نتائج البحث عن (رَزَمَ ) 29 نتيجة

(رَزَمَ)الرَّاءُ وَالزَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلَانِ مُتَقَارِبَانِ: أَحَدُهُمَا جَمْعُ الشَّيْءِ وَضَمُّ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ تِبَاعًا، وَالْآخَرُ صَوْتٌ يُتَابَعُ; فَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ.

يَقُولُ الْعَرَبُ: رَزَمْتُ الشَّيْءَ: جَمَعْتُهُ. وَمِنْ ذَلِكَ اشْتِقَاقُ رِزْمَةِ الثِّيَابِ. وَالْمُرَازَمَةُ فِي الطَّعَامِ: الْمُوَالَاةُ بَيْنَ حَمْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ الْأَكْلِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " «إِذَا أَكَلْتُمْ فَرَازِمُوا» " وَرَازَمَتِ الشَّيْءَ، إِذَا لَازَمْتَهُ. وَيُقَالُ رَازَمَتِ الْإِبِلُ الْمَرْعَى، إِذَا خَلَطَتْ بَيْنَ مَرْعَيَيْنِ. وَرَازَمَ فُلَانٌ بَيْنَ الْجَرَادِ وَالتَّمْرِ، إِذَا خَلَطَهُمَا. وَيُقَالُ رَجُلٌ رُزَمٌ، إِذَا بَرَكَ عَلَى قِرْنِهِ. وَهُوَ فِي شِعْرِ الْهُذَلِيِّ:

مِثْلُ الْخَادِرِ الرُّزَمِ

وَرَزَمَتِ النَّاقَةُ، إِذَا قَامَتْ مِنَ الْإِعْيَاءِ، وَبِهَا رُزَامٌ. وَذَلِكَ الْقِيَاسُ; لِأَنَّهَا تَتَجَمَّعُ مِنَ الْإِعْيَاءِ وَلَا تَنْبَعِثُ.

وَالْأَصْلُ الْآخَرُ: الْإِرْزَامُ: صَوْتُ الرَّعْدِ، وَحَنِينُ النَّاقَةِ فِي رُغَائِهَا. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِمُتَابَعَةٍ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّ الْبَابَيْنِ مُتَقَارِبَانِ. وَيَقُولُونَ: " لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ مَا أَرْزَمَتْ أُمُّ حَائِلٍ ". وَالْحَائِلُ: الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ النَّاقَةِ. وَرَزَمَةُ السِّبَاعِ: أَصْوَاتُهَا. وَالرَّزِيمُ: زَئِيرُ الْأُسْدِ. قَالَ:

لِأُسُودِهِنَّ عَلَى الطَّرِيقِ رَزِيمُفَأَمَّا قَوْلُهُمْ " لَا خَيْرَ فِي رَزَمَةٍ لَا دِرَّةَ مَعَهَا " فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ حَنِينَ النَّاقَةِ. يُضْرَبُ مَثَلًا لِمَنْ يَعِدُ وَلَا يَفِي. وَالرَّزَمَةُ: صَوْتُ الضَّبُعِ أَيْضًا. وَمِمَّا شَذَّ عَنِ الْبَابِ الْمِرْزَمَانُ: نَجْمَانِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أُمُّ مِرْزَمٍ: الشَّمَالُ الْبَارِدَةُ. قَالَ:

إِذَا هُوَ أَمْسَى بِالْحِلَاءَةِ شَاتِيًا...تُقَشِّرُ أَعْلَى أَنْفِهِ أُمُّ مِرْزَمِ
النحوي، اللغوي: الموفق بن أحمد بن محمد المكي الأصل، أبو المؤيد، خطيب خوارزم.
ولد: في حدود سنة (484 هـ) أربع وثمانين وأربعمائة.
من مشايخه: الزمخشري وغيره.
من تلامذته: أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي الخوارزمي وغيره.
كلام العلماء فيه:
• إنباه الرواة: "أديب فاضل، له معرفة تامة بالأدب والفقه، يخطب بجامع خوارزم سنين كثيرة وينشئ الخطب فيه، أقرأ الناس علم العربية وغيره، وتخرج به عالم في الآداب" أ. هـ.
• تاريخ الإسلام: "كان أديبًا فصيحًا مفوهًا، خطب بخوارزم دهرًا وأنشأ الخطب، وأقرأ الناس، وتخرج به جماعة. وهو الذين يقال له خطيب خوارزم" أ. هـ.
• بغية الوعاة: "قال الصفدي (¬1): كان متمكنًا في العربية، غزير العلم: فقيها فاضلًا أديبًا شاعرا" أ. هـ.
وفاته: سنة (568 هـ) ثمان وستين وخمسمائة.
¬__________
* بغية الوعاة (2/ 308)، إنباه الرواة (3/ 332)، الجواهر المضية (3/ 523)، تاريخ الإسلام (وفيات 568)، ط. تدمري، كشف الظنون (1/ 815)، هدية العارفين (2/ 482)، الأعلام (7/ 333)، معجم المؤلفين (3/ 940).
(¬1) غير موجود في الأجزاء المطبوعة من كتاب الوافي لعله في الأجزاء الغير مطبوعة منه أو أن صاحب بغية الوعاة نقل عن الصفدي من كتب أخرى. والله أعلم.

من مصنفاته: له كتاب في فضائل علي.

توسع ملك خوارزم شاه

تاريخ دولة آل سلجوق

قتلاهن أربعة آلاف امرأة!! وقد كانت زوجة السلطان سنجر نفسه مع الجيش، فلما انهزم الجيش أسرت... على أن الخطا أطلقوها. ويقول ابن الأثير: ولم يكن في الإسلام وقعة أعظم من هذه، ولا أكثر ممن قتل فيها. ثم يقول: واستقرت دولة الخطا والترك الكفار بما وراء النهر.
توسع ملك خوارزم شاه
أما خوارزم شاه أتسز فقد أخذ يوسع ملكه فسار إلى خراسان فاحتل سرخس، واتجه منها إلى مرو الشاهجان، فلقيه الإمام أحمد الباخرزي، وشفع في أهل مرو، وسأل أن لا يتعرض لهم الجنود فأجابه إلى ذلك، ولم يدخل البلد بل ظل في ظاهرها، واستدعى إليه أعيانها وأحد فقهائها.
ولكن أهل مرو ثاروا وقتلوا بعض أهل خوارزم شاه، وأخرجوا أصحابه من مرو، وأغلقوا أبوابها، واستعدوا لمواجهة خوارزم شاه، فعند ذلك هاجمهم، ودخل مرو فاتحا، وقتل كثيرا من أهلها وفيهم فقهاء وعلماء، وقتل من الأعيان كثيرون. ثم غادرها مستصحبا معه عددا من علمائها.
وبعد مرو اتجه إلى نيسابور، وخشي من في نيسابور أن يجري عليها ما جرى على مرو، فتوجه إلى خوارزم شاه جماعة من فقهائها وعلمائها وزهادها طالبين إليه أن لا ينفذ في نيسابور ما نفذه في مرو من الإباحة للدماء، فوعدهم خيرا.
وتتبع أموال أصحاب السلطان فصادرها، ثم أمر بقطع خطبة السلطان سنجر، وأن يخطب باسمه هو، فلما نفذ ذلك ولم يذكر الخطيب اسم سنجر وذكر بدلا منه اسم خوارزم شاه صاح الناس وثاروا، وكاد الأمر أن يؤدي إلى تمرد عام، ولكن تدارك الأمر ذوو الرأي والعقل خوفا مما يجر ذلك من البلاء على الناس.
ثم سير خوارزم شاه جيشا إلى أعمال بيهق، ولكن أهلها صمدوا للجيش يقاتلونه خمسة أيام فعاد عنها. يقول ابن الأثير: (ثم سار عنها ذلك الجيش ينهبون البلاد، وعملوا بخراسان أعمالا عظيمة).

استيلاء طغرلبك على البلاد الشرقية (خوارزم ودهستان وطيس والري وكرمان وقزوين).

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

استيلاء طغرلبك على البلاد الشرقية (خوارزم ودهستان وطيس والري وكرمان وقزوين).
434 - 1042 م
سار طغرلبك إلى خوارزم فحصرها وملكها واستولى عليها، وانهزم شاهملك بين يديه، واستصحب أمواله وذخائره، ومضى في المفازة إلى دهستان، ثم انتقل عنها إلى طبس، ثم إلى أطراف كرمان، ثم إلى عمال التيز ومكران، فلما وصل إلى هناك علم خلاصه ببعده، وأمن في نفسه، ثم خرج طغرلبك من خراسان إلى الري، بعد فراغه من خوارزم، وجرجان، وطبرستان، فلما سمع أخوه إبراهيم ينال بقدومه سار إليه فلقيه، وتسلم طغرلبك الري منه، وتسلم غيرها من بلد الجبل وسار إبراهيم إلى سجستان، وأخذ طغرلبك أيضاً قلعة طبرك من مجد الدولة بن بويه، وأقام عنده مكرماً، وأمر طغرلبك بعمارة الري وكانت قد خربت، ثم ساروا إلى قزوين، فامتنع عليه أهلها، فزحف إليهم ورماهم بالسهام والحجارة، فلم يقدروا أن يقفوا على السور، وقتل من أهل البلد برشق، وأخذ ثلاثمائة وخمسين رجلاً، فلما رأى كامرو ومرداويج بن بسو ذلك خافوا أن يملك البلد عنوة وينهب، فمنعوا الناس من القتال، وأصلحوا الحال على ثمانين ألف دينار، وصار صاحبها في طاعته، ثم إنه أرسل إلى كوكتاش وبوقا وغيرهما من أمراء الغز، الذين تقدم خروجهم، يمنيهم، ويدعوهم إلى الحضور في خدمته، وأرسل طغرلبك إلى ملك الديلم يدعوه إلى الطاعة، ويطلب منه مالاً، ففعل ذلك، وحمل إليه مالاً وعروضاً، وأرسل أيضاً إلى سلار الطرم يدعوه إلى خدمته، ويطالبه بحمل مائتي ألف دينار، فاستقر الحال بينهما على الطاعة وشيء من المال. وأرسل سرية إلى أصبهان، وبها أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة، فأغارت على أعمالها وعادت سالمة، وخرج طغرلبك من الري، وأظهر قصد أصبهان، فراسله فرامرز، وصانعه بمال، فعاد عنه وسار إلى همذان فملكها من صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، ثم عاد إلى الري، واستناب بهمذان ناصراً العلوي، وسير طغرلبك طائفة من أصحابه إلى كرمان مع أخيه إبراهيم ينال، بعد أن دخل الري، وقيل إن إبراهيم لم يقصد كرمان، وإنما قصد سجستان، وكان مقدم العساكر التي سارت إلى كرمان غيره، فلما وصلوا إلى أطراف كرمان نهبوا، ولم يقدموا على التوغل فيها، فلم يروا من العساكر من يكفهم، فتوسطوا وملكوا عدة مواضع منها ونهبوها، فبلغ الخبر إلى الملك أبي كاليجار، صاحبها، فسير وزيره مهذب الدولة في العساكر الكثيرة، فخرجت الغز إلى الجمال والبغال والميرة ليأخذوها، وسمع مهذب الدولة ذلك، فسير طائفة من العسكر لمنعهم، فتواقعوا واقتتلوا، وتكاثر الغز، فسمع مهذب الدولة الخبر، فسار في العساكر إلى المعركة، وهم يقتتلون، وقد ثبتت كل طائفة لصاحبتها واشتد القتال، فلما وصل مهذب الدولة إلى المعركة انهزم الغز وتركوا ما كانوا ينهبونه، ودخلوا المفازة، وتبعهم الديلم إلى رأس الحد، وعادوا إلى كرمان فأصلحوا ما فسد منها.

