كَانَ دَاعِيَةً إِلَيْهَا. قَال النَّوَوِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ: هَذَا الْقَوْل هُوَ الأَْعْدَل وَالأَْظْهَرُ، وَهُوَ قَوْل الْكَثِيرِ أَوِ الأَْكْثَرِ، وَيُؤَيِّدُهُ احْتِجَاجُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ غَيْرِ الدُّعَاةِ. شَهَادَةُ الْمُبْتَدِعِ: 29 - رَدَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ شَهَادَةَ الْمُبْتَدِعِ، سَوَاءٌ أَكَفَرَ بِبِدْعَتِهِ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ دَاعِيًا لَهَا أَمْ لاَ. وَهُوَ رَأْيُ شَرِيكٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ فَاسِقٌ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِلآْيَةِ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (1) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (2) وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ: تُقْبَل شَهَادَةُ الْمُبْتَدِعِ مَا لَمْ يَكْفُرْ بِبِدْعَتِهِ، كَمُنْكِرِ صِفَاتِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ لأَِفْعَال الْعِبَادِ؛ لأَِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مُصِيبُونَ فِي ذَلِكَ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ مِنَ الأَْدِلَّةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَرْجُوحِ عِنْدَهُمْ: لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَةِ (3) . __________ (1) سورة الطلاق / 2. (2) سورة الحجرات / 6. (3) تدريب الراوي شرح التقريب للنووي ص 216، 217، ط المكتبة العلمية، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 125 - 132، وقواعد التحديث 194ـ 195 ط عيسى الحلبي، والجمل شرح المنهج 5 / 385، 386، والمغني 8 / 166ط السعودية، وحاشية الدسوقي 4 / 165ط دار الفكر، والشرح الصغير 4 / 240 ط المعارف، والمجموع للنووي 4 / 254 ط المنيرية والسلفية. الصَّلاَةُ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ 30 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الصَّلاَةِ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رَأْيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ الصَّلاَةِ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَكْفُرْ بِبِدْعَتِهِ، فَإِنْ كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ فَلاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ خَلْفَهُ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (1) وَقَوْلُهُ: صَلُّوا خَلْفَ كُل بَرٍّ وَفَاجِرٍ (2) . وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يُصَلِّي مَعَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ زَمَنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ، فَقِيل لَهُ: أَتُصَلِّي مَعَ هَؤُلاَءِ وَمَعَ هَؤُلاَءِ، وَبَعْضُهُمْ يَقْتُل بَعْضًا؟ فَقَال: مَنْ قَال حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ أَجَبْتُهُ، وَمَنْ قَال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ أَجَبْتُهُ. وَمَنْ قَال: حَيَّ عَلَى قَتْل أَخِيكَ الْمُسْلِمِ وَأَخْذِ مَالِهِ قُلْتُ: لاَ. وَلأَِنَّ الْمُبْتَدِعَ الْمَذْكُورَ تَصِحُّ صَلاَتُهُ، فَصَحَّ __________ (1) حديث: " صلوا خلف من قال لا إله إلا الله " أخرجه الدارقطني (2 / 56 - ط دار المحاسن) من حديث ابن عمر، وقال ابن حجر: عثمان بن عبد الرحمن - يعني الذي في إسناده - كذبه يحيى بن معين (التلخيص 2 / 35 ـ ط شركة الطباعة الفنية) . (2) حديث: " صلوا خلف كل بر وفاجر ". أخرجه أبو داود (1 / 398 ـ ط عزت عبيد دعاس) والدارقطني " 2 / 56 ط دار المحاسن) واللفظ له، وقال ابن حجر، منقطع (التخليص 2 / 35 ط شركة الطباعة الفنية) . الاِئْتِمَامُ بِهِ كَغَيْرِهِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي يُعْلِنُ بِدْعَتَهُ وَيَدْعُو إِلَيْهَا أَعَادَ صَلاَتَهُ نَدْبًا، وَأَمَّا مَنْ صَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ يَسْتَتِرُ بِبِدْعَتِهِ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ. (1) وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، وَلاَ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا إِلاَّ أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ، أَوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أَوْ سَيْفَهُ. (2) وِلاَيَةُ الْمُبْتَدِعِ: 31 - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ - كَالإِْمَامِ الأَْعْظَمِ الْخَلِيفَةِ وَأُمَرَاءِ الْوِلاَيَاتِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ - الْعَدَالَةَ، وَأَلاَّ يَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الأَْهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، وَذَلِكَ لِتَكُونَ الْعَدَالَةُ وَازِعَةً عَنِ التَّقْصِيرِ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ؛ وَحَتَّى لاَ يُخْرِجَهُ الْهَوَى مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِل، وَقَدْ وَرَدَ: حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ. (3) وَلَكِنَّ وِلاَيَةَ الْمُتَغَلِّبِ عَلَى __________ (1) المغني لابن قدامة 2 / 185، ومغني المحتاج 1 / 242، وفتح القدير 1 / 304، وحاشية ابن عابدين 1 / 376، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1 / 329. (2) حديث: " لا تؤمن امرأة رجلا. . . " أخرجه ابن ماجه (1 / 343 ـ ط الحلبي) وفي الزوائد: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وعبد الله بن محمد العدوي. (3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2 / 75، ونخبة الفكر 1 / 159، ومغني المحتاج 4 / 130، 375، وحاشية ابن عابدين 4 / 298، والمغني لابن قدامة 9 / 39، والأحكام السلطانية للماوردي ص 9. الإِْمَامَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْوِلاَيَاتِ تَنْعَقِدُ، وَتَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا يَجُوزُ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَقَضَائِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْبِدَعِ. وَالأَْهْوَاءِ، مَا لَمْ يَكْفُرْ بِبِدْعَتِهِ؛ دَرْءًا لِلْفِتْنَةِ، وَصَوْنًا لِشَمْل الْمُسْلِمِينَ، وَاحْتِفَاظًا بِوَحْدَةِ الْكَلِمَةِ. (1) الصَّلاَةُ عَلَى الْمُبْتَدِعِ: 32 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْمُبْتَدِعِ الْمَيِّتِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَكْفُرْ بِبِدْعَتِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلُّوا عَلَى مَنْ قَال لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. (2) إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَرَوْنَ كَرَاهِيَةَ صَلاَةِ أَصْحَابِ الْفَضْل عَلَى الْمُبْتَدِعِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ رَدْعًا وَزَجْرًا لِغَيْرِهِمْ عَنْ مِثْل حَالِهِمْ؛ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَتَل نَفْسَهُ لَمْ يُصَل عَلَيْهِ. (3) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى مَنْعِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُبْتَدِعِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الصَّلاَةَ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ وَقَاتِل نَفْسِهِ (4) وَهُمَا أَقَل جُرْمًا مِنَ الْمُبْتَدِعِ. __________ (1) مغني المحتاج 4 / 132، والأحكام السلطانية للماوردي ص 33. (2) حديث: " صلوا على من قال لا إله إلا الله " سبق تخريجه ف / 30. (3) حديث: " أتي برجل قتل