معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
تِسْع اكتشافاتالجذر: ت س ع
مثال: أُعْلِنَ عن تسع اكتشافات أثرية جديدةالرأي: مرفوضة عند الأكثرينالسبب: لخروجها على قاعدة الأعداد في التذكير والتأنيث. الصواب والرتبة: -أُعْلِن عن تسعة اكتشافات أثريَّة جديدة [فصيحة]-أُعْلِن عن تسع اكتشافات أثريَّة جديدة [صحيحة] التعليق: الفصيح في المثال تأنيث العدد «تسعة»؛ لأن المعدود «اكتشافات» وإن كان مجموعًا جمع مؤنث فإن مفرده مذكر، ويمكن تصحيح المثال المرفوض استنادًا إلى ما أجازه بعض النحاة من صحة مراعاة الجمع بغض النظر عن جنس المفرد بالنسبة للمعدود المجموع جمع مؤنث سالمًا. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
تِسْع حِجَجالجذر: ح ج ج
مثال: تِسْع حِجَجالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال جمع الكثرة تمييزًا لأدنى العدد. الصواب والرتبة: -تسع حِجَج [فصيحة] التعليق: أوجب كثير من النحويين أن يكون مميز الثلاثة إلى العشرة جمعًا مُكسَّرًا من أبنية القلَّة، ولايكون من أبنية الكثرة إلاَّ فيما أُهمل بناء القلة فيه، كـ «رِجال»، ولكنَّ مجمع اللغة المصري لم يشترط ذلك، حيث أقر التعاقب (التبادل) بين جمعي القلة والكثرة، معتمدًا في ذلك على عدة نصوص واردة عن بعض كبار اللغويين القدماء كسيبويه والزمخشري وابن يعيش وابن مالك وصاحب المصباح، ومنها قول سيبويه: «اعلم أن لأدنى العدد أبنية هي مختصة به وهي له في الأصل وربما شرَكه فيها الأكثر، كما أنَّ الأدنى ربما شارك الأكثر»، وقول الزمخشري: «قد يستعار جمع الكثرة لموضع جمع القلة» .. إلى غير ذلك من النصوص. والملاحظ أنَّ النحاة لم يتفقوا على مفهوم جمع الكثرة، فقد رأى بعضهم أنه يدلّ على ما فوق العشرة، ورأى بعضٌ آخر أنه يكون من الثلاثة إلى ما لانهاية، ومن ثم يكون الخلاف بينه وبين جمع القلة من جهة النهاية فقط؛ ولذا يتضح فصاحة الاستعمال المرفوض، وهو ما أقره الاستعمال القرآني في: {{ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}} البقرة/228، مع وجود الجمعين «أقراء»، و «أقرؤ» في اللغة. |
معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر
|
تِسْع مِئةالجذر: ت س ع
مثال: اسْتَعَان بتسع مئة جندي لإخماد الثورةالرأي: مرفوضةالسبب: لفصل العدد عن المئة. الصواب والرتبة: -استعان بتسع مئة جندي لإخماد الثورة [صحيحة]-استعان بتسعمائة جندي لإخماد الثورة [صحيحة] التعليق: أقر مجمع اللغة المصري جواز فصل الأعداد من ثلاث إلى تسع عن «مئة». |
مقاييس اللغة لابن فارس
|
(تِسْعٌ)التَّاءُ وَالسِّينُ وَالْعَيْنُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التِّسْعَةُ فِي الْعَدَدِ. تَقُولُ تَسَعْتُ الْقَوْمَ، أَيْ صِرْتُ تَاسِعَهُمْ. وَأَتْسَعْتُ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ ثَمَانِيَةً فَأَتْمَمْتُهُ تِسْعَةً. وَالتِّسْعُ ثَلَاثُ لَيَالٍ مِنَ الشَّهْرِ آخَرُ لَيْلَةٍ مِنْهَا اللَّيْلَةُ التَّاسِعَةُ. وَتَسَعْتُ الْقَوْمَ أَتْسَعُهُمْ إِذَا أَخَذْتَ تُسْعَ أَمْوَالِهِمْ.
مُهْمَلٌ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة تِسْع عَشِرة
قَالَ خليفة: فيها فُتِحت قيسارية، وأمير العسكر معاوية بْن أبي سُفْيَان وسعد بْن عامر بْن حذيم، كلٌّ أميرٌ على جُنده، فهزم الله المشركين وقُتِل منهم مقتلة عظيمة، ورَّخَها ابن الكلبي. وأما ابن إسحاق فَقَالَ: سنة عشرين. وفيها كانت وقعة صُهاب - بأرض فارس - في ذي الحجة، وعلى المسلمين الحكم بن أبي العاص، فقتل سهرك مُقَدَّم المشركين. قَالَ خليفة: وفيها أسرت الروم عبد الله بْن حُذافة السَّهْميّ. وقيل: فيها فُتِحَت تكريت. ويقال: فيها كانت جلولاء، وهي وقعة أخرى كانت بالعجم أو بفارس. وفيها وجه عُمَر عثمان بْن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة، فكان عندها شيء من قتال، أصيب فيه صفوان بن المعطل بن رحضة السُّلمي الذَّكوانّي، صاحب النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي له ذكر في حديث الإفك، وَقَالَ فيه النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما علمت إلا خيرًا ". وَقَالَ هو: مَا كَشفْتُ كَنَفَ أنثَى قطّ. له حديثان. رَوَى عَنْهُ: سعيد بْن المسيب، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وسعيد المقبري، وروايتهم عنه مرسلة إن كان تُوُفيّ في هذه الغزوة، وإن كان تُوُفيّ كما قَالَ الواقِديّ سنة ستين بسُمَيْساط فقد سمعوا منه. وَقَالَ خليفة: مات بالجزيرة. وكان على ساقة النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان شاعرًا. وَقَالَ ابن إسحاق: قتل في غزوة أرمينية هذه، وكان أحد الأمراء يومئذ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة تسْعٍ وَعِشرْين
فيها عزل عثمان أبا موسى عَنِ البصْرة بعبد الله بْن عامر بْن كُرَيز، وأضاف إليه فارس. وفيها افتتح عبد الله بْن عامر إصْطَخْر عَنْوةً فقتل وسبى، وكان على مقدمته عُبَيْد الله بْن مَعْمَر بْن عثمان التَّيْميّ أحد الأجواد؛ وكلٌّ منهما رأى النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان على إصْطَخْر قتالٌ عظيم قُتِلَ فيه عُبَيْد الله بْن مَعْمَر، وكان من كبار الأمراء، افتتح سابور عَنْوةً وقلعة شيراز، وقُتِلَ وهو شاب، فأقسم ابن عامر لئن ظفر بالبلد ليقتلنّ حتّى يسيل الدَّمُ من باب المدينة، وكان بها يَزْدَجِرْد بْن شَهْرَيَار بْن كِسْرى فخرج منها في مائة ألفِ وسار فنزل مَرْوَ، وخلف على إصْطَخْر أميرًا من أمرائه في جيشٍ يحفظونها. فنقَّب المسلمون المدينة فما دَرَوْا إلَّا والمسلمون معهم في المدينة، فأسرف ابن عامر في قتْلهم وجعل الدَّم لَا يجري من الباب، فقيل له: أفْنَيْتَ الخَلْق، فأمر بالماء فصبَّ على الدَّم حتّى خرج الدم من الباب، ورجع إلى حُلْوان فافتتحها ثانيًا فأكثر فيهم القتْلَ لكونهم نقضوا الصُّلح. وفيها انتقضت أَذْرَبَيْجَان فغزاهم سعيد بْن العاص فافتتحها. وفيها غزا ابن عامر وعلى مقدّمته عبد الله بْن بُدَيْل الخُزاعيّ، فأتى أصبهان، ويقال افتتح أصبهان سارية بْن زُنَيْم عَنْوةً وصُلْحًا. وَقَالَ أَبُو عبيدة: لما قدِمَ ابن عامر البصرة قدِم عُبَيْد الله بْن مَعْمَر إلى فارس، فأتى أرَّجان فأغلقوا في وجهه، وكان عَنْ يمين البلد وشماله الجبال والأسياف. وكانت الجبال لَا تسلكها الخيل ولا تحمل الأسياف - يعني السواحل - الجيش، فصالحهم أن يفتحوا له باب المدينة فيمرّ فيها مارًّا ففعلوا، ومضى حتّى انتهى إلى النّوبَنْدِجَان فافتتحها، ثُمَّ نقضوا الصُّلح، ثُمَّ -[181]- سار فافتتح قلعة شِيراز، ثُمَّ سار إلى جور فصالحهم وخلّف فيهم رجلًا من تميم، ثُمَّ انصرف إلى إصْطَخْر فحاصرها مدّة، فبينما هم في الحصار إذ قتل أهل جور عاملهم، فساق ابن عامر إلى جور فناهضهم فافتتحها عَنْوةً فقتل منها أربعين ألفًا يُعَدُّون بالقَصَب، ثمّ خلّف عليهم مروان بْن الحَكَم أو غيره، وردّ إلى إصْطَخْر وقد قتلوا عُبَيْد الله بْن مَعْمَر فافتتحها عَنْوةً. ثمّ مضى إلى فَسَا فافتتحها. وافتتح رساتيق من كَرْمان. ثمّ إنّه توجه نحو خُراسان على المفازة فأصابهم الرَّمق فأهلك خلقًا. وَقَالَ ابن جرير: كتب ابن عامر إلى عثمان بفتح فارس، فكتب عثمان يأمره أن يولي هرم بن حيان اليَشْكُريّ، وهرِمَ بْن حيَّان العَبْدِيّ، وَالْخِرِّيتَ بْن راشد على كُوَر فارس. وفرّق خُراسان بين ستة نفر: الأحنف بن قيس على المَرْوَيْن، وحبيب بْن قُرَّةَ اليَرْبُوعيّ على بَلْخ، وخالد بْن زُهَير على هَرَاة، وأمير بن أحمر اليَشْكريّ على طُوس، وقيس بْن هُبَيْرة السلمي على نَيْسابور. وفيها زاد عثمان فِي مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوسَّعه وبناه بالحجارة المنقوشة وجعل عُمُده من حجارة وسقفه بالسّاج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه كما كانت زمن عُمَر ستّة أبواب. وحجّ عثمان بالنّاس وضُرِبَ له بِمنَى فُسْطاط، وأتمّ الصّلاة بها وبعرَفة، فعابوا عليه ذلك، فجاءه عليّ، فَقَالَ: والله مَا حدث أمرٌ ولا قَدُم عهدٌ، ولقد عهدت نبيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلّي ركعَتَيْن، ثُمَّ أبا بكر، ثمّ عُمَر، ثُمَّ أنت صدرًا من ولايتك، فَقَالَ: رأي رأيته. وكلّمه عبد الرحمن بْن عوف، فَقَالَ: إنّي أُخْبِرْتُ عَنْ جُفاة النّاس قد قالوا: إنّ الصلاة للمُقيم رَكْعتان، وقالوا: هذا عثمان يصلّي رَكْعَتين، فصليت أربعًا لهذا، وإنّي قد اتّخذت بمكّة زَوْجَة، فَقَالَ عبد الرحمن: ليس هذا بعُذْر. قَالَ: هذا رأيٌ رأيته. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة تِسْعٍ وَثلَاثيْن.
فيها كَانَتْ وقعة الخوارج بحروراء بالنخيلة، قاتلهم علي - رضي الله عنه - فكسرهم، وقُتِل رؤوسهم وسجد شكرًا لله تعالى لمّا أُتي بالمخدَّج إليه مقتولًا، وكان رؤوس الخوارج زَيْدُ بْن حصن الطائي، وشُرَيْح بْن أوْفَى العبسيّ، وكانا على المُجَنَّبَتَيْن، وكان رأسهم عبد الله بن وهب السبئي، وكان على رَجَّالتهم حُرْقُوص بْن زهير. وفيها بعث مُعَاوِيَة يزيد بْن شجرة الرَّهاوِيّ ليقيم الحجّ، فنازَعَهُ قُثَمُ بْن الْعَبَّاس ومَانَعه، وكان من جهة عليّ، فتوسّط بينهما أَبُو سَعِيد الخدري وغيره، فاصطلحا، على أن يقيم الموسم شَيْبَة بْن عُثْمَان العَبْدَرِيّ حاجب الكَعبة. وقيل تُوُفيّ فيها أمُّ المؤمنين، ميمونة، وحسان بْن ثابت الْأَنْصَارِيّ، وسيأتيان. وكان عليّ قد تجهّز يريد مُعَاوِيَة، فردّ من عانات، واشتغل بحرب الخوارج الحَرُوريّة، وهمّ العُبّاد والقُرّاء من أصحاب عليّ الذين مَرَقُوا من الْإِسْلَام، وأوقعهم الغُلُوّ فِي الدين إِلَى تكفير العُصاة بالذُّنوب، وإلى قُتِلَ النساء والرجال، إلّا من اعترف لهم بالكفر وجدد إسلامه. ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي الموالي، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل، سمع مُحَمَّد ابن الحنَفية يقول: كان أبي يريد الشام، فجعل يعقد لواءه، ثُمَّ يحلف لَا يحلّه حَتَّى يسير، فيأبَى عليه النّاس، وينتشر عليه رأيهُم، ويَجْبُنون فيحله ويكفّر عن يمينه، فعل ذلك أربع مرّات، وكنت أرى حالهم فأرى ما لا يسرني. فكلمت المسور بن مخرمة يومئذ، وَقُلْتُ: ألا تكلمه أَيْنَ يسير بقوم لَا والله مَا أرى عندهم طائلًا. قَالَ: يا أَبَا القاسم يسير الأمر قد حُمّ، قد كلَّمْتُهُ فرأيته يأبى إلّا المسير. قَالَ ابن الحَنَفّية: فلمّا رَأَى منهم مَا رَأَى قَالَ: اللهم إني قد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، فأبدلني خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وأربعين
فيها تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَأَبُو بَكْرَةَ الثَّقَفِيُّ فِي قَوْلٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بن قيس العتقي، لَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا قَتَلَ زِيَادٌ بِالْبَصْرَةِ الْخَطِيمَ الْبَاهِلِيَّ الْخَارِجِيَّ. وَفِي وِلَايَةِ الْمُغِيرَةِ عَلَى الْكُوفَةِ خَرَجَ شَبِيبُ بْنُ بَجْرَةَ الْأَشْجَعِيُّ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ: كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ الْحَارِثِيَّ فَقَتَلَهُ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَكَانَ شَبِيبٌ مِمَّنْ شَهِدَ النَّهْرَوَانِ. وَفِيهَا شَتَّى مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَقِيلَ: بَلْ شتاها فضالة بن عبيد الْأَنْصَارِيُّ. وَأَقَامَ الْحَجَّ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَة تسع وخمسين
فِيهَا تُوُفِّيَ: سَعِيد بن العاص الأموي، عَلَى الصحيح، وجُبير بن مُطعم، في قول، وأوس بن عوف الطائفي، لَهُ صُحْبة. وشيبة بن عُثْمَان الحُجُبي في قول، وأبومحذورة المؤذن، وعبد اللَّه بن عامر بن كريز عَلَى الصحيح. وأَبُو هريرة في قول سَعِيد بن عُفَير. وَيُقَالُ: توفيت فِيهَا أم سلمة، وتأتي سَنَة إحدى وستين. وفيها وُلد عوف الأعرابي. وَفِيهَا غزا أَبُو المهاجر دينار فنزل عَلَى قُرْطاجَنة، فالتقوا، فكثُر القتل في الفريقين، وحجز الليل بينهم، وانحاز المسلمون من ليلتهم، فنزلَوْا جبلًا في قبلة تونس، ثُمَّ عاودوهم القتال، فصالحوهم على أن يخلو لهم الجزيرة، وافتتح أَبُو المهاجر ميلة، وكانت إقامته في هَذِهِ الغزاة نحوا من سنتين. وفيها شتى عمرو بن مرة بأرض الروم في البر. -[468]- وأقام الحج للناس الْوَليد بن عُتْبة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ صَاحِبِ النَّحْوِ. وَكَانَ فِي أَوَّلِهَا طَاعُونُ الْجَارِفِ بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: حَدَّثَنِي مَنْ أَدْرَكَ الْجَارِفَ قَالَ: كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَمَاتَ فِيهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا. قَالَ خَلِيفَةُ: قَالَ أَبُو الْيَقْظَانِ: مَاتَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي طَاعُونِ الْجَارِفِ ثَمَانُونَ وَلَدًا، وَيُقَالُ: سَبْعُونَ. وَقِيلَ: مَاتَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ أَرْبَعُونَ وَلَدًا، وَقَلَّ النَّاسُ جِدًّا بِالْبَصْرَةِ، وَعَجَزُوا عَنِ الْمَوْتَى، حَتَّى كَانَتِ الْوُحُوشُ تَدْخُلُ الْبُيُوتَ فَتُصِيبَ مِنْهُمْ. وَمَاتَتْ أُمُّ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ، فَلَمْ يَجِدُوا مَنْ يَحْمِلُهَا إِلَّا أَرْبَعَةٌ. وَمَاتَ لِصَدَقَةَ بْنِ عَامِرٍ المازني فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعَةُ بَنِينَ، فَقَالَ: اللهم إني مسلم مُسْلِمٌ، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ خَطَبَ الْخَطِيبُ ابن عَامِرٍ، وَلَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ -[617]- إِلَّا سَبْعَةُ أَنْفُسٍ وَامْرَأَةٌ، فَقَالَ: مَا فَعَلَتِ الْوُجُوهُ؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: تَحْتَ التُّرَابِ. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ عِشْرُونَ أَلْفِ عَرُوسٍ، وأصبح الناس في رابع يوم ولم يَبْقَ حَيًّا إِلَّا الْقَلِيلُ، فَسُبْحَانَ مَنْ بِيَدِهِ الْأَمْرُ. وَمِمَّنْ قِيلَ إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِيهَا يَعْقُوبُ بن بحير بْنُ أُسَيْدٍ، وَقَيْسُ بْنُ السَّكَنِ، وَمَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ السَّكْسَكِيُّ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَحَسَّانُ بْنُ فَائِدٍ الْعَبْسِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ عَامِرٍ الوادعي، وَحُرَيْثُ بن قبيصة. قال الواقدي: حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ فليح قال: ركبني دين، فجلست يوما إلى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَخَذْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فوتدت في ظهره أربعة أوتاد، فقال: مَا رَأَيْتُ ذَا، فَأَخْبِرْنِي مَنْ رَآهَا؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكِ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِهَا، قَالَ: يَقْتُلُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ يَكُونُ خَلِيفَةُ، فَرَكِبْتُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ لِي بِخَمْسِمِائَةِ دِيَنارٍ وَثِيَابٍ. وَفِيهَا أَعَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَخَاهُ مُصْعَبًا إِلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ، لِضَعْفِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْأُمُورِ وَتَخْلِيطِهِ، فَقَدِمَهَا مُصْعَبٌ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ يُرِيدُ الشَّامَ فِي جَيْشٍ كَبِيرٍ، وَسَارَ إِلَى حَرْبِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَسَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى آخِرِ وِلَايَتِهِ، وَهَجَمَ عَلَيْهِمَا الشِّتَاءُ فَرَجَعَا. قال خليفة: كانا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ حَتَّى قُتِلَ مصعب، واستناب مصعب على عمله إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ. وَفِيهَا عَقَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ أَمِيرُ مِصْرَ لِحَسَّانٍ الْغَسَّانِيِّ عَلَى غَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَافْتَتَحَ قُرْطَاجَنَّةَ، وَأَهْلُهَا إِذْ ذَاكَ رُومٌ عُبَّادُ صليب. -[618]- وَفِيهَا قُتِلَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ؛ مَالَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ: اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَتَلُوهُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ بسِجِسْتَانَ، وَقَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ بِطَبَرِسْتَانَ، بِخُلْفٍ فِيهِ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ مُحَمَّدَ بن صعصة الْكِلابِيِّ وَضَمَّ إِلَيْهِ عُمَانَ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الرَّيَّانُ النُّكْرِيُّ، فَهَرَبَ مُحَمَّدٌ وَرَكِبَ الْبَحْرَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى الْحَجَّاجِ. وَفِيهَا وَلَّى الْحَجَّاجُ هَارُونَ بْنَ ذِرَاعٍ النَّمَرِيَّ ثَغْرَ الْهِنْدِ وَأَمَرَهُ بِطَلَبِ الْعِلافِيِّينَ، وَهُمَا مُحَمَّدٌ وَمُعَاوِيَةُ ابْنَا الْحَارِثِ مِنْ بَنِي سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، كَانَا قَدْ قَتَلَا عَامِلَ الْحَجَّاجِ هُنَاكَ، فَظَفِرَ هَارُونُ بِأَحَدِهِمَا فَقَتَلَهُ، وَهَرَبَ الآخَرُ. وَفِيهَا غَزَا الْوَلِيدُ ابْنُ أميرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ، فَغَنِمَ وَسَبَى. وَقَالَ عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ: أَوَّلُ قَبِيلٍ غَزَاهُمْ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ مِنَ الْبَرْبَرِ الَّذِينَ قَتَلُوا عُقْبَةَ بْنَ نافع، فسار إليهم بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ وَسَبَى، وَهَرَبَ مَلِكُهُمْ كُسَيْلَةُ، يُقَالُ: بَلَغَ سَبْيُهُمْ عِشْرِينَ أَلْفًا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وفيها أصحاب أَهْلَ الشَّامِ الطَّاعُونُ حَتَّى كَادُوا يَفْنَوْنَ مِنْ شِدَّتِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهَا كَانَ مَصْرَعُ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ وَاسْمُ الْفُجَاءَةِ جَعُونَةُ -[776]- ابْنُ مَازِنِ بْنِ يَزِيدَ التَّمِيمِيُّ الْمَازِنِيُّ أَبُو نَعَامَةَ، خَرَجَ فِي زَمَنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَبَقِيَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً يُقَاتِلُ وَيُسَلَّمُ عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ وَبِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَغَلَّبَ عَلَى بِلادِ فارس، وَوَقَائِعَةٌ مَشْهُورَةٌ، قَدْ ذَكَرَ مِنْهَا الْمُبَرِّدُ قِطْعَةً فِي كَامِلِهِ، وَقَدْ سَيَّرَ الْحَجَّاجُ لِقِتَالِهِ جَيْشًا بَعْدَ جَيْشٍ وَهُوَ يَهْزِمُهُمْ. وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ خَرَجَ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ عَلَى فَرَسٍ أَعْجَفَ، وَبِيَدِهِ عَمُودٌ خَشَبٌ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَكَشَفَ قَطَرِيٌّ وَجْهَهُ، فَوَلَّى الرَّجُلُ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: لا يَسْتَحْيِ الإِنْسَانُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ مِثْلِكَ. تَوَجَّهَ لِقِتَالِهِ سُفْيَانُ بْنُ الأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ وَظَفِرَ بِهِ وَقَتَلَهُ، وَقِيلَ: بَلْ عَثَرَتْ بِهِ فَرَسُهُ فَانْدَقَّتْ فَخْذُهُ، فَلِذَلِكَ ظَفِرُوا بِهِ بِطَبَرِسْتَانَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَقِيلَ: إِنَّ الذي قتله سورة بن أبجر الدَّارِمِيُّ. وَكَانَ قَطَرِيٌّ مَعَ شَجَاعَتِهِ الْمُفْرِطَةِ وَإِقْدَامِهِ مِنْ خُطَبَاءِ الْعَرَبِ الْمَشْهُورِينَ بِالْبَلاغَةِ وَالشِّعْرِ، وَلَهُ أبيات مذكورة في الحماسة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا - عَلَى الصَّحِيحِ -: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ. وَيُقَالُ: تُوُفِّيَ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَأَبُو ظَبْيَانَ، وَأَبُو وَائِلٍ، وَالصَّحِيحُ وَفَاتُهُمْ فِي غَيْرِهَا. وَفِيهَا افْتَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ جَزِيرَتَيْ مَيُورْقَةَ وَمَنُورْقَةَ، وَهُمَا جَزِيرَتَانِ فِي الْبَحْرِ، بَيْنَ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ وَجَزِيرَةِ الأَنْدَلُسِ، وَتُسَمَّى غَزْوَةُ الأَشْرَافِ، فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ خلقٌ مِنَ الأَشْرَافِ وَالْكِبَارِ. وَفِيهَا غَزَا قتيبة وردان خداه ملك بخارى، فلم يُطِقْهُمْ، فَرَجَعَ. وَفِيهَا أَغْزَى مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ ابْنَهُ مَرْوَانَ السُّوسَ الأَقْصَى، فَبَلَغَ السَّبْيُ أَرْبَعِينَ ألفا. -[921]- وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَمُّورِيَّةَ، فَلَقِيَ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَفِيهَا وَلِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَلِيَ. وَفِيهَا عُزِلَ عَنْ قَضَاءِ مِصْرَ عِمْرَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، وَلَهُ خمسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْوَاقِدِيَّ زَعَمَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ صَالِحٍ حَدَّثَهُ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ قَالَ. سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ مَكَّةَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّهُمَا أَعْظَمُ، خَلِيفَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ، أَمْ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ؟ وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَعْلَمُوا فَضْلَ الْخَلِيفَةِ إِلا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ اسْتَسْقَى فَسَقَاهُ اللَّهُ مِلْحًا أُجَاجًا، وَاسْتَسْقَاهُ الْخَلِيفَةُ فَسُقِيَ عَذْبًا فُرَاتًا، بِئْرًا حَفَرَهَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عِنْدَ ثَنِيَّةِ الْحَجُونِ، وَكَانَ يُنْقَلُ مَاؤُهَا فَيُوضَعُ فِي حَوْضٍ مِنْ أَدَمٍ إِلَى جَنْبِ زَمْزَمَ، لِيُعْرَفَ فَضْلُهُ عَلَى زَمْزَمَ. قَالَ: ثُمَّ غَارَتِ الْبِئْرُ فَذَهَبَتْ، فَلا يُدْرَى أَيْنَ مَوْضِعُهَا. قُلْتُ: مَا أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا وَقَعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: الْخَلِيفَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وأبو ساسان حضين بْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيَّ، وَمَحْمُودُ بْنُ الربيع، على الصحيح، وآخرون بخلاف. وفيها أَغَارَتِ الْخَزَرُ عَلَى أَرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَأَمِيرُ تِلْكَ الْبِلادِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَاتِمٍ الْبَاهِلِيُّ، فَكَانَتْ وَقْعَةً قَتَلَ اللَّهُ فِيهَا عَامَّةَ الْخَزَرِ، وَكَتَبَ بِالنَّصْرِ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْبَاهِلِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوَّلُ مَا وَلِيَ الْخِلافَةَ. وَكَانَتْ وَفَاةُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِدَابِقَ غَازِيًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، عَاشِرَ صَفَرٍ. -[1048]- وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِحَمْلِ الطَّعَامِ وَالدَّوَابِّ إِلَى مُسْلِمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَمَرَ مَنْ كَانَ لَهُ حميمٌ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ، فَأَغَاثَ النَّاسَ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْقُفُولِ مِنْ غَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. وَفِيهَا قَدِمَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَمَا قَطَعَ الْجِسْرَ إِلا وَهُوَ مَعْزُولٌ، وَقَدِمَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَتَى يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ عَدِيٌّ وَقَيَّدَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَحَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ. وَبَعَثَ عُمَرُ الجَّراحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ عَلَى إِمْرَةِ خُرَاسَانَ، وَقَالَ لَهُ: لا تَغْزُوا، وَتَمَسَّكُوا بِمَا فِي أَيْدِيكُمْ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ. وَعَزَلَ عُمَرُ عَنْ إِمْرَةِ مِصْرَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ رِفَاعَةَ بِأَيُّوبَ بْنِ شُرَحْبِيلَ. وَاسْتَقْضَى عَلَى الْكُوفَةِ الشَّعْبِيَّ. وَجَعَلَ الْفُتْيَا بِمِصْرَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّه بْن أَبِي جَعْفَرٍ. وَقَالَ عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حدثنا بقية، قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ قَالَ: غَزَوْنَا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَجُعْنَا حَتَّى هَلَكَ ناسٌ كَثِيرٌ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَخْرُجُ إِلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالآخَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَرَغَ أَقْبَلَ ذَاكَ إِلَى رَجِيعِهِ فَأَكَلَهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَخْرُجُ إِلَى الْمَخْرَجِ فَيُؤْخَذُ فَيُذْبَحُ وَيُؤْكَلُ، وَإِنَّ الأَهْرَاءَ مِنَ الطَّعَامِ كَالتِّلالِ لا نَصِلُ إِلَيْهَا، يُكَايِدُ بِهَا أَهْلُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ خَلِيفَةُ: فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْقُدُومِ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عُمَرُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ مَوْلاهُمْ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا سَنَةَ مِائَةٍ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، فَأَسْلَمَ خلقٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فِي وِلَايَتِهِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ تسعٍ وَمِائَةٍ
تُوُفِّيَ فِيهَا: بِشْرُ بْنُ صَفْوَانَ الْكَلْبِيُّ أَمِيرُ المغرب، سعيد بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، أَبُو حَرْبِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، أَبُو نَجِيحٍ يَسَارٌ الْمَكِّيُّ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ. وَفِيهَا غَزَا فِي الصَّيْفِ مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَافْتَتَحَ حِصْنًا مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، وَغَزَا أَيْضًا مُسْلِمَةُ فَجَهَّزَ جَيْشًا شَتُّوا بِأَذْرَبِيجَانَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ فِي قَوْلٍ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي قَوْلٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْفَقِيهُ بِدِمَشْقَ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ الْفَقِيهُ بِمَكَّةَ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الأَمِيرُ بِأَرْضِ الرُّومِ. وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ غَزْوَةَ السَّائِحَةِ، فَدَخَلَ بِجَيْشِهِ فِي بَابِ اللانِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى خَرَجَ إِلَى بِلادِ الْخَزَرِ، وَمَرَّ بِبَلَنْجَرَ وَسَمَنْدَرَ، وَانْتَهَى إِلَى الْبَيْضَاءِ مَدِينَةِ الْخَاقَانِ، فَهَرَبَ الْخَاقَانُ. وَفِيهَا جَهَّزَ أَمِيرُ إفريقية إلى الْمَغْرِبِ جَيْشًا عَلَيْهِمْ قُثَمُ بْنُ عَوَانَةَ، فَأَخَذُوا قَلْعَةَ سَرْدَانِيَةَ مِنْ بِلادِ الْمَغْرِبِ، وَرَجَعُوا فَغَرِقَ قُثَمُ بْنُ عَوَانَةَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ مُسْلِمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ أَزْهَرُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرَازِيُّ بِحِمْصٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْمَدِينَةِ، وَخَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ قَاضِي أَفْرِيقِيَّةَ، وَسَالِمُ أَبُو النَّضْرِ الْمَدَنِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ التَّيْمِيُّ، وَقَيْسُ بن الحجاج السلفي، وَمَطَرُ بْنُ طَهْمَانَ الْوَرَّاقُ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْيَمَامِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ حَرْبٍ النَّدَبِيُّ، وَآخَرُونَ. وَفِيهَا خَرَجَ بِحَضْرَمَوْتَ طَالِبُ الْحَقِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْكِنْدِيُّ الأَعْوَرُ -[363]- فَغَلَبَ عَلَى حَضْرَمَوْتَ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الأَبَاضِيَّةُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى صَنْعَاءَ وَبِهَا الْقَاسِمُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْقَاسِمُ بْنُ عُمَرَ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي جُنْدِهِ، وَتَبِعَهُ طَالِبُ الْحَقِّ فَبَيَّتَهُ فَهَرَبَ الْقَاسِمُ وَقُتِلَ أَخُوهُ الصَّلْتُ، وَاسْتَوْلَى طَالِبُ الْحَقِّ عَلَى صَنْعَاءَ فَجَبَى الأَمْوَالَ وَجَهَّزَ إِلَى مَكَّةَ عَشْرَةَ آلافٍ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَكَرِهَ قِتَالَهُمْ وَفَشِلَ فَوَقَفُوا بِعَرَفَةَ، وَوَقَفَ مَعَهُمُ الْحَجِيجُ، ثُمَّ غَلَبُوا عَلَى مَكَّةَ، فَنَزَحَ عَنْهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَفِيهَا كَتَبَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَمِيرُ الْعِرَاقَيْنِ إِلَى عَامِرِ بْنِ ضُبَارَةَ فَسَارَ حَتَّى أَتَى خُرَاسَانَ وَقَدْ ظَهَرَ بِهَا أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ صَاحِبُ الدَّعْوَةِ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ قَدْ ظَهَرَ هُنَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْهَاشِمِيُّ فَقَبَضَ عَلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ وَسَجَنَهُ وَسَجَنَ خَلْقًا مِنْ شِيعَتِهِ. وَفِيهَا سَارَ الْكَرْمَانِيُّ إِلَى مَرْوَ الرُّوذِ، فَسَارَ إِلَى قِتَالِهِ مُتَوَلِّيهَا سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ الْمَازِنِيُّ فَاقْتَتَلُوا فَانْهَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ، ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِمْ وَبَيَّتَهُمْ فَاقْتَتَلُوا، ثُمَّ تَهَادَنُوا، ثُمَّ سَارَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ فَحَاصَرَ الْكَرْمَانِيَّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَغَلَتِ الْمَرَاجِلُ بِالْفِتَنِ إِلَى أَنْ قَتَلَ الْكَرْمَانِيَّ وَلَحِقَ عَسْكَرُهُ بِشَيْبَانَ بْنِ مُسْلِمَةَ السَّدُوسِيِّ الْحَرُورِيِّ الَّذِي تَغَلَّبَ عَلَى سَرَخْسَ وَطُوسَ، وَعَظُمَتْ جُيُوشُ شَيْبَانَ هَذَا وَقَاتَلَهُمْ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَاشْتَغَلَ بِهِمْ إِلَى أَنْ قَوِيَ أَمْرُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ. فَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَوَثَبَ بِهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ الْفِهْرِيُّ عَلَى رَأْسِ الإِبَاضِيَّةِ، فَقَتَلَهُ وَصَلَبَ جُثَّتَهُ، فَثَارَ أَصْحَابُهُ وَجَيَّشُوا وَجَرَتْ لَهُمْ حُرُوبٌ عَدِيدَةٌ قُتِلَ فِيهَا أَمِيرُ هَؤُلاءِ، وَأَمِيرُ هَؤُلاءِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ الأُمَوِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ، وَسَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَبُو بِشْرٍ بِالْبَصْرَةِ، وَعَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مولى ابن أبي أحمد، وَمُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ بِالْبَصْرَةِ. وَفِيهَا خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيُّ، فَأَتَى مَدِينَةَ مَلَطْيَةَ وَهِيَ خَرَابٌ فَعَسْكَرَ بِهَا، وَأَقْبَلَ الأَمِيرُ عَبْدُ الْوَاحِدِ فَنَزَلَ عَلَى مَلَطْيَةَ فَزَرَعَ أَرْضَهَا وَطَبَخَ كِلْسًا لِبِنَاءِ سُورِهَا، ثُمَّ قَفَلَ، فَوَجَّهَ طَاغِيَةُ الرُّومِ مِنْ حَرْقِ الزَّرْعِ. وَفِيهَا غَزَا الأمير صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ وَالأَمِيرُ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فوغلا في أرض الروم، وغزا مَعَهُمَا أُمُّ عِيسَى وَلُبَابَةُ أُخْتَا الأَمِيرِ صَالِحٍ، وَكَانَتَا نَذَرَتَا إِنْ زَالَ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ أَنْ تُجَاهِدَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ صَائِفَةٌ -[607]- وَلا غَزْوٌ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ؛ لاشْتِغَالِ الْمَنْصُورِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ بِخُرُوجِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ عَلَيْهِ. وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ عَمَّهُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَوَلِيَ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَاخْتَفَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَآلِهِ خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَبَعَثَ الْمَنْصُورُ إِلَى سُلَيْمَانَ وَعِيسَى فَعَزَمَ عَلَيْهِمَا فِي إِشْخَاصِ أَخِيهِمَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَعْطَاهُمَا لَهُ الأَمَانُ، وَكَتَبَ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِيَحُثَّهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَأَقْدَمُوا عَبْدَ اللَّهِ عَلَى الْمَنْصُورِ فَسَجَنَهُ، وَسَجَنَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، وَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وَبَعَثَ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ إِلَى خُرَاسَانَ لِيَقْتُلَهُمْ خَالِدٌ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخُو الْمَنْصُورِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