وقعة عظيمة بين السلطان سنجر وخوارزم شاه وانتصار سنجر عليه.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وقعة عظيمة بين السلطان سنجر وخوارزم شاه وانتصار سنجر عليه.
533 محرم - 1138 م
سار السلطان سنجر بن ملكشاه إلى خوارزم محارباً لخوارزم شاه أتسز بن محمد. وسبب ذلك أن سنجر بلغه أن أتسز يحدث نفسه بالامتناع عليه وترك الخدمة له، وأن هذا الأمر قد ظهر على كثير من أصحابه وأمرائه، فأوجب ذلك قصده وأخذ خوارزم منه، فجمع عساكره وتوجه نحوه، فلما قرب من خوارزم خرج خوارزم شاه إليه في عساكره، فلقيه مقابلاً وعبأ كل واحد منهما عساكره وأصحابه، فاقتتلوا، فلم يكن للخوارزمية قوة بالسلطان، فلم يثبتوا، وولوا منهزمين، وقتل منهم خلق كثير، وملك سنجر خوارزم وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ولد أخيه محمد، ورتب له وزيراً وأتابكاً وحاجباً، وقرر قواعده، وعاد إلى مرو في جمادى الأخرى من هذه السنة؛ فلما فارق خوارزم عائداً انتهز خوارزم شاه الفرصة فرجع إليها، وكان أهلها يكرهون العسكر السنجري ويؤثرون عودة خوارزم شاه، فلما عاد أعانوه على ملك البلد، ففارقهم سليمان شاه ومن معه ورجع إلى عمه السلطان سنجر، وفسد الحال بين سنجر وخوارزم واختلفا بعد الاتفاق.

ملك السلطان خوارزم شاه بلاد الري.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك السلطان خوارزم شاه بلاد الري.
589 رمضان - 1193 م
سنة ثمان وثمانين خرج السلطان طغرل بن ألب أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي من الحبس، وملكه همذان وغيرها، وكان قد جرى بينه وبين قتلغ إينانج بن البهلوان، صاحب البلاد، حرب انهزم فيها قتلغ إينانج، وتحصن بالري، وسار طغرل إلى همذان، وأرسل قتلغ إينانج إلى خوارزم شاه علاء الدين تكش يستنجده، فسار إليه في سنة ثمان وثمانين، فلما تقاربا ندم قتلغ إينانج على استدعاء خوارزم شاه، وخاف على نفسه فمضى من بين يديه وتحصن في قلعة له، فوصل خوارزم شاه إلى الري وملكها، وحصر قلعة طبرك ففتحها في يومين، وراسله طغرل، واصطلحا، وبقيت الري في يد خوارزم، فجد في السير خوفاً عليها، فأتاه الخبر، وهو في الطريق، أن أهل خوارزم منعوا سلطان شاه عنها، ولم يقدر على القرب منها، وعاد عنها خائباً، فشتى خوارزم شاه بخوارزم، فلما انقضى الشتاء سار إلى مرو لقصد أخيه سنة تسع وثمانين، فترددت الرسل بينهما في الصلح، فبينما هم في تقرير الصلح ورد على خوارزم شاه رسول من مستحفظ قلعة سرخس لأخيه سلطان شاه يدعوه ليسلم إليه القلعة لأنه قد استوحش من صاحبه سلطان شاه، فسار خوارزم شاه إليه مجداً، فتسلم القلعة وصار معه، وبلغ ذلك سلطان شاه في عضده، وتزايد كمده، فمات سلخ رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة؛ فلما سمع خوارزم شاه بموته سار من ساعته إلى مرو فتسلمها، وتسلم مملكة أخيه سلطان شاه جميعها وخزائنه، وأرسل إلى ابنه علاء الدين محمد، وكان يلقب حينئذ قطب الدين، وهو بخوارزم، فأحضره فولاه نيسابور، وولى ابنه الأكبر ملكشاه مرو، وذلك في ذي الحجة
فتح خوارزم شاه بخارى.
594 - 1197 م
لما ورد رسول ملك الخطا على خوارزم شاه، أعاد الجواب: إن عسكرك إنما قصد انتزاع بلخ، ولم يأتوا إلى نصرتي، ولا اجتمعت بهم، ولا أمرتهم بالعبور، إن كنت فعلت ذلك، فأنا مقيم بالمال المطلوب مني، ولكن حيث عجزتم أنتم عن الغورية عدتم علي بهذا القول وهذا المطلب، وأما أنا فقد أصلحت الغورية، ودخلت في طاعتهم، ولا طاعة لكم عندي، فعاد الرسول بالجواب، فجهز ملك الخطا جيشاً عظيماً وسيره إلى خوارزم فحصروها، فكان خوارزم شاه يخرج إليهم كل ليلة، ويقتل منهم خلقاً، وأتاه من المتطوعة خلق كثير، فلم يزل هذا فعله بهم حتى أتى على أكثرهم، فدخل الباقون إلى بلادهم، ورحل خوارزم شاه في أثارهم، وقصد بخارى فنازلها وحصرها، وامتنع أهلها منه، وقاتلوه مع الخطا، فلم يزل هذا دأبهم حتى ملك خوارزم شاه البلد، بعد أيام يسيرة، عنوة وعفا عن أهله، وأحسن إليهم، وفرق فيهم مالاً كثيراً، وأقام به مدة ثم عاد إلى خوارزم.

مسير خوارزم شاه إلى الري.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مسير خوارزم شاه إلى الري.
595 ربيع الأول - 1199 م
سار خوارزم شاه علاء الدين تكش إلى الري وغيرها من بلاد الجبل، لما بلغه أن نائبه بها مياجق قد تغير عن طاعته، فسار إليه، فخافه مياجق، فجعل يفر من بين يديه، وخوارزم شاه في طلبه يدعوه إلى الحضور عنده، وهو يمتنع، فاستأمن: أكثر أصحابه إلى خوارزم شاه، وهرب هو، فدخل قلعة من أعمال مازندران فامتنع بها، فسارت العساكر في طلبه فأخذ منها وأحضر بين يدي خوارزم شاه فأمر بحبسه بشفاعة أخيه أقجة, وسيرت الخلع من الخليفة لخوارزم شاه ولولده قطب الدين محمد، وتقليد بما بيده من البلاد، فلبس الخلعة، واشتغل بقتال الملاحدة، فافتتح قلعة على باب قزوين تسمى أرسلان كشاه، وانتقل إلى حصار الموت، فقتل عليها صدر الدين محمد بن الوزان رئيس الشافعية بالري، وكان قد تقدم عنده تقدماً عظيماً، قتله الملاحدة، وعاد خوارزم شاه إلى خوارزم، فوثب الملاحدة على وزيره نظام الملك مسعود بن علي فقتلوه في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين، فأمر تكش ولده قطب الدين بقصد الملاحدة، فقصد قلعة ترشيش وهي من قلاعهم، فحصرها فأذعنوا له بالطاعة، وصالحوه على مائة ألف دينار، ففارقها، وإنما صالحهم لأنه بلغه خبر مرض أبيه، وكانوا يراسلونه بالصلح فلا يفعل، فلما سمع بمرض أبيه لم يرحل حتى صالحهم على المال المذكور والطاعة ورحل.

وفاة السلطان علاء الدين خوارزم شاه.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة السلطان علاء الدين خوارزم شاه.
596 رمضان - 1200 م
في العشرين من رمضان، توفي خوارزم شاه تكش بن ألب أرسلان، صاحب خوارزم وبعض خراسان والري وغيرها من البلاد الجبالية، بشهرستانة بين نيسابور وخوارزم، وكان قد سار من خوارزم إلى خراسان، وكان به خوانيق، فأشار عليه الأطباء بترك الحركة، فامتنع، وسار، فلما قارب شهرستانة اشتد مرضه ومات، ولما اشتد مرضه أرسلوا إلى ابنه قطب الدين محمد يستدعونه، ويعرفونه شدة مرض أبيه، فسار إليهم وقد مات أبوه، فولي الملك بعده، ولقب علاء الدين، لقب أبيه، وكان لقبه قطب الدين، وأمر فحمل أبوه ودفن بخوارزم في تربة عملها في مدرسة بناها كبيرة عظيمة، وكان عادلاً حسن السيرة، له معرفة حسنة وعلم، يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة، ويعرف الأصول.

ملك خوارزم شاه ما كان أخذه الغورية من بلاده.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك خوارزم شاه ما كان أخذه الغورية من بلاده.
598 - 1201 م
في سنة سبع وتسعين ملك غياث الدين وأخوه شهاب الدين ما كان لخوارزم شاه محمد بن تكش بخراسان ومرو ونيسابور وغيرها، وعادا عنها بعد أن أقطعا البلاد، فلما اتصل بخوارزم شاه عود العساكر الغورية عن خراسان، ودخول شهاب الدين الهند، أرسل إلى غياث الدين يعاتبه ويهدده، فغالطه غياث الدين في الجواب لتمديد الأيام بالمراسلات، ويخرج أخوه شهاب الدين من الهند بالعساكر، فإن غياث الدين كان عاجزاً باستيلاء النقرس عليه، فلما وقف خوارزم شاه على رسالة غياث الدين أرسل إلى علاء الدين الغوري، نائب غياث الدين بخراسان، يأمره بالرحيل عن نيسابور، ويتهدده إن لم يفعل، فكتب علاء الدين إلى غياث الدين بذلك، ويعرفه ميل أهل البلد إلى الخوارزميين، فأعاد غياث الدين جوابه يقوي قلبه، ويعده النصرة والمنع عنه، وجمع خوارزم شاه عساكره وسار عن خوارزم نصف ذي الحجة سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وملك خوارزم شاه مدينة مرو، وسار إلى نيسابور وبها علاء الدين، فحصره، وقاتله قتالاً شديداً، وطال مقامه عليها، وراسله غير مرة في تسليم البلد إليه، وهو لا يجيب إلى ذلك انتظاراً للمدد من غياث الدين، فبقي نحو شهرين، فلما أبطأ عنه النجدة أرسل إلى خوارزم شاه يطلب الأمان لنفسه ولمن معه من الغورية، وأنه لا يتعرض إليهم بحبس ولا غيره من الأذى، فأجابه إلى ذلك، وحلف لهم، وخرجوا من البلد وأحسن خوارزم شاه إليهم، ووصلهم بمال جليل وهدايا كثيرة، وطلب من علاء الدين أن يسعى في الصلح بينه وبين غياث الدين وأخيه، فأجابه إلى ذلك. ثم سار خوارزم شاه إلى سرخس، وبها الأمير زنكي، فحصره أربعين يوماً، وجرى بين الفريقين حروب كثيرة، فضاقت الميرة على أهل البلد، لا سيما الحطب، فأرسل زنكي إلى خوارزم شاه يطلب منه أن يتأخر عن باب البلد حتى يخرج هو وأصحابه ويترك البلد له، فراسله خوارزم شاه في الاجتماع به ليحسن إليه وإلى من معه، فلم يجبه إلى ذلك، واحتج بقرب نسبه من غياث الدين، فأبعد خوارزم شاه عن باب البلد بعساكره، فخرج زنكي فأخذ من الغلات وغيرها التي في المعسكر ما أراد لا سيما من الحطب، وعاد إلى البلد وأخرج منه من كان قد ضاق به الأمر، فندم حيث لم ينفعه الندم؛ ورحل عن البلد، وترك عليه جماعة من الأمراء يحصرونه، فلما أبعد خوارزم شاه سار محمد بن جربك من الطالقان، وهو من أمراء الغورية، وأرسل إلى زنكي أمير سرخس يعرفه أنه يريد أن يكبس الخوارزميين لئلا ينزعج إذا سمع الغلبة، وسمع الخوارزميون الخبر، ففارقوا سرخس، وخرج زنكي ولقي محمد بن جربك وعسكر في مرو الروذ، وأخذ خراجها وما يجاورها، فسير إليهم خوارزم شاه عسكراً مع خاله، فلقيهم محمد بم جربك وقاتلهم، فلما سمع خوارزم شاه ذلك عاد إلى خوارزم، وأرسل إلى غياث الدين في الصلح، فأجابه عن رسالته مع أمير كبير من الغورية يقال له الحسين بن محمد المرغني، ومرغن من قرى الغور، فقبض عليه خوارزم شاه.

استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

استيلاء خوارزم شاه على بلاد الغورية.
602 - 1205 م
بعد مكاتبة الحسين بن خرميل، والي هراة، خوارزم شاه، ومراسلته في الانتماء إليه والطاعة له، ترك طاعة الغورية، وخداعه لغياث الدين، ومغالطته له بالخطبة له والطاعة، انتظاراً لوصول عسكر خوارزم شاه، ووصل عسكر خوارزم شاه، فلقيهم ابن خرميل، وأنزلهم على باب البلد، فقالوا له: قد أمرنا خوارزم شاه أن لا نخالف لك أمراً، فشكرهم على ذلك؛ وكان يخرج إليهم كل يوم، وأقام لهم الوظائف الكثيرة.

ملك خوارزم شاه ترمذ وتسليمها إلى الخطا.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك خوارزم شاه ترمذ وتسليمها إلى الخطا.
602 - 1205 م
لما أخذ خوارزم شاه مدينة بلخ سار عنها إلى مدينة ترمذ مجداً، وبها ولد عماد الدين كان صاحب بلخ، فأرسل إليه محمد بن بشير يقول له: إن أباك قد صار من أخص أصحابي وأكابر أمراء دولتي، وقد سلم إلي بلخ، وإنما ظهر لي منه ما أنكرته، فسيرته إلى خوارزم مكرماً محترماً، وأما أنت فتكون عندي أخاً ووعده، وأقطعه الكثير، فخدعه محمد بن علي، فرأى صاحبها أن خوارزم شاه قد حصره من جانب والخطا قد حصره من جانب آخر، وأصحابه قد أسرهم الدز بغزنة، فضعفت نفسه، وأرسل من يستحلف له خوارزم شاه، فحلف له، وتسلم منه ترمذ وسلمها إلى الخطا، فلقد اكتسب بها خوارزم شاه سبة عظيمة، وذكراً قبيحاً في عاجل الأمر؛ ثم ظهر للناس، بعد ذلك، أنه إنما سلمها إليهم ليتمكن بذلك من ملك خراسان، ثم يعود إليهم فيأخذها وغيرها منهم، لأنه لما ملك خراسان وقصد بلاد الخطا وأخذها وأفناهم علم الناس أنه فعل ذلك خديعة ومكراً.

ملك خوارزم شاه الطالقان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك خوارزم شاه الطالقان.
603 - 1206 م
لما سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار عنها إلى ميهنة وأندخوي وكتب إلى سونج أمير أشكار، نائب غياث الدين محمود بالطالقان، يستميله، فعاد الرسول خائباً لم يجبه سونج إلى ما أراد منه، وجمع عسكره وخرج يحارب خوارزم شاه، فالتقوا بالقرب من الطالقان، وأخذ ما بالطالقان من مال وسلاح ودواب وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول، وحمله رسالة تتضمن التقرب إليه والملاطفة له، واستناب بالطالقان بعض أصحابه، وسار إلى قلاع كالوين وبيوار، فخرج إليه حسام الدين علي بن أبي علي، صاحب كالوين، وقاتله على رؤوس الجبال، فأرسل إليه خوارزم شاه يتهدده إن لم يسلم إليه، ولما بلغ غياث الدين خبر سونج، وتسليمه الطالقان إلى خوارزم شاه، عظم عنده وشق عليه، فسلاه أصحابه، وهونوا الأمر، ولما فرغ خوارزم شاه من الطالقان سار إلى هراة، فنزل بظاهرها.

ملك خوارزم شاه محمد بن تكش بلاد ما وراء النهر بعد حروب طويلة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك خوارزم شاه محمد بن تكش بلاد ما وراء النهر بعد حروب طويلة.
604 - 1207 م
عبر علاء الدين محمد بن خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا، وسبب ذلك أن الخطا كانوا قد طالت أيامهم ببلاد تركستان، وما وراء النهر، وثقلت وطأتهم على أهلها، ولهم في كل مدينة نائب يجبي إليهم الأموال، فاتفق أن سلطان سمرقند وبخارى، أنف وضجر من تحكم الكفار على المسلمين، فراسل إلى خوارزم شاه يقول له: إن الله، عز وجل، قد أوجب عليك بما أعطاك من سعة الملك وكثرة الجنود أن تستنقذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفار، فسير إليه صاحب سمرقند وجوه أهل بخار وسمرقند، بعد أن حلفوا صاحبهم على الوفاء بما تضمنه، وضمنوا عنه الصدق والثبات على ما بذل، وجعلوا عنده رهائن، فشرع في إصلاح أمر خراسان، وتقرير قواعدها، وجمع عساكره جميعها، وسار إلى خوارزم، وتجهز منها، وعبر جيحون، واجتمع بسلطان سمرقند، وسمع الخطا، فحشدوا، وجمعوا، وجاؤوا إليه فجرى بينهم وقعات كثيرة ومغاورات، فتارة له وتارة عليه، ثم دخل خوارزم شاه نيسابور، وأصلح أمرها، وجعل فيها نائباً، وسار إلى هراة، فنزل عليها مع عسكره الذين يحاصرونه، وزحف إليه بعسكره، فلم يكن فيه حيلة، فاتفق جماعة من أهل هراة وقالوا: هلك الناس من الجوع والقلة، وقد تعطلت علينا معايشنا، وقد مضى سنة وشهر، وكان الوزير يعد بتسليم البلد إلى خوارزم شاه إذا وصل إليه، وقد حضر خوارزم شاه ولم يسلم، ويجب أن نحتال في تسليم البلد والخلاص من هذه الشدة التي نحن فيها، فانتهى ذلك إلى الوزير، فبعث إليهم جماعة من عسكره، وأمرهم بالقبض عليهم، فمضى الجند إليهم، فثارت فتنة في البلد عظم خطبها، فاحتاج الوزير إلى تداركها بنفسه، فمضى لذلك، فكتب من البلد إلى خوارزم شاه بالخبر، وزحف إلى البلد وأهله مختلطون، فخربوا برجين من السور، ودخلوا البلد فملكوه، وقبضوا على الوزير، فقتله خوارزم شاه، وملك البلد، وذلك سنة خمس وستمائة، وأصلح حاله، وسلمه إلى خاله أمير ملك، وهو من أعيان أمرائه، فلم يزل بيده حتى هلك خوارزم شاه.

ملك خوارزم شاه كرمان ومكران والسند.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك خوارزم شاه كرمان ومكران والسند.
611 - 1214 م
إن خوارزم شاه محمد بن تكش كان من جملة أمراء أبيه أمير اسمه أبو بكر، ولقبه تاج الدين، وكان في ابتداء أمره جمالاً يكري الجمال في الأسفار، ثم جاءته السعادة، فاتصل بخوارزم شاه، وصار سيروان جماله، فرأى منه جلداً وأمانة، فقدمه إلى أن صار من أعيان أمراء عسكره، فولاه مدينة زوزن، وكان عاقلاً ذا رأي، وحزم، وشجاعة، فتقدم عند خوارزم شاه تقدماً كثيراً، فوثق به أكثر من جميع أمراء دولته، فقال أبو بكر لخوارزم شاه: إن بلاد كرمان مجاورة لبلدي، فلو أضاف السلطان إلي عسكراً لملكتها في أسرع وقت، فسير معه عسكراً كثيراً فمضى إلى كرمان، وصاحبها اسمه حرب بن محمد بن أبي الفضل الذي كان صاحب سجستان أيام السلطان سنجر، فقاتله، فلم يكن له به قوة، وضعف، فملك أبو بكر بلاده في أسرع وقت، وسار منها إلى نواحي مكران فملكها كلها إلى السند، من حدود كابل، وسار إلى هرمز، مدينة على ساحل بحر مكران، فأطاعه صاحبها، واسمه ملنك، وخطب بها لخوارزم شاه، وحمل عنها مالاً، وخطب له بقلهات، وبعض عمان، لأن أصحابها كانوا يطيعون صاحب هرمز. وقيل إن ملك خوارزم شاه لكرمان ومكران والسند كان في السنة التي قبلها أو بعدها بقليل.

ملك خوارزم شاه غزنة وأعمالها.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك خوارزم شاه غزنة وأعمالها.
612 شعبان - 1215 م
ملك خوارزم شاه محمد بن تكش مدينة غزنة وأعمالها، وسبب ذلك أن خوارزم شاه لما استولى على عامة خراسان وملك باميان وغيرها، أرسل إلى تاج الدين، صاحب غزنة، يطلب منه أن يخطب له، ويضرب السكة باسمه، ويرسل إليه فيلاً واحداً ليصالحه ويقر بيده غزنة، ولا يعارضه فيها، فأحضر الأمراء وأعيان دولته واستشارهم، فخطب لخوارزم شاه، وضرب السكة باسمه، وأرسل إليه فيلاً، وأعاد رسوله إليه، ومضى إلى الصيد، فأرسل قتلغ تكين، والي غزنة، إلى خوارزم شاه يطلبه ليسلم إليه غزنة، فسار مجداً، وسبق خبره، فسلم إليه قتلغ تكين غزنة وقلعتها، فلما دخل إليها قتل من بها من عسكر الغورية لا سيما الأتراك، وقيل إن ملك خوارزم شاه غزنة كان سنة ثلاث عشرة وستمائة.

ملك خوارزم شاه بلد الجبل.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك خوارزم شاه بلد الجبل.
614 - 1217 م
سار خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش إلى بلاد الجبل فملكها، وكان سبب حركته، في هذا الوقت، أشياء، أحدها: أنه كان قد استولى على ما وراء النهر، وظفر بالخطا، وعظم أمره، وعلا شأنه، وأطاعه القريب والبعيد؛ ومنها: أنه كان يهوى أن يخطب له ببغداد، ويلقب بالسلطان، ومنها: أن أغلمش لما ملك بلاد الجبل خطب له فيها جميعها، فلما قتله الباطنية غضب له، وخرج لئلا تخرج البلاد عن طاعته، فسار مجداً في عساكر تطبق الأرض، فوصل إلى الري فملكها، وكان أتابك سعد بن دكلا، صاحب بلاد فارس، لما بلغه مقتل أغلمش جمع عساكره وسار نحو بلاد الجبل طمعاً في تملكها لخلوها عن حام وممانع، فوصل إلى أصفهان، فأطاعه أهلها، وسار منها يريد الري، ولم يعلم بقدوم خوارزم شاه، فلقيه مقدمه خوارزم شاه فظنها عساكر تلك الديار قد اجتمعت لقتاله ومنعه عن البلاد، فقاتلهم، وجد في محاربتهم حتى كاد يهزمهم، ثم انهزم وملك خوارزم شاه البلد.