نفسه فلم يصل عليه " أخرجه مسلم (2 / 672 ط الحلبي) . (4) حديث " ترك الصلاة على صاحب الدين " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 467 ط السلفية) . تَوْبَةُ الْمُبْتَدِعِ: 33 - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُول تَوْبَةِ الْمُبْتَدِعِ الْمُكَفَّرِ بِبِدْعَتِهِ، فَقَال جُمْهُورُ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِقَبُول تَوْبَتِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} (1) وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (2) وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَنْ يَرَى أَنَّ تَوْبَةَ الْمُبْتَدِعِ لاَ تُقْبَل إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُظْهِرُ الإِْسْلاَمَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ، كَالْمُنَافِقِ وَالزِّنْدِيقِ وَالْبَاطِنِيِّ؛ لأَِنَّ تَوْبَتَهُ صَدَرَتْ عَنْ خَوْفٍ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ تَظْهَرُ مِنْهُ عَلاَمَةٌ تُبَيِّنُ صِدْقَ تَوْبَتِهِ، حَيْثُ كَانَ مُظْهِرًا لِلإِْسْلاَمِ مُسِرًّا لِلْكُفْرِ، فَإِذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَهَا، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِبَعْضِ الأَْحَادِيثِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَْهْوَاءُ، كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، لاَ يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلاَ مِفْصَلٌ إِلاَّ دَخَلَهُ. (3) __________ (1) سورة الأنفال / 38. (2) حديث: " أمرت أن أقاتل الناس. . . . " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 112 ـ ط السلفية) ومسلم (1 / 53 ـ ط الحلبي) . (3) حديث: " سيخرج في أمتي أقوام. . " أخرجه أحمد (4 / 102 ـ ط الميمنية) وأبو داود (5 / 5 ـ ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف (2 / 83 ـ ط دار الكتاب العربي) . وَهَذَا الْخِلاَفُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي قَبُول تَوْبَةِ الْمُبْتَدِعِ يَنْحَصِرُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الدُّنْيَا فِي حَقِّهِ، أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِقَبُول اللَّهِ تَعَالَى لِتَوْبَتِهِ وَغُفْرَانِهِ لِذَنْبِهِ إِذَا أَخْلَصَ وَصَدَقَ فِي تَوْبَتِهِ فَلاَ خِلاَفَ فِيهِ. (1) مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تُجَاهَ الْبِدْعَةِ: 34 - يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ تُجَاهَ الْبِدْعَةِ أَشْيَاءُ لِمَنْعِ الْوُقُوعِ فِيهَا - مِنْهَا: أ - تَعَهُّدُ الْقُرْآنِ وَحِفْظُهُ وَتَعْلِيمُهُ وَبَيَانُ أَحْكَامِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّل إِلَيْهِمْ} (2) وَلِقَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ (3) وَفِي رِوَايَةٍ أَفْضَلُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ (4) وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِْبِل فِي عُقُلِهَا (5) لأَِنَّ فِي __________ (1) الاعتصام 2 / 230، والأم للإمام الشافعي 6 / 165، والمغني لابن قدامة 8 / 126، ومغني المحتاج 4 / 140 والجمل شرح المنهج 5 / 126، وحاشية ابن عابدين 3 / 297. (2) سورة النحل / 44. (3) حديث: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 74 ط السلفية) . (4) حديث: " أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 74 ط السلفية) . (5) حديث: " تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده. . " أخرجه البخاري (الفتح 9 / 79 ط السلفية) . تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَبَيَانِ أَحْكَامِهِ قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُبْتَدِعِينَ بِإِظْهَارِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. ب - إِظْهَارُ السُّنَّةِ وَالتَّعْرِيفُ بِهَا: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (1) وقَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَل ضَلاَلاً مُبِينًا} . (2) وَعَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ. (3) وَعَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلاَّ رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ. (4) ج - عَدَمُ قَبُول الاِجْتِهَادِ مِمَّنْ لاَ يَتَأَهَّل لَهُ، وَرَدُّ الاِجْتِهَادِ فِي الدِّينِ مِنَ الْمَصَادِرِ غَيْرِ الْمَقْبُولَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (5) وَقَوْلِهِ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول} (6) وَقَوْلِهِ: {وَمَا يَعْلَمُ __________ (1) سورة الحشر / 7. (2) سورة الأحزاب / 36. (3) حديث: " نضر الله امرأ سمع منا حديثا. . . " أخرجه أبو داود (4 / 69 ـ ط عزت عبيد دعاس) وصححه ابن حجر كما في فيض القدير (6 / 285 - ط المكتبة التجارية) (4) حديث: " ما أحدث قوم بدعة إلا. . . . ". أخرجه أحمد (4 / 105 ـ ط الميمنية) وقال الهيثمي: فيه أبو بكر بن أبي مريم وهو منكر الحديث (مجمع الزوائد 1 / 188 ـ ط القدسي) . (5) سورة النحل / 43. (6) سورة النساء / 59. تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} . (1) د - نَبْذُ التَّعَصُّبِ لِرَأْيٍ مِنَ الآْرَاءِ أَوِ اجْتِهَادٍ مِنَ الاِجْتِهَادَاتِ، مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَيَّدًا بِالْحَقِّ مِنَ الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَضَل مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} . (2) هـ - مَنْعُ الْعَامَّةِ مِنَ الْقَوْل فِي الدِّينِ، وَعَدَمُ الاِعْتِدَادِ بِآرَائِهِمْ مَهْمَا كَانَتْ مَنَاصِبُهُمْ وَتَقْوَاهُمْ إِلاَّ بِالدَّلِيل. يَقُول أَبُو يَزِيدَ الْبَسْطَامِيُّ: لَوْ نَظَرْتُمْ إِلَى رَجُلٍ أُعْطِيَ مِنَ الْكَرَامَاتِ حَتَّى يَرْتَقِيَ فِي الْهَوَاءِ، فَلاَ تَغْتَرُّوا بِهِ حَتَّى تَنْظُرُوا كَيْفَ تَجِدُونَهُ عَنِ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ وَحِفْظِ الْحُدُودِ وَأَدَاءِ الشَّرِيعَةِ (3) . وَقَال أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ: مَنْ أَمَّرَ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلاً وَفِعْلاً نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ، وَمَنْ أَمَّرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ (4) . قَال تَعَالَى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} . (5) و صَدُّ التَّيَّارَاتِ الْفِكْرِيَّةِ الْمُضَلِّلَةِ الَّتِي تُشَكِّكُ النَّاسَ فِي الدِّينِ، وَتَحْمِل بَعْضَهُمْ عَلَى التَّأْوِيل بِغَيْرِ دَلِيلٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ __________ (1) سورة آل عمران / 7. (2) سورة القصص / 50. (3) الرسالة القشيرية 1 / 82. (4) المصدر السابق 1 / 11. (5) سورة النور / 54. يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} . (1) مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تُجَاهَ أَهْل الْبِدْعَةِ: 35 - يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُولِي الأَْمْرِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَأْمُرُوا أَهْل الْبِدَعِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحُضُّوهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالإِْقْلاَعِ عَنِ الْبِدْعَةِ وَالْبُعْدِ عَنْهَا. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (2) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (3) . 