فِيهَا تُوُفِّيَ ثَابِتُ بْنُ عُمَارَةَ بِخُلْفٍ، وَزَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ فِي قَوْلٍ، وَسَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيُّ الأَمِيرُ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ يَزِيدَ الْجُذَامِيُّ، وَكَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ التميمي، وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الأَشْعَثِ الْخُزَاعِيُّ الْقَائِدُ، وَالْوَضِينُ بْنُ عَطَاءٍ، وَأَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ بِخَلَفٍ، وَمَعْرُوفُ بْنُ سُوَيْدٍ الْجُذَامِيُّ الْمِصْرِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلٍ. وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَرْضَ الرُّومِ، وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ قحطبة، ومحمد بن الأشعث، فمات محمد في الطَّرِيقِ. وَفِيهَا تَكَمَّلَ بِنَاءُ مَدِينَةِ بَغْدَادَ وَخَنْدَقِهَا. وحج بالناس محمد ابن الإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَوَلِيَ مَكَّةَ، وَصَرَفَ عَنْهَا عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ
مَاتَ فِيهَا: أَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ الْوَاسِطِيُّ، وَحُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ الأَمِيرُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ بِمَكَّةَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْيَمَامِيُّ، وَعَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ الضَّبِّيُّ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ قِيلَ فِي أَوَّلِهَا، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْهُذْلِيُّ وَاسْمُهُ سَلْمَى. وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ الْعَبَّاسُ أَخُو الْمَنْصُورِ، فَوَصَلَ إِلَى أَنْقَرَةَ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَافْتَتَحَ مَدِينَةَ. وَهَلَكَ نَائِبُ خُرَاسَانَ ابْنُ قَحْطَبَةَ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: وَلِيَهَا أَبُو عون عبد الملك بن يزيد، وولي حمزة بن مالك سجستان، وَوَلِيَ جِبْرِيلُ بْنُ يَحْيَى سَمَرْقَنْدَ وَتِلْكَ النَّاحِيَةِ. وَتَوَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شِهَابٍ الْمِسْمَعِيُّ فِي البحر لغزو الهند، وفرض معه لألفين، وَخَرَجَ مَعَهُ خَلْقٌ مِنَ الْمُطَّوِعَةِ، فَمَضَوْا حَتَّى وَافَوْا مَدِينَةَ بَارْبَدَّ مِنَ الْهِنْدِ، فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَةٍ. وَاسْتَعْمَلَ الْمَهْدِيُّ عَلَى السِّنْدِ رَوْحَ بْنَ حَاتِمٍ بِإِشَارَةِ وَزِيرِهِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ. وَفِيهَا أَطْلَقَ مِنَ السِّجْنِ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ، وَالْحَسَنَ وَلَدَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَسُلِّمَ الْحَسَنُ إِلَى أَمِيرٍ يَتَحَفَّظُ بِهِ، فَهَرَبَ الْحَسَنُ، فَتَلَطَّفَ الْمَهْدِيُّ حَتَّى وَقَعَ بِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ. وَفِيهَا عُزِلَ عَنِ الْكُوفَةِ إِسْمَاعِيلُ الثَّقَفِيُّ بِعُثْمَانَ بْنِ لُقْمَانَ الْجُمَحِيِّ، وَقِيلَ بِغَيْرِهِ، وَعُزِلَ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ، وَعَنْ شُرْطَتِهَا سَعِيدُ بْنُ دَعْلَجٍ، وَوَلِيَ حَرْبَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَيُّوبَ النُّمَيْرِيُّ ثُمَّ عُزِلَ، وَوَلِيَ عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ وَاقِدٍ الْفِهْرِيُّ عَلَى الصَّلاةِ. وَفِيهَا عُزِلَ يَزِيدُ بْنُ الْمَنْصُورِ خَالُ الْمَهْدِيّ عَنِ الْيَمَنِ، وَوَلِيَهَا رَجَاءَ بْنُ رَوْحٍ، وَعُزِلَ عَنْ مِصْرَ مَطَرٌ مَوْلَى الْمَنْصُورِ بأبي ضمرة محمد سليمان. وفيها تحرك الأمراء والخراسان فِي خَلْعِ وَلِيِّ الْعَهْدِ عِيسَى بْنِ مُوسَى -[16]- وَجَعْلِهَا - أَعْنِي وِلايَةَ الْعَهْدِ - لِمُوسَى وَلَدِ الْمَهْدِيِّ، فَكَتَبَ الْمَهْدِيُّ لَمَّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ إِلَى الْكُوفَةِ إِلَى عِيسَى لِيَقَدَمَ عَلَيْهِ، فَأَحَسَّ فَلَمْ يَأْتِ، فَاسْتَعْمَلَ الْمَهْدِيُّ عَلَى الْكُوفَةِ رَوْحَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ الْمُهَلَّبِيَّ، فَجَعَلَ عِيسَى يَتَرَدَّدُ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ، وَلا يُقِيمُ بِالْكُوفَةِ إِلا شَهْرَيْنِ فِي الْعَامِ، وَأَخَذَ الْمَهْدِيُّ يُلِحُّ عَلَى عِيسَى فِي النُّزُولِ عَنِ الْعَهْدِ وَيُرَغِّبُهُ وَيُرَهِّبُهُ، فَأَجَابَهُ مُكْرَهًا، وَبَايَعَ لِمُوسَى الْهَادِي، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ، فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ لِعِيسَى بُعَشَرَةِ آلافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَقْطَعَهُ عِدَّةَ قُرَى. وَقَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فَحَجَّ بِالنَّاسِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: الْقَاضِي أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْسِيُّ، وَثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ الأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ إِيَاسٍ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْمَهْرِيُّ بِالثَّغْرِ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ وَالِدُ عِرَاكٍ الْمُقْرِئِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فِي قَوْلٍ، وَدِحْيَةُ بْنُ الْمُغْضَبِ بن أصبغ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ الأُمَوِيُّ، قُتِلَ -[282]- بِمِصْرَ، وَالسَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى فِي آخِرِهَا، وَسَعِيدُ بن أبي أَيُّوبَ بِخُلْفٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ كَيْسَانَ، وَطُعْمَةُ بْنُ عَمْرٍو الْكُوفِيُّ في قول، وعبيد الله بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ الْكُوفِيُّ، وَعُمَارَةُ بْنُ زَاذَانَ الْبَصْرِيُّ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ اللَّيْثِيُّ الشَّاعِرُ، وَمَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ فِي قَوْلٍ، وَمُوسَى بْنُ محمد الأنصاري، ونافع بن عمر الْجُمَحِيُّ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ قَارِئُ الْمَدِينَةِ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَأَبُو إِسْرَائِيلَ الملائي بخلف، وأبو سعيد المؤدب محمد بن مسلم. وَفِيهَا خِلافَةُ الْهَادِي، فِي الْمُحَرَّمِ سَارَ الْمَهْدِيُّ إِلَى مَاسَبَذَانَ عَازِمًا عَلَى تَقْدِيمِ ابْنِهِ هَارُونَ فِي وِلايَةِ الْعَهْدِ، وَأَنْ يُؤَخِّرَ مُوسَى الْهَادِي، فَنَفَّذَ إِلَى مُوسَى فِي ذَلِكَ فَامْتَنَعَ، فَطَلَبَهُ فلم يأت، فهم المهدي بالسير إِلَى جُرْجَانَ لِذَلِكَ، فَسَاقَ يَوْمًا خَلْفَ صَيْدٍ فَاقْتَحَمَ الصَّيْدُ خَرِبةً، وَدَخَلَتِ الْكِلابُ خَلْفَهُ، وَتَبِعَهُمُ الْمَهْدِيُّ، فَدُقَّ ظَهْرُهُ فِي بَابِ الْخَرِبَةِ مَعَ شِدَّةِ سَوْقِ الْفَرَسِ، فَهَلَكَ لِسَاعَتِهِ. وَقِيلَ: بَلْ أَطْعَمُوهُ السُّمَّ، سَقَتْهُ جَارِيَةٌ لَهُ سُمًّا اتَّخَذَتْهُ لِضُرَّتِهَا، فَمَدَّ يَدَهُ، وَفَزِعَتْ أَنْ تَقُولَ: هُوَ مَسْمُومٌ، وَكَانَ لُبًّا فِيمَا قِيلَ، وَقِيلَ: كَانَ إِنْجَاصًا، فَأَكَلَ وَصَاحَ: جَوْفِي، وَتَلِفَ مِنَ الْغَدِ، وَعُلِّقَتِ الْمُسُوحُ عَلَى قِبَابِ حُرَمِهِ. وَفِي ذَلِكَ يقول أبو العتاهية: رحن في الوشي وأصبحـ ... ـن عليهن المسوح كل نطاح من الدهـ ... ـر له يوم نطوح لست بالباقي ولو عمـ ... ـرت مَا عُمِّرَ نُوحُ نُحْ عَلَى نَفْسِكَ يَا مسـ ... ـكين إِنْ كُنْتَ تَنُوحُ مَاتَ لِثَمَانٍ بَقَيْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَلَهُ ثَلاثٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ الرَّشِيدُ، وَدُفِنَ تَحْتَ جَوْزَةٍ، وَبَعَثُوا بِالْخَاتَمِ وَالْقَضِيبِ إِلَى مُوسَى الْهَادِي، فَرَكِبَ مِنْ وَقْتِهِ، وَقَصَدَ الْعِرَاقَ، فَوَصَلَهَا فِي بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَنَزَلَ بِقَصْرِ الْخُلْدِ، وكتب بخلفته إِلَى الآفَاقِ. وَفِيهَا اشْتَدَّ تَطَلُّبُ الْهَادِي لِلزَّنَادِقَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ جماعة كابن داب، وَعَلِيِّ بْنِ يَقْطِينَ، وَقَتَلَ يَعْقُوبَ بْنَ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيَّ، وَكَانَ قَدْ أَقَرَّ بِالزَّنْدَقَةِ لِلْمَهْدِيِّ، وَقَالَ: لا سَبِيلَ إِلَى أَنْ أُظْهِرَ مَقَالَتِي وَلَوْ قَرَضْتَنِي بِالْمَقَارِيضِ، فَقَالَ لَهُ: وَيْلُكَ لَوْ كُشِفَتِ السَّمَاوَاتُ، وَالأَمْرُ كَمَا تَقُولُ، لَكُنْتَ جَدِيرًا أَنْ تُؤْمِنَ لابْنِ -[283]- عَمِّكَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَوْلاه مَنْ كُنْتَ؟ وَلَوْلا أَنِّي عَاهَدْتُ اللَّهَ أَنْ لا أَقْتُلَ هَاشِمِيًّا لَمَا نَاظَرْتُكَ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمَهْدِيُّ وَلَدَ عَمِّهِ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ، فَاعْتَرَفَ بالزندقة، نسأل الله السلامة، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ لِوَلَدِهِ الْهَادِي: إِنْ وُلِّيتَ مِنْ بَعْدِي فَلا تُمْهِلْ هَذَيْنِ، فَمَاتَ ابْنُ دَاوُدَ فِي السِّجْنِ، وَخَنَقَ الْهَادِي يَعْقُوبَ هَذَا، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ الْفَضْلِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مَاتَ فِي السِّجْنِ، وَظَهَرَتْ بِنْتُهُ فَاطِمَةُ أَنَّهَا حُبْلَى مِنْهُ، أَكْرَهَهَا. وَفِيهَا فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ وَقْعَةُ فَخٍّ، وَمِنْ خَبَرِهَا أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ خَرَجَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ آلُ بَيْتِهِ قَدْ كَفَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسَكِرَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، فَحَدَّهُ وَالِي الْمَدِينَةِ فَغَضِبَ وَفَقَدُوهُ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ قد كفله. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كَفَّلَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، فَكَانَ الْحُسَيْنُ هَذَا، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ قَدْ كَفَلا الْحَسَنَ الَّذِي حُدَّ، فَتَغَيَّبَ الْحَسَنُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَطَلَبَهُمَا الأَمِيرُ، فَقَالَ: أَيْنَ الْحَسَنُ؟ قَالا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي، إِنَّمَا غَابَ مِنْ يَوْمَيْنِ، فَأَغْلَظَ لَهُمَا، فَحَلَفَ يَحْيَى أَنَّهُ لا يَنَامُ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِهِ، أَوْ يَرُدَّ الْخَبَرَ، فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا دَعَاكَ إِلَى الْيَمِينِ؟ وَمِنْ أَيْنَ نَجِدُ الْحَسَنَ؟ قَالَ: فَنَخْرُجُ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: فَيُكْسَرُ بِخُرُوجِنَا اللَّيْلَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَصْحَابِنَا مِنَ الْمِيعَادِ، قَالَ: فَمَا الْحِيلَةُ؟ وَقَدْ كَانُوا تَوَاعَدُوا عَلَى الْخُرُوجِ بِمِنًى فِي الْمَوْسِمِ. وَقَدْ كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ مِنْ شِيعَتِهِمْ، وَمِمَّنْ بَايَعَ لَهُمْ مُخْتَفِينَ فِي دَارٍ، فَمَضَوْا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ خَرَجُوا، وَأَقْبَلَ يَحْيَى حَتَّى ضَرَبَ دَارَ الأَمِيرِ بِالسَّيْفِ، فَلَمْ يَخْرُجْ، وكأنه علم بأمرهم، فاختفى، فجاؤوا، وَاقْتَحَمُوا الْمَسْجِدَ وَقْتَ الصُّبْحِ، فَجَلَسَ الْحُسَيْنُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَأْتُونَ لِلصَّلاةِ، فَإِذَا رَأَوْهُمْ رَجَعُوا، فَلَمَّا صَلَّى الْغَدَاةَ جَعَلَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ وَيُبَايِعُونَهُ، فَأَقْبَلَ خَالِدٌ الْبَرْبَرِيُّ، وَهُوَ نَازِلٌ بِالْمَدِينَةِ يَحْفَظُهَا مِنْ خُرُوجِ خَارِجٍ، وَمَعَهُ مِائَتَا فَارِسٍ، فَأَقْبَلَ بِهِمْ فِي السِّلاحِ، وَمَعَهُ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ أَخُو الزَّاهِدِ العمري، ومعهم الحَسَن بن جعفر بن الحَسَن بن الحَسَن بْنِ عَلِيٍّ الْحَسَنِيِّ عَلَى حِمَارٍ فَاقْتَحَمَ خَالِدٌ الْبَرْبَرِيُّ الرَّحْبَةَ، وَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَجَذَبَ السَّيْفَ، وَهُوَ يَصِيحُ: يَا حُسَيْنُ يَا كَشْكَاشُ، -[284]- قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى خَالَطَهُمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَخُوهُ إِدْرِيسُ، فَضَرَبَهُ يَحْيَى فَقَطَعَ أَنْفَهُ، فَدَخَلَ الدَّمُ فِي عَيْنَيْهِ، فَجَعَلَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ بِالسَّيْفِ وَهُوَ لا يُبْصِرُ، فَاسْتَدَارَ لَهُ إِدْرِيسُ فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ، ثُمَّ جُرِّدَ وَسُحِبَ إِلَى الْبَلاطِ، وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ بِعَيْنِي، وَجُرِحَ يَحْيَى، وَشُدُّوا عَلَى الْمُسَوِّدَةِ، وَبَيْنَهُمُ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَصَاحَ الْحُسَيْنُ: ارْفِقُوا - وَيْلَكُمْ - بِالشَّيْخِ، ثُمَّ انْتَهَبُوا بَيْتَ الْمَالِ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَضْعَفَ أَمْرَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْغَايَةِ، وَأَخْلاهَا مِنَ السِّلاحِ وَالْمَالِ، قَالَ: فَوَجَدُوا فِي بَيْتِ الْمَالِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ لَيْسَ إِلا، وَقِيلَ: وَجَدُوا سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَغْلَقَ الرَّعِيَّةُ أَبْوَابَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ تَهَيَّأَ الْجَمْعَانِ لِلْحَرْبِ، فَالْتَقَوْا وَكَثُرَ الْجِرَاحُ، ودام القتال إلى الظهر، ثم تحاجزوا، فَجَاءَ الْخَبَرُ بِالْعَشِيِّ أَنَّ مُبَارَكًا التُّرْكِيَّ نَزَلَ بِئْرَ الْمُطَّلِبِ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِ الْعَسْكَرُ، فَأَقْبَلَ مِنَ الْغَدِ إِلَى الثَّنِيَّةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَوَالِي الْعَبَّاسِيِّينَ، فَالْتَحَمَ الْقِتَالُ يَوْمَئِذٍ إِلَى الظُّهْرِ، وَغَفَلَ النَّاسُ عَنْ مُبَارَكٍ، فَانْهَزَمَ عَلَى الْهُجُنِ. ثُمَّ تَجَهَّزَ الْحُسَيْنُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَسَارَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَالرَّعِيَّةُ يَدْعُونَ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ، فَإِنَّهُ آذَى النَّاسَ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ فَسَقَةً يَتَغَوَّطُونَ فِي جَوَانِبِ المسجد، فمضى إِلَى مَكَّةَ، وَتَجَمَّعَ مَعَهُ خَلْقٌ مِنْ عَبِيدِ مَكَّةَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ الْهَادِي، وَكَانَ قَدْ حَجَّ تِلْكَ اللَّيَالِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَخُو الْمَنْصُورِ عَبَّاسٌ، وَمُوسَى بْنُ عِيسَى، وَمَعَهُمُ الْعُدَدُ وَالْخَيْلُ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ، فَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بفَخٍّ بِقُرْبِ مَكَّةَ، فَقُتِلَ فِي الْمَصَافِّ الْحُسَيْنُ، وَأَرَاحَ اللَّهُ مِنْهُ. وَنُودِيَ بِالأَمَانِ فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو الزِّفْتِ مُغْمِضًا عَيْنَهُ، قَدْ أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنَ الْحَرْبِ، فَوَقَفَ خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَسْتَجِيرُ بِهِ، فَأَمَرَ بِهِ مُوسَى بْنُ عِيسَى فَقُتِلَ فِي الْحَالِ، فَغَضِبَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ ذلك، واحتزت رؤوس القتلى، فكانت مِائَةً، وَغَضِبَ الْهَادِي عَلَى مُوسَى بْنِ عِيسَى لِقَتْلِهِ أَبَا الزِّفْتِ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَغَضِبَ أَيْضًا على مبارك التركي، فأخذ أَمْوَالَهُ، وَصَيَّرَهُ فِي سَاسَةِ الدَّوَابِّ. وَانْفَلَتَ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، فَصَارَ إِلَى مِصْرَ، وَتَوَصَّلَ إِلَى الْمَغْرِبِ، إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ بِطَنْجَةَ، وَهِيَ عَلَى الْبَحْرِ الْمُحِيطِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَأَعَانَهُ عَلَى الْهُرُوبِ نَائِبُ مِصْرَ وَاضِحٌ الْعَبَّاسِيُّ، وَكَانَ -[285]- يَتَرَفَّضُ فَسَيَّرَهُ عَلَى الْبَرِيدِ، فَطَلَبَ الْهَادِي وَاضِحًا وَصَلَبَهُ، وَقِيلَ: بَلْ صَلَبَهُ الرَّشِيدُ، ثُمَّ بَعَثَ الْخَلِيفَةُ شَمَّاخًا الْيَمَامِيَّ دَسِيسَةً، وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةِ، فَتَوَصَّلَ إِلَى إِدْرِيسَ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ شيعي متحرق، وأنه عارف بالطب، فأنس به إدريس، ثم شكا إِلَيْهِ وَجَعًا بِأَسْنَانِهِ، فَأَعْطَاهُ سُنُونًا مَسْمُومًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ سَحَرًا، وَهَرَبَ الشَّمَّاخُ فِي الليل، واستن إدريس فتلف، فقام بعده إدريس بْنُ إِدْرِيسَ، فَتَمَلَّكَ هُوَ وَأَوْلادُهُ بِالْمَغْرِبِ زَمَانًا بِنَاحِيَةِ تَاهِرْتَ، وَانْقَطَعَتْ عَنْهُمُ الْبُعُوثُ، وَجَرَتْ لِلإِدْرِيسِيَّةِ أُمُورٌ يَطُولُ شَرْحُهَا، وَبَنَوُا الْقُصُورَ وَالْمَدَائِنَ. وَحَكَى عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ مَوْلَى آلِ حَسَنٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَقْتُولِ لَمَّا قَدِمَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَجَازَهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَفَرَّقَهَا فِي النَّاسِ بِبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ، فَوَاللَّهِ مَا خَرَجَ من الكوفة إلا وعليه فرو ما تَحْتَهُ قَمِيصٌ، وَكَانَ يَسْتَقْرِضُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ مَوَالِيهِمْ مَا يُمَوِّنُهُمْ. قَالَ النَّوْفَلِيُّ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بِشْرٍ قَالَ: صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ فِي يَوْمِ خُرُوجِ الحسين صاحب فخ بالمدينة، فصلى بنا، ثم صعد الْمِنْبَرَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَبْيَضُ وَعِمَامَةٌ بَيْضَاءُ قَدْ سَدَلَهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَسَيْفُهُ مَسْلُولٌ قُدَّامَهُ، إِذْ أَقْبَلَ خَالِدٌ الْبَرْبَرِيُّ وَأَصْحَابُهُ، فَبَدَرَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ خَالِدٌ، فَضَرَبَهُ يَحْيَى فَقَتَلَهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ رَجَعَ يَحْيَى فَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْحُسَيْنِ، وَسَيْفُهُ يَقْطُرُ دَمًا، فَقَالَ الْحُسَيْنُ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا ابْنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلِيٌّ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ، أَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ أَفِ بِذَلِكَ فَلا بَيْعَةَ لِي فِي أَعْنَاقِكُمْ. وَيُقَالُ: إِنَّ يَقْطِينَ بْنَ مُوسَى لَمَّا قَدِمَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْهَادِي قَالَ: كَأَنَّكُمْ وَاللَّهِ جِئْتُمْ بِرَأْسِ طَاغُوتٍ، إِنَّ أَقَلَّ مَا أجزيكم أَنْ أَحْرِمَكُمْ جَوَائِزَكُمْ، فَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا. وَفِيهَا ثَارَ بِالصَّعِيدِ دِحْيَةُ بْنُ مُغَصَّبٍ الأُمَوِيُّ، وَقَوِيَتْ شكوته، ثُمَّ قُتِلَ بِمِصْرَ لِسَنَتِهِ، قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ. وَفِيهَا كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العزيز العمري، وعلى مكة عبيد اللَّهِ بْنُ قُثَمَ، وَعَلى الْيَمَنِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ سُوَيْدٌ الخراساني، وعلى الكوفة موسى بن عيسى بن موسى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى جُرْجَانَ حَجَّاجٌ مَمْلُوكُ الْهَادِي، وَعَلَى قُومِسَ حَسَّانٌ، -[286]- وَعَلَى طَبَرِسْتَانَ صَالِحُ بْنُ شَيْخِ بْنِ عُمَيْرَةَ الأسدي، وعلى أصبهان ظفر مَمْلُوكُ الْهَادِي، وَعَلَى بَاقِي الْمَدَائِنِ نُوَّابٌ ذُكِرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقْتَ وِلايَتِهِمْ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الأَشْعَرِيُّ الْحِمْصِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الإِمَامُ، وَفَقِيهُ دِمَشْقَ هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الْخَارِجِيُّ، وَأَبُو الأَحْوَصُ سَلامُ بْنُ سليم. وفيها ولي إمرة خُرَاسَانَ مَنْصُورُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورِ الْحِمْيَرِيُّ. وَفِيهَا رَجَعَ الْوَلِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الشَّارِي بِجُمُوعِهِ مِنْ نَاحِيَةِ أَرْمِينِيَّةَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَقَدِ اشْتَدَّتْ بَلِيَّتُهُ، وَكَثُرَ جَيْشُهُ، فَسَارَ لِحَرْبِهِ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدَ الشَّيْبَانِيُّ، فَرَاوَغَهُ يَزِيدُ ثُمَّ الْتَقَاهُ عَلَى غرة بقرب هيت، فظفر به فَقَتَلَهُ وَمَزَّقَ جَمْعَهُ، وَفِي ذَلِكَ تَقُولُ الْفَارِعَةُ أخت الوليد: أيا شجر الخابور ما لك مُورِقًا ... كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ فَتًى لا يُحِبُّ الزَّادَ إِلا مِنَ التُّقَى ... وَلا الْمَالَ إِلا مِنْ قِنًى وَسُيُوفِ حَلِيفُ النَّدَى مَا عَاشَ يَرْضَى بِهِ النَّدَى ... فَإِنْ مَاتَ لَمْ يَرْضَ النَّدَى بِحَلِيَفِ أَلا يَا لِقَوْمِي لِلْحِمَامِ وَلِلْبِلَى ... وَلِلأَرْضِ هَمَّتْ بَعْدَهُ بِرُجُوفِ أَلا يَا لِقَوْمِي لِلنَّوَائِبِ وَالرَّدَى ... وَدَهْرٍ مُلِحٍّ بالكلام عنيف -[574]- فَإِنْ يَكُ أَرْدَاهُ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ ... فَرُبَّ زحوف لفها بزحوف عَلَيْكَ سَلامُ اللَّهِ وَقْفًا فَإِنَّنِي ... أَرَى الْمَوْتَ وَقَّاعًا بِكُلِّ شَرِيفِ وَفِيهَا اعْتَمَرَ الرَّشِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَدَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى أَنْ حَجَّ، وَمَشَى مِنْ بُيُوتِهِ إِلَى عَرَفَاتٍ. وَفِي رَبِيعِ الأَوَّلِ قَدِمَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ أَمِيرًا عَلَى الْقَيْرَوانِ وَالْمَغْرِبِ، فَأَمَّنَ النَّاسَ وَسَكَنُوا، وَأَحْسَنَ سِيَاسَتَهُمْ، وَكَانَتْ لَهُ هَيْبَةٌ عَظِيمَةٌ، فَبَنَى الْقَصْرَ الْكَبِيرَ الْمُلَقَّبَ بِالْمَنِسْتِيرِ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَبَنَى سُورَ طَرَابُلْسَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ إِنَّهُ رَأَى كَثْرَةَ الأَهْوَاءِ وَالاخْتِلافِ بِالْمَغْرِبِ فَطَلَبَ مِنَ الرَّشِيدِ أَنْ يُعْفِيَهُ، وَأَلَحَّ فِي ذَلِكَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ: حَكَّامُ بْنُ سَلَمٍ الرَّازِيُّ، وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ، وَعَبْدُ الأعلى بن عبد الأعلى السامي، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهَرٍ الْكُوفِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي خَلِيفَةَ الْعَبْدِيُّ، وَمُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ النَّيْسَابُورِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَاضِي الْقُضَاةِ، وَعَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكِسَائِيُّ شَيْخُ الْقُرَّاءِ، وَهَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ الْعِجْلِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ. وَفِيهَا سَارَ الرَّشِيدُ إِلَى الرَّيِّ بِسَبَبِ أَنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ كَتَبُوا يَشْكُونَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَعَسْفَهُ وَظُلْمَهُ، وَيَطْلُبُونَ عَزْلَهُ، وَتُحَدِّثُ بِأَنَّ ابْنَ مَاهَانَ عَلَى نِيَّةِ الْخُرُوجِ، فَأَقَامَ الرَّشِيدُ بِالرَّيِّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى وَافَاهُ ابْنُ مَاهَانَ بِالأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْمِسْكِ وَالتُّحَفِ وَالْخَيْلِ، ثُمَّ أَهْدَى بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى كِبَارِ الْقُوَّادِ، وَرَأَى مِنْهُ الرَّشِيدُ مَا أَعْجَبَهُ وَأَرْضَاهُ، فَرَدَّهُ إِلَى إِمَارَةِ خُرَاسَانَ، وَرَكِبَ مُشَيِّعًا لَهُ. وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِمَمَالِكِ الرُّومِ فِي الأَسْرِ مُسْلِمٌ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وتسعين
تُوُفّي فيها: إِسْحَاق بْن سليمان الرّازيّ أبو يحيى، إبراهيم بْن عُيَيْنَة - في قَوْل - وقد مّر، حفص بْن عبد الرَّحْمَن قاضي نَيْسابور، الحَكَم بْن عَبْد الله أَبُو مطيع البلْخيّ، سليمان بْن المنصور أَبِي جعفر في صَفَر، سيّار بْن حاتم، شُعيب بْن اللَّيْثُ بْن سعْد في صَفَر، عَبْد الله بْن نُمَيْر الخارفي الكوفيّ، عُمَر بْن حفص العبْديّ بصْريّ، عَمْرو بْن محمد العنقزيّ الكوفي، محمد بْن شُعيب بْن شابور ببيروت، الهيثم بْن مروان العنْسيّ الدّمشقيّ، يونس بْن بُكَيْر الكوفيّ راوي " المغازي ". وفيها قِدم الحَسَن بْن سهل مِن عند المأمون إلى بغداد، ففرّق عماله في البلاد، وجهّز أزهر بْن زهير بْن المسيّب إلى الهِرش في المحرَّم فقتل الهِرش. وفي جُمَادَى الآخرة خرج بالكوفة محمد بْن إبراهيم بْن طباطبا، واسمه إسماعيل بْن إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب يدعو إلى الرضا مِن آل محمد، والعمل بالكتاب والسُّنَّة، وكان القائم بأمره أبو السرايا سريّ بْن منصور الشَّيْبانيّ، فهاجت الفِتَن، وتسرّع الناس إلى ابن طباطبا، واستوسقت لَهُ الكوفة، وأتاه الأعراب وأهل النواحي، فجهّز الحَسَن بْن سهل لحربه زهير بْن المسيّب في عشرة آلاف، فالتقوا، فَهُزِم زُهير واستباحوا عسكره، وغنموا السلاح والخيل، وقووا، وذلك في سلخ جُمَادَى الآخرة. فلمّا كَانَ مِن الغد أصبح محمد بْن إبراهيم بن طباطبا ميتا فجاءة، فقيل: أنّ أبا السرايا سمّه لكون ابن طباطبا أحرز الغنيمة، ولم يُحسن جائزة أَبِي السرايا، أو لغير ذَلِكَ، وأقام أبو السرايا في الحال مكانه شابا أمرد اسمه محمد بْن محمد بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب، ثمّ جهّز الحَسَن بْن سهل جيشًا، عليهم عَبْدُوس بْن محمد المَرْوَرُوذيّ لحرب أَبِي السرايا فالتقوا في رجب، فقُتِل عَبْدُوس، وأُسِر عمّه هارون بْن أَبِي خَالِد، وقُتِل أكثر جيشه -[1057]- وأُسِروا، وقوي الطالبيّون، وضربَ أبو السرايا عَلَى الدراهم: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صفا ". الآية. ثمّ سار أبو السرايا قُدُمًا حتى نزل بقصر ابن هُبَيرة، وجهّز جيوشًا إلى البصرة وإلى واسط فدخلوها، وواقعوا أمير واسط مِن جهة الحَسَن بْن سهل فهزموه وانحاز إلى بغداد، وعظُم ذَلِكَ عَلَى الحَسَن، فبعث يرد هَرْثَمَة بْن أَعْيَن مِن حلوان لحرب أَبِي السرايا، فامتنع، فأرسل إِلَيْهِ ثانيًا يلاطفه، فرجع هَرْثَمَة، وعقد لَهُ الحَسَن بْن سهل عَلَى حرب أَبِي السرايا، وجهّز معه منصور بْن المهديّ، فَعَسكر بنهر صَرْصَرٍ بإزاء أَبِي السرايا، والنهر بينهما، ثمّ تقهقر أبو السرايا فطلبه هَرْثَمَة، وقتل مِن تطرّف مِن جُنْده. ثمّ كانت بينه وبينه وقعة عند قصر ابن هبيرة، قُتِل فيها خلْق مِن أصحاب أَبِي السرايا، فتحيّز إلى الكوفة، وعمد محمد بْن محمد والطالبيّون إلى دُور العباسيّين بالكوفة وضياعهم، فأحرقوا ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم مِن الكوفة. ثمّ وجّه أبو السرايا عَلَى المدينة محمد بْن سليمان بْن داود بْن الحَسَن بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فدخلها ولم يقاتلْه أحد. ووجّه عَلَى مكّة والموسم حُسين بْن حسن الأفطس بْن عليّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب، فلمّا قرُب توقّف عَنْ مكّة هيبةً لمن فيها، وأميرها داود بْن عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ العبّاسيّ، فلمّا بلغ أميرها داود ذَلِكَ، جمع موالي بني العباس وعبيد حوائطهم. وكان مسرور الخادم قد حجّ في تِلْكَ السُّنَّةِ في مائتي فارس، فقال لداود: أقِم لي شخصك أو شخص بعض ولدك، وأنا أكفيك قتالهم، فقال دَاوُد: لا أستحلٌ القتال في الحرم، ولئن دخلوا مِن هذا الفجّ لأخرجنّ مِن الفجّ الآخر، فقال: تُسلَّم مكّة وولايتك إلى عدوّك؟ فقال داود: أيّ حال لي؟ والله لقد -[1058]- أقمت معكم حتى شختُ، فما وُلِّيتُ ولايةً، حتى كبرتُ وفني عُمري، فولّوني مِن الحجاز ما فيه القوت، وإنّما هذا المُلْك لك ولأشباهك، فقاتلْ عَليْهِ أو دَعْ. ثمّ انحاز داود إلى جهة المُشاش بأثقاله، فوجّه بها عَلَى درب العراق، وافتعل كتابًا مِن المأمون بتولية ابنه محمد بْن داود عَلَى صلاة الموسم، وقال لَهُ: أخرج فَصَلّ بالناس بمِنى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، وبتْ بمنى، وصلَّ الصبح، ثمّ اركب دوابّك فانزل طريق عَرَفَة، وخُذ عَلَى يسارك في شِعْب عَمْرو حتى تأخذ طريق المُشاش، حتى تلحقني ببستان ابن عامر، ففعل ذَلِكَ، فخاف مسرور وخرج في أثر داود راجعا إلى العراق، وبقي الوفد بعَرَفَة، فلمّا زالت الشمس حضرت الصلاة، فتدافعها قوم مِن أهل مكّة، فقال أحمد بْن محمد بْن الوليد الأزرقيّ، وهو المؤذّن وقاصُّ الجماعة: إذا لم تحضر الوُلاة يا أهل مكّة، فليُصَلِ قاضي مكّة محمد بْن عَبْد الرَّحْمَن المخزومي، ولْيخُطبْ بهم، قَالَ: فلمن أدعو، وقد هرب هَؤلاءِ، وأطلّ هَؤلاءِ عَلَى الدخول؟ قَالَ: لا تَدْعُ لأحد، قال: بل تقدم أنت، فأبى الأزرقي، حتى قدموا رجلا فصلى الصلاتين بلا خطبة، ثمّ مضوا فوقفوا بعَرَفَة، ثمّ دفعوا بلا إمام، وحسين بْن حسن متوقّف بسَرف، فبلغه خُلُوّ مكّة وهروب داود، فدخلها قبل المغرب في نحو عشرة، فطافوا وَسَعَوْا ومضوا بعد المغرب فأتوا عَرَفَة ليلا، فوقفوا ساعة، وأتى مُزْدلفة فصلّي بالناس الفجر، ثمّ إنه أقام بمكة، وعسَف وظلم وصادر التجار، وكانت أعوانه تهجم بيوت التجار لأجل الودائع، فيتهمون البريء ويعذّبونه، وأخذ ما في خزائن الكعبة مِن مال. وأما هَرْثَمَة فواقَع أبا السرايا ثانيًا فانكسر، ثمّ ثبت وانهزم أصحاب أَبِي السرايا، ثمّ أخذ هرثمة يكاتب رؤساء الكوفة. وفيها وثب عليّ بْن محمد بْن جعفر الصّادق بالبصرة، واستولى عليها مِن غير حرب. وظهر باليمن إبراهيم أخو عليّ بْن موسى الرضا، فنفى عاملها عَنْهَا، وسبي، وأخذ الأموال، وكان يقال لَهُ الجزّار لكثرة من قتل. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-ومن سنة تسعٍ ومائتين