وفاة السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وفاة السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه.
617 شوال - 1220 م
في الوقت الذي بدأ فيه الضعف يدب في أوصال الدولة السلجوقية كانت الدولة الخوارزمية تزداد قوة، حتى تمكنت من إزاحة دولة السلاجقة والاستيلاء على ما كان تحت يديها من بلاد، وكان السلطان "تكش" بطل هذه المرحلة، وتعد فترة حكمه التي امتدت أكثر من ربع قرن (568 - 596هـ = 1173 - 1200م) العصر الذهبي للدولة الخوارزمية. ولما توفي "تكش" سنة (596هـ = 1199م) خلفه ابنه "علاء الدين محمد"، وكان كأبيه طموحًا يتطلع إلى توسيع دولته وبسط نفوذها، فدخل في حروب مع جيرانه، فاستولى على معظم إقليم خراسان، وقضى على دولة الخطا سنة (606هـ = 1209م)، واستولى على بلاد ما وراء النهر، وأخضع لسلطانه مكران وكرمان والأقاليم الواقعة غربي نهر السند، وسيطر على ممتلكات دولة الغور في أفغانستان، وبلغت بذلك الدولة أقصى اتساعها في عهده، حيث امتدت من حدود العراق العربي غربًا إلى حدود الهند شرقًا، ومن شمال بحر قزوين وبحر آرال شمالاً إلى الخليج العربي والمحيط الهندي جنوبًا. وتزامن مع اتساع الدولة الخوارزمية وازدياد نفوذها ظهور المغول وبروز دولتهم على يد "جنكيزخان" الذي نجح في السيطرة على قبائل المغول، وإحكام قبضته عليهم، وما كاد يهل عام (602هـ=1206م) حتى كان قد أخضع لسلطانه كل بدو صحراء جوبي. وبعد أن رسخت أقدام جنكيزخان ووثق من قوته تطلع إلى توسيع رقعة دولته، وانطلق بجيشه نحو بلاد ما وراء النهر في خريف سنة (616هـ= 1219م) وتوالت هزائم الدولة الخوارزمية على يديه. وكانت الهزائم التي لقيها السلطان الخوارزمي قاسية فسقطت الدولة المترامية في سنوات قليلة، ولم يعد أمام السلطان سوى التوجه إلى مكان آمن يعيد فيه تنظيم جيشه ويعاود الجهاد حتى يسترد ما فقده، لكنها كانت أحلام بددها إصرار جنكيزخان على تتبع السلطان الفار من بلد إلى آخر، وجند المغول تطارده، حتى انتهى به المطاف إلى همدان في نحو عشرين ألفا من جنوده. وفي هذه الأثناء تمكن المغول من السيطرة على إقليم خوارزم، أهم ولايات الدولة، وأسروا تركان خان والدة السلطان ومن معها من أبنائه وبناته، فلما قُدّموا إلى جنكيزخان أمر بقتل أبناء السلطان محمد خوارزم وكانوا صغار السن، وزوّج أبناءه وبعض رجاله من بنات السلطان. وما كادت تصل هذه الأنباء المفجعة إلى السلطان حتى ازداد غمًا على غم، وأصابه الحزن والهم، وكان قد انتهى به الفرار إلى جزيرة في بحر قزوين، يحوطه اليأس والقنوط، فسيطر عليه القلق، وحلت به الأمراض، حتى أسلم الروح في (13 من شوال 617هـ=9 من ديسمبر 1220م)، وقبل وفاته أوصى لابنه جلال الدين منكبرتي بالسلطة.

استحواذ جلال الدين بن خوارزم شاه على بلاد أذربيجان.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

استحواذ جلال الدين بن خوارزم شاه على بلاد أذربيجان.
622 رجب - 1225 م
استحوذ جلال الدين بن خوارزم شاه على بلاد أذربيجان وكثيرا من بلاد الكرج، وكسر الكرج وهم في سبعين ألف مقاتل، فقتل منهم عشرين ألفا من المقاتلة، واستفحل أمره جدا وعظم شأنه، وفتح تفليس فقتل منها ثلاثين ألفا، وقتل من الكرج سبعين ألفا في المعركة، وقتل من تفليس تمام المائة ألف، وقد اشتغل بهذه الغزوة عن قصد بغداد، وذلك أنه لما حاصر دقوقا سبه أهلها ففتحها قسرا وقتل من أهلها خلقا كثيرا، وخرب سورها وعزم على قصد الخليفة ببغداد لأنه فيما زعم عمل على أبيه حتى هلك، واستولت التتر على البلاد، وكتب إلى المعظم بن العادل يستدعيه لقتال الخليفة ويحرضه على ذلك، فامتنع المعظم من ذلك، ولما علم الخليفة بقصد جلال الدين بن خوارزم شاه بغداد انزعج لذلك وحصن بغداد واستخدم الجيوش والأجناد، وأنفق في الناس ألف ألف دينار، وكان جلال الدين قد بعث جيشا إلى الكرج فكتبوا إليه أن أدركنا قبل أن نهلك عن آخرنا، وبغداد ما تفوت، فسار إليهم.

إيقاع جلال الدين خوارزم شاه بالتركمان الإيوانية.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

إيقاع جلال الدين خوارزم شاه بالتركمان الإيوانية.
623 - 1226 م
كان التركمان الإيوانية قد تغلبوا على مدينة أسنة وأرمية، من نواحي أذربيجان، وأخذوا الخراج من أهل خوي ليكفوا عنهم، واغتروا باشتغال جلال الدين بالكرج، وبعدهم بخلاط، وازداد طمعهم، وانبسطوا بأذربيجان ينهبون، ويقطعون الطريق؛ والأخبار تأتي إلى خوارزم شاه جلال الدين بن خوارزم شاه، وهو يتغافل عنهم لاشتغاله بما هو المهم عنده؛ فلما اشتد ذلك على الناس وعظم الشر أرسلت زوجة جلال الدين ابنة السلطان طغرل ونوابه في البلاد إليه يستغيثون، ويعرفونه أن البلاد قد خربها الإيوانية، ولئن لم يلحقها، وإلا هلكت بالمرة، فاتفق هذا إلى خوف الثلج، فرحل عن خلاط، وجد السير إلى الإيوانية، وهم آمنون مطمئنون، لعلمهم أن خوارزم شاه على خلاط، وظنوا أنه لا يفارقها، فلم يرعهم إلا والعساكر الجلالية قد أحاطت بهم، وأخذهم السيف من كل جانب، فأكثروا القتل فيهم، والنهب، والسبي، واسترقوا الحريم والأولاد، وأخذوا من عندهم ما لا يدخل تحت الحصر، فرأوا كثيراً من الأمتعة التي أخذوها من التجار بحالها في الشذوات، هذا سوى ما كانوا قد حلوه وفصلوه، فلما فرغ عاد إلى تبريز.

ملك جلال الدين خوارزم شاه تفليس.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

ملك جلال الدين خوارزم شاه تفليس.
623 ربيع الأول - 1226 م
ثامن ربيع الأول، فتح جلال الدين بن خوارزم شاه مدينة تفليس من الكرج؛ وقد كانت في سنة اثنتين وعشرين وستمائة الحرب بينه وبينهم، وانهزموا منه، ثم عاد إلى تبريز بسبب الخلاف الواقع فيها، فلما استقر الأمر في أذربيجان عاد إلى بلد الكرج في ذي الحجة، وخرجت سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودخلت هذه السنة، فقصد بلادهم، وقد عادوا فحشدوا وجمعوا من الأمم المجاورة لهم اللان واللكز وقفجاق وغيرهم، فاجتمعوا في جمع كثير لا يحصى، فطمعوا بذلك، فلقيهم، وجعل لهم الكمين في عدة مواضع، والتقوا واقتتلوا، فولى الكرج منهزمين وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب، فلم ينج منهم إلا اليسير الشاذ الذي لا يعبأ به؛ وأمر جلال الدين عسكره أن لا يبقوا على أحد، وأن يقتلوا من وجدوا، فتبعوا المنهزمين يقتلونهم، وأشار عليه أصحابه بقصد تفليس دار ملكهم، فقال: لا حاجة لنا إلى أن نقتل رجالنا تحت الأسوار، إنما إذا أفنيت الكرج أخذت البلاد صفواً عفواً، ولم تزل العساكر تتبعهم وتستقصي في طلبهم إلى أن كادوا يفنونهم، فحينئذ قصد تفليس ونزل بالقرب منها، وسار في بعض الأيام في طائفة من العسكر، وقصدها لينظر إليها، ويبصر مواضع النزول عليها، وكيف يقاتلها، فلما قاربها كمن أكثر العسكر الذي معه في عدة مواضع، ثم تقدم إليها في نحو ثلاثة آلاف فارس، فلما رآه من بها من الكرج طمعوا فيه لقلة من معه، ولم يعلموا أنه معهم، فظهروا إليه فقاتلوه، فتأخر عنهم، فقوي طمعهم فيه لقلة من معه، فظنوه منهزماً، فتبعوه، فلما توسطوا العساكر خرجوا عليهم ووضعوا السيف فيهم، فقتل أكثرهم، وانهزم الباقون إلى المدينة فدخلوها، وتبعهم المسلمون، فلما وصلوا إليها نادى المسلمون من أهلها بشعار الإسلام، وباسم جلال الدين، فألقى الكرج بأيديهم واستسلموا، لأنهم كانوا قد قتل رجالهم في الوقعات المذكورة، فقل عددهم، وملئت قلوبهم خوفاً ورعباً، فملك المسلمون البلد عنوة وقهراً بغير أمان، وقتل كل من فيه من الكرج، ولم يبق على كبير ولا صغير إلا من أذعن بالإسلام، وأقر بكلمتي الشهادة، فإنه أبقى عليه، وأمرهم فتختنوا وتركهم، ونهب المسلمون الأموال، وسبوا النساء واسترقوا الأولاد، ووصل إلى المسلمين الذين بها بعض الأذى من قتل ونهب وغيره، وتفليس هذه من أحصن البلاد وأمنعها، وهي على جانبي نهر الكر، وهو نهر كبير، ولقد جل هذا الفتح وعظم موقعه في بلاد الإسلام وعند المسلمين، فإن الكرج كانوا قد استطالوا عليهم، وفعلوا بهم ما أرادوا، فكانوا يقصدون أي بلاد أذربيجان أرادوا، فلا يمنعهم عنها مانع، ولا يدفعهم عنها دافع.