36 - مَرَاحِل الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ لِمَنْعِ الْبِدْعَةِ: أ - التَّعْرِيفُ بِبَيَانِ الصَّوَابِ مِنَ الْخَطَأِ بِالدَّلِيل. ب - الْوَعْظُ بِالْكَلاَمِ الْحَسَنِ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ادْعُ إِلَى سَبِيل رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} . (4) ج - التَّعْنِيفُ وَالتَّخْوِيفُ مِنَ الْعِقَابِ الدُّنْيَوِيِّ وَالأُْخْرَوِيِّ، بَيَانُ أَحْكَامِ ذَلِكَ فِي أَمْرِ بِدْعَتِهِ. __________ (1) سورة آل عمران / 100. (2) سورة آل عمران / 104 (3) سورة التوبة / 71. (4) سورة النحل / 125. د - الْمَنْعُ بِالْقَهْرِ، مِثْل كَسْرِ الْمَلاَهِي وَتَمْزِيقِ الأَْوْرَاقِ وَفَضِّ الْمَجَالِسِ. هـ - التَّخْوِيفُ وَالتَّهْدِيدُ بِالضَّرْبِ الَّذِي يَصِل إِلَى التَّعْزِيرِ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِلإِْمَامِ (1) أَوْ بِإِذْنِهِ؛ لِئَلاَّ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا ضَرَرٌ أَكْبَرُ مِنْهَا. وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) . مُعَامَلَةُ الْمُبْتَدِعِ وَمُخَالَطَتُهُ: 37 - إِذَا كَانَ الْمُبْتَدِعُ غَيْرَ مُجَاهِرٍ بِبِدْعَتِهِ يُنْصَحُ، وَلاَ يُجْتَنَبُ وَلاَ يُشَهَّرُ بِهِ، لِحَدِيثِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ. (2) وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُجَاهِرًا بِشَيْءٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ مِنَ الْبِدَعِ الاِعْتِقَادِيَّةِ أَوِ الْقَوْلِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّةِ - وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ يُسَنُّ هَجْرُهُ، وَقَدِ اشْتَهَرَ هَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: لاَ تُجَالِسُوا أَهْل الْقَدَرِ، وَلاَ تُفَاتِحُوهُمْ (3) وَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ __________ (1) إحياء علوم الدين 2 / 306، 315، وفتاوى ابن تيمية 28 / 219، والسياسة الشرعية ص 102. (2) حديث: " من ستر مسلما ستره الله " أخرجه مسلم (4 / 1996 ـ ط الحلبي) . (3) حديث: " لا تجالسوا أهل القدر ولا. . . " أخرجه أبو داود (5 / 84 - ط عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة. (عون المعبود 4 / 365 ـ نشر دار الكتاب العربي) . أَحَبَّ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلْيَعْتَزِل مُخَالَطَةَ الشَّيْطَانِ وَمُجَالَسَةَ أَصْحَابِ الأَْهْوَاءِ، فَإِنَّ مَجَالِسَهُمْ أَلْصَقُ مِنَ الْحَرْبِ (1) . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: لاَ تُجَالِسُوا أَهْل الْقَدَرِ وَلاَ تُنَاكِحُوهُمْ. وَعَنْ أَبِي قِلاَبَةَ " لاَ تُجَالِسُوا أَهْل الأَْهْوَاءِ، فَإِنِّي لاَ آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلاَلاَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُونَ " (2) وَقَدْ هَجَرَ أَحْمَدُ مَنْ قَالُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. (3) قَال ابْنُ تَيْمِيَةَ: يَنْبَغِي لأَِهْل الْخَيْرِ وَالدِّينِ أَنْ يَهْجُرُوا الْمُبْتَدِعَ حَيًّا وَمَيِّتًا، إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَفٌّ لِلْمُجْرِمِينَ، فَيَتْرُكُوا تَشْيِيعَ جِنَازَتِهِ. (4) إِهَانَةُ الْمُبْتَدِعِ: 38 - صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِجَوَازِ إِهَانَةِ الْمُبْتَدِعِ بِعَدَمِ الصَّلاَةِ خَلْفَهُ، أَوْ الصَّلاَةِ عَلَى جِنَازَتِهِ، وَكَذَلِكَ لاَ يُعَادُ إِذَا مَرِضَ، عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ. |
|
البدعة هي كل ما أحدث في الدين وليس منه(1).