فيها توفي الحسن بن موسى الأشيب، وحفص بن عبد الله النَّيْسَابوريُّ، وأبو علي الحنفي، وعثمان بن سعيد بن كثير الحمصي، وعثمان بن عمر بن فارس، ويعلى بن عبيد الطنافسي. وفيها كَانَ المأمون يقرّب أهل الكلام، ويأمرهم بالمناظرة بحضرته، وينصر ما دل عليه العقل. ويجالسه بِشْر بْن غياث الْمَرِيسيّ، وثُمامة بْن أشرس، وهؤلاء الجنوس النحوس. وكان قد طال القتال بين عَبْد اللَّه بْن طاهر، ونصر بْن شَبَث العُقَيْليّ. ثمّ إنّ عَبْد اللَّه استظهر عَلَيْهِ وحصره في حصن لَهُ، وضيّق عَلَيْهِ حتّى طلب الأمان. فقال المأمون لثُمامة بْن أشرس: ألا تدُلُّني عَلَى رجلٍ من اهل الجزيرة لَهُ عقل وبيان يؤدّي عنّي رسالة إلى نَصْر بْن شَبَث. فقال: بلى يا أمير المؤمنين: جعفر بْن محمد من بُنيّ عامر. قَالَ جعفر: فأحضرني ثُمامة، فكلّمني المأمون بكلامٍ كثير لأبلّغه نصرا. قال: فأتيته وهو بسروج فأبلغته فأذعن، وشرط أنّ لا يطأ لَهُ بساطًا. فأتيت المأمون فأخبرته. فقال: لا أجيبه واللَّه حتّى يطأ بساطي. وما باله ينفر منّي؟ قلت: لجُرْمه. قَالَ: أتراه أعظم جُرْمًا عندي من الفضل بْن الربيع، ومن عيسى بْن أَبِي خَالِد؟ أتدري ما صنع بي الفضل؟ أخذ قوادي وأموالي وجنودي فذهب بذلك إلى أخي وتركني وحيدًا، وأفسد عليَّ أخي حتّى جرى ما جرى، وعيسى طرد خليفتي عَنْ بغداد، وذهب بخَراجي وفَيْئي، وأقعد إبراهيم في الخلافة. قلت: الفضل وعيسى لهم سوابق ولسلفهم وهم مواليكم. وهذا رَجُل لم يكن له يد قط فيحتمل عليها ولا لسلفه. إنما كانوا جند بني أمية. قال: إن ذَلِكَ كما تَقُولُ فكيف بالحنْق والغيظ؟ فأتيت نصرا فأخبرته بأنه لا بد أنّ يطأ بساطه. فصاح بالخيل صيحة فجالت وقال: ويلي عَلَيْهِ! هُوَ لم يقو عَلَى أربعمائة ضِفْدعٍ تحت جناحه - يعني الزُّطّ - يقوى عَلَى جلبة العرب!. -[19]- ثمّ إنّ عَبْد اللَّه بْن طاهر حصره ونال منه، فطلب الأمان، وخرج إلى عَبْد الله بن طاهر، وكتب له المأمون أمانا. فهدم عبد الله كيسوم وخربها. وفيها ولى المأمون صدقة عَلَى أرمينية وآذَرْبَيْجان ومحاربة بابَكُ، وأعانه بأحمد بْن الْجُنَيْد الإسكافيّ، فأسره بابَكُ. فولّى إبراهيم بْن ليث آذَرْبَيْجان. وحجّ بالناس أمير مكّة صالح بْن العبّاس بن محمد بن علي. وفيها مات طاغية الروم ميخائيل بْن جورجس، وكان ملْكه تسع سنين، وملك بعده ابنه توفيل. لعنهما الله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع عشرة ومائتين
فيها تُوُفّي عليّ بن عيّاش الأَلهاني بحمص، وأبو بكر عبد الله بن الزُّبير الحُمَيْديّ بمكة، وأبو نُعَيم الفضل بن دُكين، وأبو غسّان مالك بن إسماعيل النَّهْديّ بالكوفة، وعَمرو بن حكّام، وإبراهيم بْن حُميد الطويل، وسعد بْن شُعْبَة بْن الحَجّاج بالبصرة، وأبو الأسود النَّضْر بن عبد الجبّار بمصر، وسليمان -[254]- ابن داود الهاشمي، وغسان بن المفضل الغلابي ببغداد. وفيها ظهر محمد بن القاسم العلوي الحسيني بالطالقان يدعو إلى الرِّضا من آل محمد. فاجتمع عليه خلْق، فسار لقتاله جيش من قِبل عبد الله بن طاهر، فجرت بينهم وقعات عديدة، ثم انهزم محمد بن القاسم فقصد بعض كُوَر خُراسان، فظفر به متولّي نَسَا، فقيّده وبعث به إلى ابن طاهر، فحبسه المعتصم. ثم إنّه هرب من السجن ليلة عيد الفطر، ونزل في حبلٍ دُلّي له. فنودي عليه: مَن أحضره فله مائة ألف درهم، فلم يقعوا به. وفي جُمادَى الأولى قدِم بغداد، إسحاق بن إبراهيم بسبيٍ عظيم من أهل الخرمية الذين أوقع بهم بهمذان. وفيها عاثت الزُّطّ بنواحي البصرة، فانتدب لحربهم عُجَيْف بن عَنْبَسة، فظفر بهم وقتل منهم نحو الثمانمائة. ثم جرت له معهم حروب. وكان عدّتهم خمسة عشر ألفا. وفيها امتحن المعتصم أحمد بن حنبل، وقيل: سنة عشرين، وذلك في ترجمة أحمد رحمه الله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسعٍ وعشرين ومائتين
فيها تُوُفّي أحمد بن شبيب الحَبَطيّ، وإسماعيل بن عبد الله بن زُرَارة الرَّقّيّ، وثابت بْنُ مُوسَى العابد، وخالد بن هياج الهَرَويّ، وخَلَف بن هشام البزّار، وأبو مِكْيَس الذي زعم أنّه سمع من أنس، وأبو نُعَيْم ضِرار بن صُرد، وعبد الله بن محمد المُسْنديّ، وعبد العزيز بن عثمان المَرْوَزِيّ، وعمّار بن نصر، وعَمْرو بن خالد الحَرّانيّ نزيل مصر، ومحمد بن معاوية النَّيْسَابوريّ، ونُعَيْم بن حمّاد الخزاعيّ، ويحيى بن عَبْدَوَيْه صاحب شُعْبَة، ويحيى بن يوسف الزَّمِّيّ، ويزيد بن صالح الفرّاء النَّيْسَابوريُّ. وفيها صادر الواثق بالله الدّواوين وسجنهم، وضرب أحمد بن أبي إسرائيل ألف سَوْط، وأخذ منه ثمانين ألف دينار، وأخذ من سليمان بن وهب كاتب الأمير إيتاخ أربعمائة ألف دينار، ومن أحمد بن الخصيب وكاتبه ألف ألف -[504]- دينار. فيقال: إنَّهُ أخذ من الكُتّاب في هذه النَّوْبة ثلاثة آلاف ألف دينار. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسعٍ وثلاثين ومائتين
فيها تُوُفّي إبراهيم بْن يوسف البلْخِيّ الفقيه، وداود بنُ رُشَيْد، وَصَفْوان بْن صالح الدِّمشقيُّ المؤذّن، والصَّلْت بْن مسعود الجحدريّ، وعبد اللَّه بْن عمر بْن أبان مشْكدانة، وعثمان بْن أبي شَيْبَة، ومحمد بْن مِهران الجمّال الرازيّ، ومحمد بْن النضر المَرْوَزِيّ، ومحمد بْن يحيى بْن أبي سَمِينة، ومحمود بْن غَيْلان، ووَهْب بْن بقيّة، ويَحْيَى بن موسى خت. وفيها نفي المتوكّل عليّ بْن الْجَهْم إلى خراسان. وفيها غزا الأمير عليّ بْن يحيى الأرمنيّ بلاد الروم، فأوغلَ فيها، فيقال: إنه شارفَ القسطنطينية فأحرق ألف قرية، وقتل عشرة آلاف علْج، وسبى عشرين ألف رأس، وعاد غانما سالما. وفيها عُزِلَ يَحيى بْن أكثم عن القضاء، وصُودر، وأُخِذَ من داره مائة ألف دينار، وأُخِذَ له من البصرة أربعة آلاف جريب. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وأربعين
فيها تُوُفيّ عبد بن حُمَيْد، وأبو حفص الفلاس. وفي صَفَر شغب الْجُنْد ببغداد عند مقتل عمر بن عُبَيْد الله الأقطع، وعلي بن يحيى الأرمني أمير الغزاة، قتلا ببلاد الروم مجاهدين، وعند استيلاء التُّرْك على بغداد، وَقَتْلِهِم المتوكّل وغيره، وتَمَكُّنِهِم من الخلفاء وأذِيّتهم للنّاس. ففتح الْجُند والشّاكريّة السُّجون، وأحرقوا الجسر، وانتهبوا الدَّواوين، ثمّ خرج نحو ذلك بسُرَّ من رأى. فركب بُغا وأُوتامِش، وقتلوا من العامة جماعة. فحمل عليهم العامة، فقتل من الأتراك جماعة. وشُجّ وَصِيف بحجر، فأمر بإحراق الأسواق. وفي ربيع الآخر قُتِل أُوتامِش وكاتبه شجاع، فاستوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد. وفيها عُزِل عن القضاء جعفر بن عبد الواحد وولاه جعفر بن محمد بن عمّار البرجمي الكوفي. وكانت زلزلة هلك منها خلق تحت الهدم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وخمسين ومائتين
فيها توفي أَبُو إِسْحَاق الجوزجانيّ الحافظ، وإسحاق بْن وهْب العلاف، وأحمد بن إسماعيل السهمي، وإسحاق البغوي لؤلؤ، وبشر بْن مطر السامريّ، وحجاج بْن الشّاعر، وعلي بْن مَعْبَد نزيل مصر، ومحمد بْن يزيد السُّلَميّ النَّيسابوري، ومحمود بْن سميع الدِّمشقيُّ، ومحمد بن آدم المروزي. وفيها عرض الموفق عسكره بواسط، وجاءته النجدة، وهيّأ السُّفن ليدخل إلى الخبيث رأس الزنج، وكان قد نزل البطيحة وبثق حوله الأنهار وتحصن، فهجم عَلَيْهِ الموفّق، فأحرق أكواخه، وقتل من أصحابه مقتلةً كبيرة، واستنقذ مِنَ النُّسوان جمْعًا كبيرًا، وردّ إلى بغداد، واستخلف عَلَى حرب الخبيث محمد بْن المولّد، فسار الخبيث إلى الأهواز، وقتل خمسين ألفًا، وسبى أربعين ألفًا، وأهلك الأمّة، فسار لحربه مُوسَى بْن بُغَا، فأقام يحاربه بضعة عشر شهرًا، وقُتِل خلق من الطائفتين وفيها قُتِل كنجور، وكان عَلَى إمرة الكوفة، فانصرف منها يريد سامرّاء بغير إذْن المعتمد، فأرسل إِلَيْهِ يأمره بالرجوع، فامتنع، فبعث إِلَيْهِ مالَا ليفرّقه فِي أصحابه، فلم يقنع بِهِ، وقويت نفسه، فجهّز المعتمد لحربه ساتكين، وعبد الرَّحْمَن بْن مُفْلح، وموسى بْن أتامش، وجماعة من الأمراء، فأحاطوا به، وأنزلوه عن فرسه وذبحوه. وفيها نزلت الروم، لعنهُمُ اللَّه، عَلِيّ ملطية وسُمَيْساط، فخرج أَحْمَد بْن محمد القابوس بأهل ملَطية، فهزموا الرّوم وقُتِل مقدّمهُمُ الأقرِيطشيّ، وفتح الله ونصر. وفي شوال ملك يعقوب بْن الليث الصّفّار نيسابور، فركب إلى خدمته محمد بن طاهر بْن عَبْد اللَّه بْن طاهر، فأخذ يعقوب يوبّخه ويعنّفه عَلَى تفريطه فِي البلَاد، حتى غلب عليها العدوّ، ثمّ اعتقله ورسم عَلَيْهِ وعلى أهل بيته، فبعث المعتمد ينُكْر عَلَى يعقوب ويأمره بالانصراف إلى ولَايته، فلم يقبل، واستولى عَلَى خُراسان، واستفحل أمرُه وشرّه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسعٍ وستّين ومائتين
فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن عَبْد الحميد الحارثيّ، وحُذَيْفة بْن غِياث، وإبراهيم بْن منقذ الخَوْلانيّ، وعبد الله بْن حمّاد الآمُليّ، ومحمد بْن إِبْرَاهِيم، أبو حَمْزَةَ الصُّوفيّ، وأبو فَروة يزيد بْن محمد بْن يزيد بن سنان. وفي المحّرم انكسفت الشّمس والقمر. وفيها قطعت الأعراب الطريق على الحُجّاج، فأخذت خمسمائة جمل بأحمالها. وفيها وثب خلف الفرغانيّ على يازمان خادم الفتح بْن خاقان، فحبسه بالثّغْر فوثب أَهْل الثّغر فخلَّصوه، وَهَمُّوا بقتل خَلَف، فهرب إِلَى دمشق، ولعنوا ابْنَ طولون على منابر الثَّغر، فسار أَحْمَد بْن طولون من مصر حَتَّى نزل أَذَنَةَ، وقد تحصّن بها يازمان الخادم، وفعل ذلك أَهْل طَرَسُوس، فأقام ابنُ طولون مدّة على أَذَنَة، فلم يظفْر بها بطائل، فعاد إلى دمشق. وفيها افتتح لؤلؤ قرقيسياء عنوةً، وأخذها من ابن صفوان العقيلي، وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق. -[252]- وفيها دخل الموفَّق مدينة الخبيث عَنْوَة. وكان الخبيث عند قُتِلَ بَهْبُوذ أَخَذَ تَرِكَتَه وأمواله، وضربَ أقاربه بالسِّياط، ففسدت نيّات خواصّه لذلك، فعبر الموفَّق المدينة ونادى بالأمان فتسارع إليه أصحاب بَهْبُوذ، فأحسنَ إليهم، ثُمَّ دخل المدينة بعد حربٍ شديد، وقصدَ الدّار الّتي سماها الخبيث جامعًا، فقاتل أصحابه دونه أشدّ قتالٍ، حَتَّى قُتِلَ منهم خلق، ثُمَّ هدم أصحاب الموفَّق فِي الدّار، وهو يبذل الأموال فِي الْجُنْد لينصحوا، فهدموها وأتوا بالمِنْبَر الَّذِي للخبيث، ففرح وخرج إِلَى مدينته بعد أن نهب خزائن الخبيث، وأحرق الأسواق والدُّور. وذلك فِي جمادى الأولى. وَرُمِيَ يومئذٍ الموفَّق بسهمٍ فجرحه، ثمّ إنه أصبح على القتال، فزاد عليه الألم بالحركة، وخيف عليه، وخافوا قوّة الخبيث عليهم، وأشاروا عليه بالرحيل إِلَى بغداد، فأبى وتصبَّر حَتَّى عوفي وعاد لحرب الخبيث، وقد رمّ الخبيث ما وهى من مدينته. وَفِي نصف جُمادى الأولى شخص المعتمد من سرَّ من رَأَى يريد اللّحاق بابن طولون لأمرٍ تقرَّر بينهما. قَالَ أَحْمَد بْن يوسف الكاتب: خرج أَحْمَد بْن طولون من مصر، وحمل معه ابنه الْعَبَّاس معتَقَلًا، فقدِم دمشق، وخرج المعتمد من سامُراء على وجه التّنزُّه، وقصْدُه دمشق لاتّفاقٍ جرى بينه وبين ابنُ طولون، فَلَمَّا بلغ ذلك الموفَّق كتب إِلَى إِسْحَاق بْن كُنْداج يقول: مَتَى استولى ابنُ طولون على المعتمد لم يبق منكم مَعْشَر الموالي اثنان فاجتهد فِي ردّه. وكان ابنُ كُنْداج فِي نصِّيبين فِي أربعة آلاف، فصار إِلَى المَوْصِل، فوجد حرّاقات المعتمد وقُوّاده بموضعٍ يُقَالُ له الدَّواليب، فوكَّل بهم هناك، وسار فلقي المعتمد بين المَوْصِل والحديثة، فخرج إليه نحرير الخادم، وسلَّم عليه واستأذن فأُذِنَ له، فدخل ابنُ كنْداج ومعه ابنه محمد وجماعة يسيرة، فسلَّم ووقف، وقَالَ: يا إِسْحَاق لِمَ منعت الحَشَم من الدّخول إِلَى المَوْصِل؟ وكان بين يديه أَحْمَد بْن خاقان وخطارمِش، فقال: يا أمير المؤمنين أخوك فِي وجه العدوّ، وأنت تخرج عن مستقرّك ودار مُلْكك، ومتى صحّ عنده هَذَا رجع عن مقاومة الخارجيّ، فيغلب عدوّك على دار آبائك. وهذا كتاب أخيك يأمرنا بردّك. فقال: أنت غلامي أو غلامه؟ فقال: كلُّنا غلمانك ما -[253]- أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لك وقد عصيت الله فيما فعلت من خروجك، وتسليط عدوّك على المسلمين ثُمَّ خرج من المضرب ووكّل به جماعة. ثُمَّ بعث إِلَى المعتمد يطلب ابن خاقان وخطارمش وتينك ليناظرهم. فبعث بهم إليه فقال: ما جنى أحد على الْإِسْلَام والخليفة ما جنيتم، أخرجتموه من دار مُلْكه فِي عدّةٍ يسيرة، وهارون الشّاري بإزائكم فِي جمعٍ كبير؟ فلو حضركم وأخذ الخليفة لكان عارًا وسبَّةً على الْإِسْلَام. ثُمَّ رسّم عليهم، وبعث إِلَى الخليفة يقول: ما هذا بمقام، فارجع. فقال المعتمد: فاحلف لي أنّك تنحدر معي ولا تسلّمني. فحلف له، وانحدر إِلَى سامراء، فتلقّاه صاعد بْن مَخْلد كاتب الموفَّق، فسلّمه إِسْحَاق إليه، فأنزله فِي دار أَحْمَد بْن الخصيب، ومنعه من نزول دار الخلافة، ووكّل به خمسمائة رَجُل يمنعون من الدّخول إليه. وأمّا الموفَّق فبعث إِلَى إِسْحَاق بخلعٍ وأموالٍ، وأقطعه ضياع القُوّاد الذين كانوا مع المعتمد. وقَالَ الصُّوليّ: كان المعتمد قد تخيل من أَخِيهِ الموفَّق، فكاتب ابنُ طولون واتّفقا فذكر الحكاية كما تقدم. وقَالَ المعتمد: أليس من العجائب أنّ مثلي ... يَرَى ما قلَّ ممتنعًا عليه؟ وتُوكَلُ باسمه الدُّنيا جميعًا ... وما من ذاك شيءٌ فِي يديه؟ ولقّب الموفَّق صاعدًا: ذا الوزارتين، ولقب ابنُ كُنْداج: ذا السَّيفين. وأقام صاعد فِي خدمة المعتمد، ولكن ليس للمعتمد حلّ ولا ربْط. ولمّا بلغ ابنُ طولون ذلك جمع القُضاة والأعيان وقَالَ: قد نكث الموفَّق أبو أَحْمَد بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد. فخلعوه إلّا القاضي بكّار بن قتيبة؛ فإنه قال: أنت أوردت عليَّ كتابًا من المعتمد بولايته العهد، فأورِدْ عليَّ كتابًا آخر منه بخلْعه. فقال: إنّه محجورٌ عليه ومقهور. فقال: لا أدري. فقال ابن طولون: غرّك النّاس بقولهم: ما فِي الدُّنيا مثل بكّار؛ أنت شيخ قد خرَّفت. وحبسهُ وقيّدهُ، وأخذ منه جميع عطاياه من سنين، فكان عشرة آلاف دينار، فَقِيلَ: إنّها وُجدت فِي بيت بكّار بختمْها وحالها. وبلغ -[254]- الموفَّق فأمر بلعنة ابنُ طولون على المنابر. وفيها سار ابنُ طولون إِلَى المصِّيصة. وبها يازمان الخادم، فتحصّن ونزل ابنُ طولون بالمَرْج والبردُ شديد. فشقّ عليه يازمان نهر طَرَسُوس، فغرق المرج وهلك غالب عسكر ابنُ طولون، فرحل وهو خائف، وخرج أَهْل طَرَسُوس، فنهبوا بقايا عسكره، ومرِض فِي طريقه مرضته التي مات فيها مغبونًا. وولّي الموفَّق إِسْحَاق بْن كُنْداج المغرب كلّه والعراق كلّه، وما كان بيد أَحْمَد بْن طولون. وفيها عبر الموفَّق إِلَى الخبيث وأحرق قطعة من البلد، وجرح ابنُ الخبيث وكاد يتلف. وَفِي شوّال كَانَتْ بين الموفَّق والخبيث وقعةٌ عظيمة. ولمّا رَأَى الخبيث أنّ الميرة قد انقطعت عَنْهُ وصعُب أمره، وقلّ عنده الشيء، حَتَّى كان أحدهم إذا وقع بامرأة أو صبي ذبحه وأكله. وكان الخبيث لا يعاقب من يفعل ذلك لكن يحبسه. ثُمَّ إنّ الموفَّق أحرق عامّة البلد وقصر الإمارة، وخافت الزَّنج، فقاتلوا قتالًا شديدًا، ثُمَّ انهزموا، وعبر الخبيث إِلَى الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، واستأمن إِلَى الموفَّق جماعة من القُوّاد أصحاب الخبيث وخاصّته، وفتحوا سجنًا كبيرًا كان للخبيث فِيهِ خلْق من عساكر المسلمين وأصحاب الموفَّق، فأطلقوهم. وَفِي ذي القعدة دخل المعتمد إلى واسط. وفيه سارت السُّفن والسّماريات وجيوش الموفَّق على ترتيب لم يُرَ مثله كثْرةً وأُهْبةً، فَلَمَّا رَأَى الخبيث ذلك بَهره وزال عقله. وزحف الجيش نحو الخبيث، فالتقاهم فِي جيشه، والْتحم القتال، وحمل الموفَّق وابنه والخواصّ، فهزموا الزَّنج، وقتلوا منهم مقتلةً هائلة، وأسروا خلقًا، فَضُرِبَتْ أعناقهم. وقصد الموفَّق دار الخبيث، وقد التجأ إليها، وانتخب أنجاد أصحابه ليدافعوا عَنْهَا، فَلَمَّا لم يُغْنوا عَنْهُ شيئًا أسلمها، وتفرّق عَنْهُ أصحابه، ونُهِبَتْ داره وحُرَمُه وأولاده، فهرب الخبيث نحو دار المهلّبيّ قائده. وأُتِيَ بحريمه وذرِّيتّه فكان عددهم أكثر من مائة، فأمر الموفَّق بحملهم إِلَى الموفَّقيّة وأحسن إليهم، وأمر بإحراق دار الخبيث. وكان عنده نساء علويّات وحرائر قد استباحهنّ، وجاءه منهنّ أولاد. فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العليّ العظيم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسعٍ وسبعين ومائتين
تُوُفيّ فيها: المعتمد على الله، وأحمد بْن الخليل البرجلاني، وأحمد بْن أبي خيثمة، وإبراهيم بْن عَبْد الله القصار، وأبو يحيى بن أبي مسرة، وأبو عيسى الترمذي. ولثمانٍ بقين من المحرم خلع جَعْفَر المفوض من العهد، وقدم عليه -[474]- المعتضد، وكتب إلى الآفاق بذلك. وتم ذلك لتمكن المعتضد من الأمور، ولطاعة الجيش له. وفيها أمر المعتضد أن لا يقعد فِي الطريق منجم ولا قصاص، واستحلف الوراقين لا يبيعون كتب الفلاسفة والجدل ونحو ذلك. وضعف أمر المعتمد معه، وتُوُفيّ بعد أشهر من السنة، فولي المعتضد أبو العباس ابن الموفق الخلافة. وفيها قدم رسول خمارويه صاحب مصر بهدية إِلَى المعتضد، وذلك عشرون حمل بغلٍ من الذهب من سوى الخيل والسروج والجواهر والتحف، وزرافة، وقدمت عليه هدايا عَمْرو بْن اللَّيْث، فولاه خراسان. وتوجهت الرسل في تزويج علي ابن المعتضد ببنت خمارويه؛ ثم تزوجها المعتضد. وفيها تُوُفيّ نصر بْن أَحْمَد بْن أسد أمير ما وراء النهر، فولى بعده أخوه إسماعيل. وفيها فتح أحمد بن عيسى ابن الشَّيْخ قلعة ماردين، أخذها من محمد بْن إسحاق بن كنداج. وصلّى المعتضد بالناس صلاة الأضحى، فكبر فِي الأولى ستًا، وَفِي الثانية واحدة. ولم تسمع منه الخطبة. وحج بالناس هارون بْن محمد العباسي، وهي آخر حجةٍ حجها بالناس، وكان قد حج بهم ست عشرة حجة متوالية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسعٍ وثمانين ومائتين
فيها تُوُفِّي: أبو عبد الملك أَحْمَد بن إِبْرَاهِيم البُسْريّ، والمعتضد بالله، وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، وإبراهيم بن أحمد الأغلبي أمير القيروان، وأنس بن السّلم، وجماعة كبار. وفيها فاض ماء البحر على الساحل، فأخرب البلاد والحصون التي عليه، وَهَذَا لم يعهد. وفيها ظفر بسرية للقرامطة فأسر جماعة وقائد السرية ابن أبي الفوارس فعذب وقتل. وفي ربيع الآخر اعتل المُعْتَضِد علّة صعبة، وتماثل، فَقَالَ ابن المعتز: طار قلبي بجناح الوجيب ... جزعًا من حادثات الخُطوب وحذارًا من أن يُشاك بسوء ... أسدُ المُلك وسيفُ الحروب ثم انتكس ومات في الشهر. وقام بعده ولده المُكْتَفِي بالله أبو محمد عَليّ، وليس في الخلفاء من اسمه عَليّ إِلا هو، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وُلد سنة أربعٍ وستين ومائتين، وأُمه تركية. وكان من أحسن الناس. وَلَمَّا نُقل المُعْتَضِد اجتمعوا في دار العامة، وفيهم مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، ووصيف، موشكير، والفضل بن راشد، ورشيق، وكان بدر المعتضدي بفارس، فقالوا للقاسم بن عُبَيْد الله الوزير: خُذ البيعة. فَقَالَ: المُعْتَضِد حي، ولا آمن إفاقته، وقد أطلقتُ المال، فيُنكر عَليّ. فقالوا: إن -[662]- عُوفي فنحن المناظرون دونك. وكان في عزْمه أن يزوي الأمر عن المُكْتَفِي، لكن رأى ميلهم إلى المُكْتَفِي، فأخذ له البيعة بعد العصر من يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلةً بقيت من ربيع الآخر. وأحضر أحمدُ بن محمد بن بسطام أولاد الخلفاء: عبد الله بن المعتز، وقصي ابن المؤيد، وعبد العزيز ابن المعتمد، وعبد الله ابن الموفق أبي أحمد، فأخذ عليهم البيعة للمكتفي. وَتُوُفِّي المُعْتَضِد ليلة الإثنين لثمانٍ بقين من الشهر. وكان المُكْتَفِي بالرقة، فكتب إليه الْقَاسِم بالخلافة، وَأَنَّ في بيوت الأموال عشرة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم أضعافها، ومن الجواهر ما قيمته كذلك، ومن الثياب والخيل، وذكر أشياء كثيرة. وَقِيلَ: إنَّ الجند تحركوا ببغداد عند موت المعتضد، ففرق القاسم فيهم العطاء، فسكنوا. ووافى المُكْتَفِي بغداد في سابع جُمَادَى الأولى، ومر بدجلة في سمارية، وكان يومًا عظيمًا. وسقط أبو عُمَر القاضي من الزّحمة من الجسر، وأُخرج سالمًا. ونزل المُكْتَفِي بقصر الخلافة، وتكلمت الشعراء، وخلع على الْقَاسِم بن عُبَيْد الله سبْع خِلع، وقلّده سيفًا. وهدم المطامير التي اتخذها أبوه، وصيرها مساجد. وأمر برد البساتين والحوانيت التي أخذها أبوه من النَّاس ليعملها قصرًا. وفرّق أموالا جزيلة. وسار سيرةً جميلة، فأحبه النَّاس ودعوا له. ومات في السجن عَمْرو بن اللَّيْث الصَّفَّار في اليوم الذي دخل فيه المُكْتَفِي بغداد. فَقِيلَ: إنَّ الْقَاسِم الوزير قتله سرًا، خوفًا من إخراجه، فإنه كان محسنًا إلى المُكْتَفِي أيام مقامه بالري. وفي رجب ورد الخبر إلى بغداد أَنَّ أهل الرَّيِّ كتبوا إلى الأمير محمد بن هارون الذي كان إسْمَاعِيل بن أَحْمَد متولي خُرَاسَان بعثه لقتال العلوي وولاه طَبَرسْتَان، فخلع محمد بن هارون الطاعة، ولبس البياض، وسار إلى الرَّيِّ، وكان واليها أوكرتُمُش قد غشم وظلم، فالتقيا، فهزمه محمد وقتله، وقتل ولديه وقواده، واستولى على الري. وفي رجب زُلزلت بغداد زلزلةً عظيمة دامت أياماً. وفيها خُلع على أَحْمَد بن محمد بن بسطام، وأمر على آمد، وديار ربيعة. -[663]- وفيها هبت ريحٌ عظيمة بالبصرة، قلعت عامة نخلها، ولم يسمع بمثل ذلك. وفيها خرج بالشام يَحْيَى بن زكرويه القَرْمَطيّ، وجمع الأعراب، فقصد دمشق وبها طُغْج بن جُفّ نائب هارون بن خُمَارَوَيْه، فكانت بينهما حروبٌ، إلى أن قُتل في أول سنة تسعين. وسبب خروجه أَنَّ زَكْرَوَيْه بن مهرويه القَرْمَطيّ لَمَّا رأى متابعة الجيوش إلى من بسواد الكوفة وضعُف، سعى في استغواء الأعراب الذين بالسواد، فاستجابوا له. وكان طائفة من كلب يخفرون الطريق على السماوة، فيما بين دمشق والكوفة على طريق تدمر. ويحملون الرسل وأمتعة التجار على إبلهم. فأرسل زَكْرَوَيْه أولاده إليهم فبايعوهم، وخالطوهم، وانتسبوا إلى أمير المؤمنين عَليّ، وإلى إسْمَاعِيل بن جعفر بن محمد الصادق، فقبلوهم، فدعوهم إلى رأي القرامطة، فلم يقبل منهم إِلا طائفة، فبايعوهم. وكان المُشار إليه في القرامطة يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه أبو القاسم. وذكر لهم أن له بالعراق والشرق مائة ألف تابع، وَأَنَّ ناقته مأمورة، وَأَنَّهُم متى اتبعوها في مسيرها ظفروا، فقصدوا الرصافة، التي هي غربي الفرات، فقتلوا أميرها، وأكثروا الفساد. وفيها كانت وقعة بين جيش إسْمَاعِيل بن أَحْمَد، وبين محمد بن هارون على باب الرَّيِّ. وكان محمد في مائة ألف، فكانت الدبرة عليه، فانهزم إلى الدَّيلم في ألف رجل، فاستجار بهم. وفيها قَوِيَت أمور أبي عبد الله الشيعي بالمغرب، فصنع صاحب إفريقية صُنع محمد بن يَعْفُر ملك اليمن، فانسلخ من الإمارة، وأظهر توبةً، ولبس الصُّوف، وردّ المظالم، وخرج إلى الروم غازيًا. فقام بعده ابنه أبو العَبَّاس. وكان خروج إِبْرَاهِيم بن أَحْمَد صاحب إفريقية منها وركوبه البحر سنة تسعٍ وثمانين، فوصل إلى صقلية، ومنها إلى طبرمين، فافتتحها في شعبان، ثم حاصر كنيسة، فمرض عليها بإسهال، ومات في ذي القِعْدَة. وكانت ولايته ثمانية وعشرين عاماً ونصفا، ودفن بصقلية. واشتهر أمر أبي عبد الله بأرض كُتامة، وسمي المشرقي لقدومه من المشرق. فكان إِذَا بايعه الواحد قِيلَ: تشرَّق، وتسارع المغاربة إليه. وَلَمَّا استفاضت دعوة المهدي كثُر الطلب عليه من العراق والشام، فسار متنكرًا من سلمية، ثُمَّ إلى الرملة، ثُمَّ مصر، ومعه ولده محمد صبي، وأبو العَبَّاس أخو الداعي -[664]- أبي عبد الله بزي التُّجار. فتوصلوا إلى طرابلُس الغرب. فَلَمَّا وصل المهدي إلى طرابلُس الغرب قدم أبو العَبَّاس أخو الداعي إلى القَيْرُوَان فوصلها، وقد جاءت المكاتبات من مصر بالإنذار بالمهدي وصفته والتوكيد في طلبه، فعُني زيادةُ الله بطلبه، وتقصّى أخباره، فوقع بأبي العَبَّاس، فقرّره فلم يعترف، فحبسه برقّادة. وكتب إلى طرابلُس في طلب المهدي، وكان قد خرج منها قاصدًا أبا عبد الله داعيته، وفات أمره. ثُمَّ علِم في طريقه بحبْس رفيقه، فعدل إلى سِجِلْماسة، وأقام بها يتَّجر، فبلغ زيادة الله أَنَّهُ بسِجِلْماسة، فقبض متوليها على المهدي وابنه. ثُمَّ وقعت الحرب بين زيادة الله وبين أبي عبد الله الداعي، فهزمه أبو عبد الله مرات، وهرب من الجيش أبو العَبَّاس، ثُمَّ مُسك. ثُمَّ سار زيادة الله منهزمًا إلى مصر، ولحق أبو العَبَّاس بأخيه. ثُمَّ سارا في جيشٍ كثيفٍ وطلبا سِجِلْماسة، فخرج اليَسَع متوليها للقتال، فهزمه أبو عبد الله سنة ست وتسعين، كما سيجيء. وفيها صلى المُكْتَفِي بِالنَّاس يوم النحر بالمُصلّى. وفيها قتل بدر المعتضدي. وكان المعتضد يحبه. وكان بدر جوادًا كريمًا شجاعًا، وكان يؤثر الْقَاسِم بن عُبَيْد الله الوزير ويتعصب له، فَقَالَ المُعْتَضِد: والله لا قتله غيره. فكان كما قَالَ. وذلك أَنَّ الْقَاسِم همّ بنقل الخلافة عند موت المُعْتَضِد إلى غير ولده، وناظر بدرًا في ذَلِكَ، فامتنع بدر، فَلَمَّا رأى الْقَاسِم ذَلِكَ وعلم أن لا سبيل إلى مخالفة بدر، إِذْ كان المستولي على الأمور، اضطغنها على بدر. وحدث على المُعْتَضِد الموت، وبدر بفارس، فعمل الْقَاسِم على إهلاكه. وكان بين بدر وبين المُكْتَفِي تباعد في أيام أبيه. فأشار القاسم على المُكْتَفِي أن يكتب إلى بدر بأن يقيم بفارس، ويبعث إليه بالمال، وأن يختار من الولايات ما شاء، ولا يقدم الحضرة. وخوّف المُكْتَفِي منه. فكتب إليه مع يانس المُوفّقي بذلك، وبعث إليه بعشرة آلاف ألف درهم. فَلَمَّا وصل إلى بدر فكّر وخاف لبعده من مكر القاسم. فكتب إلى المكتفي يقول: لا بد من المصير إلى الحضرة، وأن أشاهد مولاي. فَقَالَ الْقَاسِم له: قد جاهرك بالعصيان، ولا آمنه عليك. وكاتب الْقَاسِم الأمراء الذين مع بدر بالمصير إلى باب الخليفة. فأوقفوا بدرًا على الكُتب وقالوا: قُمْ معنا حَتَّى نجمع بينك وبين الخليفة فَقَالَ: قد كتبت إليه، وأنا منتظر جوابه. ففارقوه ووصلوا إلى بغداد. وجاء بدر فنزل واسطًا. فندب الْقَاسِم أبا حازم القاضي وَقَالَ: اذهب إلى بدرٍ برسالة أمير المؤمنين بالأمان والعُهود. فامتنع، وكان وَرعًا، وَقَالَ: لِمَ -[665]- أؤدي عن الخليفة رسالة لم اسمعها منه؟ قَالَ: أما تقنع بقولي؟ قَالَ: في مثل هَذَا ما يكفيني. فندب أبا عُمَر محمد بن يوسف القاضي، فأجاب مسرعًا، وانحدر إلى واسط، فاجتمع ببدر، وأعطاه الأيمان المُغلّظة عن المكتفي، فنزل بدر في طيار، وترك أصحابه بواسط ليلحقوه في البَرّ. فبينا هُوَ يسير، إِذْ تلقاه لؤلؤ غلام الْقَاسِم في جماعةٍ، فنقلوا القاضي إلى طيار آخر، وأصعدوا بدراً إلى جزيرة. فلما عرف بدر أَنَّهُم قاتلوه قَالَ: دعُوني أصلّي ركعتين وأُوصي، فتركوه؛ فأوصى بعتق أرقابه، وصدقة ما يملك، وذبحوه في الرّكعة الثانية، في ليلة الجمعة السابعة والعشرين من شهر رمضان، وقدموا برأسه على المكتفي، فسجد. وذمّ النَّاس أبا عُمَر القاضي وقالوا: هُوَ غر بدرا؛ وندم القاضي غاية الندم. وقال شاعر: قل لقاضي مدينة المنصور ... بمَ أحللت أخذ رأس الأمير؟ بعد إعطائه المواثيق والعه ... د وعقد الأمان في منشور أين أيمانك التي شهد الل ... هـ على أنها يمينُ فُجور أَنَّ كفّيكَ لا تفارق كفي ... هـ إلى أن يرى مَلِيكَ السرير يا قليل الحياءٍ يا أكذبَ الأ ... مة يا شاهدًا شهادة زور أيّ أمر ركبت في الجمعة الغ ... راء من خير شهر هذي الشُّهُور قد مضى من قتلت في رمضا ... ن صائمًا بعد سجدة التعفير يا بني يوسف بن يعقوب أضحى ... أهل بغداد منكم في غرور في أبيات. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسعٍ وتسعين ومائتين
فيها تُوُفي: أحمد بن أنس بن مالك الدِّمشقيّ، وأبو عَمْرو الخفاف الزّاهد أحمد بن نصر الحافظ، والحسين بن عبد الله الخرقي الفقيه والد مصنف الخِرَقيّ، وعليّ بن سعيد بن بشير الرّازيّ، ومحمد بن يزيد بن عبد الصمد، وممشاذ الدينوري الزاهد. -[874]- وفيها قبض المقتدر على وزيره أبي الحسن بن الفُرات، ونُهِبَتْ دُورُه، وهُتِك حُرَمُه. وقيل: إنه ادُّعي عليه أنّه كاتَبَ الأعراب أن يكبسوا بغداد. ونهبت بعض بغداد عند قبضه. واستوزر أبا عليّ محمد بْن عُبَيْد اللَّه بْن يحيى بْن خاقان. وفيها وردت هدايا مصر، فيها خمسمائة ألف دينار، وضلع إنسان عرض شبْر، في طول أربعة عشر شِبْرًا، وتَيْس له ضرْع يحلب لبناً. ووردت هدايا أحمد بن إسماعيل بن أحمد أمير خُراسان، فيها جواهر ويواقيت لا تُقَوَّم. ووردت هدايا يوسف بن أبي السَّاج، فكانت خمسمائة رأس من الخيل والبغال، وثمانون ألف دينار، وبساط روميّ طولُه سبعون ذراعًا، في عرض ستّين ذراعًا، نُسِجَ في عشر سنين، وغير ذلك. وفيها سار المسمّى بالمهديّ إلى المهديّة بالمغرب، وَدُعِيَ له بالخلافة برَقّادة والقيروان وتلك النواحي، وعظم ملكه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وثلاث مائة
فيها جري بين أبي جعفر محمد بن جرير الطِّبَريّ وبين الحنابلة كلام، فحضَر أبو جعفر عند عليّ بن عيسى لمناظرتهم، فلم يحضروا. وفيها: قدِم مؤنس من حرب صاحب القيروان، فخلع عليه المقتدر، ولقَّبهُ بالمظفَّر. وسار ثمل الخادم من طرسُوس في البحر إلى الإسكندريّة فأخذها من جيش المغاربة. وفيها: عُزِل تكين عن مصر بأبي قابوس محمود بن حمك، فأقام ثلاثة أيام، ثمّ عُزِل وأُعيد تَكِين. وفيها: عسكر مؤنس وتَكِين والقوّاد وساروا إلى الفيّوم لحرب عساكر القائم، فرجع القائم إلى إفريقيّة مِن غير قتال، وذلك في أوائل السنة. وفيها: قُتل الحلاج، وقد مرّ من أخباره في سنة إحدى وثلاث مائة؛ وهو -[17]- أبو عبد الله الحسين بن منصور بن مَحْمِيّ، وقيل: أبو مغيث. وكان محميّ مجوسيًّا فارسيا. نشأ الحسين بواسط، وقيل: بتستر، وتلمذ لسهل بن عبد الله التستري. ثم قدم بغداد وأخذ عن الجنيد والنوري، وابن عطاء، وأخذ في المجاهدة ولبْس المُسُوح. ثمّ كان في وقتٍ يلبس الأقبية، وفي وقت يلبس المصبوغ. وقيل: كان أبوه حلاجًا. وقيل: أنّه تكلَّم على النّاس، فقيل: هذا حلاج الأسرار. وقيل: إنّه مرَّ على حلاجٍ، فبعثه في شغلٍ له، فلمّا عاد الرجل وجده قد حلجَ كلّ قطنٍ في الدُّكّان. وقد دخل الهند وأكثر الأسفار وجاور. قال حَمَدٌ ابْنُه: مولد أبي بطور البيضاء، ومنشأه بِتُسْتَر. ودخل بغداد فكان يلبس المُسُوح، ومرّةً يلبس الدّرّاعة والعمامة، ومرّة القباء، ووقتًا يمشي بخرقتين. وخرجَ إلى عَمْرو بن عثمان المكّيّ وإلى الْجُنَيْد وصحِبَهما. ثمّ وقع بين الجنيد وبين أبي لأجل مسألة، ونسبه الْجُنَيد إلى أنّه مدَّعي. فرجع بأمّي إلى تُسْتَر، فوقع له بها قَبُولٌ. ولم يزل عَمْرو بن عثمان المكّيّ يكتب الكُتُب فيه بالعظائم، حتّى غضب ورمى بزِيّ الصُّوفيّة ولبس قباءٍ، وصحِبَ أبناء الدّنيا. ثمّ سافر عنّا خمس سِنين، بلغ إلى ما وراء النّهر؛ ثمّ رجع إلى فارس، وأخذ يتكلَّم ويدعو إلى الله. وصنَّف لهم، وتكلَّمَ على الخواطر، ولُقِّبَ حلاج الأسرار. ثمّ قدِم الأهواز فحُمِلت إليه، ثم خرج إلى البصرة ثمّ إلى مكّة، ولبس المرقَّعَة، وخرج معه خلْق، فتكلّم فيه أبو يعقوب النهْرَجُوريّ وحسده، فقدِم الأهوازَ، وحمل أمّي وجماعة من رؤسائها إلى بغداد، فبقي بها سنة، ثمّ قصدَ الهند وما وراء النهّر ثانيًا، ودعا إلى الله، وصنَّف لهم كُتُبًا، ثمّ رجع، فكانوا يكاتبونه من الهند بالمُغِيث، ومن بلاد تركستان بالمقيت، ومن خراسان، بالمميز، ومن فارس بأبي عبد الله الزاهد، ومن خوزستان بالشيخ حلاج الأسرار. وكان ببغداد قوم يسمّونه: المصْطَلِم، وبالبصرة المحيّر. ثمّ كثُرت الأقاويل عليه بعد رجوعه من هذه السَّفْرة، فحج وجاوَرَ سنتين وجاء. وتغيّر عمّا كان عليه في الأوّل، واقتنى العقار ببغداد، وبنى دارًا ودعا النّاس إلى معنًى لم أقف عليه، بل على شطر منه، حتّى خرج عليه محمد بن داود وجماعة من أهلِ العلم، وقبَّحوا صورته. ووقع بين عليّ بن عيسى وبينه لأجل نصر القُشُوريّ، ثمّ وقع بينه وبين الشِّبْليّ وغيره من المشايخ، فقيل: هو -[18]- ساحر، وقيل: هو مجنون، وقيل: بل له كرامات، حتّى حبسه السّلطان. روى هذا ابن باكُوَيْه الشِّيرازيّ، قال: أخبرني حمد بن الحلاج، فذكره. وقال الحسين بن محمد المزاري: سمعت أبا يعقوب النَّهْرَجُوري يقول: دخل الحسين إلى مكّة فجلس في صحن المسجد سنة لَا يبرح من موضعه الّا لطهارةٍ أو طواف، ولا يُبالي بالشّمس ولا بالمطر، ويُفْطر على أربع عضّات مِن قُرصٍ يؤتَى به، ثم إنه سافر إلى الهند، وتعلَّم السِّحر. وقال أحمد بن يوسف التّنُوخيّ الأزرق: كان الحلاج يدعو كلّ وقتٍ إلى شيء على حسب ما يَسْتَبْله طائفة. أخبرني جماعة من أصحابه أنّه لمّا افتتن النّاس به بالأهواز ونواحيها لِما يُخْرجه لهم من الأطعمة في غير حِينها والدّراهم، ويسمّيها دراهم القدرة. وحدث أبو عليّ الْجُبَّائيّ بذلك فقال: هذه الأشياء يمكن الحِيَل فيها، ولكنْ أدخِلُوه بيتًا من بيوتكم، وكلفوه أن يخرج منه جرزتين شوكا فبلغ الحلاج، فخرج عن الأهواز. وعن محمد بن يحيى الرّازيّ قال: سمعت عَمْرو بن عثمان المكّيّ يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتلته؛ قرأت آية فقال: يمكنني أن أؤلف مثله. وقال أبو يعقوب الأقطع: زوّجت بنتي من الحلاج، فبانَ لي بعد مُدَيدة أنّه ساحر محتال. وقال أبو عُمَر بن حَيَّوَيْه: لما أُخْرِج الحلاج لِيُقْتَلَ مَضَيْتُ وزاحَمْتُ حتّى رأيته، فقال لأصحابه: لَا يَهُولَنَّكُم، فإنّي عائد إليكم بعد شهر. هذه حكاية صحيحة توضح أنّه مُمَخْرِق حتّى عند القتل. وقال أبو بكر الصولي: جالسْت الحلاج، فرأيت جاهلًا يتعاقل، وعييًا يتبالغ، وفاجرًا يتزهد. وكان ظاهره أنّه ناسك، فإذا علم أن أهل بلد يرون الاعتزال صار معتزليًا، أو يرون التشيع تشيع، أو يرون التسنن تسنن. وكان يعرف الشعبذة والكيمياء والطب. وكان حينًا ينتقل في البلاد، ويدعي الربوبية، ويقول للواحد من أصحابه: أنت آدم؛ ولذا: أنت نوح؛ ولذا: أنت محمد. ويدعي التناسخ، وأن أرواح الأنبياء انتقلت إليه. وروى عليّ بن أحمد الحاسب، عن أبيه قال: وجَّهني المعتضد إلى الهند، وكان معنا في السفينة رجل يقال له الحسين بن منصور، فقلت له: فيم جئت؟ قال: أتعلَّم السِّحْر، وأدعو الخلق إلى الله. -[19]- وقال أبو بكر الصوليّ: قبضَ عليّ بن أحمد الراسبي الأمير على الحلاج وأدخله بغداد وغلاما له على جملين مشهورَيْن سنة إحدى وثلاث مائة. وكتب يذكر أن البينة قامت عنده أنه يدعي الربوبية ويقول بالحلول. فأحضره عليّ بن عيسى الوزير، وأحضر العلماء فناظروه، فأسقط في لفظه، ولم يجده يُحسن من القرآن شيئًا ولا من غيره. ثم حبس مدة. قال الصولي: وكان يري الجاهل شيئًا من شعبذته، فإذا وثق به دعاه إلى أنه إله، فدعا فيمن دعا أبا سعيد بن نوبخت، فقال له، وكان أقرع: أَنْبِت في مقدم رأسي شعرًا. ثم ترقت به الحال، ودافع عنه نصر الحاجب لأنه قيل إنه سني، وإنما تريد قتله الرافضة. قال: وكان في كتبه: إني مغرق قوم نوح ومهلك عاد وثمود. وكان حامد بن العبّاس الوزير قد وجد لهُ كتبًا فيها أنّه إذا صام الإنسان وواصل ثلاثة أيّام وأخذ في اليوم الرابع ورقات هنْدباء فافطر عليها أغناه عن صوم رمضان. وإذا صلّي في لَيْلَةٍ واحدةٍ رَكْعَتَين طول الليل أغنته عن الصلاة ما بقي. وإذا تصدَّق في يومٍ بجميع ما يملكه أغناه عن الزّكاة. وإذا بنى بيتًا وصامَ أيامًا وطاف به أغناه عن الحجّ. فأحضر حامد القضاة وأحضره وقال: أتعرف هذا الكتاب؟ قال: هذا كتاب " السُّنَن " للحَسَن البصْريّ. فقال: ألست تدين بما فيه؟ قال: بلى. هذا كتاب أدين الله بما فيه. فقال له أبو عُمَر القاضي: هذا فيه نقض شرائع الإسلام. ثمّ جاراه في الكلام إلى أن قال له أبو عُمَر: يا حلال الدّم، من أيَّ كتابٍ نقلت هذا؟ قال: من كتاب " الإخلاص " للحَسَن البصْريّ. قال: كذبت يا حلال الدم، قد سمعنا الكتاب، وليس فيه شيء من هذا. فقال حامد لأبي عُمَر القاضي: قد أفتيت بأنه حلال الدّم، فضع خطَّك بهذا. فدافعَ ساعةً، فمدّ حامد يده إلى الدَّواة وقدّمها للقاضي وألحّ عليه، فكتب بأنّه حلال الدّم، وكتب الفُقَهاء والعُلماء بذلك خطوطهم، والحلاج يقول: يا قوم، لَا يحلّ لكم إراقةُ دمي. فبعث حامد بخطوطهم إلى المقتدر، وأستأذنه في قتله، فتأخّر عنه الجواب، فخاف أن يبدو للمقتدر فيه رأي لِما قد استمال من الخواصّ بزُهْده وتعبُّده في الحبْس، فنفَّذ إلي المقتدر أنّه قد ذاع كُفْره وادّعاؤه الرُّبوبيّة، وإنْ لم يقتل افتتن الناس، وتجرأ قومُ على الله تعالى وَالرُّسُلِ. فأذِن المقتدر في قتله. فطلب حامدُ صاحبَ الشرطة محمد بن عبد الصَّمد، وأمره أن يضربه ألف سَوط، فإنْ ماتّ وإلّا يقطع يديه ورِجْليه. -[20]- فلمّا كان يوم الثلاثاء لستِّ بقين من ذي القعدة أُحضِر الحلاج مقيَّدًا إلى باب الطّاق وهو يتبختر بقيده ويقول: حبيبي غير منسوب ... إلى شيء من الحيفِ سقاني مثل ما يشربُ ... فعلَ الضيف بالضيف فلما دارت الكاسُ ... دعا بالنطع والسيف كذا من يشرب الراح ... مع التنين في الصيف فضُرب ألف سوط، ثم قطعت يده ورجله، ثم حز رأسه وأحرقت جثته. وذكر ابن حوقل قال: ظهر من إقليم فارس الحسين بن منصور الحلاج، ينتحل الشك والتصوف، فما زال يترقى طبقا عن طبق حتى آل به الحال إلى أن زعم أنه من هذب في الطاعة جسمه، وشغل بالأعمال الصالحة قلبه، وصبر على مفارقة اللذات، ومنع نفسه عن الشهوات يترق في درج المصافاة حتى يصفوا عن البشرية طبعُه، فإذا صفى حلّ فيه روح الله الذي كان منه إلى عيسى ابن مريم عليه السّلام، فيصير مطاعًا، يقول للشيء: كن فيكون فكان الحلاج يتعاطى ذلك، ويدعو إلى نفسه، حتّى استمال جماعة من الوزراء والأمراء وملوك الجزيرة والجبال والعامة. وقال أبو الفرج ابن الجوزي: قد جمعت كتابًا سمّيته " القاطع لِمُحَال اللجاج بحال الحلاج "، وقال: قد كان هذا الرجل يتكلم بكلام الصُّوفيّة فتندر له كلمات حسان، ثم يخطلها بأشياء لا تجوز. وكذلك أشعاره، قال: فمنها: سبحان من أظهر ناسوتُهُ ... سِرَّ سَنا لاهُوتِه الثّاقبِ ثمّ بدا في خلقِه ظاهرًا ... في صورة الآكل والشارب حتّى لقد عايَنَهُ خَلْقُهُ ... كَلَحْظَةِ الحاجِبِ بالحاجِبِ قال: ولمّا حبس ببغداد استغوى جماعةً، فكانوا يستشفون ببوله، ويقولون: إنّه يُحيي الموتى. وقال ثابت بن سِنان: انتهى إلى حامد بن العبّاس في وزارته أمرُ الحلاج، وأنّه قد موَّه على جماعةٍ من الخَدَم والحشم وأصحاب المقتدر -[21]- وعلى خدم نصر ابن الحاجب بأنّه يُحْيِي الموتى، وأنّ الْجِنّ يخدمونه ويُحْضرون إليه ما يريد، وأنّ حَمْد بن محمد الكاتب قال: إنّه مرض فشربَ بَوْلَه، فعُوفي، وكان محبوسًا بدار الخلافة. وَسُعِيَ إلى حامد برجل يُعرف بالسّمّريّ وبجماعة، فقبض عليهم وناظرهم، فاعترفوا أنّ الحلاج إله وأنّه يُحْيِي الموتى. ووافقوا الحلاج وكاشفوه فأنكر. وكانت ابنة السمّريّ صاحب الحلاج قد أقامت عنده في دار السّلطان مدّة، وكانت عاقلة حسنة العبارة. فدعاها حامد فسألها عن أمره فقالت: قال لي يومًا: قد زوّجْتُك من سليمان ابني وهو بنَيْسابور، وليس يخلو أن يقع بين المرأة وزوجها خلاف، فإنْ جرى منه ما تكرهينه، فصُومي يومك، واصعدي آخر النّهار إلى السطح، وقومي على الرماد، وأَفْطري على المِلْح، واذكري ما أنكرته منه، فإنّي أسمع وأرى. قالت: وكنتُ نائمةً لَيْلَةٍ وهو قريب منّي، وابنته عندي، فما أحسست به إلّا وقد غشيَني، فانتبهتُ فَزعةً فقلت: ما لك؟ قال: إنّما جئت لأوقظك للصّلاة. وقالت لي بنته يومًا: اسجدي له. فقلت: أَوَ يسجد أحدُ لغير الله؟ وهو يسمع كلامنا، فقال: نعم إله في السّماء وإلهُ في الأرض. وذكر القصّة إلى أن قال: فسلّمه حامد الوزير إلى صاحب الشرّطة وقال: اضربه ألف سَوْط، فإنْ ماتَ فحُزّ رأسه وأحرِق جثَّته، وإنْ لم يتلف فاقطع يديه ورجليه، وأحرق جسده، وانصب رأسه على الْجِسْر. فَفُعِلَ به ذلك، وبعث برأسه إلى خُراسان، وطيف به، وأقبل أصحابه يعدّون أربعين يومًا ينتظرون رجوعه. وزعم بعضهم أنّه لم يُقْتَلْ، وأنّ عدوًا له ألقي عليه شبهة. وبعضهم ادَّعى أنّه راه في غد ذلك اليوم في طريق النّهْروان راكبًا على حمار وهو يقول: قولوا لهؤلاء البقر الّذين ظنُّوا أنّني أنا الّذي قتلت ما أنا ذاك. وأحضر حامد الوزير الورّاقين واستحلفهم أن لَا يبيعوا شيئًا من كُتُب الحلاج ولا يشترونها. وقيل: إنّ الحلاج لم يتأوه في ضربه. وقيل: إنّ يده لمّا قطعت كتبَ الدّم على الأرض: الله الله، وليس ذلك بصحيح. وسائر مشايخ الصُّوفيّة ذمّوا الحلاج إلّا ابن عطاء، ومحمد بن خفيف الشِّيرازيّ، وإبراهيم بن محمد النَّصْراباذيّ، فصححّوا حاله ودوّنوا كلامه. ثمّ وقفت على الجزء الذي جمعه ابن باكويه في حال الحلاج فقال: -[22]- حدَّثني حمد بن الحلاج، وذكر فصلًا قد تقدم قطعة منه، إلى أن قال: حتى أخذه السّلطان وحبَسه، فذهب نصر القُشُوريّ واستأذن الخليفة أن يبني له بيتًا في الحبْس، فبنى له دارًا صغيرة بجنْب الحبْس، وسدّوا باب الدّار، وعملوا حواليه سُورًا، وفتحوا بابه إلى الحبْس، وكان الناس يدخلون عليه سنة، ثمّ مُنِعوا، فبقي خمسة أشهر لَا يدخل عليه أحد، إلا مرة رأيت أبا العباس بن عطاء الأدميّ دخل عليه بالحيلة. ورأيت مرة أبا عبد الله بن خفيف وأنا برًّا عند والدي باللّيل والنّهار عنده. ثمّ حبسوني معه شهرين، وعُمَري يومئذٍ ثمانية عشر عامًا. فلمّا كانت اللّيلة الّتي أخرج من صبيحتها، قام فصلّى رَكعات، ثمّ لم يزل يقول: مَكْر مَكْر؛ إلى أن مضى أكثر اللّيل. ثمّ سكت طويلًا ثم قال: حقّ، حقّ. ثمّ قام قائمًا، وتغطّى بإزارٍ، واتّزر بمئزر، ومدّ يديه نحو القِبْلة، وأخذ في المُنَاجاة. وكان خادمه حاضرًا، فحفظْنا بعضها. فكان من مناجاته: نحن شواهدك، نَلُوُذ بَسَنا عِزَّتك، لَتُبْدِي ما شئتَ من شأنك ومشيئتك، أنتَ الّذي في السّماء إله وفي الأرض إله، يا مُدَهّر الدُّهور، ومصوَّر الصُّوَر، يا من ذَلّتْ له الجواهر، وسجدت له الأعراض، وانعقدت بأمره الأجسام، وتصوَّرت عنده الأحكام. يا مَن تجلّى لما شاء، كما شاء، كيف شاء، مثل التجلّي في المشيئة لأحسن الصُّورة. وفي نسخة: مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصورة. والصّورة: هي الرّوح النّاطقة الّتي أفردته بالعِلم والبيان والقدرة. ثم أوعزت إلى شاهدك الآني في ذاتك الهُويّ اليسير لمّا أردت بدايتي، وأظهرتني عند عقيب كراتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعدًا في مَعَارجي إلى عُروش أوليائي، عند القول من برياتي، إنّي أحتضر وَأُقْتَلُ وأُصلب وأُحرق، وأُحمل على السافيات الذاريات. وإن لذرة من ينجوج مظَانّ هيكل متجلّياتي لأعظم من الرّاسيات. ثم أنشأ يقول: أنْعى إليك نفوسًا طاح شاهدها ... فيما وراء الغيب أو في شاهد القِدَم أنْعى إليك قلوبًا طالما هَطَلَتْ ... سحائب الوحي فيها أبحر الحكم -[23]- أنعى إليك لسان الحق مذ زمن ... أوْدَى وتَذْكَارُهُ في الوهْم كالعدم أنْعى إليك بيانا تستسر له ... أقوال كل فصيح مَقُول فَهم أنْعى إليك إشارات العُقول معًا ... لم يَبْق مِنْهنّ الّا دارسُ الْعِلْمَ أنْعى وحقَّك أحلامًا لطائفةٍ ... كانت مطاياهم من مكمد الكِظَمِ مضى الجميعُ فلا عَيْنُ ولا أثرُ ... مُضِيّ عادٍ وفِقْدَانَ الأُولَى إرَم وخلفوا معشرًا يَجْدُون لِبستَهم ... أعمى من البَهْم بل أعمى من النَّعَمِ ثم سكت، فقال خادمه أحمد بن فاتك: أوْصِني يا سيّدي. فقال: هي نفسُك إنّ لم تَشْغلْها شَغَلتْك. فلمّا أصبحنا أُخرج من الحبْس، فرأيته يتبخْترَ في قَيده ويقول: نديمي غير منسوبِ. . . الأبيات. ثمّ حُمِل وقُطِّعت يداه ورِجْلاه، بعد أن ضُرِب خمس مائة سوط، ثم صُلب، فسمعته وهو على الْجِذْع يناجي ويقول: إلهي، أصبحتُ في دار الرّغائب أنظر إلى العجائب، إلهي إنّك تتودّد إلى مَن يؤذيك، فكيف لَا تتودّد إلى من يؤذَى فيك. ثمّ رأيتُ أبا بكر الشِّبْليّ وقد تقدَّم تحت الْجِذْع، وصاح بأعلى صوته يقول: أَوَلم أَنْهَكَ عن العالَمين. ثمّ قال له: ما التصوف؟ قال: أهون مرقاة فيه ما ترى. قال: فما أعلاه؟ قال: ليس لك إليه سبيل، ولكنْ سترى غدًا ما يجري، فإنّ في الغَيْب ما شهدتَه وغابَ عنك. فلمّا كان بالعِشيّ جاء الإذْن من الخليفة بأن تُضرب رَقَبَتُه، فقالوا: قد أمسينا ويؤخّر إلى الغَداة. فلمّا أصبحنا أُنْزل وقُدِّم لتُضْرب رقبته، فسمعتُه يصيح ويقول بأعلى صوته: حَسْب الواحِد إفرادُ الواحد له. وقرأ هذه الآية: {{يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ}}. وهذا آخر كلامه. ثم ضُربت رَقَبَتُه، ولُفَّ في بارية، وصب عليه النِّفْط وأُحْرِق، وحُمل رماده إلى رأس المنارة لتسْفيه الرّياح. وسمعت أحمد بن فاتك تلميذ والدي يقول بعد ثلاثٍ من قتل والدي، قال: رأيتُ ربّ العزّة في المنام، وكأنّي واقفُ بين يديه، قلت: يا رب ما فعل الحسين بن منصور؟ فقال: كاشفته بمعنى، فدعا الخلق إلى نفسه، فأنزلت به ما رأيت. قال ابن باكُوَيْه: سمعتُ أبا القاسم يوسف بن يعقوب النُّعْمَانيّ يقول: -[24]- سمعت الإمام ابن الإمام أبا بكر محمد بن داود الفقيه الإصبهانيّ يقول: إن كان ما أنزل الله على نبيه حقّ فما يقول الحلاج باطل. وكان شديدًا عليه. قال: وسمعت أبا الفوارس الجوزقاني بقرميسين يقول: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: من أحب أن ينظر إلى ثمرات الدّعاوى فلْيَنْظُر إلى الحلاج وما جرى عليه. سمعتُ عيسى القَزْوينيّ يسأل أبا عبد الله بن خفيف: ما تعتقد في الحلاج؟ فقال: اعتقد فيه أنّه رجل من المسلمين فقط. فقال له: قد كفّره المشايخ وأكثر المسلمين! فقال: إن كان الّذي رأيته منه في الحبْس لم يكن توحيدًا، فليس في الدّنيا توحيد. قلت: قول ابن خفيف لَا يدّل على شيء، فإنّه لَا يلزم أنّ المبطِل لَا يعمل بالحقّ؛ بل قد يكون سائر عمله حقّ وعلى الحقّ، ويكفر بفِعْلةٍ واحدة، أو بكلمة تحُبِط عمله. قال ابن باكُوَيْه: سمعت عليّ بن الحسن الفارسيّ بالمَوْصل قال: سمعت أبا بكر بن سَعْدان يقول: قال لي الحسين بن منصور: تؤمن بي، حتّى أبعث إليك بعُصْفورة تطرح من ذرَقها وزن حبّةٍ على كذا مَنًّا من نُحاس، فيصير ذَهَبًا؟ قلت: بل أنت تؤمن بيَ حتّى أبعث إليك بفيلٍ يستلقي، فتصير قوائمه في السّماء، فإذا أردت أن تخفيه أخفيته في عينك؟ قال: فبهت وسكت. ثم قال ابن سعدان: هو مُمَوّه مُشَعْوِذ. سمعت عيسى بن بزول القزويني، وسأل أبا عبد الله بن خفيف عن هذه الأبيات: سبحان من أظهر ناسوتُهُ الأبيات الثلاثة، فقال ابن خفيف: على قائلها لعنة الله. فقال عيسى: هي للحلاج. فقال: إن كانت اعتقاده فهو كافر، الّا أنّه لم يصح أنّه له، ربما يكون مَقولًا عليه. سمعتُ محمد بن عليّ الحضرمي بالنّيل يقول: سمعتُ والدي يقول: كنتُ جالسًا عند الْجُنَيْد، إذ ورد شابُّ حَسَن الوجه، عليه خِرْقتان، فسلّم وجلس ساعةً، ثمّ أقبل عليه الْجُنَيْد فقال: سل ما تريد. فقال: ما الذي باين الخليقة عن رسوم الطَّبْع؟ فقال الْجُنَيْد: أرى في كلامك فضولًا، لِم لَا تسأل -[25]- عمّا في ضميرك من الخروج والتّقدّم على أبناء جنسك؟ فسكت، وسكت الْجُنَيْد ساعةً، ثمّ أشار إلى أبي محمد الجريريّ أنْ قمْ، فقمنا، وتأخّرنا قليلًا، فأقبل الْجُنَيْد يتكلّم عليه، وأقبل هو يعارضه، إلى أن قال: أي خشبة تفسدها؟ فبكى وقام، فتبِعه الجريريّ إلى أن خرج إلى مقبرةٍ وجلس، فقال لي أبو محمد الجريريّ: قلت في نفسي: هو في حدّة شبابه واستوحش منّا، وربّما به فاقة. فقصدتُ صديقًا لي فقلت: اشترِ خُبزا وشِواءً وفالوذج بسُكَّر، واحمله إلى موضع كذا وكذا، مع ثلّجية ماء وخلال، وقليل أشنان. وبادرت إليه، فسلّمت وجلست عنده، وكان قد جعل رأسه بين رُكبتيه، فرفع رأسه وانزعج، وجلس بين يديّ، وأخذتُ أُلاطفه وأداريه إلى أن جاء صديقي. ثمّ قلتُ له: تفضّل. فمدّ يده وأكل قليلًا. ثمّ قلت له: من أين القصد ومن أين الفقير؟ قال: من البيضاء، إلّا أنيّ رُبيت بخوزسْتان والبصرة. فقلت: ما الاسم؟ قال: الحسين بن منصور. وقمتُ وودَّعته، ومضى على هذا خمسُ وأربعون سنة، ثمّ سمعت أنّه صُلِب وفُعِل به ما فُعِل. وقد ذكره السُّلَميّ في تاريخه، ثمّ قال: فهذه أطراف ممّا قال المشايخ فيه من قبولٍ وردٍ، واللَّه أعلم بما كان عليه. وهو إلى الرّدّ أقرب. وقد هتك الخطيب حال الحلاج في " تاريخه الكبير "، وشفى وأوضح أنه كان ساحرا مموها سيئ الاعتقاد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع عشرة وثلاثمائة
فيها قبض المقتدر عَلَى الوزير سليمان بْن الحَسَن، وكان قد أضاق إضاقة شديدة. وكانت وزارته سنة وشهرين. وكان المقتدر يميل إلى وزارة الحُسين بْن القاسم، فلم يمكنه مؤنس، وأشار بأبي القاسم عُبَيْد اللَّه بْن محمد الكَلَوْذَانيّ. فاستوزره مَعَ مشاورة عليّ بْن عيسى في الأمور. وفيها: كانت وقعة بين هارون بْن غريب وبين مرداويج الديلمي بنواحي همذان. فانهزم هارون، وملك الدَّيْلَمّي الجبل بأسره إلى حُلْوان. وفيها: عزل الكَلَوْذَانيّ واستوزر الحُسين بْن القاسم بْن عُبَيْد اللَّه؛ لأنه كتب إلى المقتدر، وهو على حاجة: أنا أقوم بالنفقات وزيادة ألف ألف دينار كلّ سنة. وكانت وزارة الكَلَوْذَانيّ شهرين. وفي ذي الحجّة استوحش مؤنس من المقتدر؛ لأنه بلغه اجتماع الوزير والقُوّاد عَلَى العمل عَلَى مؤنس. فعزم خواصُّه عَلَى كبس الوزير، فعلم، فتغيب عَنْ داره. وطلب مؤنس من المقتدر عزْل الوزير فعزله. فقال: انفه إلى عُمان. فامتنع المقتدر. وأوقع الوزير في ذهن المقتدر أنّ مؤنسًا يريد أنّ يأخذ الأمير أبا العبّاس من داره ويذهب بهِ إلى الشّام ومصر، ويعقد له الخلافة هناك. ثمّ كتب الحُسين الوزير يستحثّ هارون بْن غريب عَلَى المجيء، وكتب إلى محمد بْن ياقوت، وكان بالأهواز، أنّ يُسرع الحضور. فصحَّ عند مؤنس أنّ الوزير يدبِّر عَلَيْهِ، فخرج إلى الشّمّاسيّة بأصحابه، وكتب إلى المقتدر: إن مفلحًا الأسود مطابقٌ للحسين، وإن نفسي لَا تسكن حتّى تبعث إليَّ بمفلح فأقلده أجل الأعمال ويخرج إليها. فأجابه المقتدر: إنّ مفلحًا خادمٌ يوثق بخدمته، ولم يدخل فيما توهمت. فلمّا سمع مؤنس هذا، وأن الوزير ينفق في الرجّال، وأن هارون قد قرب من بغداد - أظهر الغضب وخرج إلى الموصل، فلحق بهِ أصحابه، فقبض الوزير عَلَى حواصله وأملاكه. وهنأ النّاس الوزير بذهاب مؤنس، وزاد محلُّه عند المقتدر، ولقبه " عميد الدولة ". وكتب ذَلِكَ عَلَى الدّينار والدّرهم. وكتب الوزير إلى دَاوُد وسعيد ابني حمدان، والحسن بْن عَبْد اللَّه بْن -[225]- حمدان بمحاربة مؤنس، فتعبّوا في ثلاثين ألفًا، وكان مؤنس في ثمانمائة، فنصر عليهم وهزمهم، وملك الموصل في صفر سنة عشرين. وفيها: نزل القَرْمَطيّ الكوفة، فهرب أهلها إلى بغداد. وفيها: دخلت الدَّيْلم الدّيْنَوَر فقتلوا وسبوا، فجاء من هرب إلى بغداد ورفعوا المصاحف عَلَى القُضُب، واستغاثوا يوم الأضحى وساعدهم الغوغاء، وسبّوا المقتدر وأغلقوا الأسواق خوفَا من هجوم القَرْمَطيّ. وفيها: ولد أبو تميم المعزّ رابع خلفاء مصر الذي بنى القاهرة. ولم يحجّ في هذه السنة ركْب العراق. ووردَ الخبر بأنّ ثمل والي طرسوس غزا الروم، فعبروا نهرًا ثمّ وقع عليهم ثلج عظيم. ثمّ التقوا جيش الروم عليهم ستّة بطارقة، فنصروا عليهم، وقتل خمسمائة علج من الروم، وأُسر ثلاثة آلاف. ثمّ تناخت الملاعين ونالوا من المسلمين، وقتلوا خلقًا وأسروا آخرين. وسار إلى نجدة أهل مَلَطْية وسميساط سَعِيد بْن حمدان، فكشف عَنْهَا ودخل غازياً في بلاد الرُّوم. ثمّ سار متولّي طرسوس ونسيم الخادم لغزو الصّائفة في اثني عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل حتّى بلغوا عمّورية ودخلوها. ثمّ أوغلوا في بلاد الروم، فغنموا وسبوا نحوًا من عشرة آلاف من الرقيق، وقتلوا خلقًا. وأقاموا في الغزاة ثلاثة أشهر. وفيها: كَانَ الوباء المفرط ببغداد، حتّى كَانَ يُدْفَن في القبر الواحد جماعة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وعشرين وثلاثمائة
فيها عزْل بَجْكَم ابن شيرزاد عن كتابته، وصادره على مائةٍ وخمسين ألف دينار. وفي ربيع الأوّل اشتدّت عِلّة الرّاضي بالله، وقَاءَ في يومين أرطالًا من دم، وماتَ. وبويع المتّقي لله أخوه. وكان الرّاضي سَمحا كريمًا أديبًا شاعرًا فصيحًا، محبًا للعلمّاء. سَمِعَ مِن البَغَويّ، وله شِعُر مدوَّن. قال الصُّولِيُّ: سُئِل الرّاضي أنّ يخطب يومَ الجمعة، فصعِدَ المِنْبر بسُرَّ من رأى، فحضرت أنا وإسحاق بن المعتمد. فلمّا خطب شنَّف الإسماعَ وبالَغَ في الموعظة. ثمّ نزل فصلّى بالنّاس. وقيل: إنّ الرّاضي استسقى وأصابَه ذِرب عظيم. وكان من أعظم آفاتِه كثْرة الْجِماع. تُوُفِّي في منتصف ربيع الآخر، وله إحدى وثلاثون سنة ونصف. ودُفِن بالرَّصافة. وهو آخر خليفة جالس النُّدماء. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة
فيها استولى قراتكيِن على الرَّيّ والجبال، ودفع عنها عسكر ركن الدولة. وفيها غزا سيف الدّولة بن حمدان بلادَ الروم في ثلاين ألفًا، ففتح حصونًا وَقَتل وسبى وغنم، فأخذ عليه الروم الدرب عند خروجه، فاستولوا على عسكره قتلًا وأسرًا، واسترّدوا جميع ما أخذ، وأخذوا جميع خزائنه، وهرب في عددٍ يسير. وفيها رُد الحج الأسود إلي موضعه. بعث به القَرْمَطّي مع محمد بن سنَبْر إلى المطيع. وكان بجَكَم قد دفَع فيه قبل هذا خمسين ألف دينار وما أجابوا، وقالوا: أخذناه بأمرٍ وما نردّه إلا بأمر. فلمّا ردّوه في هذه السنة قالوا: رددناه بأمرِ من أخذناه بأمره. وكذبوا، فإنّ الله سبحانه وتعالى قال: " {{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}} "، فكذبهم الله بقوله: " {{قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ}} " وإن عَنَوْا بالأمر القدَرَ، فليس ذلك حُجة لهم، فإنّ الله - تعالى - قدَّر عليهم الضّلال والمُرُوقَ مِن الدين، وقدَّر عليهم أنه يدخلهم النار، فلا ينفعهم قولُهم: أخذناه بأمر. وقد أعطاهم المطيع مالًا، وبقي الحجر عندهم اثنتين وعشرين سنة. وفيها - قاله المسّبحيّ - وافى سُنْبُر بن الحَسَن إلى مكة ومعه الحجر الأسود، وأمير مكّة معه، فلمّا صار بفناء البيت أظهر الحجر من سفط وعليه ضبات فضة -[641]- قد عُملت من طوله وعرضه، تضبط شقوقا حدثت عليه بعد انقلاعه، وأحضر له صانعا معه جص يشده به. فوضع سنبر بْن الْحَسَن بْن سنبر الحجر بيده، وشدّه الصّانع بالجصّ، وقال لمّا ردّه: أخذناه بقُدره الله ورددناه بمشيئة الله. وفيها تُوُفيّ محمد بن أحمد الصَّيْمريّ كاتب معز الدولة ووزيره، فقلّد مكانه أبا محمد الحسن بن محمد المهلّبيّ الوزير. وفي عيد الأضحى قَتَل الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد الأموي صاحب الأندلس ولدَه عبد الله، وكان قد خاف من خروجه عليه، وكان من كبار العُلماء، رَوَى عَنْ: مُحَمَّد بن عَبْد الملك بْن أَيْمَن، وقاسم بن أَصْبَغ. وله تصانيف منها مجلَّد في " مناقب بقَيّ بن مخلد "، رواه عنه مَسلَمَة بن قاسم. وفيها غزا سيف الدّولة كما قدمنا، فسار في ربيع الأول، ووافاه عسكر طَرَسوُس في أربعة آلاف، عليهم القاضي أبو حُصيْن. فسار إلى قيسارية، ثم إلى الفندق ووغل في بلاد الروم، وفتح عدّة حصون، وسبى وقتل، ثم سار إلى سمندو، ثمّ إلي خَرْشَنَة يقتل ويسبى، ثمّ إلى بلد صارخة وبينها وبين قسطنطينية سبعة أيّام. فلّما نزل عليها واقعَ الدُّمُسْتقُ مقدّمته، فظهرت عليه، فلجأ إلى الحصن وخاف على نفسه. ثمّ جمع والتقى سيف الدّولة، فهزمه الله أقبح هزيمة، وأُسرت بطارقته، وكانت غزوة مشهودة، وغنم المسلمون ما لا يوصف، وبَقَوْا في الغزو أشهُرًا. ثمّ إنّ الطرسوسيين قفَلوا، ورجع العُربْان، ورجع سيف الدّولة في مضيق صعب، فأخذت الرّوم عليه الدّروب، وحالوا بينه وبين المقدّمة، وقطعوا الشجر، وسدّوا به الطُّرُق، ودهدهوا الصخورَ في المضائق على النّاس. والرّوم وراء النّاس مع الدُّمُسْتقُ يقتلون ويأسرون، ولا منَفَذَ لسيف الدولة. وكان معه أربعمائة أسير من وجوه الروم فضربَ أعناقهم، وعقر جماله وكثيرًا من دوابه، وحَرَقَ الثِّقل، وقاتل قتال الموت، ونجا في نفر يسير. واستباح الدُّمُسْتُق أكثر الجيش، وأسر أمراء وقضاة، ووصل سيف الدّولة إلى حلب، ولم يكد. ثمّ مالت الروم فعاثوا وسبوا، وتزلزل النّاس، ثمّ لطفَ الله تعالى، وأرسل الدمستق إلى سيف الدّولة يطلب الهدنة، فلم يُجِبْ سيف الدّولة، وبعث يتهدّده. ثمّ جهَّز جيشًا فدخلوا بلاد الروم من ناحية حران، فغنموا -[642]- وأسروا خلقًا. وغزا أهل طرسوس أيضًا في البرّ والبحر، ثمّ سار سيف الدّولة من حلب إلى آمِد، فحارب الروم وخرب الضياع، وانصرف سالمًا. وأمّا الروم، فإنهم احتالوا على أخذ آمد، وسعي لهم في ذلك نصْرانيّ على أن ينقبَ لهم نقَبَا من مسافة أربعة أميالٍ حتى وصل إلى سورها. ففعل ذلك، وكان نقبًا واسعًا، فوصل إلى البلد من تحت السّور. ثمّ عرفَ به أهلُها، فقتلوا النصْراني، وأحكموا ما نقبه وسَدُّوه. ومعني " الدُّمُسْتُق " نائب البلاد الّتي في شرقيّ قسطنطينيّة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وأربعين وثلاثمائة
فيها أوقع نجا، غلام سيف الدولة، بالروم فقتل وأسر. وفيها جرت وقعة هائلة ببغداد فِي شعبان بين السنة والشيعة، وتعطلت الصلوات فِي الجوامع سوى جامع براثا الَّذِي يأوي إِلَيْهِ الرّافضة. وكان جماعة بْني هاشم أثاروا الفتنة، فاعتقلهم معز الدولة، فسكنت الفتنة. وفيها ظهر ابن لعيسى ابن المكتفي بالله بناحية أرمينية، وتلقب بالمستجير بالله يدعو إلى الرِّضَى من آلِ رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولبس الصّوف وأمَر بالمعروف. ومضى إلى جبال الديلم فاستنصر بهم، وهم سنة، فخرج معه جماعة منهم وساروا إلي أَذْرَبَيْجَان. فاستولى المستجير بالله عَلَى عدة بلدان، وبعضها كَانَ فِي يد سالار الدَّيْلَميّ. فسارَ إِلَيْهِ سالار فهزمه، ويقال قتله. وفي شوال عرض للملك معز الدولة مرض فِي كُلاه فبال الدّم، ثمّ احتبس بَوْلُه، ثم رمى حصى صغارًا ورملًا. وأرجفوا بموته. وفيها جمع سيف الدولة جموعا كثيرة وغزا بلاد الروم، فأسر وقتل -[762]- وسبى، فثارت الروم وكثروا عَلَيْهِ، فعاد فِي ثلاثمائة من خواصة، وذهب جميع ما كَانَ معه، وقتل أعيان قواده، وخرج من ناحية طرسوس. وفيها تُوُفّي أَحْمَد بْن محمد بْن ثَوَابه كاتب ديوان الرّسائل لمُعزّ الدّولة، فقُلد مكانه أَبُو إِسْحَاق إبْرَاهِيم بْن هلال الصّابئ. وفي آخر السنة مات السلطان أنُوجُور بْن الأخشيد، وتقلَّد أخوه عَلِيّ مكانه. ونائُب المملكة أَبُو المِسْك كافور. وفيها أسلم من الترك مائتا ألف خَرْكاه. كذا ذكر أبو المظفر ابن الجوزي. وفيها بذل القاضي الْحَسَن بْن محمد الهاشميّ مائتي ألف درهم عَلَى أن يقُلَّد قضاء البصرة. فأخذ المال منه، ولم يقلَّد. وفيها تُوُفّي الْإمَام أَبُو الوليد حسان بْن محمد الفقيه شيخ أهل الحديث والفقه بخُراسان عَنِ اثنتين وسبعين سنة. ومحدِّث نيسابور وحافظها الكبير أَبُو عَلِيّ الْحُسَيْن بْن عَلَى بْن يزيد النيسابوري الصّائغ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
أقامت الشيعة ببغداد مأتم عاشوراء. وجاء الخبر في المحرَّم أنّ الروم، لعنهم الله، وردوا مع تقفور، فأحاطوا بأنطاكية، وملكوها بالأمان فيما أحسب، فأخرجوا أهلها منها، فأطلقوا العجائز والشيوخ والأطفال، وقالوا: أُمْضُوا حيث شئتم. وأخذوا الشباب والصَّبايا والغلمان سبيًا، فكانوا أكثر من عشرين ألفاً. وكان تقفور قد عتى وتجبّر وقهر البلاد وعظمت هيبته، وتزوّج امرأة الملك الذي قبله على كُرْهٍ منها، وكان لها ولدان، فأراد أن يخصيهما ويهديهما للبيعة ويستريح منهما لئلا يُمَلَّكا، فعلمت زوجته بذلك، فأرسلت إلى الدُّمُسْتُق ليأتي إليها في زيَّ النساء ومعه جماعة في زي النساء فجاؤوا وباتوا عندها ليلة الميلاد فقتلوه، وأَجلِس في المُلْك ولدُها الأكبر. وفي ذي الحجّة أنقضّ بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنّه شعاع الشمس، وسُمع بعد انقضاضه صوتٌ كالرَّعد الشديد. وحجّ بالناس من بغداد أبو أحمد النقيب والد المرتضى والرَّضِى. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وستين وثلاثمائة
في صفر قبض عَضُد الدولة على قاضي القضاة أبي محمد بن معروف، فأنفذه إلى القلعة بفارس، وقلّد أبا سعد بِشْر بن الحسين القضاء. وفي شعبان ورد رسول العزيز صاحب مصر إلى عَضُد الدولة بكتاب، وما زال يبعث إليه رسالة بعد رسالة، فأجابه بما مضمونه صِدْق الطّوِيّة وحُسْن النيّة. وسأل عَضُدُ الدولة الطائعَ أن يزيد في لقبه " تاج الملّة " ويجدّد الخُلع عليه ويُلّبِسه التاج، فأجابه، وجلس الطائع على السرير وحوله مائة بالسيوف والزّينة، وبين يديه مُصْحَف عثمان، وعلى كتفه البُرْدَةُ، وبيده القضيب، وهو متقلّد سيف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وضُرِبت ستارة بعثها عَضُدُ الدولة، وسأل أن تكون حجابًا للطائع، حتى لا تقع عليه عين أحدٍ من الْجُنْد قبله، ودخل الأتراك والدّيْلَم، وليس مع أحد منهم حديد، ووقف الأشراف وأصحاب المراتب من الجانبين، ثم أذِن لعَضُد الدولة فدخل، ثم رُفعت الستارة، وقبّل عضد الدولة الأرض، فارتاع زياد القائد لذلك، وقال بالفارسية: ما -[191]- هذا أيّها الملك، أهذا هو الله عَزَّ وَجَلَّ؟ فالتفت إلى عبد العزيز بن يوسف وقال له: فَهّمْه وقل له: هذا خليفة الله في الأرض، ثم استمر يمشي ويقبّل الأرض سبع مرات، فالتفت الطائع إلى خالص الخادم وقال: استذنه، فصعد عضُدُ الدولة، فقبّل الأرض دفعتين، فقال له: ادن إلي ادن إلي، فدنا فقبل رجله، وثنى الطائع يمينه عليه، وأمره، فجلس على كُرْسيّ، بعد أن كرر عليه: اجلس، وهو يستعفي فقال له: أقسمت لتجلسن، فقبّل الكرسيّ وجلس، وقال له: ما كان أشوقنا إليك وأتوقنا إلى رؤيتك ومفاوضتك، فقال: عُذْري معلوم، وقال: نِيّتُك موثوقٌ بها، وعقيدتك مسكون إليها، فأومأ برأسه، ثم قال له الطائع: قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إليّ من أمور الرعيّة في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع جهاتها، سوى خاصّتي وأسبابي، فَتَوَلَّ ذلك مستخيرًا بالله. قال: يعينني الله على طاعة مولانا وخِدْمته، وأريد وُجُوهَ القوّاد أن يسمعوا لفظ أمير المؤمنين. فقال الطائع: هاتوا الحسين بن موسى، ومحمد بن عمرو بن معروف، وابن أمّ شيبان، والزينبي، فقدموا، فأعاد الطائع له القول بالتفويض، ثم التفت إلى طريف الخادم، فقال: يا طريف تفاض عليه الخُلَع ويُتَوّج، فنهض إلى الرّواق وألْبِس الخُلَع، وخرج قادمًا ليقبّل الأرض، فلم يُطِقْ لكثرة ما عليه، فقال الطائع: حسبك، حسْبُك! وأمره بالجلوس، ثم استدعى الطائع تقديم ألويته، فقدّم لواءين، واستخار الله، وصلّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعقدهما، ثم قال: يقرأ كتابه، فقرئ فقال له الطائع: خار الله لك ولنا وللمسلمين، آمرك بما أمرك الله به، وأنهاك عما نهاك الله عنه، وأبرأ إلى الله مما سوى ذلك، انهض على اسم الله، ثم أخذ الطائع سيفًا كان بين المخدَّتَيْن فقلَّده به مضافًا إلى السيف الذي قلّده مع الخلْعة، وخرج من باب الخاصّة، وسار في البلد، ثم بعث إليه الطائع هديّة فيها غلالة قصب، وصينية ذهب، وخردادين بلور فيه شراب، وعلى فم الخردادين خرقة حرير مختومة وكأس بلّور، وأشياء من هذا الفنّ، فجاء من الغد أبو نصر الخازن ومعه من الأموال نحو ما ذكرنا في دخوله الأول في السنة الماضية. وجلس للهناء، فقال أبو إسحاق الصابي قصيدة منها: -[192]- يا عَضُد الدّوْلة الذي علقت ... يداه من فخره بأعرقهْ يفتخر النّعل تحت أَخْمَصِهِ ... فكيف بالتّاجِ فوق مَفْرِقهُ وفيها تزوج الطائع لله ببنت عضُدُ الدولة على مائة ألف دينار، وكان الوكيل عن عضُدُ الدّولة أبو علي الفارسي النّحوي، والذي خطب القاضي أبو علي المُحَسّن بن علي التّنوخي. وفي هذا الوقت كان قسّام متغلّبًا على دمشق كما هو مذكور في ترجمته. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وسبعين وثلاثمائة
جاء الخبر في أوّل السنة أنّ ابن الجراح الطّائي خرج على الحاجّ بين سُمَيْراء، وفيد، ونازلهم ثم صالحهم على ثلاثمائة ألف درهم وشيء من الثّياب والمتَاع. وفيها انتقل شرف الدولة إلى قصر مُعِزّ الدولة بباب الشماسية، لأن الأطباء أشاروا عليه به لصحة هوائه، وكان قد ابتدأ به المرض من السنة الماضية، فشغب الدَّيْلَمُ وطلبوا أرزاقهم، فعاد إلى داره وراسلهم، وأمسك جماعة. وفيها أراد الطائع القبض على القادر بالله، وهو أمير، فهرب منه إلى البطيحة، فأقام عند مهذب الدولة وتزايد مرض شرف الدولة، ومات، وعهد إلى أخيه أبي نصر، فاجتمع العسكر وطالبوا برسم البَيْعة والنَّفَقَة، فوعدهم، فأبوا، وتردّدت بين الطائع وبين أبي نصر مراسلات، ثم حلف كلّ واحد منهما للآخر على التّصافي، ثم جاء الطائع إلى دار المملكة ليُعزّي أبا نصر فقبّل أبو -[352]- نصر الأرض غير مرّة، ثم ركب أبو نصر إلى الطائع، وحضر الأعيان، وجلس الطائع في الرّواق، وأمر فخُلِع على أبي نصر سبُعَ خِلَعٍ؛ طاقية أعلاها سوداء وعمامة سوداء وفي عُنْقِه طوق كبير، وفي يديه سِوَاران، ومشى الحُجّاب بين يديه بالسّيوف، فلما حصل بين يدي الطائع قبل الأرض ثم أجلس على كرسيّ، وقرأ أبو الحَسَن علي بن عبد العزيز ابن حاجب النُّعمان كاتبُ أمير المؤمنين عهدَه، وقدَّم إلى الطائع لله لواءه، فعقده، ولقّبه " بهاء الدولة " و " ضياء الملة ". وأقرّ الوزير أبا منصور بن صالحان على الوزارة وخلع عليه. وكان بهاء الدّولة من رجال بني بُوَيْه رأيا وهيبةً وجلالًا وعقلًا. وتمالى الأتراك بفارس وتجمّعوا، وأخرجوا صمصام الدولة من مُعْتَقَلهِ. وقد قيل أنّه كُحّل، فالله أعلم بصحة ذلك. قال أبو النصر العتبي: حمله مملوكه سعادة على عاتقه وانحدر به، فملك به فارس وما والاها، وتتبع أموالها فجباها، ثم تنكر له الذين معه وقدّموا ابن أخيه أبا عليّ، ولقبوه " شمس الدولة " فنهض صمصام الدولة لمواقعتهم، فهزمهم أقبح هزيمة، فخنسوا صاغرين إلى بغداد، وتحرّك بهاء الدولة، وأهمّه شأن الصمصام، وبرز للقتال، فتناوشا الحربَ، وخربت البصرة والأهواز، وجرت أمور يطول شرحُها، ثم حاربه السّلار بَخْتيار بالأكراد الخسروية، فناصبهم صمصام الدولة الحرب، فاختلفت به الوقائع بين تلك الفتن الثائرة والإحَن الغائرة، فكان عقباها أن أجلت عنه قتيلاً، وتذمر بهاء الدولة للحادثة عليه؛ وجهز عسكرا لقتال الأكراد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.
كانت قد جرت عادة الشيعة في الكَرْخ وباب الطّاق، بنصب القِباب، وإظهار الزّينة يوم الغدير، والوقيد في ليلته، فأرادت السنة أن تعمل في مقابلة هذا شيئا، فادّعت أنّ اليوم الثامن من يوم الغدير كان اليوم الذي حصل فيه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّم وَأَبُو بَكْرٍ في الغار، فعملت فيه ما تعمل الشيعة في يوم الغدير، وجعلت بإزاء عاشوراء يومًا بعده بثمانية أيام، نسبته إلى مقتل مُصْعَب بن الزُبَيْر، وزارت قبره بمسكن، كما يزار قبر الحسين، فكان ابتداء ما عمل في الغار يوم الجمعة لأربع بقين من ذي الحجة، وأقامت السنة هذا الشعار القبيح زمانًا طويلا، فلا قُوَّة إلا باللَّه. وفيها عُزِل ملك ما وراء النهر من المملكة، وهو منصور بن نوح، وحُبس بسَرْخَس. وبُويع أخوه عبد الملك، فبقي في الملك تسعة أشهر، وحاربه إيلك الخان، وأسره، واستولى على بخارى في ذي القعدة من هذا العام. ومات عبد الملك بأفكند في السجن بعد قليل. |