حصر جلال الدين خوارزم شاه مدينتي آني وقرس وخلاط.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

حصر جلال الدين خوارزم شاه مدينتي آني وقرس وخلاط.
623 رمضان - 1226 م
عاد جلال الدين من كرمان، إلى تفليس، وسار منها إلى مدينة آني، وهي للكرج، وبها إيواني مقدم عساكر الكرج فيمن بقي معه من أعيان الكرج، فحصره وسير طائفة من العسكر إلى مدينة قرس وهي للكرج أيضاً، وكلاهما من أحصن البلاد وأمنعها، فنازلهما وحصرهما، وقاتل من بهما، ونصب عليهما المجانيق، وجد في القتال عليهما، وحفظهما الكرج، وبالغوا في الحفظ والاحتياط لخوفهم منه أن يفعل بهم ما فعل بأشياعهم من قبل بمدينة تفليس، وأقام عليهما إلى أن مضى بعض شوال، ثم ترك العسكر عليهم يحصرونهم وعاد إلى تفليس، وسار من تفليس مجداً إلى بلاد أبخاز وبقايا الكرج، فأوقع بمن فيها، فنهب، وقتل، وسبى، وخرب البلاد وأحرقها، وغنم عساكره ما فيها، وعاد منها إلى تفليس، أما خلاط فإن جلال الدين عاد من مدينة آني إلى تفليس ودخل بلاد أبخاز، وكان رحيله مكيدة لأنه بلغه أن النائب عن الملك الأشرف، وهو الحاجب حسام الدين علي بمدينة خلاط، قد احتاط، واهتم بالأمر وحفظ البلد لقربه منه؛ فعاد إلى تفليس ليطمئن أهل خلاط ويتركوا الاحتياط والاستظهار ثم يقصدهم بغتة؛ وسار مجداً فوصل الخبر إليهم قبل وصوله بيومين، ووصل جلال الدين فنازل مدينة ملازكرد يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة، ثم رحل عنها؛ فنازل مدينة خلاط يوم الاثنين خامس عشر ذي القعدة، فلم ينزل حتى زحف إليها، وقاتل أهلها قتالاً شديداً، فوصل عسكره سور البلد، وقتل بينهم قتل كثيرة، ثم زحف إليها مرة ثانية، وقاتل أهل البلد قتالاً عظيماً، فعظمت نكاية العسكر في أهل خلاط، ووصلوا إلى سور البلد، ودخلوا الربض الذي له، ومدوا أيديهم في النهب وسبي الحريم، فلما رأى أهل خلاط ذلك تذامروا، وحرض بعضهم بعضاً، فعادوا إلى العسكر فقاتلوهم فأخرجوهم من البلد، وقتل بينهم خلق كثير، وأسر العسكر الخوارزمي من أمراء خلاط جماعة، وقتل منهم كثير، ثم إن جلال الدين استراح عدة أيام، وعاود الزحف مثل أول يوم، فقاتلوه حتى أبعدوا عسكره عن البلد، ثم أقام عليها إلى أن اشتد البرد، ونزل شيء من الثلج، فرحل عنها يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من السنة، وكان سبب رحيله مع خوف الثلج ما بلغه عن التركمان الإيوانية من الفساد ببلاده.

3 - أتسز بن محمد بن أنوشتكين، الملك خوارزم شاه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

3 - أتْسِز بْن مُحَمَّد بْن أَنُوشْتِكِين، الملك خُوارَزْم شاه. [المتوفى: 551 هـ]
أصابه فالج فعالجوه بكُل ممكِنٍ فلم يبرأ، فأعطوه حرارات عظيمة بغير أمر الطّبيب، فاشتد مرضه وخارت قوته، ومات فِي جُمادى الآخرة؛ وكان يقول عند الموت: " مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ".
ووُلد فِي رجب سنة تسعين، وامتدّت أيّامه، وتمّلك بعده ابنه أرسلان فقَتَل نفرًا من أعمامه. -[26]-
وكان أتْسِز عادلًا، عافًّا عن أموال الرعيَّة، محببًا إليهم، فيه خير وإحسان، وكان تحت طاعة السّلطان سَنْجَر.

286 - أرسلان بن خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

286 - أرسلان بن خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أنوشْتِكِين. [المتوفى: 568 هـ]
رجع من قتال أُمَّة الخطا مريضًا فمات. وكان حاكمًا عَلَى خُوارزم وأعمالها، وتملَّك بعده ابنه سلطان شاه محمود. وأمّا ابنه الآخر، وهو الأكبر، وهو علاء الدّين تكش، فكان مقيمًا بالْجُنْد، فلمّا بلغه موتُ أَبِيهِ وتملُّك أخيه الصغير غضب، وقصد ملك الخطا، واستمدّ منه، فبعث معه جيشًا، فلمّا قاربوا خُوارزم، خرج سلطان شاه ووالدته إلى المؤيَّد صاحب نَيْسابور، وتملّك علاء الدين خوارزم وبلادها بغير قتال.
وأما المؤيد فسار مع محمود بجيوشه، وقارب خوارزم، فالتقوا وحمي الحرب، فانهزمت الخراسانية، وأسر المؤيد، وقتل بين يدي علاء الدين تكش صبرا، وهرب محمود وأمه إلى دهستان، فحاصرهم تكش، وافتتح البلد، فهرب محمود، وأمسكت أمه، فقتلها تكش.
وقام بعد المؤيد ابنه طغان شاه أبو بكر. وسار محمود إلى عند غياث الدين ملك الغور، فأكرمه وأجله، وثبت ملك أخيه تكش.

369 - محمود ابن خوارزم شاه أرسلان ابن خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين، السلطان الخوارزمي، ولقبه: سلطان شاه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

369 - محمود ابن خوارزم شاه أرسلان ابن خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين، السّلطان الخُوارزميّ، ولَقَبُه: سلطان شاه. [المتوفى: 589 هـ]
وَهُوَ أخو علاء الدّين خُوارزم شاه تكش.
تملَّك بعد والده فِي سنة ثمانٍ وستين، وجَرَت لَهُ أمورٌ يطول شَرحُها، وكان أخوه قَدْ سلَّم إِلَيْهِ أَبُوهُ بعضَ المدائن، فحشد وجمع وقصد أخاه، فترك خُوارزم وهرب، وذلك مذكورٌ فِي الحوادث.
ثُمّ إنَّه استولى عَلَى مملكة مَرْو.
وكان نظيرًا لأخيه فِي الحزْم والعزْم والرأي والشجاعة، وحضر غير مصاف. واستعان بجيش الخَطَا. وافتتح جماعة مدائن. وكان السيف بينه وبَيْنَ أَخِيهِ؛ لأنه أَخَذَ منه خُوارزم، والتقاه فهزمه، وأسرَ أُمّه أم محمود فقتلها، -[886]- واستولى على أكثر حواصل أبيهما؛ أعني علاء الدّين.
ونقل ابن الأثير فِي " كامله " فصلًا طويلًا في أخبارهما استطرادًا. وحكى فِيهِ عَنْ بعض المؤرخين أن سلطان شاه أَخَذَ مَرْو، ودفع الغُزّ عَنْهَا، ثُمّ تجمعوا لَهُ وأخرجوه، وانتهبوا خزائنه، وقتلوا أكثر رجاله، فاستنجد بالخَطَا، وجاء بعسكرٍ عظيم، وأخرج الغُز عَنْ مَرْو، وسَرْخَس، ونَسَا، وأَبِيوَرْد، وتملَّكها، ورجعت الخَطَا إلى بلادهم بالأموال.
ثم كاتب غياث الدين الغوري ليسلم إليه هراة، وبعث إليه غياث الدين أيضا، فأمره أن يخطب لَهُ ببلاده، فسار وشن الغارات، ونهب بلاد الغوري، وظلم وعَسَف، فجهز الغُوريّ لحربه ابن أَخِيهِ بهاء الدّين وصاحب سِجِسْتَان، فتقهقر سلطان شاه إِلَى مَرْو بعد أن عمل كُلّ قبيح بالقُرى، فتحزب لقصده غِياث الدّين وأخوه شهاب الدّين صاحب الهند. وجمع سلطان شاه العساكر، واستخدم الغُز وأُولي الطَّمَع، وعسكَرَ بمَرْو الرُّوذ، وعسكر الغُوريُّون بالطّالقان. وبقوا كذلك شهرين، وترددت الرُسُل فِي معنى الصُّلْح، فلم ينتظم أمر. ثُمّ التقى الْجَمْعان، وصبر الفريقان، ثُمّ انهزم جيش سلطان شاه، ودخل هُوَ مَرْو فِي عشرين فارسًا، فانتهز أخوه تكش الفرصة، وسار فِي عسكر، وبعث عسكرًا إِلَى حافة جَيْحُون يمنعون أخاه منَ الدخول إِلَى الخَطَا إنْ أرادهم، فَلَمَّا ضاقت السُّبُل عَلَى سلطان شاه، خاطر وسار إِلَى غياث الدّين، فبالغ فِي إكرامه واحترامه، وأنزله معه، فبعث علاء الدّين تكش إِلَى غياث الدّين يأمره بالقبض عليه، فلم يفعل. فبعث علاء الدّين يتهدده بقصد بلاده، فتجهَّز غياث الدّين وجمع العساكر، فلم ينشب سلطان شاه أن تُوفي فِي سلْخ رمضان فِي سنة تسعٍ هَذِهِ، فاستخدم غياث الدّين أكثر أجناده، وأنعم عليهم، وجرى بعده لعلاء الدّين تكش ولغياث الدّين اختلاف وائتلاف طمعت بسبب ذَلِكَ الغُز، وعادوا إِلَى النَّهْب والتّخريب، فتجهَّز علاء الدّين تكش، وسار ودخل مَرْو، وسَرْخَس، ونَسَا، وتطرق إِلَى طُوس.
قُلْتُ: وساق ابن الأثير رحِمَه اللَّه قولًا آخر مخالِفًا لهذا فِي أماكن، واعتَذَرَ عَنْهُ ببُعْد الديار، واختلاف النَّقَلَة منَ السُّفّار.

297 - خوارزم شاه. علاء الدين، السلطان تكش ابن الملك رسلان شاه بن آتسز.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

297 - خوارزم شاه. علاء الدين، السلطان تكش ابن الملك رسلان شاه بن آتسز. [المتوفى: 596 هـ]
كذا نَسَبَه الْإِمَام أبو شامة، وقال: هُوَ من ولد طاهر بْن الْحُسَيْن.
قال: وكان شجاعًا جوادًا، ملك الدّنيا من السِّنْد والهند وما وراء النّهر، إِلَى خُراسان، إِلَى بغداد، فإنه كان نوابه في حلوان. وكان في ديوانه مائة ألف مقاتل. وهو الَّذِي كسر مملوكهُ عسكرّ الخليفة وأزال دولة بني سلجوق.
وكان حاذقًا بعلم الموسيقى. لم يكن في زمانه أحدٌ ألْعَب منه بالعود.
قيل: إنّ الباطنّية جهزوا عليه من يقتله، وكان يحترس كثيرًا، فجلس ليلةً يلعب بالعود، فاتّفق أنّه غنّى بيتًا بالعجميّ معناه: قد أبصرتك، وفهمَه الباطنيّ، فخاف وارتعد فهرب، فأخذوه وحُمِل إليه، فقرّره فاعترف فقتله.
وكان يباشر الحروب بنفسه، وذهبت عينه فِي القتال. وكان قد عزم على قصْد بغداد، وحشد فوصل إِلَى دهِسْتان فتُوُفّي بها فِي رمضان، وحُمِل إِلَى خُوارزم، ودُفن عند أهله، وقام بعده ولده خوارزم شاه مُحَمَّد، ولُقِّب علاء الدّين بلقبه.
وأنبأني ابن البُزُوريّ قال: السّلطان خُوارزم شاه تكِش ملك مشهور، عنده آداب وفضائل، ومعرفة بمذهب أَبِي حنيفة، وبنى مدرسة بخُوارزم للحنفيَّة. وله المقامات المشهورة فِي رَضِيَ الدّيوان، منها محاربة السّلطان طُغْرِيل وقتله.
وقع بينه وبين الوزير مؤيَّد الدين محمد ابن القصّاب خُلْف، وكان قد نُفِّذ له تشريف من الديوان فردّه، ثُمَّ ثاب إليه عقُله وندم واعتذر، وطلب تشريفًا، فنفّذ له فلبسه، ولم يزل نافذ الأمر ماضي الحكم.
تُوُفّي فِي العشرين من رمضان بشهرستانة، وحمله ولده قطب الدين محمد، فدفنه بمدرسته بخوارزم. -[1071]-
وذكر المنذريّ وفاته فِي سابع عشر رمضان.
وقال ابن الأثير: حصل له خوانيق، فأُشير عليه بترك الحركة، فامتنع وسار، فاشتدّ مرضه ومات. وولي بعده ولده قُطْب الدّين مُحَمَّد، ولُقِّب بلقب والده علاء الدين.