والمقصود بالبدع عندما ترد في كلام أئمة الجرح والتعديل البدع الاعتقادية التي فارق أصحابها بسببها منهج جماعة المسلمين. البدعة هي كل ما أحدث في الدين وليس منه ، وللعلامة المعلمي رحمه الله تعالى كلام في رواية المبتدع مفصل محقق نفيس أورده في (التنكيل) (ص228-239) ، وإليك أهم فقرات كلامه بنصها وأضفت إليها الكلمات التي بين حاصرتين لأجل زيادة الإيضاح: قال: لا شك أن المبتدع إن خرج ببدعته عن الإسلام لم تقبل روايته لأن من شرط قبول الرواية الإسلام. و[لا شك] أنه إن ظهر عناده أو إسرافه في اتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق ونحو ذلك مما هو أدل على وهن التدين من كثير من الكبائر كشرب الخمر وأخذ الربا: فليس بعدل، فلا تقبل روايته لأن من شرط قبول الرواية العدالة. و[لا شك] أنه إن استحل الكذب [فإن من المبتدعة من يستحل الكذب]، فإما أن يكفر بذلك، وإما أن يفسق، فإن عذرناه [فلم نكفره ولم نفسقه وقلنا هو متأول] فمن شرط قبول الرواية الصدق فلا تقبل روايته [لأنه لا يُدرَى أكذب فيها أم صدق]. و[لا شك] أن من تردد أهل العلم فيه فلم يتجه لهم أن يكفروه أو يفسقوه، ولا أن يعدلوه، فلا تقبل روايته لأنه لم تثبت عدالته [لأن من شرط قبول الرواية ثبوت العدالة كما تقدم](2). __________ (1) وعرفها ابن حجر في (النزهة) بقوله: (هي اعتقادُ ما أُحدث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بمعاندة بل بنوع شبهة). (2) لا شك أنه لا يريد بهذه العبارة إجماع أهل العلم على التردد، وعلى الحكم المذكور، ولكنه يفترض الاجماعَ على ذلك، أو يريد التردد الذي هو أقوى أقوال العلماء في ذلك المبتدع، وكذلك يريد تردد المجتهد في المبتدع، ومثله تردد من رأى أن أقوى أقوال العلماء التردد فاختاره من بين أقوالهم وتبعهم عليه، وهو نوع من الاجتهاد؛ وأما المقلد فلا دخل له فيما نحن بصدد الكلام عليه. |
موسوعة الفقه الإسلامي
|
5 - البدعة
- البدعة: هي كل ما أُحدث في الدين من غير دليل. فكل ما فعله الإنسان على سبيل القربة إلى الله مما لم يكن له أصل في الشرع فهو بدعة كالاحتفال بالمولد النبوي، والإسراء والمعراج ونحو ذلك. والبدع بريد الشرك، وأول ما دخل الشرك على الناس هو بسبب الغلو في الأنبياء والصالحين. - خطر البدع: البدعة هي الزيادة في الدين بعد كماله. ومن طبيعة البدعة بأنواعها التمدد والتفجر والانتشار. تنتقل من شخص إلى شخص، ومن جماعة إلى جماعة، ومن بلد إلى بلد، على سبيل العدوى والتقليد. وأكثر من يشيدها وينشرها علماء السوء القاصرة أفهامهم، والناقصة عقولهم وعلومهم وورعهم، مما يجعل العامة يغترون بهم، ويقتدون بفعلهم ولو كان باطلاً مردوداً. وباستمرار فعل هؤلاء العلماء للبدع يستقر في نفوس العامة فضلها أو فرضها، حتى تصبح ديناً يواظبون عليه، ويتقربون إلى الله به. تبدأ على سبيل الاستحسان، ثم تقود إلى ما هو شرمنها من الشرك. وأول من ابتدع بدعة المولد النبوي هم الفاطميون في مصر لما رأوا النصارى يعظمون مولد المسيح، ويجعلون لهم عيداً يعطلون به المتاجر |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
8 - البدعة
اصطلاحَا: اختلف العلماء فى تحديد معنى البدعة، فمنهم من جعلها عامة تشمل كل ما حدث بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - سواء كان محمودًا أو مذمومًا، ومنهم من جعلها مقابلة للسنة. والبدعة هى عمل على غير مثال سابق، وسميت بدعة لأن قائلها ابتدعها على غير مثال. والبدع إما أن تكون حسنة كما فى حديث عمر - رضي الله عنه - فى قيام رمضان: نعمت البدعة هذه. أو بدعة سيئة، والتى قيل عنها: إنها أصغر من الكفر وأكبر من الفسق. وكل بدعة تخالف دليلاً يوجب العلم والعمل به فهى كفر، وكل بدعة تخالف دليلاً يوجب العمل ظاهرًا فهى ضلالة وليست بكفر. وهذا التقسيم للبدعة أخذ به الإمام الشافعى عندما رأى أن البدعة بدعتان، محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم. ويشير الشاطبى فى حديثه عن البدعة إلى أنها طريقة مخترعة فى الدين تضاهى الشريعة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة فى التعبّد لله سبحانه. وقد قسم العلماء البدعة إلى أقسام كثيرة، وباعتبارات مختلفة، فمنهم من قسمها إلى حقيقية وإضافية، ومنهم من قسمها إلى واجبة ومحرمة، ومندوبة ومكروهة ومباحة، ومنهم من قسمها إلى عملية واعتقاديه وقولية، ومنهم من قسمها إلى تركية وفعلية، ومنهم من قسمها إلى عادية وعادية، كما أنها تقسم بحسب الزمان والمكان، مثل البدع الرمضانية، وبدع المسجد الحرام، وغير ذلك. ولا ينبغى أن يسمى الشيء بدعة إلا إذا كان شيئا عمليا أحدث جديداً لم يكن أيام النبى- - صلى الله عليه وسلم - - وصحابته، أما ترك شيء مما كان عليه النبى وخلفاؤه فلا يسمى بدعة، بل يسمى مخالفة. والبدعة الدينية تكون فى الأصول المتفق عليها، أما الفروع التى هى محل الاجتهاد وفيها خلافات العلماء فلا ينبغى أن توصف بالبدعة. أ. د/ منى أحمد أبو زيد __________ مراجع الاستزادة: 1 - الكليات لأبى البقاء: تحقيق د. عدنان درويش، ومحمد المصرى، مؤسسة الرسالة- بيروت 2 - التعريفات- الجرجانى. تحقيق إبراهيم الإبيارى، نشر دار الكتاب العربى بيروت ط 1 - 1985 م 3 - معجم ألفاظ الحديث النبوى الشريف- د محمد حسن أبو الفتوح- مكتبة لبنان 1991 م 4 - التصوف الإسلامى الصحيح- عبد العزيز أحمد منصور- القاهرة 1996م |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
أمر المعز البويهي ببدعة عاشوراء وببدعة الغدير.
352 محرم - 963 م في هذه السنة عاشر المحرم أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ويلبسوا قباباً عملوها بالمسوح، وأن يخرج النساء منشرات الشعور، مسودات الوجوه، قد شققن ثيابهن، يدرن في البلد بالنوائح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي، رضي الله عنهما، ففعل الناس ذلك، ولم يكن للسنة قدرة على المنع منه لكثرة الشيعة، ولأن السلطان معهم، وفي ثامن عشر ذي الحجة، أمر معز الدولة بإظهار الزينة في البلد، وأشعلت النيران بمجلس الشرطة، وأظهر الفرح، وفتحت الأسواق بالليل، كما يفعل ليالي الأعياد، فعل ذلك فرحاً بعيد الغدير، يعني غدير خم، وضربت الدبادب والبوقات. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
276 - 4: عَبْدُ اللَّهِ بن إسحاق، أبو محمد الْبَصْرِيُّ الجوهري الملقب ببِدْعة؛ [الوفاة: 251 - 260 ه]
مستملي أبي عاصم النبيل. رَوَى عَنْ: أَبِي عاصم، والحسين بن حفص الأصبهاني. وَعَنْهُ: أبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وعُمَر بْن بُجَيْر، وأَبُو بَكْر بْن أَبِي دَاوُد، وآخرون. تُوُفِّيَ سَنَة سبْعٍ وخمسين. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
79 - بِدْعَةُ المغنّية، [المتوفى: 302 هـ]
جارية عريب. كانت بديعة الحُسن، فائقة الغنى. توفيت في آخر سنة اثنتين؛ وقد كان إسحاق بن أيوب بذل فيها مائة ألف دينار فيما قيل، فلم تفعل عريب وأعتقتها. وكان لبدعة أموال وضياع وجوار. ولها نظم حسن. غنت للمعتضد وأخذت جوائزه. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
إعلام الأريب، بحدوث بدعة المحاريب
رسالة. للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة. ألفها: لبيان أن محراب المساجد بدعة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
بدعة الخاطر، ومتعة الناظر
في الكنايات. لأبي زيد: عبد الحق بن علي. وهو كتاب كبير. في ثلاث مجلدات. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
بيان الإجماع، على منح الاجتماع، في بدعة الغناء والسماع
لبرهان الدين: إبراهيم بن عمر البقاعي. المتوفى: سنة خمس وثمانين وثمانمائة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
تحذير العباد، من أهل العناد، ببدعة الاتحاد
رسالة. للشيخ، برهان الدين: إبراهيم بن عمر البقاعي، الشافعي. المتوفى: سنة خمس وثمانمائة. أولها: (الحمد لله الهاد، لأركان الجبابرة الشداد ... الخ) . فيه: (الفصوص) ، و (التائية) ، وأمثالها، من آثار أهل وحدة الوجود. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