478 - محمد بن تكش بن إيل أرسلان بن آتسز بن محمد بن نوشتكين، السلطان علاء الدين خوارزم شاه.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

478 - مُحَمَّد بن تِكش بن إيل أرسلان بن آتْسِز بن مُحَمَّد بن نوشتِكين، السُّلْطَان علاء الدِّين خُوَارِزْم شاه. [المتوفى: 617 هـ]-[516]-
قد ذكرنا قطعة من أخباره في الحوادث.
أَبَاد مُلوك العالم، ودانت لَهُ الممالك، واستولى عَلَى الْأقاليم.
قَالَ ابن واصل: نسب علاء الدين ينتهي إلى إيلتِكين أحد مماليك السُّلْطَان ألب أرسلان بن جغر بيك السلجوقي.
قال الإمام عز الدين ابن الْأثير: كَانَ صبُورًا عَلَى التّعب وإدمان السَّيْر، غير مُتَنَعم ولا مُقْبل عَلَى اللّذات؛ إنما نَهْمته في المُلك وتدبيره وحِفْظِه وحفظ رعيته.
قَالَ: وَكَانَ فاضلًا، عالمًا بالفقه والْأصول وغيرهما، وَكَانَ مُكرِمًا للعلماء محبًا لهم، محسنًا إليهم، يحبّ مناظرتهم بين يديه، ويُعظِّم أهل الدِّين ويتبرك بهم؛ فحكى لي بعضُ خدم حُجرة النَّبِيّ صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ لَمَّا عاد من خُرَاسَان قَالَ: وصلت إلى خُوَارِزْم ودخلتُ الحمام، ثُمَّ قصدتُ باب السُّلْطَان، فَلَمَّا أُدخلت عَلَيْهِ أجلَسني بعد أَن قام لي، ومشى واعتنقني، وَقَالَ لي: أَنْتَ تخدم حُجرة النَّبِيّ صَلّى اللَّه عَلَيهِ وَسَلّمَ؟ قُلْتُ: نعم. فأخذ بيدي وأمَرَّها عَلَى وجهه، وسألني عن حالنا وعَيشنا، وصفة المدينة ومقدارها، وأطال الحديثَ معي، فَلَمَّا عزمت قَالَ: لولا أنَّنا عَلَى عزم السفر الساعة لَمَا ودَّعتك، وإنَّا نريد أن نعبر جيحون إلى الخَطا، وَهَذَا طريقٌ مباركٌ حيث رأينا من يخدُم الحُجرة الشَّريفة. ثُمَّ ودّعني، وأرسل إلي جملة من النَّفقة.
وَقَالَ أَبُو المُظَفَّر ابن الْجَوْزيّ: إِنَّهُ تُوُفِّي سنة خمس عشرة، فغلط، وَقَالَ: كَانَ قد أفنى ملوك خُرَاسَان وما وراء النَّهْر، وقتل صاحب سَمَرْقَنْد، وأخْلى البلاد من الملوك واستقلَّ بها، فَكَانَ ذَلِكَ سببًا لهلاكه. وَلَمَّا نزل همذان كاتب الوزيرُ مؤيد الدين محمد ابن القُمّي نائبُ الوزارة الإمامية عن الخليفة عساكر خوارزم شاه، ووعدهم بالبلاد، فاتفقوا مَعَ الخطا عَلَى قتله، وبَعَثَ القُمّي إليهم بالْأموال والخيول سرًّا، فَكَانَ ذَلِكَ سببًا لوهنه؛ وعلم بذلك، فسار من همذان إلى خُرَاسَان ونزل مَرْو، فصادف في طريقه الخيول والهدايا والكُتب إلى الخطا، وكان معه منهم سبعون ألفًا، فلم يمكنه الرجوع -[517]- لفساد عسكره. وَكَانَ خاله من أمراء الخَطا، وقد حلَّفوه أن لَا يُطلع خُوَارِزْم شاه عَلَى ما دبروا عَلَيْهِ، فجاء إِلَيْهِ في الليل، وكتب في يده صورة الحال، ووقف بإزائه، فنظر إلى السطور وفهمها، وَهُوَ يَقُولُ: خذ لنفسك، فالساعة تُقتل. فقامَ وخرجَ من تحت ذَيْل الخَيْمة ومعه وَلَداه جلال الدِّين والآخر، فركب وسار بهما، ثُمَّ دخل الخَطا والعساكر إلى خيمته فلم يجدوه، فنهبوا الخزائن والخيول، فيقال: إِنَّهُ كَانَ في خزائنه عشرة آلاف ألف دينار وألف حِمْل قماش أطلس وغيره، وكانت خيله عشرين ألف فرس وبَغْل، وَلَهُ عشرة آلاف مملوك. فهرب وركب في مركب صغير إلى جزيرة فيها قلعة ليتحصّن بها، فأدركه الْأجل، فدُفن عَلَى ساحل البَحْر، وهرب ولداه، وتفرقت الممالك بعده، وأخذت التَّتَار البلاد.
قُلْتُ: وكانت سلطنة علاء الدِّين مُحَمَّد بن تِكش في سنة ست وتسعين وخمسمائة عند موت والده السُّلْطَان علاء الدِّين تِكش.
قَالَ الموفق عَبْد اللطيف: كَانَ تِكش أعْوَرَ قميئًا كثيرَ اللّعب بالملاهي، استُدعي من الدّيوان العزيز لدفع أذَى طُغريل السَّلْجُوقيّ صاحب همذان، فقَتَل طُغْريل وسَيَّر برأسه، وتَقَدَّم بطلب حُقوق السَّلْطَنة، فتحركت أمَّةُ الخَطا إلى بلاده، أَوْ حُرّكت، فألجأته الضرورة أن يرجع - يعني إلى خُوَارِزْم - وتولَّى بعده الْأمر ولداه، فَكَانَ ابنه محمدٌ شُجاعًا شَهمًا مِغْوارًا مِقْدامًا، سَعْد الوُجهَة غَزّاءً، لَا ينشف لَهُ لبد، ويقطع المسافات الشَّاسعة في زمان لَا يتوهم العدو أَنَّهُ يقطعها في أضعافه، وَكَانَ هجّامًا فاتكًا غَدَّارًا، فأوّل ما فتك بأخيه، فأُحضِرَ رأسُهُ إليه وَهُوَ عَلَى الطعام فلم يكترث، وَكَانَ قليل النَّوم كثير اليقظة، طويل النَّصب قصير الراحة، يخدم في الغارات أصحابه، ويهجعون وَهُوَ يحرسهم، وثيابه وعدَّة فرسه لَا تبلغ دينارًا، لذّته في نَصَبه، وراحته في تعبه، كثير الغنائم والْأنفال، سريع التفريق لها والإنفاق. وَكَانَ لَهُ معرفة ومشاركة للعُلماء، وصَحِبَ الفخرَ الرَّازِيّ قبل المُلك، فَلَمَّا تملَّك رَعَى لَهُ ذَلِكَ، فوسَّع عَلَيْهِ الدُّنْيَا وبسط يده. لكنّ هذا المَلِك أفْسد رأيه العُجْب والتيه والثِّقة بالسَّلامة، وأوجب لَهُ ذَلِكَ أن يستبدّ برأيه، ويُنكّب عن ذكر العواقب جانبًا، واستهان بالْأعداء، ونسي عواقب الزمان؛ فمن عُجْبه كَانَ يَقُولُ: " مُحَمَّد ينصر دين مُحَمَّد ". ثُمَّ قطع خُطبة بني العَبَّاس من مملكته، وتركَ -[518]- غزو الكُفَّار، وأخذَ يتصدّى لعداوة قِبلة الإِسْلَام وقَلْب الشريعة بَغْدَاد، وعزم عَلَى قصد تفليس ليجعلها سرير مُلكه، ويحكم منها عَلَى بلاد الروم والْأرْمن والقَفْجق، وسائر بلاد العرب والعجم؛ فأفسد الْأمور بإساءة التدبير، وقَتَل نفسه بشدَّة حرصه وحركته قبل وقته، وأراد أن يتشبّه بالإسكندر، وأين الْأعمى من المُبصر؟! وأين الوليّ من رجل تُركيّ؟! فإنّ الإسكندر مَعَ فَضْله وعدله وإظهاره كلمة التوحيد؛ كان في صحبته ثلاثمائة حكيم، يسمع منهم ويطيع، وَكَانَ معلّمه أرسطو طاليس نائبه عَلَى بلاده، ولا يحلّ ولا يعقد إِلَّا بمشورته ومُراسلته في استخراج رأيه.
كذا قَالَ الموفق، وأخطأ في هَذَا كغيره، فليس إسكندر صاحب أرسطو طاليس هُوَ الَّذِي قص الله سبحانه قصّته في القرآن، فالذي في القرآن رجل مؤمن، وأمّا الآخر فمشرك يعبد الوثن؛ واسمه إسكندر بن فلبّس المقدونيّ، عَلَى دين الحُكماء - لَا رعاهم اللَّه - ولم يملك الدُّنْيَا ولا طافَها؛ بل هُوَ من جُملة ملوك اليونان.
ثُمَّ قَالَ الموفق: وقد عُلم بالتّجربة والقياس أن كل ملكٍ لَا يكون قصده إقامة وبسط العدل والعمارة فَهُوَ وشيك الزوال؛ فأول ما صنع هَذَا أَنَّهُ ظاهر أمَّة الخطا، فنازلهم بأمَّة التَّتَر حَتَّى استأصلهم، ولم يُبق منهم إِلَّا من دخل تحت طاعته وصار من عسكره. واستخدم سبعة أمراء من أخواله وجعلهم من قلب عسكره وخواصّه، ثم انتقل إلى أمَّة التَّتَر فمحقهم بالسيف، ولم يبق منهم إِلَّا مستسلم في زمرته. وكانت بلاد ما وراء النَّهْر في طاعة الخطا، وملوك بخاري وَسَمَرْقَنْد وغيرهما يؤدون الْأتاوة إلى الخطا، والخطا يبسطون فيهم العدل. وكانت هذه الْأمم سدًّا بين تُرك الصين وبيننا، ففتح هَذَا الملك بقلة معرفته هَذَا السدّ الوَثيق. ثم أفسَد تلك الممالك والْأمصار، وأتى عَلَى إخراب البلاد وإفساد القلوب، وإيداعها أصناف الإحن والعداوات، وظن أَنَّهُ لم يُبق فيهم مَنْ يقاومه، فانتقل إلى خُرَاسَان وسِجستان وكِرمان ثم العراق وأَذْرَبِيجَان، وطمِعَ في الشَّام وَمِصْر، وحدَّثته نفسه بجميع أقطار الْأرض. وَكَانَ ذَلِكَ سهلًا عَلَيْهِ قد يسَّرَه اللَّه لَهُ لو ساعده التوفيق بحُسن التدبير وأصالة -[519]- الرأي والرفق وعدم العَسف. وَكَانَ يستحضر التُّجَّار ويكشف منهم أخبار الممالك النائية، وفي بعض الليالي قال لي ابن يَعْلَى وزير الملك الظاهر غازي: إِنَّ السُّلْطَان الليلة مهموم؛ لِما اتصل بِهِ من أخبار خُوَارِزْم شاه وطمعه في الشَّام. فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا سعادة للسُّلطان ولك ولي. قَالَ: وكيف؟ قُلْتُ: هَذَا مَلِكٌ واسع الدّائرة لَا يقدر أن يقيم بالشام، وغَرَضه القهر والاستيلاء، وسُلطاننا فيه مَلق وحُسن تودّد ومُداراةٍ، فَإِذَا قرب لاطفه وأتحفه، فَإِذَا استولى عَلَى ممالك الشَّام لم يجد من يستنيبه عليها سواه. قَالَ: وكيف عرفت هَذَا؟ قُلْتُ: من التُّجَّار. فَلَمَّا أصبح قصّ عَلَيْهِ ما جرى فسُرّي عَنْهُ، وأمرَ أن يُحقّق ذَلِكَ، فاستدعى بتاجر خبير بغدادي وحادثه، فزعم أَنَّهُ حاضره وبايعه، وذكر من أحواله أَنَّهُ يبقى أربعة أيام أَوْ نحوها عَلَى ظهر فَرسِهٍ ولا ينزل، وإنما ينتقل من فرس إلى فرس، ويتضمر، ويطوي البلاد. وَأَنَّهُ ربّما أتَى البلد الَّذِي يقصده في نفرٍ يسير فيهجُمُه ثُمَّ يُصبحه من عسكره عشرة آلاف ويمسيه عشرون ألفًا، وفي كثير من الْأوقات يأتي المدد وقد قضى الحاجة بنفسه. وفي كثير من الأوقات يبعث البعوث ويأتي أخيرًا وقد قضيت الحاجة أولًا. وربما هَجَم البلد في نفر دون المائة فيقضي حاجته، وربما قَتل ملك ذَلِكَ البلد أَوْ أسره ثُمَّ تتدفق جموعه. وَقَالَ: إن سرجه ولجامه لَا تبلغ قيمتها دانقًا، ولا تبلغ قيمة ثيابه دانقين. وحكى أَنَّهُ في بعض غاراته نزل بأصحابه آخر الليل وكانوا نحو سبعين فارسًا، فأمرهم بالهجعة، وأخذ خيلهم يسيّرها بعدما استقى من بئر وسقى الجميع، فَلَمَّا علِم أَنَّهُم قد أخذوا من النوم بنصيبٍ أيقظ بعضهم وأمرهم بالحراسة، ثُمَّ هجع يسيرًا، ونهض ونهضوا كالعفاريت وهجموا عَلَى المدينة، وقَتَل ملكها. وسألني الوزير عَنْهُ مرة أخرى، فَقُلْتُ: لَا يمكنه أن يدخل الشَّام؛ لِأَنَّهُ إن أتى بجَمْع قليل لم ينل غرضًا مَعَ شجاعة أهل الشَّام، والفلّاحون يكفونه، وإن أتى بجمع كثير لم تحمله الشَّام؛ لأن خيلهم تأكل الحشيش، ولا حشيش بالشام، وأمّا الشعير ففي كلّ مدينة كفاية دوابها. ثُمَّ أخذتُ أحسب معه ما في حلب من الدواب فبلغت مع التكثير خمسين ألفا، فإذا ورد سبعمائة ألف فرس أخذوا عليق شهر في يوم أَوْ يومين، ثُمَّ إنهم لَيْسَ لهم صناعة في الحرب سوى المهاجمة، وأخذهم البلاد إنّما هُوَ بالرعب والهَيْبَة لَا بالعَدْل والمَحَبة، وهذه الحال لَا تنفع مَعَ شجاعة أهل الشَّام. وعُقيب موت الملك الظاهر -[520]- غازي، وصلَ رسوله إلى حلب، فاحتفل النَّاس، وخرجت الدولة للقائه، وإذا بِهِ رجل صوفي، وخلفه صوفي قد رفع عُكّازًا عَلَى رأسه، ومعه اثنان من عسكره ورسول صاحب إربل، فصعد القلعة، وَقَالَ بحضرة الْأمراء: سلطان السلاطين يسلم عليكم، ويعتُب إِذْ لم تهنئوه بفتح العراق وأَذْرَبِيجَان، وَإنَّ عدد عسكره قد بلغ سبعمائة ألف؛ فأحْسنوا المعذرة بأن قَالُوا: نَحْنُ في حُزن بموت ملكنا وضعف في نفوسنا، وَإِذَا بسطنا فنحن عبيده. وَكَانَ كلامه وشكله يشهد بقلة عقل مُرسله، ثُمَّ توجّه إلى الملك العادل بدمشق فَقَالَ: سلطان السلاطين يسلّم عليك، وَقَالَ: تصل الخدمة، فقد ارتضيناك أن تكون مُقدّم الركاب. فَقَالَ: السَّمْع والطاعة؛ ولكن لنا شيخ هو كبيرنا نشاوره، فَإِذَا أمر حضرنا. قَالَ: ومن هُوَ؟ قَالَ: أمير المؤمنين. فانصرف والناس يهزؤون منه.