الخلاصة، في حديث كل بدعة ضلالة
للشيخ: عبد الله الأنصاري. أوله: (الحمد لله، على أفضاله ونسأله ... الخ) . |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
قامع البدعة، في نصرة السنة
لمحيي الدين: محمد بن الأمير الحسيني، المعروف: بالسيد العاشق. أوله: (الحمد لله الذي عرف أوليائه غوائل البدع ... الخ) . للصغناقي، صاحب (النهاية) . |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
اللمعة، في الرد على أهل الزيغ والبدعة
في رسائل أصول الاعتقاد، وما يخالف فيه أهل السنة أهل الاعتزال والإلحاد. لأبي معمر: سالم بن عبد الله الهروي. المتوفى: سنة 433، ثلاث وثلاثين وأربعمائة. |
|
لغة: من بدع الشيء يبدعه بدعا، وابتدعه: إذا أنشأه وبدأه. والبدع: الشيء الذي يكون أولا، ومنه قوله تعالى:
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ. [سورة الأحقاف، الآية 9] : أي لست بأول رسول بعث إلى الناس، بل قد جاءت الرسل من قبل، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكرونى. والبدعة: الحدث، وما ابتدع في الدين بعد الإكمال. وفي «لسان العرب» : المبتدع الذي يأتي أمرا على شبه لم يكن، بل ابتدأه هو، وأبدع، وابتدع، وتبدع: أتى ببدعة، ومنه قوله تعالى: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ الله. [سورة الحديد، الآية 27]. وبدّعه: نسبه إلى البدعة، والبديع المحدث: العجيب، وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال، والبديع: من أسماء الله تعالى، ومعناه: المبدع، لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها. اصطلاحا: الفعلة المخالفة للسّنة. وعرّفها الإمام الشاطبي فقال: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه وتعالى. قال: وهذا على رأى من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأى من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: - البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية. فائدة: قال في «الدستور» : البدعة خمسة أقسام: الأول: واجبة. الثاني: محرمة. الثالث: مندوبة. الرابع: مكروهة. الخامس: مباحة. وذلك أنها إن وافقت قواعد الإيجاب ف (واجبة)، أو قواعد التحريم ف (محرمة)، أو المكروه (مكروهة)، أو المندوب (مندوبة)، أو المباح (مباحة).و (المندوبة) كأحداث المدارس والكلام في دقائق التصوف، و (المباحة) كالتوسيع في اللذيذ من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن. وهؤلاء المتمردون لا يميزون بين هذه الأقسام ويجعلون جميع ذلك من المحرمات، وهل هذا إلّا تعصب وضلالة عصمنا الله تعالى عنه في أمور الدين ورزقنا اتباع الحق واليقين بحرمة سيد المرسلين صلّى الله عليه وسلّم. انتهى. وسمعت من كبار العلماء أن المراد بالبدعة: الكفر، في قولهم: سب الشيخين كفر، وسب الختنين بدعة، وإنما هو تفنن في العبارة. «المغرب ص 37، والاعتصام للإمام الشاطبي 1/ 37، والتعريفات ص 37، وغرر المقالة ص 88، والتوقيف ص 118، 119، والمطلع ص 334، والحدود الأنيقة ص 77، ودستور العلماء 1/ 232». البدعة الحقيقية: هي التي لم يدل عليها دليل شرعي، لا من كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم، لا في الجملة ولا في التفصيل، ولهذا سمّيت بدعة حقيقية، لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق. البدعة الإضافية: وهي التي لها شائبتان: إحداهما: لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة. الثانية: ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية. «الاعتصام 1/ 286، 287، والموسوعة الفقهية 8/ 32». |
|
كل ما أُحدث في الدين ، ولا دليل له من الشرع من الاعتقادات والعبادات .
Religious innovation: Everything newly introduced in the religion, beliefs and acts of worship, without any proof from Shariah. |