قَالَ: وسمعنا أَنَّهُ جعل عزّ الدِّين كَيْكَاوِس صاحب الروم أمير علم لَهُ، والخليفة خطيبًا، وكلّ ملك جعل لَهُ خدمة!
وأمّا الملوك الدين كانوا بحضرته، فَكَانَ يذلّهم ويهينهم أصنافَا من الإهانات؛ فَكَانَ إِذَا ضُرب لَهُ النُّوبة يجعل طبول الذَّهَب في أعناق الملوك وهم قيام يضربون، وَهَذَا يدلّ عَلَى اغتراره بدُنياه وقِلَّة ثِقته باللَّه تعالى.
ثُمَّ إِنَّهُ وصل همذان وإصبهان، وبث عساكره إلى حلوان وتُخوم إربل، وواصله مُظَفَّر الدِّين بالمُؤن والْأزواد، وخافه أهلُ بغداد؛ فجمعوا وحشدوا واستعدوا للحصار واللّقاء جميعًا، ثُمَّ إن اللَّه أجراهم عَلَى جميل عادته في أن يدافع عَنْهُمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ اختلّت عَلَيْهِ بلاد ما وراء النهر، فرجع على عقبيه، وقهقر، لَا يدري ما خلفه مما بين يديه. وأيضا فَإِنَّهُ لَمَّا وصل حلوان نزل عليهم ثلْج ونوء عظيم، فَقَالَ بعض خواصّه: هَذَا من كرامات بيت النبوة.
وَلَمَّا أَبَاد أمَّتي الخَطا والتَّتَر وهم أصحاب الْجَند وتُركستان وتَنْكت ظهرت أمم أخر يسمون التتر أيضا، وهم صنفان: صنف يسكنون طمغاج وما يليها ويسمّون الإيوانية، وصنف يسكنون ممّا يلي الهند وصين الصّين بجبلٍ يُسمى سَنك سُلاخ وفيه خرق إلى الهند، ومنه دخل السُّلْطَان مُحَمَّد هَذَا إلى -[521]- الهند، فجاءهم من حيث لَا يحتسبون، فوقع بين طائفتي التَّتَر، فانهزمت الإيوانية من الطَمْغاجية إلى أن خالطوا أطراف بُخَارَى وَسَمَرْقَنْد، واتصل بهم أَنَّ السُّلْطَان مُحَمَّدًا بنواحي بَغْدَاد، وأنّ المسافة بعيدة، فطمعوا في البلاد بخُلُوّها عَنْهُ، فأتاه الخبر وَهُوَ بهمذان، فارتد عَلَى عقبيه حَتَّى قَدِمَ بُخَارَى، فجمع وحَشَد وعزمَ عَلَى لقائهم، وسيَّر ولده جلال الدِّين بخمسة عشر ألفًا وجعلهم كَمينًا، فنمّ الخبر إلى الطمغاجية، وملكُهم هُوَ جنكزخان فوقعوا عَلَى الكمين فطحنوه. وهربَ جلالُ الدِّين بعد جهد جهيد حَتَّى اتصل بأبيه، فأجمع رأيه عَلَى أن يضرب معهم مصافًّا، فثبتوا عند اللقاء أَوَّل يوم، فعجب من ذَلِكَ السُّلْطَان مُحَمَّد إِذْ لم تجر لَهُ عادة أن يثبت بين يديه عدوّ، فَلَمَّا ثبتوا اليوم الثاني والثالث ضعُفت مُنَّتُه ومُنَّة أصحابه، وتغيرت نياتهم، واستشعروا الخوف والخور، ثُمَّ وصلت الجواسيس تخبره بأنّ العدوّ عَلَى نصف عسكره في العدد، فخيّل إِلَيْهِ تعسُ الجدّ أن في أصحابه مُخامرين، فقبض عَلَى كُبرائهم، فازدادت النيات فسادًا، وتوّهم أن عسكره قد صفا، فضرب معهم مصافًا آخر فتطحطح ووصل بخارى منهزما، ونادى في النَّاس: استعدّوا للحصار ثلاث سنين. فتخلّوا عَنْهُ، فرأى من الرأي أن يرجع إلى نَيْسَابُور ويجمع بها الجيوش، ولم يظنّ أَنَّ الطمغاجية يتعدون جيحون، فأخذوا بُخَارَى في ثمانية أيام وأبادوا أهلها، ثم هجموا خُرَاسَان، فأشار عَلَيْهِ وزيره عماد المُلك أن يلحق بهمذان، وضمن لَهُ أن يجمع لَهُ من العساكر والْأموال مقدار حاجته، فما وصل الري إِلَّا وطلائعهم عَلَى رأسه، فانهزم إلى قلعة بَرَجين وقد نَصَب، فأقام بها يومين وَإِذَا بهم عَلَيْهِ، فسحّب نفسه إلى دربند قارون - موضع في تخوم بارس - ومعه ثلاثمائة فارس عُراة لَيْسَ فيهم رمق، فَلَمَّا مضَّهُم الجوع استطعموا من أكرادٍ هناك فلم يحتفلوا بهم، فقالوا: السُّلْطَان معنا. فقالوا: ما نعرف السُّلْطَان. فَلَمَّا ألحفوا في المسألة أعطوهم شاتين وقصعتي لبن، فتوزعُوها. ثم رجع إلى نهاوند، ومرّ عَلَى أطراف البلاد إلى همذان ثُمَّ إلى مازندران؛ وقعقعة رماحهم وسيوفهم قد ملأت مسامعه ومناظره، فنزل ببحيرة هناك بموضع يعرف بآوْكرم، فمرض بالإسهال الذَّريع، وطلبَ دواءً فأعوزه -[522]- الخُبز، ومات هناك. وذُكر أَنَّهُ حُمل في البَحْر إلى دِهِستان، وذكر آخرون أَنَّهُ لَمَّا صار في السفينة لم يزل يضرب رأسه بجدرانها إلى أن مات.
وأمَّا ابنه جلال الدِّين فتقاذفت بِهِ البلاد فرمته بالهند، ثُمَّ ألقته الهند إلى كرمان، كما يأتي في ترجمته إن شاء اللَّه.
وَقَالَ شمس الدِّين الجزري - أبقاه اللَّه - في " تاريخه ": كَانَ لخُوارزم شاه علاء الدِّين تُضرب النَّوبة في أوقات الصلوات الخمس كعادة المُلوك السَّلجوقية، فَلَمَّا قصد العراق في سنة أربع عشرة وستمائة تركها تُضرب لأولاده جلال الدِّين وغيره، وجعل لنفسه نوبة ذي القرنين كانت تُضرب وقت المطلع والمغيب، فعملها سبعة وعشرين دَبْدَبة من الذَّهَب، ورصّعها بالجواهر. ونصّ يوم اختيرَ لضربها عَلَى سبعة وعشرين ملكًا من أكابر الملوك وأولاد السلاطين، وقصد التَّجبّر والعظمة. ثُمَّ قصد العراق في أربعمائة ألف فوصل إلى همذان، وَقِيلَ: كَانَ معه ستمائة جتْر، تحت كلّ جِتْر ألف فارس. وَكَانَ قد أباد الملوك واستحوذ عَلَى الْأقاليم، ثم قَالَ: هَذَا ما نقله ابن الْأثير وغيره.
قَالَ شمسُ الدِّين: وحكى لي تقي الدِّين أَبُو بَكْر بن عَليّ بن كمجُون الْجَزَريّ السَّفار، سنة نيّف وسبعين قَالَ: حَدَّثَنِي ابن عمّي شمس الدِّين مُحَمَّد التَّاجر - وَكَانَ صاحب الجزيرة يبعث معه إذا سافر إلى العجم هدايا إلى السُّلْطَان خُوَارِزْم شاه، فكانوا يحترمون ما يبعث بِهِ لكونه من بقايا بني أتابك زنكي - قَالَ: فكنتُ في جيش الملك خوارزم شاه ومعه يومئذ مقدار ستمائة ألف راكب ومعهم أتباع تقاربهم، وَتِلْكَ البراري تموجُ بهم كالبحر، فبينما هُوَ في بعض الليالي في المخيم، وإذا بصوت ينادي: " يا كفرة، اقتلوا الفجرة ". فتُتُبع ذَلِكَ الصوت فلم يرَ أحدٌ إِلَّا طيور طائرة، فَلَمَّا كَانَ ثاني ليلة سُمع ذَلِكَ الصوت بعينه وَرَأَى الطيور، فلما كانت الليلة الثالثة سمع ذَلِكَ الصوت بعينه، فما سكت إِلَّا وقد دخل إِلَيْهِ خاله، فحذّره من الفتك بِهِ - كما ذكرنا. -[523]-
قَالَ: وحكى لي الصالح غرس الدِّين أَبُو بَكْر الإربلي قَالَ: كَانَ ابن خالتي من حُجّاب مُظَفَّر الدِّين صاحب إربل، فحدّثني قَالَ: أرسلني مُظَفَّر الدِّين إلى خُوَارِزْم شاه رسولًا فأكرمني، وأجلسوني فوق رَسُول الخليفة، وفوق الملوك الذين هم في خدمته، فَكَانَ عدَّة من التقينا من عسكره وممّن هو داخل في طاعته ثلاثمائة ألف وخمسين ألفًا، وكنّا كلما جئنا إلى مكان يقولون: هَذَا رَسُول الفقير مُظَفَّر الدِّين. فسألت بعض الوزراء: كم تكون عدَّة جيش السلطان؟ قال: المدونة ثلاثون تومانًا، التومان: عشرة آلاف.
قُلْتُ: وكانت دولته إحدى وعشرين سنة.
ثُمَّ رأيت سيرته وسيرة ولده لشهاب الدين مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عَليّ النسوي في مُجَلَّد، فذكر فيه سعة ممالكه وقهره البلاد والعباد، واستيلائه عَلَى خُرَاسَان وخوارزم وأطراف العراق ومازندران وكرمان ومكران وكيش وسجستان والغور وغزنة وباميان وما وراء النهر والخطا، وما يقارب أربعمائة مدينة. وذكر من عظمة أمّه تركان الخَطائية أمورًا لم يُسمع بمثلها؛ من عظمتها ونفوذ أمرها، وقتلها النفوس، وجبروتها، وأن جنكزخان أسرها؛ ورأت الذُّل والهوان والجوع.
قَالَ النسوي: وَلَمَّا رحل من حافة جيحون إلى نَيْسَابُور وَالنَّاس يتسللون لم يقم بها إِلَّا ساعة رُعبًا تمكّن من صدره، وذُعرًا داخل صميم قلبه، فحكى لي الْأمير تاج الدِّين عُمَر البسطامي قَالَ: وصل السُّلْطَان بسطام، فاستحضرني وأحضر عشرة صناديق، وَقَالَ: هذه كُلّهَا جوهر، وفي هذين الصندوقين جوهر يساوي خِراج الدُّنْيَا بأسرها، فأمرني بحملها إلى قلعة أرْدهْن، ففعلتُ، وأخذت خطّ متوليها بوصولها مختومة، فحاصر التَّتَار القلعة إلى أن صالحهم متوليها عَلَى تسليم الصناديق إليهم بختومها، فحملت إلى جنكزخان. ووصل السُّلْطَان إلى أعمال همذان في عشرين ألفًا، فلم تُرعه إِلَّا صيحة العدوّ، فقاتلهم بنفسه، وشمل القَتْل جُلّ أصحابه، ونجا هُوَ في نفر يسير إلى مازندران -[524]- حافة البَحْر، فأقام بقرية هناك يحضر المسجد ويصلّي مَعَ إمام القرية، ويبكي، وينذر النذور إنْ سلِم، إلى أن كبسه التَّتَار بها، فبادر إلى مركب فوقعت فيه سهامهم، وخاض خلفه ناس؛ فغرقوا. وَحَدَّثَنِي غير واحد ممّن كانوا مَعَ السُّلْطَان في المركب، قَالُوا: كُنّا نسوق المركب، وبالسلطان من علَّة ذات الجنب ما آيسه من الحياة وَهُوَ يُظهر الاكتئاب ضجرًا، ويقول: لم يبق لنا من ملكنا قدْر ذراعين، تُحفر فنُقبر، فما الدُّنْيَا لساكنها بدار. فَلَمَّا وصل إلى الجزيرة سُرّ بذلك، وأقام بها فريدًا طريدًا والمرضُ يزداد. وَكَانَ في أهل مازندران ناس يتقربون إِلَيْهِ بالمأكول والمشروب وما يشتهيه، فَقَالَ في بعض الْأيام: اشتهي أن يكون عندي فرس ترعى حول خيمتي. فَلَمَّا سَمِعَ الملك حسن أهدَى لَهُ فرسًا. ومن قبل كَانَ اختيار الدِّين أميرُ آخر السُّلْطَان مُقدَّمًا عَلَى ثلاثين ألف فارس يَقُولُ: لو شئت لجعلتُ أصحابي ستين ألفًا من غير كُلفة، وَذَلِكَ أنني أستدعي من كل جشار للسلطان في البلاد جوبانًا فينيفون عَلَى ثلاثين ألفًا. فتأمل يا هَذَا بُعد ما بين الحالتين!
ومن حمل إليه في تِلْكَ الْأيام شيئًا من المأكول وغيره كتب لَهُ توقيعًا بمنصب جليل، وربما كَانَ الرجل يتولى كتابة توقيع نفسه لعدم مُوقّع، فأمضاها بعد ولده جلال الدِّين. ثُمَّ حلّ بِهِ الحِمام، وانقضت الْأيام، فغَسَّله شمسُ الدِّين محمود الجاويش ومقرّب الدِّين الفراش، وما كَانَ عنده كفن، ودفن بالجزيرة.
أذلَّ المُلُوكَ وصادَ القُرُومَ ... وصيَّرَ كُلَّ عزيزٍ ذليلا
وحفَّ الملوكُ بِهِ خاضعين ... وزُفُّوا إِلَيْهِ رَعيلًا رعيلا
فَلَمَّا تمكَّنَ منْ أمرِه ... وصارت لهُ الْأرضُ إِلَّا قليلا
وأوهَمَهُ العزُّ أَنَّ الزمانَ ... إِذَا رامهُ ارتدَّ عَنْهُ كليلا
أتتْه المنية مغتاظة ... وسلت عليه حساما صقيلا -[525]-
فلم تغن عنه حماة الرجال ... ولم يجد فيل عليه فتيلا
كذلك يُفعل بالشّامتينِ ... ويُفنيهم الدهرُ جيلًا فجيلا

124 - محمد بن عبد الستار بن محمد العمادي الكردري البراتقيني، - وبراتقين قصبة من قصبات كردر من أعمال جرجانية خوارزم - العلامة شمس الأئمة أبو الوحدة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

124 - مُحَمَّد بْن عَبْد السّتّار بْن مُحَمَّد العماديّ الكردري البراتقيني، - وبراتقين قصبة من قصبات كَرْدَر من أعمال جُرْجانية خُوارزم - العلّامة شمس الأئمّة أَبُو الوحدة. [المتوفى: 642 هـ]
كَانَ أستاذ الأئمّة عَلَى الإطلاق، والموفود عَلَيْهِ من الآفاق.
قرأ بخوارزم عَلَى برهان الدّين ناصر بْن عَبْد السّيّد المطرزي، مصنّف " شرح المقامات". وتفقّه بسَمَرْقَنْد عَلَى شيخ الإِسْلَام برهان الدّين عَليّ بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الجليل المَرْغِينانيّ، وسمع منه. وتفقّه ببُخَارَى عَلَى العلّامة بدر الدّين عُمَر بْن عَبْد الكريم الورسكي، وَأَبِي المحاسن الْحَسَن بْن منصور قاضي خان، وجماعة. وبرع فِي المذهب وأصوله.
تفقه عليه خلق، ورحل إليه إلى بخارى جماعة منهم: ابن أخيه العلّامة مُحَمَّد بْن محمود الفقيهيّ، وسيف الدّين الباخَرْزيّ، وشيوخ الفَرَضيّ العلّامة حافظ الدّين مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن نصر، وظهير الدّين مُحَمَّد بْن عُمَر النّوجاباذيّ، وجماعة ذكرهم الفَرَضيّ. ومن خطّه نقلتُ هذا كلَّه.
ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وَتُوُفّي ببُخَارَى فِي محرَّم سنة اثنتين وأربعين وستّمائة، ودُفِنَ عند الإِمَام عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن يعقوب الحارثيّ البخاريّ.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت