نتائج البحث عن (مَرِضَ ) 39 نتيجة

المرض البحراني:[في الانكليزية] Seasickness [ في الفرنسية] Mal de mer هو الحادث بسبب الانتقال في البحران.
المرض الجزئي:[في الانكليزية] Indisposition ،slight illness [ في الفرنسية] Indisposition ،maladie legere هو الذي يسهل علاجه والمرض الكلّي بخلافه.
المرض الطاري:[في الانكليزية] Epidemic or endemic disease [ في الفرنسية] Epidemie ،endemie

على نوعين: عام وهو الذي لا يختص بقبيلة وبناحية ويسمّى وبائيا، وخاص وهو ما يختصّ بأحدهما ويسمّى وافدا، وهو الذي يفد أسبابه على أفق ما فيعمّ أهله بمرض ما، هذا كله من بحر الجواهر.
المرض العام:[في الانكليزية] Dislocation ،Luxation [ في الفرنسية] Desagregation ،luxation هو تفرّق الاتصال كما مرّ.
المرض الفصلي:[في الانكليزية] Seasonal disease [ في الفرنسية] Maladie saisonniere هو ما يختصّ حدوثه بفصل من الفصول.
المرض القصري:[في الانكليزية] Frostbite [ في الفرنسية] Gelure هو الذي يقصر فيها المواد وتحتبس تحت المسام بسبب البرد.
المرض الكاهني:[في الانكليزية] Epilepsy [ في الفرنسية] Epilepsie هو الصرع سمّي به لأنّ الكهنة كانوا يعالجونه بالكهانة.
المرض المؤمن:[في الانكليزية] Non contagious disease [ في الفرنسية] Maladie non contagieuse هو الذي فيه أمان من أمراض أخر.
المرض المتعدي:[في الانكليزية] Contagious disease [ في الفرنسية] Maladie contagieuse هو الذي يتعدى من شخص إلى آخر بالمجاورة كالجذام.
المرض المتغيّر:[في الانكليزية] Progressive disease [ في الفرنسية] Maladie progressive هو الذي يحدث قليلا قليلا ويزول قليلا قليلا كذا في الأقسرائي.
المرض المتوارث:[في الانكليزية] Hereditary disease [ في الفرنسية] Maladie hereditaire هو الذي يتوارث من الأبوين إلى الأولاد كالبرص والجذام.
المرض المسلم:[في الانكليزية] Disease whose remedy is without contra -indication [ في الفرنسية] Maladie dont le remede est sans contre -indications هو الذي لا مانع فيه لتدبير الصواب ومن الأمراض ما يمنع ذلك مثل أن يكون صداع ونزلة فتعارض النزلة الصداع في واجب من التدبير.
المرض المهياج:[في الانكليزية] Irritating illness [ في الفرنسية] Maladie irritante هو الذي مواده شديد التحرّك من عضو إلى آخر.
المرض الخاص:[في الانكليزية] particular illness [ في الفرنسية] Maladie particuliere في أمراض العين على ما هو مصطلح عليه ماله اسم خاص وعلامة خاصة وعلاج خاص كالسرطان، فإنّه إذا عرض للعين لزمته أعراض لا تلزمه عند عروضه لسائر الأعضاء، مثل الوجع وامتداد العروق، وعلى المعنى اللغوي ما يختصّ بعضو لا يشاركه فيه غيره كالزّرقة والماء بالعنبية، والشركي ما يكون مشتركا بينه وبين غيره كالورم.
(مَرِضَ)الْمِيمُ وَالرَّاءُ وَالضَّادُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَا يَخْرُجُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الصِّحَّةِ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ. مِنْهُ الْعِلَّةُ. مَرِضَ وَ. . . يَمْرَضُ. وَجَمْعُ الْمَرِيضِ مَرْضَى. وَأَمْرَضَهُ: أَعَلَّهُ. وَمَرَّضَهُ: أَحْسَنَ الْقِيَامَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ. وَشَمْسٌ مَرِيضَةٌ، إِذَا لَمْ تَكُنْ مُشْرِقَةً، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِهَبْوَةٍ فِي وَجْهِهَا. وَالنِّفَاقُ مَرَضٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَقَالَ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، قَالُوا: أَرَادَ الْقَهْرَ. وَقَدْ قُلْنَا: الْمَرَضُ: كُلُّ شَيْءٍ خَرَجَ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الصِّحَّةِ. وَقِيَاسُهُ مُطَّرِدٌ.

وَقَالُوا: مَرَّضَ فِي الْحَاجَةِ: قَصَّرَ وَلَمْ يَصِحَّ عَزْمُهُ فِيهَا.وَقَدْ شَذَّتْ عَنْ هَذَا الْقِيَاسِ كَلِمَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْمُشْكِلِ عِنْدَنَا، يَقُولُونَ: أَمْرَضَ إِذَا قَارَبَ إِصَابَةَ حَاجَتِهِ. قَالَ:

وَلَكِنْ تَحْتَ ذَاكَ الشَّيْبِ حَزْمٌ...إِذَا مَا ظَنَّ أَمْرَضَ أَوْ أَصَابَا.
مرضُ التركيبِ: هُوَ الْوَاقِع فِي الْخلقَة، وَالْعدَد، والمقدار.
مرضُ الشَّكْلِ: أَن يصير شكل الْعُضْو على صفة تضر بالأفعال.
المرض والمرظالمرض بالضاد: الداء. والمرظ بالظاء: الجوع.

إنتِشار المَرَض وكَثْرتُه

المخصص

قَالَ أَبُو عَليّ، قَالَ أَبُو العَبَّاس يُقال إستَطارَ فيهم المَرَضُ وإستَفَاضَ وتقَادَع وتعَادَى فأمَّا أَبُو عبيد فَقَالَ التَّقَادُع والتَّعادي - تَتَابُع الموتِ يُقال تَقادَع القومُ وتَعَادْوا - ماتَ بعضُهم فِي إثْر بعض وَأنْشد فمالَكِ من أَرْوى تَعاديْتِ بالعَمَى ولاقَيْتِ كَلاَّباً مُطِلاًّ ورَامِياً ابْن دُرَيْد، فَشَا المرَضُ فِي الْقَوْم فُشُوّاً وتَفَشَّأ - انْتَشَر، صَاحب الْعين، الطَّاعُون - كَثْرة المَرَض وَقيل هُوَ داءٌ وَقد طُعِن فَهُوَ مَطْعون وطَعِين، ابْن دُرَيْد، الشَّوْكة - داءٌ كالطاعُونِ
الكَلَب ونحوُه
ابْن دُرَيْد، كَلِبَ كَلَباً فَهُوَ كَلِب من قومٍ كَلْبي، صَاحب الْعين، الحَرَب - الكَلَب وقومٌ حَرْبَى - كَلْبَى وَقد حَرِبُوا حَرَباً

تغَيُّر اللوِن من المَرَض واليُبْسُ مِنْهُ

المخصص

أَبُو عبيد، إهْتُقِعَ لْونُه وإمْتُقِع وإنْتُقِع وإنْتُسِف وإنْتُشِفَ تغيَّرَ والمُخْرَنْشِم - المُتَغيِّر اللونِ مَعَ ذَهَاب لحمٍ وَكَذَلِكَ المُسْلَهِمُّ، ابْن دُرَيْد، الرَّمَع - إصْفِرار وتغيُّر فِي الوَجْه رجل مُرَمْع ومَرْمُوع وَقد رُمِع وأرمَع والأوّل أَعلَى، أَبُو عُبَيْدَة، السُّخْد - الصُّفْرة والرَّهَل فِي الوجْه والصادُ لُغَة، أَبُو عبيد، رجل مُسَخْد - ثَقيل من مَرَض، ابْن السّكيت، بَحِر الرجُل بَحَراً وَهُوَ بَحِر وَكَذَلِكَ الْبَعِير إِذا اجْتَهَد فِي العَدْو إمَّا طَالبا وَإِمَّا مَطْلوباً فَينْقَطِعُ ويَضْعُف وَلَا يَزال بشَرِ حَتَّى يَسْودَّ وجهُه ويتغَيَّرَ وَأنْشد غَيره وغِلْمَتي مِنْهُم سَحِيرُ وبَحِر صَاحب الْعين، تلَطَّم وجْهُه - أرْبَد من مَرَض أَو فَزَع، وَقَالَ، رَأَيْت فُلاناً مُكْفَأ الوجْهِ - أَي كاسِفَ اللَّوْن، أَبُو عبيد، شَحَب لونُه يَشْحُب ويَشْحَب شُحُوباً، ابْن جنى، فَهُوَ شاحِبٌ وشَحِبُ، عَليّ، وَلم يَقُولُوا شَحِبَ وَإِنَّمَا هَذَا على النَّسَب - أَي ذُو شُحُوب ونظيرُه دَنِفٌ وَلم يَقُولُوا دَنِفَ وَإِنَّمَا فِعْله أَدْنَف عِنْد سِيبَوَيْهٍ، أَبُو عبيد، سَهَم وجهُه يَسْهَم، ابْن السّكيت، السَّاهِم - الذابِل الشفَتَيْنِ المتغَيرِّ الْوَجْه وَقد سَهَم وجهُه يَسْهَم وسَهُم سُهُوماً، ابْن دُرَيْد، زَخْن الرجلُ زَخَناً - تغَيَّر وجْهُه من مَرَض أَو حزْن وقَتم وجهُه قُتُوماً - تغَيَّر، صَاحب الْعين، كَافَ وجْهُه كَلفاً وَهُوَ أكْلَفُ - تغَيَّر، ابْن دُرَيْد، كَبَا وجْهُه - تغَيِّر وَمِنْه كَبَا لَوْنُ الصُّبْح والشمسِ، صَاحب الْعين، المُسْهَب - المُتَغيَّر اللوْنِ، وَقَالَ، الكَمَدُ والكُمْدة - تغَيُّر اللونِ وذَهَاب صَفائِه، ابْن دُرَيْد، العُنْجفُ والعُنجُوف - اليابِسُ من مَرَض أَو هُزَال

باب: مرض النبي صلى الله عليه وسلم

سير أعلام النبلاء

باب: مرض النبي صلى الله عليه وسلم
قال يُوْنُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عبد الله بن عمر بن ربيعة، عن عبيد مولى الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ، عن أبي مويهبة مولى رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أنبهني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال: "يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع".
فخرجت معه حتى أتينا البقيع، فرفع يديه فاستغفر لهم طويلا ثم قال: "ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولا، للآخرة شر من الأولى، يا أبا مويهبة إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة". فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فقال: "والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة". ثم انصرف، فلا أصبح ابتدئ بوجعه الذي قبضه الله فيه".
رواه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وعبيد بن جبير مولى الحكم بن أبي العاص.
وقال معمر، عن ابن طاوس، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "
خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل، فاخترت التعجيل".
وقال الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: اجتمع نساء رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ رَسُوْل اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم تغادر منهن امرأة، فَجَاءتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِشْيَةَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "
مرحبا بابنتي"، فأجلسها عن يمينه أو شماله، فسارها بشيء، فبكت، ثم سارها فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسرار وتبكين! فلما أن قام قلت لها: أخبريني بما سارك؟ قالت: ما كنت لأفشي سره. فلما توفي قلت لها: أسألك بما لي عليك من الحق لما أخبرتيني قالت: أما الآن فنعم، سارني فقال: "إن جبريل -عليه السلام- كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري فنعم السلف أنا لك". فبكيت، ثم سارني فقال: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين -أو سيدة نساء هذه الأمة- ". يعني فضحكت. متفق عليه.
وروى نحو عروة، عن عائشة، وفيه أنها ضحكت؛ لأنه أخبرها أنها أول أهله يتبعه. رواه مسلم.
وقال عباد بن العوام، عَنْ هِلاَلِ بنِ خَبَّابٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نزلت
التَّعْرِيفُ:
1 - الْمَرَضُ: سَبَقَ تَعْرِيفُهُ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا.
وَالْمَوْتُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْحَيَاةِ (1) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْجَسَدَ (2) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ مَرَضِ الْمَوْتِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ هُوَ: الْمَرَضُ الْمَخُوفُ الَّذِي يَتَّصِل بِالْمَوْتِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَوْتُ بِسَبَبِهِ (3) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ: هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ فِيهِ خَوْفُ الْمَوْتِ، وَيَعْجِزُ مَعَهُ الْمَرِيضُ عَنْ رُؤْيَةِ مَصَالِحِهِ خَارِجًا عَنْ دَارِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الذُّكُورِ، وَعَنْ رُؤْيَةِ مَصَالِحِهِ دَاخِل دَارِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الإِْنَاثِ، وَيَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ الْحَال قَبْل مُرُورِ سَنَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ
__________
(1) المعجم الوسيط.
(2) نهاية المحتاج 2 / 423 ط. المكتبة الإسلامية.
(3) انظر الأم للشافعي 4 / 35 وما بعدها (بولاق 1322 هـ) ، ومغني المحتاج 3 / 50 وما بعدها، وكشاف القناع 5 / 228.

فِرَاشٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ، هَذَا مَا لَمْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ وَيَتَغَيَّرْ حَالُهُ، فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ السَّنَةِ مِنْ تَارِيخِ الاِشْتِدَادِ (1) .
فَعَلَى هَذَا، يُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِهِ أَنْ يَتَوَافَرَ فِيهِ وَصْفَانِ:
الْوَصْفُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ مَخُوفًا (2) ، أَيْ يَغْلِبُ الْهَلاَكُ مِنْهُ عَادَةً أَوْ يَكْثُرُ.
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: حَدُّ مَرَضِ الْمَوْتِ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ الْمَوْتُ كَانَ مَرَضُ الْمَوْتِ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ أَمْ لَمْ يَكُنْ (3) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: الْمَرَضُ الْمَخُوفُ وَالْمُخِيفُ: هُوَ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ، لِكَثْرَةِ مَنْ يَمُوتُ بِهِ، فَمَنْ قَال: مَخُوفٌ قَال: لأَِنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ، وَمَنْ قَال: مُخِيفٌ لأَِنَّهُ يُخِيفُ مَنْ رَآهُ (4) .
وَقَال التَّسُولِيُّ: وَمُرَادُهُ بِمَرَضِ الْمَوْتِ: الْمَرَضُ الْمَخُوفُ الَّذِي حَكَمَ أَهْل الطِّبِّ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ بِهِ (5) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: مَا أَشْكَل أَمْرُهُ مِنَ
__________
(1) المادة 1595 من مجلة الأحكام، وشرح الأتاسي 2 / 408.
(2) قال ابن رشد: والأمراض التي يحجر فيها عند الجمهور هي الأمراض المخوفة (بداية المجتهد 2 / 327 ط. الحلبي) .
(3) الفتاوى الهندية 4 / 176، وانظر بدائع الصنائع 3 / 224.
(4) تحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص241.
(5) البهجة شرح التحفة 2 / 240، وانظر شرح الخرشي 5 / 304.

الأَْمْرَاضِ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ، وَهُمُ الأَْطِبَّاءُ، لأَِنَّهُمْ أَهْل الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَلاَ يُقْبَل إِلاَّ قَوْل طَبِيبَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ثِقَتَيْنِ بَالِغَيْنِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَارِثِ وَأَهْل الْعَطَايَا، فَلَمْ يُقْبَل فِيهِ إِلاَّ ذَلِكَ، وَقِيَاسُ قَوْل الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ يُقْبَل قَوْل الطَّبِيبِ الْعَدْل إِذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى طَبِيبَيْنِ (1) .
وَلَوِ اخْتَلَفَ الأَْطِبَّاءُ يُؤْخَذُ بِقَوْل الأَْعْلَمِ، ثُمَّ بِالأَْكْثَرِ عَدَدًا، ثُمَّ بِمَنْ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ مَخُوفٌ، لأَِنَّهُ عِلْمٌ مِنْ غَامِضِ الْعِلْمِ مَا خَفِيَ عَلَى غَيْرِهِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَأَقَرَّهُ (2) .
فَإِنْ لَمْ يَتَوَفَّرْ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ مِنَ الأَْطِبَّاءِ، كَأَنْ مَاتَ قَبْل أَنْ يُرَاجِعَ أَحَدًا مِنَ الأَْطِبَّاءِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعْتَبَرَ عَجْزُ الْمَرِيضِ عَنِ الْخُرُوجِ لِمَصَالِحِهِ خَارِجَ بَيْتِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الذُّكُورِ، وَعَنْ رُؤْيَةِ مَصَالِحِهِ دَاخِل بَيْتِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الإِْنَاثِ عَلاَمَةٌ تَدُل عَلَى كَوْنِ الْمَرَضِ مَخُوفًا إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى رُؤْيَةِ تِلْكَ الْمَصَالِحِ قَبْلَهُ، أَوْ أَنْ تُعْتَبَرَ أَيَّةُ عَلاَمَةٍ أُخْرَى تُنْبِئُ عَنْ كَوْنِهِ مَخُوفًا فِي نَظَرِ الأَْطِبَّاءِ الْعَارِفِينَ.
وَيُقْصَدُ بِالْعَجْزِ عَنِ الْخُرُوجِ لِمَصَالِحِهِ خَارِجَ بَيْتِهِ: عَجْزُهُ عَنْ إِتْيَانِ الْمَصَالِحِ الْقَرِيبَةِ الْعَادِيَّةِ، فَلَوْ كَانَ مُحْتَرِفًا بِحِرْفَةِ شَاقَّةٍ كَالْحَمَّال
__________
(1) المغني لابن قدامة 6 / 507 (مط. المنار بهامشه الشرح الكبير) ، والمهذب 1 / 460.
(2) نهاية المحتاج للرملي 6 / 60.

وَالدَّقَّاقِ وَالْحَدَّادِ وَالنَّجَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ إِقَامَتُهُ مَعَ أَدْنَى عَجْزٍ أَوْ مَرَضٍ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ لاَ يَكُونُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، إِذْ لاَ يُشْتَرَطُ فِي هَؤُلاَءِ الْعَجْزُ عَنِ الْعَمَل فِي حِرْفَتِهِمْ لِيُعْتَبَرُوا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، بَل عَنْ مِثْل مَا يَعْجِزُ عَنْهُ صَاحِبُ الْحِرْفَةِ الْعَادِيَّةِ (1) .
الْوَصْفُ الثَّانِي: أَنْ يَتَّصِل الْمَرَضُ بِالْمَوْتِ، سَوَاءٌ وَقَعَ الْمَوْتُ بِسَبَبِهِ أَمْ بِسَبَبٍ آخَرَ خَارِجِيٍّ عَنِ الْمَرَضِ كَقَتْلٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ تَصَادُمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (2) .
فَإِذَا صَحَّ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ، وَتُعْتَبَرُ تَصَرُّفَاتُهُ فِيهِ كَتَصَرُّفَاتِ الصَّحِيحِ دُونَ فَرْقٍ، فَالْمَرِيضُ مَا دَامَ حَيًّا لاَ يَجُوزُ لِوَرَثَتِهِ وَلاَ لِدَائِنِيهِ الاِعْتِرَاضُ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ لِجَوَازِ أَنْ يُشْفَى مِنْ مَرَضِهِ، أَمَّا إِذَا انْتَهَى الْمَرَضُ الْمَخُوفُ بِالْمَوْتِ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّصَرُّفَ وَقَعَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ (3) .

مَا يُلْحَقُ بِمَرَضِ الْمَوْتِ فِي الْحُكْمِ:
2 - أَلْحَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ فِي الْحُكْمِ حَالاَتٍ مُخْتَلِفَةً وَعَدِيدَةً لَيْسَ فِيهَا مَرَضٌ أَوِ اعْتِلاَل صِحَّةٍ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا
__________
(1) شرح المجلة للأتاسي 2 / 408.
(2) تبيين الحقائق للزيلعي 2 / 448.
(3) نهاية المحتاج 6 / 59، وانظر الروضة للنووي 6 / 123، والمهذب 1 / 460، والمغني 6 / 505.

تَوَفَّرَ فِيهَا الْوَصْفَانِ الْمُشْتَرَطَانِ، مِنْهَا:
أ - مَا إِذَا كَانَ الشَّخْصُ فِي الْحَرْبِ وَالْتَحَمَتِ الْمَعْرَكَةُ وَاخْتَلَطَتِ الطَّائِفَتَانِ فِي الْقِتَال (1) ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ وَجْهَ إِلْحَاقِهِ بِالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ هَاهُنَا كَتَوَقُّعِ الْمَرَضِ أَوْ أَكْثَرَ، فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ، وَلأَِنَّ الْمَرَضَ إِنَّمَا جُعِل مَخُوفًا لِخَوْفِ صَاحِبِهِ التَّلَفَ، وَهَذَا كَذَلِكَ (2) .
ب - مَا إِذَا رَكِبَ الْبَحْرَ، فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ، وَإِنْ تَمَوَّجَ وَاضْطَرَبَ وَهَبَّتِ الرِّيحُ الْعَاصِفُ، وَخِيفَ الْغَرَقُ، فَهُوَ مَخُوفٌ (3) ، وَكَذَا إِذَا انْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ وَبَقِيَ عَلَى لَوْحٍ، وَخِيفَ الْغَرَقُ (4) .
ج - إِذَا قُدِّمَ لِلْقَتْل، سَوَاءٌ أَكَانَ قِصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ (5) .
د - الأَْسِيرُ وَالْمَحْبُوسُ إِذَا كَانَ مِنَ الْعَادَةِ أَنْ يُقْتَل (6) .
__________
(1) الأم 4 / 36، وبدائع الصنائع 3 / 244، وشرح الخرشي 5 / 305، والمنتقى للباجي 6 / 176.
(2) المغني 6 / 509.
(3) رد المحتار 2 / 717، والبدائع 3 / 224، ومغني المحتاج 3 / 52، والمنتقى 6 / 176، والمغني 6 / 510.
(4) رد المحتار 2 / 717، وشرح المجلة للأتاسي 4 / 660.
(5) الإنصاف للمرداوي 8 / 170، والمغني 6 / 510، وبدائع الصنائع 3 / 224، ورد المحتار 2 / 717، وشرح الخرشي 5 / 305، ونهاية المحتاج 6 / 63، ومغني المحتاج 3 / 52، وجواهر العقود ومعين القضاة والموقعين والشهود 1 / 444.
(6) الأم 4 / 36، والإنصاف 8 / 170، ونهاية المحتاج 6 / 63، والمغني 6 / 510.

هـ - الْمَرْأَةُ الْحَامِل إِذَا أَتَاهَا الطَّلْقُ (1) .
وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا أَنْ يَتَّصِل حَال خَوْفِ الْهَلاَكِ الْغَالِبِ أَوِ الْكَثِيرِ بِالْمَوْتِ، حَتَّى تُلْحَقَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ فِي الْحُكْمِ (2) .

حُكْمُ الأَْمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ
3 - الأَْمْرَاضُ الْمُزْمِنَةُ أَوِ الْمُمْتَدَّةُ لاَ تُعَدُّ مَرَضَ الْمَوْتِ، إِلاَّ إِذَا تَغَيَّرَ حَال الْمَرِيضِ وَاشْتَدَّ وَخِيفَ مِنْهُ الْهَلاَكُ، فَيَكُونُ حَال التَّغَيُّرِ مَرَضَ الْمَوْتِ إِنِ اتَّصَل بِالْمَوْتِ (3) .
قَال الْكَيْسَانِيُّ: وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْفَالِجِ وَنَحْوُهُ إِذَا طَال بِهِ ذَلِكَ فَهُوَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ، لأَِنَّ ذَلِكَ إِذَا طَال لاَ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا، فَلَمْ يَكُنْ مَرَضَ الْمَوْتِ، إِلاَّ إِذَا تَغَيَّرَ حَالُهُ مِنْ ذَلِكَ وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ، فَيَكُونُ حَال التَّغَيُّرِ مَرَضَ الْمَوْتِ، لأَِنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَ يُخْشَى مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا، فَيَكُونُ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَكَذَا الزَّمِنُ وَالْمُقْعَدُ (4) .
__________
(1) البدائع 3 / 224، ونهاية المحتاج 6 / 63، والأم 4 / 35، والإنصاف 8 / 170، والمغني 6 / 508، وشرح المجلة للأتاسي 4 / 660.
(2) انظر م267 من الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا.
(3) انظر المهذب 1 / 460، وشرح ابن ناجي على الرسالة 2 / 52.
(4) بدائع الصنائع 3 / 224.

وَجَاءَ فِي فَتَاوَى عُلَيْشٍ: قَال ابْنُ سَلْمُونَ: وَلاَ يُعْتَبَرُ فِي الْمَرَضِ الْعِلَل الْمُزْمِنَةُ الَّتِي لاَ يُخَافُ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْهَا كَالْجُذَامِ وَالْهَرَمِ، وَأَفْعَال أَصْحَابِ ذَلِكَ أَفْعَال الأَْصِحَّاءِ بِلاَ خِلاَفٍ اهـ. قَال عَبْدُ الْبَاقِي: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ، كَوْنُ الْمَفْلُوجِ وَالأَْبْرَصِ وَالأَْجْذَمِ وَذِي الْقُرُوحِ مِنَ الْخَفِيفِ مَا لَمْ يُقْعِدْهُ وَيُضْنِهِ، فَإِنْ أَقْعَدَهُ وَأَضْنَاهُ وَبَلَغَ بِهِ حَدَّ الْخَوْفِ عَلَيْهِ، فَلَهُ حُكْمُ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ (1) .

الاِخْتِلاَفُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ:
4 - إِذَا طَعَنَ الْوَرَثَةُ مَثَلاً فِي تَصَرُّفَاتِ مُوَرِّثِهِمْ بِدَعْوَى صُدُورِهَا عَنْهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِمَا يَمَسُّ حُقُوقَهُمْ وَادَّعَى الْمُنْتَفِعُ أَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَقَعَتْ مِنْ مُوَرِّثِهِمْ فِي صِحَّتِهِ، يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالاَتٍ ثَلاَثٍ:
الْحَالَةُ الأُْولَى: إِذَا خَلَتْ دَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمَا عَنِ الْبَيِّنَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ الْقَوْل قَوْل مُدَّعِي صُدُورِهَا فِي الْمَرَضِ، لأَِنَّ حَال الْمَرَضِ أَدْنَى مِنْ حَال الصِّحَّةِ، فَمَا لَمْ يَتَيَقَّنْ حَال الصِّحَّةِ يُحْمَل عَلَى الأَْدْنَى، وَلأَِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ، فَهِيَ حَادِثَةٌ، وَالْحَادِثُ يُضَافُ إِلَى أَقْرَبِ وَقْتٍ مِنَ الْحُكْمِ
__________
(1) فتح العلي المالك 1 / 361.

الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَالأَْقْرَبُ هَاهُنَا الْمَرَضُ الْمُتَأَخِّرُ زَمَانُهُ عَنْ زَمَانِ الصِّحَّةِ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي حُدُوثَهَا فِي الْمَرَضِ، إِذْ هُوَ الأَْصْل، وَلَوْ أَرَادَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ اسْتِحْلاَفَ مُدَّعِي الْمَرَضِ لَكَانَ لَهُ ذَلِكَ (1) .
وَالثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ الْقَوْل قَوْل مُدَّعِي صُدُورِهَا فِي الصِّحَّةِ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي التَّصَرُّفِ السَّابِقِ مِنَ الْمُتَوَفَّى أَنْ يُعْتَبَرَ صَادِرًا فِي حَال صِحَّتِهِ، وَعَلَى مَنْ يَتَمَسَّكُ بِصُدُورِهِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ يَقَعُ عَبْءُ الإِْثْبَاتِ (2) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ مَا إِذَا اقْتَرَنَتْ دَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْبَيِّنَةِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ وُقُوعِهَا فِي حَال الصِّحَّةِ عَلَى بَيِّنَةِ وُقُوعِهَا فِي الْمَرَضِ، لأَِنَّ الأَْصْل اعْتِبَارُ حَالَةِ الْمَرَضِ، لأَِنَّهُ حَادِثٌ، وَالأَْصْل إِضَافَةُ الْحَادِثِ إِلَى أَقْرَبِ وَقْتٍ مِنَ الْحُكْمِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَالأَْقْرَبُ هُوَ الْمَرَضُ الْمُتَأَخِّرُ زَمَانُهُ عَنِ الصِّحَّةِ، فَلِهَذَا كَانَتِ الْبَيِّنَةُ الرَّاجِحَةُ بَيِّنَةَ مَنْ يَدَّعِي حُدُوثَهَا فِي زَمَانِ الصِّحَّةِ، إِذِ الْبَيِّنَاتُ شُرِعَتْ لإِِثْبَاتِ
__________
(1) جامع الفصولين 2 / 183 ط. بولاق، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص258 ط. الحلبي، والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية 2 / 54، 80 والإنصاف للمرداوي 7 / 174.
(2) نهاية المحتاج 5 / 414، والبجيرمي على المنهج 3 / 274، ومغني المحتاج 3 / 50.

خِلاَفِ الأَْصْل (1) .
وَقَدْ جَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ عَلَى بَيِّنَةِ الْمَرَضِ، مَثَلاً إِذَا وَهَبَ أَحَدٌ مَالاً لأَِحَدِ وَرَثَتِهِ ثُمَّ مَاتَ، وَادَّعَى بَاقِي الْوَرَثَةِ أَنَّهُ وَهَبَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَادَّعَى الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنَّهُ وَهَبَهُ فِي حَال صِحَّتِهِ، تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْمَوْهُوبِ لَهُ (2) .
وَالثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ وُقُوعِهَا فِي مَرَضِهِ عَلَى بَيِّنَةِ وُقُوعِهَا فِي صِحَّتِهِ (3) .
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ مَا إِذَا اقْتَرَنَتْ دَعْوَى أَحَدِهِمَا بِالْبَيِّنَةِ دُونَ الآْخَرِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَقْدِيمِ قَوْل الْمُدَّعِي صَاحِبِ الْبَيِّنَةِ عَلَى قَوْل الآْخَرِ الَّذِي خَلَتْ دَعْوَاهُ عَنِ الْبَيِّنَةِ، سَوَاءٌ أَقَامَ صَاحِبُ الْبَيِّنَةِ بَيِّنَتَهُ عَلَى صُدُورِ التَّصَرُّفِ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ.

الْهِبَةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ

جَعَل جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِهِبَةِ الْمَرِيضِ أَحْكَامًا
تَخْتَلِفُ عَنْ أَحْكَامِ هِبَةِ الصَّحِيحِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ
__________
(1) الفتاوى البزازية 5 / 453 (بهامش الفتاوى الهندية) ، وواقعات المفتين ص208، والعقود الدرية لابن عابدين 2 / 80، وحاشية الرملي على جامع الفصولين ص / 183.
(2) مجلة الأحكام العدلية مادة / 1766.
(3) نهاية المحتاج 6 / 55، وإعانة الطالبين 3 / 213، والبجيرمي على المنهج 3 / 274.

مَا إِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْل مَوْتِ الْمَرِيضِ الْوَاهِبِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا لَمْ يَقْبِضْهَا قَبْلَهُ.

أَوَّلاً - هِبَةُ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَدِينِ الْمَقْبُوضَةُ
5 - إِذَا وَهَبَ الْمَرِيضُ غَيْرُ الْمَدِينِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لَهُ:
أ - فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَجْنَبِيًّا عَنِ الْمَرِيضِ، وَقَبَضَ الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ، وَالْمَرِيضُ الْوَاهِبُ غَيْرَ مَدِينٍ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ وَارِثٌ وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ هَذِهِ الْهِبَةَ صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ، وَلَوِ اسْتَغْرَقَتْ كُل مَالِهِ، وَلاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ أَحَدٍ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: تَبْطُل الْهِبَةُ فِيمَا زَادَ عَلَى ثُلُثِ مَال الْمَرِيضِ، لأَِنَّ مَالَهُ مِيرَاثٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ مُجِيزَ لَهُ مِنْهُمْ، فَبَطَلَتْ (2) .
أَمَّا إِذَا كَانَ لِلْمَرِيضِ وَرَثَةٌ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى نَفَاذِ هِبَةِ الْمَرِيضِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إِنْ حَمَلَهَا ثُلُثُ مَالِهِ، أَمَّا إِذَا زَادَتْ
__________
(1) المبسوط 12 / 103 وانظر م (877) من مجلة الأحكام العدلية.
(2) الأم 4 / 30 ط. بولاق، والمهذب 1 / 457، والمنتقى للباجي 6 / 156، والأبي على مسلم 4 / 339.

عَلَى الثُّلُثِ، فَيَتَوَقَّفُ الْقَدْرُ الزَّائِدُ مِنْهَا عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ، وَإِنْ رَدُّوهُ بَطَل (1) .
وَتُعْتَبَرُ إِجَازَتُهُمْ لَوْ وَقَعَتْ تَنْفِيذًا وَإِمْضَاءً لِهِبَةِ مُوَرِّثِهِمْ، إِلاَّ عَلَى قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ (2) ، وَقَوْلٍ مَشْهُورٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (3) ، حَيْثُ اعْتَبَرَاهَا ابْتِدَاءً عَطِيَّةً مِنْهُمْ.
وَاسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى اعْتِبَارِ هِبَةِ الْمَرِيضِ لِلأَْجْنَبِيِّ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ كَالْوَصِيَّةِ (4) بِمَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: عَادَنِي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ شَكْوَى أَشْفَيْتُ مِنْهَا عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، بَلَغَ بِي مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَال: لاَ، قُلْتُ: فَبِشَطْرِهِ؟ قَال: لاَ، قَال: الثُّلُثُ كَثِيرٌ (5) .
__________
(1) الفتاوى البزازية 6 / 241، والعقود الدرية لابن عابدين 2 / 85، وشرح معاني الآثار 4 / 380، ومغني المحتاج 3 / 47، والأم 4 / 30، والمهذب 1 / 460، ونهاية المحتاج 6 / 55، وكفاية الطالب الرباني 2 / 235، والمغني مع الشرح الكبير 6 / 286، وانظر مادة (879) من مجلة الأحكام العدلية، ومادة (85) من مرشد الحيران.
(2) المهذب 1 / 457، ونهاية المحتاج 6 / 54
(3) البهجة شرح التحفة للتسولي 2 / 240.
(4) شرح معاني الآثار 4 / 379 وما بعدها، والباجي على الموطأ 6 / 156 وما بعدها.
(5) حديث: " عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 179) ، ومسلم (3 / 1250) واللفظ للبخاري.

قَال الطَّحَاوِيُّ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَعَل صَدَقَتَهُ فِي مَرَضِهِ مِنَ الثُّلُثِ، كَوَصَايَاهُ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ مَوْتِهِ (1) .
أَمَّا إِذَا وَهَبَ الْمَرِيضُ غَيْرُ الْمَدِينِ لِوَارِثِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَأَقْبَضَهُ إِيَّاهُ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ الْمَرِيضِ وَارِثٌ سِوَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ هَذِهِ الْهِبَةَ صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ، وَلاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ أَحَدٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْهُوبُ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ أَمْ أَكْثَرَ مِنْهُ (2) أَمَّا إِذَا كَانَ لِلْمَرِيضِ وَرَثَةٌ غَيْرُ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: تَتَوَقَّفُ الْهِبَةُ عَلَى إِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَوْهُوبُ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ أَمْ أَكْثَرَ مِنْهُ - كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ - فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ نَفَذَتْ، وَإِنْ رَدُّوهَا بَطَلَتْ (3) . وَتُعْتَبَرُ إِجَازَتُهُمْ تَنْفِيذًا وَإِمْضَاءً لِهِبَةِ
__________
(1) شرح معاني الآثار 4 / 381.
(2) مجلة الأحكام العدلية المادة / 878، وانظر شرح المجلة للأتاسي 3 / 402 وما بعدها.
(3) الفتاوى الهندية 4 / 402، وجامع الفصولين 2 / 181 وما بعدها، ونهاية المحتاج 5 / 408، 6 / 48، والمهذب 1 / 458، والبهجة شرح التحفة 2 / 240، وتوضيح الأحكام للتوزري 4 / 28، والمغني 6 / 286، 491، ومجلة الأحكام العدلية مادة 879.

مُوَرِّثِهِمْ عِنْدَهُمْ إِلاَّ عَلَى قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ وَقَوْلٍ مَشْهُورٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ أَنَّهَا تُعْتَبَرُ ابْتِدَاءً عَطِيَّةً.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ الأَْظْهَرِ وَقَال: هِبَةُ الْمَرِيضِ الْمَقْبُوضَةُ لِوَارِثِ بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ (1) .

ثَانِيًا - هِبَةُ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ الْمَقْبُوضَةُ
6 - إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ الْوَاهِبُ مَدِينًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنُهُ مُسْتَغْرِقًا لِمَالِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ:
فَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ مَدِينًا بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ، وَوَهَبَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، فَلاَ تَنْفُذُ هِبَتُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَوْهُوبُ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ أَمْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَجْنَبِيًّا مِنَ الْوَاهِبِ أَوْ وَارِثًا لَهُ، بَل تَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الدَّائِنِينَ، فَإِنْ أَجَازُوهَا نَفَذَتْ، وَإِنْ رَدُّوهَا بَطَلَتْ، وَقَدْ جَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: إِذَا وَهَبَ مَنِ اسْتَغْرَقَتْ تَرِكَتُهُ بِالدُّيُونِ أَمْوَالَهُ لِوَارِثِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَسَلَّمَهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَلأَِصْحَابِ الدُّيُونِ إِلْغَاءُ الْهِبَةِ، وَإِدْخَال أَمْوَالِهِ فِي قِسْمَةِ الْغُرَمَاءِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ الْوَاهِبُ مَدِينًا بِدَيْنٍ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ، وَقَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْمَال
__________
(1) الأم 4 / 32 ط. بولاق

الْمَوْهُوبَ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُخْرَجُ مِقْدَارُ الدُّيُونِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَيُحْكَمُ عَلَى الْهِبَةِ فِي الْمَبْلَغِ الزَّائِدِ بِنَفْسِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا فِي حَالَةِ مَا إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ خَالِيَةً عَنِ الدَّيْنِ (1) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (هِبَةٌ) .

ثَالِثًا - هِبَةُ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَقْبُوضَةِ
7 - إِذَا وَهَبَ الْمَرِيضُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ يَقْبِضِ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِمَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْل الْقَبْضِ، كَمَا تَبْطُل أَيْضًا لَوْ كَانَ الْوَاهِبُ صَحِيحًا وَقْتَ الْهِبَةِ، قَالُوا: وَلاَ تَنْقَلِبُ هِبَةُ الْمَرِيضِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَصِيَّةً، لأَِنَّهَا صِلَةٌ، وَالصِّلاَتُ يُبْطِلُهَا الْمَوْتُ كَالنَّفَقَاتِ، وَلأَِنَّ الْوَاهِبَ أَرَادَ التَّمْلِيكَ فِي الْحَال لاَ بَعْدَ الْمَوْتِ، إِذِ الْهِبَةُ مِنَ الْعُقُودِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ الْمُنَجَّزَ فِي الْحَيَاةِ (2) .
قَال الشَّافِعِيُّ: إِذَا وَهَبَ الرَّجُل فِي مَرَضِهِ الْهِبَةَ، فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى مَاتَ
__________
(1) مجلة الأحكام العدلية المادة 880 وشروحها.
(2) المبسوط 12 / 102، ورد المحتار 4 / 710 ط. بولاق، وجامع الفصولين 2 / 180، والفتاوى البزازية 6 / 240، والعقود الدرية لابن عابدين 2 / 82.

الْوَاهِبُ، لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ شَيْءٌ، وَكَانَتِ الْهِبَةُ لِلْوَرَثَةِ (1) .
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَلاَ تَجُوزُ هِبَةُ الْمَرِيضِ وَلاَ صَدَقَتُهُ إِلاَّ مَقْبُوضَةً، فَإِذَا قُبِضَتْ جَازَتْ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِذَا مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْل التَّسْلِيمِ بَطَلَتْ (2) .
وَالثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: وَهُوَ أَنَّ الْهِبَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحِيحَةٌ، وَتَأْخُذُ حُكْمَ الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَمْ يَقْبِضْهَا قَبْل مَوْتِ الْوَاهِبِ الْمَرِيضِ (3) .
جَاءَ فِي فَتَاوَى عُلَيْشٍ: مَا قَوْلُكُمْ فِي هِبَةِ الْمَرِيضِ وَصَدَقَتِهِ وَسَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ، هَل تَحْتَاجُ لِحِيَازَةٍ قَبْل مَوْتِهِ، كَتَبَرُّعَاتِ الصَّحِيحِ، أَمْ لاَ؟ فَأَجَبْتُ: لاَ تَحْتَاجُ لِحَوْزٍ عَنْهُ قَبْل مَوْتِهِ، لأَِنَّهَا كَالْوَصِيَّةِ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الثُّلُثِ، قَال الْبُنَانِيُّ: وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَتَبَرُّعَاتُهُ نَافِذَةٌ مِنَ الثُّلُثِ مُطْلَقًا، أَشْهَدَ أَمْ لاَ، فَلاَ يَتَوَقَّفُ مُضِيُّ تَبَرُّعِهِ عَلَى حَوْزٍ وَلاَ عَلَى الإِْشْهَادِ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَهُ، قَال فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكُل صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ عَطِيَّةٍ بَتَلَهُ الْمَرِيضُ لِرَجُل بِعَيْنِهِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَمْ تُخْرَجْ مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ، فَذَلِكَ نَافِذٌ مِنْ
__________
(1) الأم 3 / 285.
(2) الفتاوى الهندية 4 / 400.
(3) مواهب الجليل 6 / 381، والمدونة 4 / 326، 348، والمنتقى للباجي 6 / 157، والمبسوط 12 / 102، واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص49.

ثُلُثِهِ كَوَصَايَاهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ مَالُهُ مُسْتَغْرَقًا بِالدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرَقًا بَطَلَتْ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ (1) .

أَدَاءُ الْمَرِيضِ حُقُوقَ اللَّهِ الْمَالِيَّةَ
8 - إِذَا أَدَّى الإِْنْسَانُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَل، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَل يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنَ الثُّلُثِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ هَذَا الأَْدَاءُ مِنَ الثُّلُثِ، سَوَاءٌ وَجَبَ مَالاً مِنَ الاِبْتِدَاءِ كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، أَوْ صَارَ مَالاً فِي الْمَآل، كَالْفِدْيَةِ فِي الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ بِسَبَبِ الْعَجْزِ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ بِنَفْسِهِ لاَ يَصِيرُ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ مُقَدَّمًا عَلَى الْمِيرَاثِ، إِلاَّ إِذَا أَوْصَى بِهَا (2) .
وَالثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ أَدَّاهُ بِنَفْسِهِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ جَمِيعِ الْمَال، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ يَصِيرُ دَيْنًا فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ مُقَدَّمًا عَلَى الْمِيرَاثِ (3) .
وَالثَّالِثُ لِلْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ أَدَّاهُ بِنَفْسِهِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ جَمِيعِ الْمَال، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ بِنَفْسِهِ، فَلاَ يُجْبَرُ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْمِيرَاثِ، إِلاَّ أَنْ يَتَطَوَّعُوا بِذَلِكَ (4) .
__________
(1) فتاوى عليش 2 / 242، والحطاب 6 / 56.
(2) كشف الأسرار على أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري 4 / 1430 ط. إستانبول 1307 هـ.
(3) المرجع السابق 4 / 1431.
(4) المدونة 4 / 309 ط. المطبعة الخيرية.

الرُّجُوعُ عَنْ هِبَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْمَرِيضِ:
9 - إِذَا رَجَعَ الْوَاهِبُ عَنْ هِبَتِهِ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ مَرِيضٌ وَقَدْ كَانَتِ الْهِبَةُ فِي الصِّحَّةِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ بِقَضَاءِ قَاضٍ فَالرُّجُوعُ فِيهَا صَحِيحٌ، وَلاَ سَبِيل لِغُرَمَاءِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى الْوَاهِبِ؛ لأَِنَّ الْوَاهِبَ يَسْتَحِقُّهُ بِحَقٍّ سَابِقٍ لَهُ عَلَى حَقِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ، كَانَ رَدُّ الْمَرِيضِ لَهَا حِينَ طَلَبِ الْوَاهِبِ بِمَنْزِلَةِ هِبَةٍ مُبْتَدَأَةٍ مِنَ الْمَرِيضِ، وَتَسْرِي عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامُ هِبَةِ الْمَرِيضِ (1) .

الْكَفَالَةُ بِالْمَال فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
إِذَا كَفَل الْمَرِيضُ غَيْرَهُ بِمَالِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَدِينٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَدِينًا.

أَوَّلاً - كَفَالَةُ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَدِينِ
10 - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: كَفَالَةُ الْمَرِيضِ بِمَالِهِ دَيْنًا لِشَخْصِ عَلَى آخَرَ تُعْتَبَرُ تَبَرُّعًا بِالْتِزَامِ مَالٍ لاَ يَلْزَمُهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ عِوَضًا، وَهِيَ اسْتِهْلاَكٌ لِمَال الْمَرِيضِ، فَتَأْخُذُ حُكْمَ الْوَصِيَّةِ (2) .
__________
(1) المبسوط 12 / 105، والزيلعي 5 / 102 وما بعدها، والفتاوى الهندية 4 / 401.
(2) التاج والإكليل للمواق 5 / 97، والخرشي 6 / 22 وما بعدها، والمدونة 4 / 142، والمغني لابن قدامة 5 / 79.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُفَرَّقُ فِي حُكْمِ كَفَالَةِ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَدِينِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْمَكْفُول لَهُ، وَهُوَ الدَّائِنُ، وَالْمَكْفُول عَنْهُ، وَهُوَ الْمَدِينُ، أَجْنَبِيًّا عَنِ الْمَرِيضِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا وَارِثًا لَهُ:
أ - فَإِذَا كَفَل الْمَرِيضُ دَيْنًا لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ، وَكَانَ كُلٌّ مِنَ الْمَكْفُول لَهُ وَعَنْهُ أَجْنَبِيًّا عَنِ الْمَرِيضِ، نَفَذَتِ الْكَفَالَةُ مِنْ كُل مَال الْمَرِيضِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، وَلِلدَّائِنِ الْحَقُّ فِي أَخْذِ الدَّيْنِ الْمَضْمُونِ بِهِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلَوِ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ الدَّيْنُ كُل التَّرِكَةِ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ حَقٌّ فِي مُعَارَضَتِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ لِلْمَرِيضِ وَرَثَةٌ، فَيُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ الْمَال الْمَضْمُونُ بِهِ لاَ يَتَجَاوَزُ ثُلُثَ مَالِهِ، نَفَذَ وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ تَجَاوَزَ الثُّلُثَ تَوَقَّفَ الْقَدْرُ الزَّائِدُ عَلَى إِجَازَتِهِمْ، فَإِنْ رَدُّوهُ بَطَل، وَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ، لأَِنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّهِمْ وَقَدْ أَسْقَطُوهُ، فَيَزُول الْمَانِعُ (1) .
ب - أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَكْفُول لَهُ أَوْ عَنْهُ وَارِثًا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَرِيضِ الضَّامِنِ وَارِثٌ سِوَاهُ، فَإِنَّ الْكَفَالَةَ تَنْفُذُ مِنْ كُل مَال الْمَرِيضِ، وَلاَ اعْتِرَاضَ لأَِحَدٍ عَلَيْهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ غَيْرُهُ، فَلاَ تَنْفُذُ هَذِهِ
__________
(1) رد المحتار 2 / 490 ط. بولاق الثالثة 1299 هـ، وبدائع الصنائع 6 / 6، وجامع الفصولين 2 / 179، وفتاوى قاضيخان 3 / 69.

الْكَفَالَةُ إِلاَّ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ وَكَانُوا مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ الْمَكْفُول بِهِ قَلِيلاً أَمْ كَثِيرًا، فَإِنْ أَجَازَتِ الْوَرَثَةُ ثَبَتَ لِلْمَكْفُول لَهُ أَخْذُ الدَّيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا فَلاَ حَقَّ لَهُ فِي أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا، بَل يَأْخُذُ دَيْنَهُ مِنَ الْمَدِينِ الأَْصْلِيِّ، وَهُوَ الْمَكْفُول عَنْهُ (1) .

ثَانِيًا - كَفَالَةُ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ
11 - يُفَرَّقُ فِي كَفَالَةِ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ بِمَالِهِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ دَيْنُهُ مُسْتَغْرِقًا لِتَرِكَتِهِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ.
أ - فَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ مُسْتَغْرِقًا لِتَرِكَتِهِ، فَلاَ تَنْفُذُ كِفَالَتُهُ، وَلَوْ قَل الدَّيْنُ الْمَكْفُول بِهِ، إِلاَّ إِذَا أَبْرَأَهُ الدَّائِنُونَ الَّذِينَ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِأَمْوَالِهِ قَبْل هَذِهِ الْكَفَالَةِ مِنَ الْمَال الْمَكْفُول بِهِ، لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، وَلَهُمْ أَنْ يُسْقِطُوهُ بِرِضَاهُمْ (2) .
ب - أَمَّا إِذَا كَانَ دَيْنُهُ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِتَرِكَتِهِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُخْرَجُ مِنَ التَّرِكَةِ مِقْدَارُ الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ عَلَى الْمَرِيضِ، وَيُحْكَمُ عَلَى الْكَفَالَةِ بِالْمَبْلَغِ الزَّائِدِ عَلَى الدَّيْنِ بِنَفْسِ الْحُكْمِ عَلَى الْكَفَالَةِ فِي حَالَةِ خُلُوِّ التَّرِكَةِ عَنِ الدُّيُونِ (3) .
وَقَال الْكَيْسَانِيُّ: وَلَوْ كَفَل فِي صِحَّتِهِ،
__________
(1) رد المحتار 4 / 349، وجامع الفصولين 2 / 179، والفتاوى الهندية 3 / 289، وانظر م (1605) من مجلة الأحكام العدلية.
(2) الفتاوى الهندية 3 / 289، ورد المحتار 4 / 349.
(3) مرشد الحيران: مادة / 733.

وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَى مَا يُسْتَقْبَل، بِأَنْ قَال لِلْمَكْفُول لَهُ: كَفَلْتُ بِمَا يَذُوبُ لَكَ عَلَى فُلاَنٍ، ثُمَّ وَجَبَ لَهُ عَلَى فُلاَنٍ دَيْنٌ فِي حَال مَرَضِ الْكَفِيل، فَحُكْمُ هَذَا الدَّيْنِ وَحُكْمُ دَيْنِ الصِّحَّةِ سَوَاءٌ، حَتَّى يَضْرِبَ الْمَكْفُول لَهُ بِجَمِيعِ مَا يَضْرِبُ بِهِ غَرِيمُ الصِّحَّةِ، لأَِنَّ الْكَفَالَةَ وُجِدَتْ فِي حَال الصِّحَّةِ (1) .
وَجَاءَ فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ: وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِذَلِكَ كَانَتْ فِي صِحَّتِهِ، لَزِمَهُ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْكَفَالَةُ لِوَارِثٍ وَلاَ عَنْ وَارِثٍ، لأَِنَّ إِقْرَارَ الْمَرِيضِ بِأَنَّ الْكَفَالَةَ كَانَتْ فِي صِحَّتِهِ إِقْرَارٌ مِنْهُ بِمَالٍ كَانَ سَبَبُهُ فِي الصِّحَّةِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الإِْقْرَارِ بِالدَّيْنِ، فَصَحَّ إِذَا كَانَ الْمَكْفُول لَهُ أَجْنَبِيًّا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ (2) .
وَجَاءَ فِي م () مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: إِذَا أَقَرَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِكَوْنِهِ قَدْ كَفَل فِي حَال صِحَّتِهِ، فَيُعْتَبَرُ إِقْرَارُهُ مِنْ مَجْمُوعِ مَالِهِ، وَلَكِنْ تُقَدَّمُ دُيُونُ الصِّحَّةِ إِنْ وُجِدَتْ.

الْوَقْفُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
يُفَرَّقُ فِي الْوَقْفِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ الْوَاقِفُ غَيْرَ مَدِينٍ وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ مَدِينًا:
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 370، وانظر شرح المجلة للأتاسي 3 / 15، 4 / 685.
(2) فتاوى قاضيخان 3 / 69.

أَوَّلاً - وَقْفُ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَدِينِ
إِذَا وَقَفَ الْمَرِيضُ غَيْرُ الْمَدِينِ مَالَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَقْفُهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَارِثٍ:

أ - وَقْفُ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَدِينِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ:
12 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ وَقْفَ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَدِينِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ أَوْ عَلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْبِرِّ صَحِيحٌ نَافِذٌ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ أَحَدٍ إِنْ كَانَ مِقْدَارُ الْوَقْفِ لاَ يَزِيدُ عَلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ عِنْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مِقْدَارُ الْمَوْقُوفِ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ، فَيَنْفُذُ الْوَقْفُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ، وَيَتَوَقَّفُ فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ (1) .

ب - وَقْفُ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَدِينِ عَلَى الْوَارِثِ
13 - إِنْ كَانَ وَقْفُهُ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلاَدِهِمْ، ثُمَّ عَلَى جِهَةِ بِرٍّ لاَ تَنْقَطِعُ، فَيُنْظَرُ إِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ جَمِيعًا هَذَا الْوَقْفَ نَفَذَ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْقُوفُ يُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِ تَرِكَتِهِ أَمْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ.
__________
(1) الفتاوى الهندية 2 / 451، والعقود الدرية لابن عابدين 1 / 100، وجامع الفصولين 2 / 177، وفتاوى قاضيخان 3 / 316، ومغني المحتاج 2 / 377، وفتاوى عليش 2 / 217، وحاشية العدوي على شرح الخرشي 7 / 75، والدردير على خليل 4 / 81، والمدونة 4 / 346، والمغني لابن قدامة مع (الشرح الكبير) 6 / 219، وانظر المادة (33) من قانون العدل والإنصاف لقدري باشا.

وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ نَفَذَ وَقْفُ مَا يُخْرَجُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَإِنْ أَجَازَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ دُونَ بَعْضٍ، كَانَتْ حِصَّةُ الْمُجِيزِ وَقْفًا مَعَ الثُّلُثِ (1) .
وَإِنْ كَانَ وَقْفُ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَدِينِ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْفِهِ عَلَى مَذَاهِبَ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) .

ج - وَقْفُ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ
14 - إِذَا وَقَفَ الْمَرِيضُ مَالَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، وَمَاتَ وَهُوَ مَدِينٌ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ لِتَرِكَتِهِ، فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ وَقْفُهُ كُلُّهُ عَلَى إِجَازَةِ الدَّائِنِينَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَارِثًا أَمْ غَيْرَ وَارِثٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَوْقُوفُ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ أَمْ مُسَاوِيًا لَهُ أَمْ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ بَطَل الْوَقْفُ، وَبِيعَتِ الأَْعْيَانُ الْمَوْقُوفَةُ لِوَفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدُّيُونِ (2) .
وَأَمَّا إِذَا وَقَفَ الْمَرِيضُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَكَانَ مَدِينًا بِدَيْنٍ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ لِتَرِكَتِهِ، فَيُخْرَجُ مِقْدَارُ الدَّيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَيُحْكَمُ عَلَى الْوَقْفِ فِي الْبَاقِي مِنَ التَّرِكَةِ بَعْدَ الإِْخْرَاجِ بِالْحُكْمِ عَلَى الْوَقْفِ عِنْدَمَا تَكُونُ التَّرِكَةُ خَالِيَةً مِنَ الدُّيُونِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَقْفٌ) .
__________
(1) رد المحتار 3 / 500، والعقود الدرية لابن عابدين 1 / 102، 103.
(2) فتاوى قاضيخان 3 / 316، وجامع الفصولين 2 / 177، وواقعات المفتين ص86.

التَّصَرُّفَاتُ الْمَالِيَّةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
لِلتَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أَوَّلاً - الْبَيْعُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
أ - بَيْعُ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَدِينِ مَالَهُ لأَِجْنَبِيٍّ
15 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لأَِجْنَبِيٍّ بِثَمَنِ الْمِثْل أَوْ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ نَافِذٌ عَلَى الْبَدَل الْمُسَمَّى، لأَِنَّ الْمَرِيضَ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنِ الْمُعَاوَضَةِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لاَ تَمَسُّ حُقُوقَ دَائِنِيهِ وَوَرَثَتِهِ (1) .
أَمَّا إِذَا بَاعَهُ مَعَ الْمُحَابَاةِ:
فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لأَِجْنَبِيٍّ وَحَابَاهُ فِي الْبَيْعِ.
فَإِنْ كَانَتِ الْمُحَابَاةُ بِحَيْثُ يَحْمِلُهَا الثُّلُثُ، فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَنَافِذٌ عَلَى الْبَدَل الْمُسَمَّى، لأَِنَّ الْمَرِيضَ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ لِغَيْرِ وَارِثِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَيَكُونُ هَذَا التَّبَرُّعُ نَافِذًا، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ الْوَرَثَةُ (2) .
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمُحَابَاةُ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ نَفَذَتْ، لأَِنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّهِمْ، وَقَدْ أَسْقَطُوهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا، فَإِنْ
__________
(1) كشف الأسرار على أصول البزدوي 4 / 1429، والأم 4 / 30، وشرح الخرشي 5 / 305، والمغني (مع الشرح الكبير) 5 / 472، وانظر م (394) من مجلة الأحكام العدلية وم (265) من مرشد الحيران.
(2) انظر شرح المجلة للأتاسي 2 / 411.

لَمْ يَكُنِ الْبَدَلاَنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنَ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ وَزَادَتِ الْمُحَابَاةُ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ، فَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ لِلْوَرَثَةِ قِيمَةَ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ لِيُكْمِل لَهُمُ الثُّلُثَيْنِ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَرُدَّ الْمَبِيعَ إِلَى الْوَرَثَةِ وَيَأْخُذَ مَا دَفَعَهُ مِنَ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ الْفَسْخُ مُمْكِنًا، أَمَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْفَسْخُ - كَمَا إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِهِ أَوْ أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ - أُلْزِمَ بِإِتْمَامِ الثَّمَنِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْقِيمَةَ (1) .
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْبَدَلاَنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنَ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ غَيْرَ النَّقْدَيْنِ، وَكَانَتِ الْمُحَابَاةُ بِأَكْثَرِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَلَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ، فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُلْزِمُوا الْمُشْتَرِيَ بِأَنْ يَدْفَعَ لَهُمُ الزَّائِدَ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ، لأَِنَّ هَذَا يُؤَدِّي إِلَى رِبَا الْفَضْل، لِهَذَا يُنْسَبُ الثُّلُثُ إِلَى الْمُحَابَاةِ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِقَدْرِ النِّسْبَةِ وَيَبْطُل فِيمَا عَدَاهَا، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ الرِّضَا بِالْبَيْعِ فِي الْقَدْرِ الْبَاقِي (2) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مَالَهُ لأَِجْنَبِيٍّ بِأَقَل مِنْ ثَمَنِ الْمِثْل وَمِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ:
فَإِنْ قَصَدَ بِبَيْعِهِ مَالَهُ بِأَقَل مِنْ قِيمَتِهِ بِكَثِيرٍ
__________
(1) انظر (م394) من مجلة الأحكام العدلية، وم (266) من مرشد الحيران.
(2) المبسوط للسرخسي 29 / 59.

نَفْعَ الْمُشْتَرِي، فَمَا نَقَصَ عَنِ الْقِيمَةِ يُعْتَبَرُ مُحَابَاةً حُكْمُهَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ لِلأَْجْنَبِيِّ، تَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ إِنْ حَمَلَهَا الثُّلُثُ، وَتَبْطُل فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ إِنْ لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ، وَإِنْ أَجَازُوهَا جَازَتْ، وَتَكُونُ ابْتِدَاءً عَطِيَّةً مِنْهُمْ تَفْتَقِرُ إِلَى الْحَوْزِ (1) ، وَالْوَقْتُ الْمُعْتَبَرُ فِي تَقْدِيرِ قِيمَةِ الْمَبِيعِ هُوَ وَقْتُ الْبَيْعِ، لاَ وَقْتُ مَوْتِ الْبَائِعِ (2) .
أَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِبَيْعِهِ مَالَهُ بِأَقَل مِنْ قِيمَتِهِ بِكَثِيرٍ نَفْعَ الْمُشْتَرِي، كَأَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ جَهْلاً بِقِيمَتِهِ، فَهُوَ غَبْنٌ يَصِحُّ مَعَهُ الْبَيْعُ عَلَى الْبَدَل الْمُسَمَّى وَيَنْفُذُ، وَلاَ يُعْتَبَرُ النُّقْصَانُ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْل مِنَ الثُّلُثِ مَهْمَا بَلَغَ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَعْمُول بِهِ (3) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ شَيْئًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لِلأَْجْنَبِيِّ، وَحَابَاهُ فِي الْبَدَل، فَحُكْمُ هَذِهِ الْمُحَابَاةِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ لِلأَْجْنَبِيِّ، تَنْفُذُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهَا نَفَذَتْ، وَإِلاَّ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ رَدِّ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَيَأْخُذُ ثَمَنَهُ الَّذِي دَفَعَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ الْوَرَثَةَ الْفَضْل
__________
(1) الخرشي على خليل 5 / 305، والبهجة على التحفة للتسولي 2 / 82.
(2) المنتقى للباجي 6 / 158.
(3) توضيح الأحكام للتوزري 3 / 74 (ط. تونس سنة 1339 هـ) .

عَمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِمَّا لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ هَالِكًا، رَدَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِمَّا لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ، وَكَذَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا، لَكِنَّهُ قَدْ دَخَلَهُ عَيْبٌ (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا حَابَى الْمَرِيضُ أَجْنَبِيًّا فِي الْبَيْعِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَتَنْفُذُ الْمُحَابَاةُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ إِنْ حَمَلَهَا.
أَمَّا إِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ: فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ نَفَذَتْ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا - فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَدَلاَنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنَ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ، وَزَادَتِ الْمُحَابَاةُ عَلَى الثُّلُثِ - بَطَل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَسُلِّمَ لِلْمُشْتَرِي الْبَاقِي، وَكَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَا سُلِّمَ لَهُ مِنَ الْمَبِيعِ (2) .
أَمَّا إِذَا كَانَ الْبَدَلاَنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنَ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ غَيْرَ الثَّمَنَيْنِ، وَزَادَتِ الْمُحَابَاةُ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ، فَيُنْسَبُ الثُّلُثُ إِلَى الْمُحَابَاةِ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِقَدْرِ النِّسْبَةِ، وَيَبْطُل فِيمَا عَدَاهَا، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ الرِّضَا بِالْبَيْعِ فِي الْقَدْرِ الْبَاقِي، وَإِنَّمَا فَعَل ذَلِكَ لِئَلاَّ يُفْضِيَ
__________
(1) الأم 4 / 30 وما بعدها.
(2) المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير 6 / 516، والإنصاف للمرداوي 7 / 175.

إِلَى الرِّبَا (1) .
قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَإِنْ بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لاَ يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي ثَلاَثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوِي عَشَرَةً، فَأَسْقَطَ قِيمَةَ الرَّدِيءِ مِنْ قِيمَةِ الْجَيِّدِ، ثُمَّ نَسَبَ الثُّلُثَ إِلَى الْبَاقِي وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ تَجِدُهُ نِصْفَهَا، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ، وَيَبْطُل فِيمَا بَقِيَ، وَهَذَا بِلاَ نِزَاعٍ (2) .

ب - بَيْعُ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ مَالَهُ لأَِجْنَبِيٍّ
16 - إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لأَِجْنَبِيٍّ بِثَمَنِ الْمِثْل، وَكَانَ مَدِينًا بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ نَافِذٌ عَلَى الْعِوَضِ الْمُسَمَّى، وَلاَ حَقَّ لِلدَّائِنِينَ فِي الاِعْتِرَاضِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ حَقَّهُمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَالِيَّةِ التَّرِكَةِ لاَ بِأَعْيَانِهَا، وَالْمَدِينُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ مِلْكِهِ بِهَذَا الْبَيْعِ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ أَدْخَل فِيهِ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الثَّمَنِ الْمُسَاوِي لِقِيمَتِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ لِلْمُشْتَرِي، فَلاَ تَنْفُذُ الْمُحَابَاةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ قَلِيلَةً أَمْ كَثِيرَةً إِلاَّ بِإِجَازَةِ الدَّائِنِينَ، لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَبِيعُ تَمَامَ قِيمَتِهِ، وَلاَ اعْتِرَاضَ لِلدَّائِنِينَ عَلَيْهِ، إِذْ لاَ ضَرَرَ يَلْحَقُهُمْ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَأَخْذِ مَا دَفَعَهُ مِنَ
__________
(1) الإنصاف 7 / 174 وما بعدها.
(2) الإنصاف 7 / 174.

الثَّمَنِ إِنْ كَانَ الْفَسْخُ مُمْكِنًا، أَمَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْفَسْخُ، كَمَا إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِهِ أَوْ أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ أُلْزِمَ بِإِتْمَامِ الثَّمَنِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْقِيمَةَ.
وَإِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لأَِجْنَبِيٍّ بِثَمَنِ الْمِثْل، وَكَانَ مَدِينًا بِدَيْنٍ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ لِمَالِهِ، صَحَّ الْبَيْعُ وَنَفَذَ عَلَى الْبَدَل الْمُسَمَّى، أَمَّا إِذَا كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ، فَيُخْرَجُ مِقْدَارُ الدَّيْنِ مِنَ التَّرِكَةِ، وَيَأْخُذُ هَذَا الْبَيْعُ حُكْمَ الْبَيْعِ فِيمَا لَوْ كَانَ الْمَرِيضُ غَيْرَ مَدِينٍ أَصْلاً بِالنِّسْبَةِ لِلْمَبْلَغِ الْبَاقِي بَعْدَ الإِْخْرَاجِ (1) .

ج - بَيْعُ الْمَرِيضِ مَالَهُ لِوَارِثٍ إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِوَارِثِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَرِيضُ الْبَائِعُ غَيْرَ مَدِينٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَدِينًا:

بَيْعُ الْمَرِيضِ غَيْرِ الْمَدِينِ مَالَهُ لِوَارِثٍ
17 - ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: إِلَى أَنَّهُ إِنْ بَاعَ الْمَرِيضُ وَارِثَهُ عَيْنًا مِنْ مَالِهِ بِمِثْل الْقِيمَةِ أَوْ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، فَإِنَّ بَيْعَهُ يَكُونُ صَحِيحًا نَافِذًا، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ
__________
(1) جامع الفصولين 2 / 178، والعقود الدرية لابن عابدين 2 / 54، وواقعات المفتين ص89، وانظر م (395) من مجلة الأحكام العدلية وم (267) من مرشد الحيران، وانظر شرح المجلة للأتاسي 2 / 414.

حَقُّهُمْ، وَهُوَ الْمَالِيَّةُ، فَكَانَ الْوَارِثُ وَالأَْجْنَبِيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءً (1) .
أَمَّا إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ وَارِثَهُ عَيْنًا مِنْ مَالِهِ وَحَابَاهُ فِي الثَّمَنِ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، سَوَاءٌ حَمَل ثُلُثُ مَالِهِ هَذِهِ الْمُحَابَاةَ أَمْ لَمْ يَحْمِلْهَا، فَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ، وَإِلاَّ خُيِّرَ الْوَارِثُ بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَبِيعُ تَمَامَ الْقِيمَةِ، وَعِنْدَهَا يَسْقُطُ حَقُّ الْوَرَثَةِ فِي الاِعْتِرَاضِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ، وَيُرَدَّ الْمَبِيعُ إِلَى التَّرِكَةِ، وَيَسْتَلِمَ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَهُ لِلْمُوَرِّثِ (2) .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الْبَيْعُ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ، وَإِنْ رَدُّوهُ بَطَل، سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَدَل مُسَاوِيًا لِمِثْل الْقِيمَةِ أَمْ كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ (3) .
وَهُوَ الْقَوْل الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ الْحَنَفِيِّ، وَبِهِ قَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (4) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ وَارِثَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ دُونَ مُحَابَاةٍ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَنَافِذٌ عَلَى
__________
(1) كشف الأسرار على أصول البزدوي 4 / 1429، ورد المحتار 4 / 193، والمبسوط 14 / 150 واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص29، شرح المجلة للأتاسي 2 / 409.
(2) رد المحتار 4 / 193.
(3) المبسوط 14 / 150، رد المحتار 4 / 193، والعقود الدرية لابن عابدين 2 / 268، وكشف الأسرار 4 / 1429 وما بعدها، واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص29، فتاوى قاضيخان 2 / 177، وانظر م (393) من مجلة الأحكام العدلية، وم (264) من مرشد الحيران.
(4) الإنصاف للمرداوي 7 / 172.

الْبَدَل الْمُسَمَّى (1) .
أَمَّا إِذَا حَابَى الْمَرِيضُ وَارِثَهُ فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ حَابَاهُ فِي الثَّمَنِ كَأَنْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ مَا يُسَاوِي مِائَتَيْنِ مَثَلاً، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ بِقَدْرِ الْمُحَابَاةِ كُلِّهَا إِنْ لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ، وَلاَ تُعْتَبَرُ الْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَنْفُذُ فِيمَا عَدَاهَا، وَتُعْتَبَرُ إِجَازَةُ الْوَرَثَةِ لِلْقَدْرِ الْمُحَابَى بِهِ ابْتِدَاءً عَطِيَّةً مِنْهُمْ تَفْتَقِرُ إِلَى حَوْزٍ، قَالُوا: وَالْمُعْتَبَرُ فِي تَقْدِيرِ مُحَابَاتِهِ لِيَوْمِ الْبَيْعِ لاَ لِيَوْمِ الْحُكْمِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِتَغَيُّرِ الأَْسْوَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ (2) .
أَمَّا إِذَا حَابَى الْمَرِيضُ وَارِثَهُ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ، كَأَنْ يَقْصِدَ إِلَى خِيَارِ مَا يَمْلِكُهُ فَيَبِيعَهُ مِنْ وَلَدِهِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ نَقْضُ ذَلِكَ الْبَيْعِ، وَلَوْ كَانَ بِثَمَنِ الْمِثْل أَوْ أَكْثَرَ (3) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَبِيعَ مَا شَاءَ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ إِلَى أَيِّ شَخْصٍ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَيَنْفُذَ بَيْعُهُ عَلَى الْعِوَضِ الْمُسَمَّى إِذَا كَانَ الْبَيْعُ بِمِثْل الْقِيمَةِ أَوْ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ (4) ، أَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْبَدَل مُحَابَاةٌ
__________
(1) المدونة 3 / 222.
(2) البهجة شرح التحفة للتسولي 2 / 82، والخرشي على خليل 5 / 305، والمنتقى للباجي 6 / 158، وتوضيح الأحكام للتوزري 3 / 74.
(3) شرح ابن سودة على التحفة 2 / 44، وشرح ابن ناجي على الرسالة 2 / 315، وتوضيح الأحكام 3 / 74، والبهجة شرح التحفة 2 / 83.
(4) نهاية المحتاج 5 / 408، والمهذب 1 / 460، والأم 7 / 97.

لِلْوَارِثِ، فَحُكْمُ هَذِهِ الْمُحَابَاةِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ حَيْثُ إِنَّ الأَْظْهَرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ تَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهَا نَفَذَتْ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا بَطَلَتْ، فَيَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ هَذِهِ الْمُحَابَاةِ (1) ، قَال الرَّمْلِيُّ: الْمَرَضُ إِنَّمَا يَمْنَعُ الْمُحَابَاةَ، وَلاَ يَمْنَعُ الإِْيثَارَ (2) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَبِيعَ مَا شَاءَ مِنْ مَالِهِ لِوَارِثِهِ، وَيَنْفُذَ بَيْعُهُ إِذَا كَانَ بِثَمَنِ الْمِثْل (3) .
أَمَّا إِذَا حَابَى وَارِثَهُ فِي الْبَيْعِ، فَهُنَاكَ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي الْمَذْهَبِ:
أَحَدُهَا: لاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ بَذَل الثَّمَنَ فِي كُل الْمَبِيعِ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي بَعْضِهِ، كَمَا لَوْ قَال: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ. فَقَال: قَبِلْتُ الْبَيْعَ فِي نِصْفِهِ، أَوْ قَال: قَبِلْتُ نِصْفَهُ بِخَمْسَةٍ، وَلأَِنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُ الْبَيْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَعَاقَدَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (4) .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ فِيمَا يُقَابِل الثَّمَنَ
__________
(1) نهاية المحتاج 6 / 48، والبجيرمي على الخطيب 3 / 303، والمهذب 1 / 386.
(2) نهاية المحتاج 5 / 417.
(3) الإنصاف للمرداوي 7 / 172، والمغني (مطبوع مع الشرح الكبير) 5 / 472، 6 / 421، والشرح الكبير على المقنع 6 / 298.
(4) المغني 5 / 473، والإنصاف 7 / 173.

الْمُسَمَّى، وَتَتَوَقَّفُ الْمُحَابَاةُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَجَازُوهَا نَفَذَتْ، وَإِنْ رَدُّوهَا بَطَل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَصَحَّ فِيمَا بَقِيَ (1) .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ، وَيَصِحُّ فِيمَا يُقَابِل الثَّمَنَ الْمُسَمَّى، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الأَْخْذِ وَالْفَسْخِ، لأَِنَّ الصَّفْقَةَ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ؛ لأَِنَّ الْبُطْلاَنَ إِنَّمَا جَاءَ مِنَ الْمُحَابَاةِ، فَاخْتَصَّ بِمَا يُقَابِلُهَا، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ (2) .

بَيْعُ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ مَالَهُ لِوَارِثٍ
18 - اتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ الْمَدِينَ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ إِذَا بَاعَ مَالَهُ لِوَارِثِ بِثَمَنِ الْمِثْل، فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ نَافِذٌ عَلَى الْبَدَل الْمُسَمَّى، وَلاَ حَقَّ لِلدَّائِنِينَ فِي الاِعْتِرَاضِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ حَقَّهُمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَالِيَّةِ التَّرِكَةِ لاَ بِأَعْيَانِهَا، وَالْمَرِيضُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ مِلْكِهِ بِهَذَا الْبَيْعِ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ أَدْخَل فِيهِ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الثَّمَنِ الْمُسَاوِي لِقِيمَتِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ فِي بَيْعِ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ مُحَابَاةٌ لِلْوَارِثِ فِي الْبَدَل، فَلاَ تَنْفُذُ الْمُحَابَاةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ قَلِيلَةً أَمْ كَثِيرَةً إِلاَّ بِإِجَازَةِ الدَّائِنِينَ، فَإِنْ
__________
(1) المغني 5 / 473.
(2) الإنصاف 7 / 172، والشرح الكبير على المقنع 6 / 298، والمغني 5 / 473.

أَجَازُوهَا نَفَذَتْ، وَإِنْ رَدُّوهَا خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَبِيعُ تَمَامَ قِيمَتِهِ، وَلاَ اعْتِرَاضَ لِلدَّائِنِينَ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ مَا دَفَعَهُ مِنَ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ الْفَسْخُ مُمْكِنًا، أَمَّا إِذَا تَعَذَّرَ لِهَلاَكِ الْمَبِيعِ تَحْتَ يَدِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيُلْزَمُ الْمُشْتَرِي بِإِتْمَامِ الثَّمَنِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْقِيمَةَ (1) .
19 - وَمِثْل الْبَيْعِ فِي كُل الأَْحْوَال الْمُتَقَدِّمَةِ الشِّرَاءُ، فَإِذَا اشْتَرَى الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ مِنْ وَارِثِهِ الصَّحِيحِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَكَانَ غَيْرَ مَدِينٍ أَوْ كَانَ مَدْيُونًا اتَّبَعَتْ نَفْسَ الأَْحْكَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي بَيْعِهِ (2) ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: صُورَةُ الْمُحَابَاةِ أَنْ يَبِيعَ الْمَرِيضُ مَا يُسَاوِي مِائَةً بِخَمْسِينَ، أَوْ يَشْتَرِيَ مَا يُسَاوِي خَمْسِينَ بِمِائَةِ، فَالزَّائِدُ عَلَى قِيمَةِ الْمِثْل فِي الشِّرَاءِ وَالنَّاقِصِ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ (3) .

ثَانِيًا - الإِْجَارَةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
20 - إِذَا أَجَّرَ الْمَرِيضُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْل فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي صِحَّةِ إِجَارَتِهِ وَنَفَاذِهَا عَلَى الْبَدَل الْمُسَمَّى.
أَمَّا إِذَا حَابَى الْمَرِيضُ الْمُسْتَأْجَرَ فِي الْبَدَل، بِأَنْ أَجَّرَهُ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل، فَلِفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ
__________
(1) انظر كشف الأسرار على أصول البزدوي 4 / 1432.
(2) انظر شرح المجلة للأتاسي 2 / 413.
(3) الفتاوى الهندية 6 / 110.

فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الرَّاجِحُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ: وَهُوَ أَنَّ الإِْجَارَةَ صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ عَلَى الْبَدَل الْمُسَمَّى، وَتُعْتَبَرُ الْمُحَابَاةُ مِنْ رَأْسِ الْمَال لاَ مِنَ الثُّلُثِ (1) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الإِْجَارَةَ تَبْطُل بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، فَلاَ يَبْقَى عَلَى الْوَرَثَةِ ضَرَرٌ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، لأَِنَّ الإِْجَارَةَ لَمَّا بَطَلَتْ بِالْمَوْتِ، صَارَتِ الْمَنَافِعُ مَمْلُوكَةً لَهُمْ وَفِي حَيَاتِهِ لاَ مِلْكَ لَهُمْ، فَلاَ ضَرَرَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَوْفِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ حَال حَيَاةِ الْمُؤَجِّرِ، وَلأَِنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَال الْمَرِيضِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الإِْرْثُ كَأَعْيَانِ التَّرِكَةِ. أَمَّا مَا لاَ يَجْرِي فِيهِ الإِْرْثُ كَالْمَنَافِعِ فَلاَ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُمْ بِهَا، فَيَكُونُ تَبَرُّعُهُ بِهَا نَافِذًا مِنْ كُل مَالِهِ (2) .
الثَّانِي، وَبِهِ قَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ (3) ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْمُحَابَاةَ تَأْخُذُ حُكْمَ الْوَصِيَّةِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَتَحَقَّقُ بِهَا الإِْضْرَارُ بِالْوَرَثَةِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَ الْمَرِيضُ مَا أُجْرَتُهُ مِائَةٌ بِأَرْبَعِينَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَطَال مَرَضُهُ بِقَدْرِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ فَأَكْثَرَ، بِحَيْثُ
__________
(1) رد المحتار 5 / 81، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص294 (ط. الحلبي سنة 1968م) ، والفتاوى الهندية 5 / 261، والفتاوى البزازية 6 / 452.
(2) جامع الفصولين 2 / 179، ورد المحتار 5 / 81.
(3) الحموي على الأشباه والنظائر 2 / 123، وجامع الفصولين 2 / 186.

اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ فِي مُدَّةِ إِجَارَتِهِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي حَابَى بِهِ وَهُوَ سِتُّونَ، فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تُعْتَبَرَ هَذِهِ الْمُحَابَاةُ كَالْوَصِيَّةِ (1) .

ثَالِثًا - الزَّوَاجُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
21 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الزَّوَاجِ فِي حَال مَرَضِ الْمَوْتِ وَالصِّحَّةِ سَوَاءٌ، مِنْ حَيْثُ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَتَوْرِيثُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ (2) .
وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (3) وَبِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجَلِي إِلاَّ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا، لِي فِيهِنَّ طَوْل النِّكَاحِ، لَتَزَوَّجْتُ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ (4) .
وَبِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَال فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: زَوِّجُونِي، إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَل عَزَبًا (5) .
__________
(1) الأحكام الشرعية لقدري باشا مادة 516.
(2) بدائع الصنائع 7 / 225، والزيلعي وحاشية الشلبي عليه 5 / 23، وما بعدها، والأم 4 / 31، وجواهر العقود للأسيوطي 1 / 450، والمغني 7 / 212، والشرح الكبير على المقنع 7 / 175.
(3) سورة النساء / 3.
(4) أثر ابن مسعود أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1 / 3 / 122) .
(5) الأم للشافعي 4 / 32.

فَإِذَا ثَبَتَتْ صِحَّةُ الزَّوَاجِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ثَبَتَ التَّوَارُثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِعُمُومِ آيَةِ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الأَْزْوَاجِ (1) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا يَثْبُتُ لِلزَّوْجَةِ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا الْمَرِيضُ مِنَ الْمَهْرِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مَهْرٌ) .

رَابِعًا - الطَّلاَقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
22 - إِذَا طَلَّقَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَالطَّلاَقُ وَاقِعٌ، سَوَاءٌ طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً أَوْ بَائِنَةً، دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَال: لاَ يَقَعُ طَلاَقُ الْمَرِيضِ (2) .
وَمَعَ قَوْل عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ بِوُقُوعِ طَلاَقِ الْمَرِيضِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا بَعْدَهُ، وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَقٌ ف 66) .

خَامِسًا - الإِْبْرَاءُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
23 - إِذَا أَبْرَأَ الْمَرِيضُ غَيْرُ الْمَدِينِ مَدِينًا لَهُ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُبْرَأُ أَجْنَبِيًّا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا:
أ - فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ
__________
(1) المغني لابن قدامة 7 / 213.
(2) القوانين الفقهية ص228، مطبعة النهضة بفاس عام 1935م، ونهاية المحتاج للرملي 6 / 444.

وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَبْرَأَ الْمَرِيضُ مَدِينَهُ الأَْجْنَبِيَّ مِنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ لاَ يَتَجَاوَزُ ثُلُثَ مَال الْمَرِيضِ، فَإِنَّ الإِْبْرَاءَ صَحِيحٌ نَافِذٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنَّ الزَّائِدَ عَلَى الثُّلُثِ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ - لأَِنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّهِمْ وَقَدْ أَسْقَطُوهُ - وَإِنْ رَدُّوهُ بَطَل.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرِيضِ وَارِثٌ، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَنْفُذُ إِبْرَاؤُهُ لِلأَْجْنَبِيِّ، وَلَوِ اسْتَغْرَقَ كُل مَالِهِ، وَلاَ حَقَّ لأَِحَدٍ فِي الْمُعَارَضَةِ (1) .
ب - أَمَّا إِذَا كَانَ وَارِثًا، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَبْرَأَ الْمَرِيضُ وَارِثَهُ مِنْ دَيْنِهِ، وَكَانَ الْمَرِيضُ غَيْرَ مَدِينٍ، فَإِنَّ إِبْرَاءَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ الَّذِي أَبْرَأَهُ مِنْهُ قَلِيلاً أَمْ كَثِيرًا، فَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ، وَإِنْ رَدُّوهُ بَطَل.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرِيضِ وَارِثٌ سِوَى الْمُبْرَأِ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنَّ الإِْبْرَاءَ يَنْفُذُ وَلَوِ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ الْمَال، لأَِنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يُوجَدُوا، فَيَنْفُذُ (2) .
__________
(1) قرة عيون الأخيار 2 / 131 وما بعدها، والعقود الدرية لابن عابدين 2 / 50، ورد المحتار 4 / 638، وشرح المجلة للأتاسي 4 / 592، ونهاية المحتاج 6 / 55، والبجيرمي على الخطيب 3 / 300، ومغني المحتاج 3 / 47، وإعانة الطالبين 3 / 212، والمغني لابن قدامة 6 / 491، وانظر م941 من مرشد الحيران والمادة (1570) من مجلة الأحكام العدلية.
(2) جامع الفصولين 2 / 186، والعقود الدرية 2 / 50، ورد المحتار 4 / 638، وقرة عيون الأخيار 2 / 132، وانظر المادة 940 من مرشد الحيران والمادة (1570) من المجلة العدلية، وشرح المجلة للأتاسي 4 / 682.

24 - وَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ مَدِينًا بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ لِتَرِكَتِهِ، فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَتَوَقَّفُ إِبْرَاءُ الْمَرِيضِ مَدِينَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى إِجَازَةِ الدَّائِنِينَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ الَّذِي أَبْرَأَ مِنْهُ قَلِيلاً أَمْ كَثِيرًا، لأَِنَّهُمْ أَصْحَابُ الْحُقُوقِ فِي مَالِهِ، فَإِنْ أَجَازُوهُ نَفَذَ، وَإِنْ رَدُّوهُ بَطَل، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْرَأُ وَارِثًا لِلْمَرِيضِ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ.
أَمَّا إِذَا أَبْرَأَ الْمَرِيضُ مَدِينَهُ، وَكَانَ الْمُبْرِئُ مَدِينًا بِدَيْنٍ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ لِتَرِكَتِهِ، فَيُخْرَجُ مِنَ التَّرِكَةِ مِقْدَارُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَيُحْكَمُ عَلَى الإِْبْرَاءِ فِي الْقَدْرِ الْبَاقِي بَعْدَ الدَّيْنِ بِالْحُكْمِ عَلَى الإِْبْرَاءِ حَيْثُ لاَ يَكُونُ الْمَرِيضُ مَدِينًا أَصْلاً (1) .

سَادِسًا - الْخُلْعُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
25 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُخَالَعَةَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ صَحِيحَةٌ وَنَافِذَةٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَرِيضُ الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ أَوْ كِلَيْهِمَا (2) .
غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ مِنْ بَدَل الْخُلْعِ إِذَا وَقَعَتِ الْمُخَالَعَةُ فِي الْمَرَضِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ
__________
(1) قرة عيون الأخيار 2 / 131، والعقود الدرية 2 / 50، 58 والمادة (567) من الأحكام الشرعية والمادة (1571) من المجلة العدلية والمادة (941) من مرشد الحيران.
(2) المغني 8 / 228، والأم 5 / 182.

الْوَاقِعَةِ، مَعَ تَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الزَّوْجُ الْمُخَالَعُ هُوَ الْمَرِيضُ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ الْمُخَالِعَةُ هِيَ الْمَرِيضَةَ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (خُلْعٌ ف 18 - 19) .

سَابِعًا - الإِْقْرَارُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
26 - إِقْرَارُ الْمَرِيضِ مَرَضَ مَوْتٍ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ مَقْبُولٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا إِقْرَارُهُ بِدَيْنٍ لأَِجْنَبِيٍّ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ كُل مَالِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ أَقَرَّ بِهَا فِي حَال صِحَّتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا إِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثٍ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلاَّ أَنْ يُصَدِّقَهُ الْوَرَثَةُ أَوْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي إِقْرَارِهِ، كَأَنْ يُقِرَّ لِوَارِثٍ قَرِيبٍ مَعَ وُجُودِ الأَْبْعَدِ أَوِ الْمُسَاوِي لَمْ يُقْبَل.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 24، 25) .
27 - وَأَمَّا الإِْقْرَارُ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنٍ وَجَبَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، لاَ يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِقْرَارًا بِاسْتِيفَاءِ دَيْنٍ

وَجَبَ لَهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِقْرَارًا بِاسْتِيفَاءِ دَيْنٍ وَجَبَ لَهُ عَلَى وَارِثٍ:
أ - فَإِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنٍ وَجَبَ لَهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الْمُقَرُّ بِاسْتِيفَائِهِ وَجَبَ لَهُ فِي حَال الصِّحَّةِ أَوْ فِي حَال الْمَرَضِ.
فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِاسْتِيفَائِهِ قَدْ وَجَبَ لَهُ فِي حَال الصِّحَّةِ (1) ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ، وَيُصَدَّقُ فِيهِ، وَيَبْرَأُ الْغَرِيمُ مِنَ الدَّيْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ الْوَاجِبُ فِي حَال الصِّحَّةِ بَدَلاً عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَبَدَل الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، أَوْ كَانَ بَدَلاً عَمَّا هُوَ مَالٌ، نَحْوُ بَدَل الْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنُ صِحَّةٍ أَمْ لَمْ يَكُنْ (2) .
__________
(1) أي علم وجوبه في حال الصحة بالبينة، أما إذا لم يعلم ذلك إلا بقول المريض وحده، أو بقوله وقول من داين معه، بأن قال المريض لرجل بعينه: قد كنت بعتك هذا العبد في صحتي بكذا، وأنت قبضت العبد، وأنا استوفيت الثمن، وصدقه في ذلك المشتري، ولا يعرف ذلك إلا بقول وجامع الفصولين 2 / 185، وشرح المجلة للأتاسي 4 / 675، 682) .
(2) بدائع الصنائع 7 / 226، والفتاوى الهندية 4 / 179، ورد المحتار 4 / 640.

أَمَّا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِاسْتِيفَائِهِ قَدْ وَجَبَ لَهُ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا وَجَبَ لَهُ بَدَلاً عَمَّا هُوَ مَالٌ لِلْمَرِيضِ وَبَيْنَ مَا إِذَا وَجَبَ لَهُ بَدَلاً عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ لِلْمَرِيضِ:
فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ الْمُقَرُّ بِاسْتِيفَائِهِ قَدْ وَجَبَ لِلْمَرِيضِ بَدَلاً عَمَّا هُوَ مَالٌ لَهُ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَبَدَل الْقَرْضِ، فَلاَ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ، وَيُجْعَل ذَلِكَ مِنْهُ إِقْرَارًا بِالدَّيْنِ، لأَِنَّهُ لَمَّا مَرِضَ فَقَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِالْمُبْدَل، لأَِنَّهُ مَالٌ، فَكَانَ الْبَيْعُ وَالْقَرْضُ إِبْطَالاً لِحَقِّهِمْ عَنِ الْمُبْدَل، إِلاَّ أَنْ يَصِل الْبَدَل إِلَيْهِمْ، فَيَكُونَ مُبْدَلاً مَعْنًى لِقِيَامِ الْبَدَل مَقَامَهُ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالاِسْتِيفَاءِ فَلاَ وُصُول لِلْبَدَل إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ بِالاِسْتِيفَاءِ فِي حَقِّهِمْ، فَبَقِيَ إِقْرَارًا بِالدَّيْنِ، حَيْثُ إِنَّ الإِْقْرَارَ بِالاِسْتِيفَاءِ إِقْرَارٌ بِالدَّيْنِ، لأَِنَّ كُل مَنِ اسْتَوْفَى دَيْنًا مِنْ غَيْرِهِ، يَصِيرُ الْمُسْتَوْفَى دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَوْفِي، ثُمَّ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ، فَكَانَ الإِْقْرَارُ بِالاِسْتِيفَاءِ إِقْرَارًا بِالدَّيْنِ، وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِالدَّيْنِ وَعَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ لاَ يَصِحُّ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ وَلاَ يَنْفُذُ (1) .
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 227، ورد المحتار 4 / 640، والفتاوى الهندية 4 / 179، وشرح المجلة للأتاسي 4 / 682، وانظر م 1603 من مجلة الأحكام العدلية.

وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا، مَا لَوْ أَتْلَفَ شَخْصٌ لِلْمَرِيضِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ، فَأَقَرَّ الْمَرِيضُ بِقَبْضِ الْقِيمَةِ مِنْهُ، فَلاَ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ، لأَِنَّ الْحَقَّ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْمُبْدَل فَيَتَعَلَّقُ بِالْبَدَل (1) .
أَمَّا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ الْمُقَرُّ بِاسْتِيفَائِهِ قَدْ وَجَبَ لِلْمَرِيضِ فِي حَالَةِ مَرَضِهِ بَدَلاً عَمَّا هُوَ لَيْسَ بِمَالٍ لَهُ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ بَدَل الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، فَيَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِالاِسْتِيفَاءِ، وَيَبْرَأُ الْغَرِيمُ مِنَ الدَّيْنِ، لأَِنَّ هَذَا الإِْقْرَارَ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ لَيْسَ فِيهِ مِسَاسٌ بِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، لأَِنَّ حَقَّهُمْ لاَ يَتَعَلَّقُ فِي الْمَرَضِ بِالْمُبْدَل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ - وَهُوَ النَّفْسُ - لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَمِل التَّعَلُّقَ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِبَدَلِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُمْ بِهِ، فَلاَ يَكُونُ فِي الإِْقْرَارِ بِاسْتِيفَاءِ هَذَا الدَّيْنِ إِبْطَالٌ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، فَيَنْفُذُ مُطْلَقًا (2) .

ب - أَمَّا إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنٍ وَجَبَ لَهُ عَلَى وَارِثٍ فَلاَ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ، سَوَاءٌ وَجَبَ بَدَلاً عَمَّا هُوَ مَالٌ، أَوْ بَدَلاً عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ، لأَِنَّهُ إِقْرَارٌ بِالدَّيْنِ، لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 227.
(2) بدائع الصنائع 7 / 227، وجامع الفصولين 2 / 184، ورد المحتار 4 / 640، والفتاوى الهندية 4 / 179، وشرح المجلة للأتاسي 4 / 680.

الْمُسْتَوْفَى دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَوْفِي، فَكَانَ إِقْرَارُهُ بِالاِسْتِيفَاءِ إِقْرَارًا بِالدَّيْنِ، وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِالدَّيْنِ لِوَارِثِهِ بَاطِلٌ إِنْ لَمْ يُجِزْهُ بَاقِي الْوَرَثَةِ (1) .
جَاءَ فِي كَشْفِ الأَْسْرَارِ: لاَ يَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْوَارِثِ مِنْهُ، وَإِنْ لَزِمَ الْوَارِثَ الدَّيْنُ فِي حَال صِحَّةِ الْمُقِرِّ، لأَِنَّ هَذَا إِيصَاءٌ لَهُ بِمَالِيَّةِ الدَّيْنِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَإِنَّهَا تُسَلَّمُ لَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ (2) .
وَمِثْل ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ مَا لَوْ كَانَ وَارِثُهُ كَفِيلاً عَنْ أَجْنَبِيٍّ، لِلْمَرِيضِ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ كَانَ الأَْجْنَبِيُّ كَفِيلاً عَنْ وَارِثِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلاَ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِاسْتِيفَائِهِ، لِتَضَمُّنِهِ بَرَاءَةَ ذِمَّةِ الْوَارِثِ عَنِ الدَّيْنِ أَوْ عَنِ الْكَفَالَةِ (3) .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا، أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَقَرَّتْ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا أَنَّهَا اسْتَوْفَتْ مَهْرَهَا مِنْ زَوْجِهَا، وَلاَ يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلاَّ بِقَوْلِهَا - وَعَلَيْهَا دَيْنُ الصِّحَّةِ - ثُمَّ مَاتَتْ وَهِيَ فِي عِصْمَةِ زَوْجِهَا وَلاَ مَال لَهَا غَيْرُ الْمَهْرِ، لاَ يَصِحُّ إِقْرَارُهَا، وَيُؤْمَرُ
__________
(1) رد المحتار 4 / 640، والمبسوط 18 / 81 وما بعدها، وبدائع الصنائع 7 / 227.
(2) كشف الأسرار على أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري 4 / 1430.
(3) المرجع السابق 4 / 1430، والمبسوط 18 / 81، وشرح المجلة للأتاسي 4 / 682.

الزَّوْجُ بِرَدِّ الْمَهْرِ إِلَى الْغُرَمَاءِ، فَيَكُونُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ، لأَِنَّ الزَّوْجَ وَارِثٌ لَهَا، وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنٍ وَجَبَ لَهُ عَلَى وَارِثِهِ لاَ يَصِحُّ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِاسْتِيفَاءِ مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ الدَّيْنِ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ، صَحَّ إِقْرَارُهُ إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي هَذَا الإِْقْرَارِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ الدَّيْنِ عَلَى الْوَارِثِ، لَمْ يَصِحَّ إِقْرَارُهُ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا فِيهِ، فَمَدَارُ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَوْ عَدَمِهَا فِي الْحَالَتَيْنِ عَلَى انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ أَوْ ثُبُوتِهَا (2) ، قَال زَرُّوقٌ: وَلاَ يَجُوزُ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ بِدَيْنِ أَوْ بِقَبْضِهِ، يَعْنِي لأَِنَّ حُكْمَ الْوَاقِعِ فِي الْمَرَضِ كُلِّهِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ، وَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَمَدَارُ هَذِهِ الْمَسَائِل عَلَى انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَثُبُوتِهَا، فَحَيْثُ يُتَّهَمُ بِمُحَابَاةٍ يُمْنَعُ وَلاَ يَصِحُّ، وَحَيْثُ لاَ فَيَجُوزُ وَيَصِحُّ (3) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ إِذَا كَانَ غَرِيمُهُ أَجْنَبِيًّا لاَ وَارِثًا (4) .
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 227.
(2) المدونة 4 / 110، وكفاية الطالب الرباني 2 / 342.
(3) شرح زروق على الرسالة 2 / 315 (المطبعة الجمالية بمصر 1330 هـ) .
(4) منتهى الإرادات 2 / 685.

الإِْقْرَارُ بِالْوَقْفِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
28 - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ وَقَفَ أَرْضًا أَوْ دَارًا فِي يَدِهِ فِي صِحَّتِهِ، نَفَذَ إِقْرَارُهُ مِنْ كُل مَالِهِ إِذَا عَيَّنَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِمْ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُعَيِّنْهُمْ، نَفَذَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ وَلَمْ يُجِيزُوا الإِْقْرَارَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ، أَوْ كَانَ لَهُ وَأَجَازُوهُ نَفَذَ مِنَ الْكُل أَيْضًا (1) .
وَإِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِأَنَّ الأَْرْضَ الَّتِي فِي يَدِهِ وَقَفَهَا رَجُلٌ مَالِكٌ لَهَا عَلَى مُعَيَّنٍ، كَانَتْ وَقْفًا مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ عَلَى مُعَيَّنٍ، كَانَتْ وَقْفًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ (2) .
وَإِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِأَرْضٍ فِي يَدِهِ أَنَّ رَجُلاً مَالِكًا لَهَا جَعَلَهَا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ لِلْفُقَرَاءِ، فَلاَ تَكُونُ وَقْفًا عَلَيْهِ وَلاَ عَلَى وَلَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُنَازِعٌ أَصْلاً، بَل تَكُونُ لِلْمَسَاكِينِ، لأَِنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِمِلْكِيَّتِهَا لِغَيْرِهِ، وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ جَعَلَهَا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، وَالأَْصْل فِي الصَّدَقَةِ أَنْ تَكُونَ لِلْمَسَاكِينِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهَا وَقْفٌ عَلَيْهِمْ مَعْنًى، فَلاَ يُقْبَل مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَاهُ أَنَّهَا لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، لأَِنَّهُ رُجُوعٌ عَنِ الإِْقْرَارِ الأَْوَّل (3) .
__________
(1) انظر م550، 552، من قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف لمحمد قدري باشا (الطبعة الثالثة بالمطبعة الأميرية ببولاق سنة 1320 هـ) .
(2) انظر م551 من قانون العدل والإنصاف.
(3) انظر م553 من قانون العدل والإنصاف لمحمد قدري باشا.

الإِْقْرَارُ بِالطَّلاَقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ
29 - إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُول بِهَا فِي صِحَّتِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُ بِطَلاَقِ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ.
فَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ طَلاَقًا رَجْعِيًّا، فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلاَقُ سَاعَةَ تَكَلَّمَ، وَتَبْدَأُ عِدَّتُهَا، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْل انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مِنْ يَوْمِ الإِْقْرَارِ وَرِثَهُ الآْخَرُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ طَلاَقًا بَائِنًا (1) .
أَمَّا إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ ثَلاَثًا أَوْ بَائِنًا، فَقَدْ فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَيْنَ مَا إِذَا صَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ، وَبَيْنَ مَا إِذَا أَنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ صَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ فَلاَ تَرِثُهُ، لأَِنَّ مَا تَصَادَقَا عَلَيْهِ صَارَ كَالْمُعَايَنِ أَوْ كَالثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّهِمَا، وَلأَِنَّ الْحَقَّ فِي الْمِيرَاثِ لَهَا، وَقَدْ أَقَرَّتْ بِمَا يُسْقِطُ حَقَّهَا (2) .
أَمَّا إِذَا أَنْكَرَتِ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ، فَتَبْتَدِئُ عِدَّةُ الطَّلاَقِ مِنْ وَقْتِ الإِْقْرَارِ، وَتَرِثُهُ إِذَا اسْتَمَرَّتْ أَهْلِيَّتُهَا لِلإِْرْثِ مِنْ وَقْتِ الإِْقْرَارِ إِلَى وَقْتِ
__________
(1) المدونة 2 / 132، والدردير وحاشية الدسوقي عليه 2 / 354، وشرح الخرشي 4 / 18، والمغني 7 / 233 (مطبوع مع الشرح الكبير) .
(2) رد المحتار 2 / 718، والمبسوط 6 / 165، والفتاوى الهندية 1 / 464، ومجمع الأنهر 1 / 430.

مَوْتِهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ فِي عِدَّتِهَا (1) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ الطَّلاَقُ بِإِقْرَارِهِ سَاعَةَ تَكَلَّمَ، وَتَسْتَقْبِل عِدَّةَ الطَّلاَقِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلاَ تَرِثُهُ بِحَالٍ (2) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُول بِهَا طَلاَقًا بَائِنًا، فَإِمَّا أَنْ تَشْهَدَ لَهُ عَلَى إِقْرَارِهِ بَيِّنَةٌ، وَإِمَّا أَلاَّ تَشْهَدَ لَهُ عَلَى إِقْرَارِهِ بَيِّنَةٌ:
فَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ، فَيُعْمَل بِهِ، وَتَكُونُ الْعِدَّةُ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي أَرَّخَتْهُ الْبَيِّنَةُ، وَلاَ إِرْثَ بَيْنَهُمَا.
أَمَّا إِذَا لَمْ تَشْهَدْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ، فَيُعْتَبَرُ هَذَا الإِْقْرَارُ بِمَنْزِلَةِ إِنْشَائِهِ الطَّلاَقَ فِي الْمَرَضِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِإِسْنَادِهِ لِزَمَنِ صِحَّتِهِ، فَتَرِثُهُ زَوْجَتُهُ إِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ أَزْوَاجًا، وَلاَ يَرِثُهَا هُوَ، وَتَبْتَدِئُ عِدَّتَهَا مِنْ يَوْمِ الإِْقْرَارِ، لاَ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي أُسْنِدَ إِلَيْهِ الطَّلاَقُ (3) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُقْبَل إِقْرَارُ الْمَرِيضِ بِأَنَّهُ أَبَانَ امْرَأَتَهُ فِي صِحَّتِهِ، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ سَاعَةَ تَكَلَّمَ، وَتَرِثُهُ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ (4) .
__________
(1) رد المحتار 2 / 718، ومجمع الأنهر 1 / 430، والمبسوط 6 / 165، والفتاوى الهندية 1 / 464.
(2) الأم 5 / 237.
(3) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه 2 / 354.
(4) المغني لابن قدامة 7 / 223.

ثَامِنًا - قَضَاءُ الْمَرِيضِ دُيُونَ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ
30 - إِذَا قَضَى الْمَرِيضُ دُيُونَ بَعْضِ غُرَمَائِهِ فَإِنْ كَانَتِ التَّرِكَةُ تَفِي بِكُل دُيُونِ الْمَرِيضِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَفَاذِ قَضَائِهِ هَذَا، وَلاَ حَقَّ لِبَقِيَّةِ الدَّائِنِينَ فِي الاِعْتِرَاضِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يُؤَثِّرْ بِهَذَا الْعَمَل عَلَى حَقِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الدُّيُونُ مُخْتَلِفَةً فِي الْقُوَّةِ أَوْ مُتَسَاوِيَةً فِيهَا (1) .
أَمَّا إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ لاَ تَفِي بِجَمِيعِ الدُّيُونِ، وَقَضَى الْمَرِيضُ بَعْضَ دَائِنِيهِ:
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَلِبَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ أَنْ يُزَاحِمُوا مَنْ قَضَاهُمُ الْمَرِيضُ بِنِسْبَةِ دُيُونِهِمْ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِقَضَاءِ بَعْضِ الدُّيُونِ دُونَ بَعْضٍ، فَلاَ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ، فَكَذَا إِذَا قَضَاهَا (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ: يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِمَنْ قَضَى مِنْ دَائِنِيهِ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ مِنَ الدَّائِنِينَ الْبَاقِينَ حَقُّ الاِعْتِرَاضِ عَلَيْهِ أَوْ مُشَارَكَةُ مَنْ قَبَضَ مِنَ الدَّائِنِينَ فِيمَا قَبَضَ، لأَِنَّ الْمَرِيضَ قَدْ أَدَّى وَاجِبًا عَلَيْهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ فَأَدَّى ثَمَنَهُ، أَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ كَذَلِكَ وَسَلَّمَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ إِيفَاءَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ قَضَاءٌ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ، وَقَدْ صَحَّ عَقِيبَ الْبَيْعِ، فَكَذَلِكَ إِذَا
__________
(1) نهاية المحتاج 4 / 342، المدونة 4 / 108، والإقناع 3 / 42، والمغني 6 / 504.
(2) المدونة 4 / 108، ونهاية المحتاج 4 / 342.

تَرَاخَى عَنْهُ، إِذْ لاَ أَثَرَ لِتَرَاخِيهِ (1)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الدُّيُونُ مُخْتَلِفَةً فِي الْقُوَّةِ، وَقَضَى الْمَرِيضُ مِنْهَا الدَّيْنَ الْقَوِيَّ، وَهُوَ دَيْنُ الصِّحَّةِ، فَلاَ حَقَّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ الضَّعِيفِ فِي الْمُعَارَضَةِ، لأَِنَّ حَقَّهُ مُؤَخَّرٌ، أَمَّا إِذَا قَضَى مِنْهَا الدَّيْنَ الضَّعِيفَ، وَهُوَ دَيْنُ الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ الْقَوِيِّ حَقُّ مُعَارَضَتِهِ، لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ.
31 - أَمَّا إِذَا كَانَتِ الدُّيُونُ مُتَسَاوِيَةً فِي الْقُوَّةِ، بِأَنْ كَانَتْ كُلُّهَا دُيُونَ صِحَّةٍ، أَوْ كَانَتْ كُلُّهَا دُيُونَ مَرَضٍ، وَقَضَى الْمَرِيضُ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ دُيُونَهُمْ، ثَبَتَ لِلْبَاقِينَ حَقُّ الاِعْتِرَاضِ عَلَى تَفْضِيلِهِ بَعْضَهُمْ عَلَى الْبَعْضِ الآْخَرِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْجَمِيعِ بِمَالِهِ عَلَى السَّوَاءِ، وَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يُشَارِكُوهُمْ فِيمَا قَبَضُوهُ مِنَ الْمَرِيضِ، كُلٌّ بِنِسْبَةِ دَيْنِهِ، وَلاَ يَخْتَصُّ الآْخِذُ بِمَا أَخَذَ (2) ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ مَهْرًا أَوْ أُجْرَةَ شَيْءٍ اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهُ، لأَِنَّ مَا حَصَل لِلْمَرِيضِ مِنْ مَنْفَعَةِ النِّكَاحِ وَسُكْنَى الدَّارِ لاَ يَحْتَمِل تَعَلُّقَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ، وَلاَ يَصْلُحُ لِقَضَاءِ حُقُوقِهِمْ، فَصَارَ وُجُودُ هَذَا الْعِوَضِ وَعَدَمُهُ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَانَ إِبْطَالاً لِحَقِّهِمْ، وَلَيْسَتْ
__________
(1) نهاية المحتاج 4 / 342، والإقناع للحجاوي 3 / 42.
(2) بدائع الصنائع 7 / 226، وتكملة فتح القدير 7 / 6 وما بعدها، والمبسوط 18 / 28، والفتاوى البزازية 5 / 457.

لَهُ وِلاَيَةُ الإِْبْطَال (1) .
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ:
الأُْولَى: إِذَا أَدَّى بَدَل مَا اسْتَقْرَضَهُ فِي مَرَضِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا دَفَعَ ثَمَنَ مَا اشْتَرَاهُ فِي مَرَضِهِ بِمِثْل الْقِيمَةِ (2) ، إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ كُلٍّ مِنَ الْقَرْضِ وَالشِّرَاءِ بِالْبَيِّنَةِ (3) .
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الدُّيُونِ إِذَا قَضَاهُ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ، نَفَذَ قَضَاؤُهُ وَلَيْسَ لِبَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ أَنْ يُشَارِكُوهُ فِيهِ، لأَِنَّ الْمَرِيضَ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمُقْرِضِ وَالْبَائِعِ بِثَمَنِ الْمِثْل لَمْ يُبْطِل حَقَّ الْغُرَمَاءِ الْبَاقِينَ، لأَِنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِمَالِيَّةِ التَّرِكَةِ لاَ بِأَعْبَائِهَا، وَهَذَا لاَ يُعَدُّ تَفْوِيتًا لِحَقِّهِمْ، إِذْ حَصَل لَهُ مِثْل مَا دَفَعَ، فَكَانَ نَقْلاً لِحَقِّهِمْ مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةُ النَّقْل (4) .

المبحث الثالث حد المرض الذي يبيح الفطر

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الأول: المرض اليسير
من مرض مرضاً لا يؤثر فيه الصوم ولا يتأذى به، مثل الزكام أو الصداع اليسيرين، أو وجع الضرس، وما أشبه ذلك، فلا يحل له أن يفطر، ذهب إلى ذلك عامة أهل العلم، ومنهم المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)؛ وذلك لأن المريض إذا لم يتأذَّ بالصوم كان كالصحيح فيلزمه الصيام؛ ولأن المرض لما كان منه ما يضر ومنه ما لا يضر، اُعتُبِرَت حكمته وهي ما يُخاف منه الضرر.
¬_________
(¬1) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 97)، ((مجمع الأنهر لشيخي زاده)) (1/ 366).
(¬2) ((الفواكه الدواني للنفراوي)) (2/ 718).
(¬3) قال النووي: (وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا) ((المجموع)) (6/ 258).
(¬4) ((الفروع لابن مفلح)) (4/ 437)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 310).

المطلب الأول المرض اليسير

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الأول: المرض اليسير
من مرض مرضاً لا يؤثر فيه الصوم ولا يتأذى به، مثل الزكام أو الصداع اليسيرين، أو وجع الضرس، وما أشبه ذلك، فلا يحل له أن يفطر، ذهب إلى ذلك عامة أهل العلم، ومنهم المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، والحنابلة (¬4)؛ وذلك لأن المريض إذا لم يتأذَّ بالصوم كان كالصحيح فيلزمه الصيام؛ ولأن المرض لما كان منه ما يضر ومنه ما لا يضر، اُعتُبِرَت حكمته وهي ما يُخاف منه الضرر.
¬_________
(¬1) ((بدائع الصنائع للكاساني)) (2/ 97)، ((مجمع الأنهر لشيخي زاده)) (1/ 366).
(¬2) ((الفواكه الدواني للنفراوي)) (2/ 718).
(¬3) قال النووي: (وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا) ((المجموع)) (6/ 258).
(¬4) ((الفروع لابن مفلح)) (4/ 437)، ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 310).

المطلب الثاني المرض الذي يضر الصائم ويخاف معه الهلاك

الموسوعة الفقهية - الدرر السنية

المطلب الثاني: المرض الذي يضر الصائم ويَخاف معه الهلاك
إذا كان المرض يضر بالصائم، وخشي الهلاك بسببه، فالفطر عليه واجب، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية (¬1)، والمالكية (¬2)، والشافعية (¬3)، وجزم به جماعةٌ من الحنابلة (¬4).
الأدلة:
1 - قوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29]
وجه الدلالة:
أنَّ النهي هنا يشمل ما فيه إزهاقٌ للنفس، وما فيه ضرر؛ بدليل احتجاج عمرو بن العاص رضي الله عنه بهذه الآية على تركه الاغتسال في شدة البرد لمَّا أجنب؛ وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له.
2 - قوله تعالى: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195]
¬_________
(¬1) قال ابن نجيم: ( .. إذا خاف الهلاك فالإفطار واجب) ((البحر الرائق)) (2/ 303).
(¬2) ((الفواكه الدواني للنفراوي)) (2/ 718).
(¬3) ((المجموع للنووي)) (6/ 257)، ((مغني المحتاج للخطيب الشربيني)) (1/ 437).
(¬4) ((كشاف القناع للبهوتي)) (2/ 310).
هذه من عبارات ابن حبان رحمه الله ، وربما وردت في كلام غيره من النقاد ، وكنت أظن أن ابن حبان يريد بها تساهل الناقد في نقد الراوي وإلانة القول فيه ، ولكن تبين لي بعدُ أنه لا يمكن القطع بصحة هذا التفسير ، بل الأقرب أن يكون مراده هو عدم تحقيق الحكم على الراوي ، ومخالفة القول الأصح فيه ، سواء كان ذلك بتساهل أو اعتدال أو تشدد؛ فمعنى هذه العبارة يقربُ ولو أحياناً من معنى العبارة التالية لها ، وهي (مرَّضَ في أمره)؛ وهذه بعض استعمالات ابن حبان لكلمة (مرَّض القولَ فيه):
قال في (الثقات) (6/131-132) (1) في ترجمة (جعفر بن محمد بن علي بن الحسين): (يروي عن أبيه ، وكان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلاً ----؛ وإنما مرَّض القولَ فيه من مرَّض من أئمتنا لما رأوا في حديثه من رواية أولاده(2) ؛ وقد اعتبرت حديثه من [حديث] الثقات عنه ---- فرأيت أحاديث مستقيمة ليس فيها شيء يخالف حديث الأثبات ، ورأيت في رواية ولده عنه أشياء ليست من حديثه ولا من حديث أبيه ولا من حديث جده ؛ ومن المحال أن يلزق به ما جنت يدا غيره).
وقال في (المجروحين) (2/57) في عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل: (وكان ممن يخطئ ويَهِمُ كثيراً ، على صِدْقٍ فيه ؛ والذي أميل إليه فيه ترْكُ ما خالف الثقات من الأخبار والاحتجاج بما وافق الثقات من الآثار ؛ وقد مرَّض الشيخان القولَ فيه: أحمد ويحيى.
سمعت يعقوب بن إسحاق يقول سمعت الدارمي يقول: سألت يحيى عن عبد الرحمن بن الغسيل ، فقال: هو صويلح.
سمعت محمد بن محمود يقول سمعت علي بن سعيد يقول: سألت أحمد بن حنبل رحمه الله عن ابن الغسيل ، فقال: صالح(3)
.
وقال في (المجروحين) (2/54-55) (4): (عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي---- ، كان ممن يقلب الأخبار والأسانيد وينفرد بالمناكير عن المشاهير لا يحل الاحتجاج بخبره ؛ مرَّض القولَ فيه يحيى بن معين ؛ سمعت محمد بن محمود بن عدي يقول: سمعت علي بن سعيد بن جرير يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي روى عنه الكوفيون ، ليس في الحديث بذاك).
قلت: إنما قال فيه ابن معين بحسب رواية الدوري: (ضعيف ليس بشيء)؛ وقال فيه ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (5/213) (5): (نا محمد بن حمويه بن الحسن قال: سمعت أبا طالب قال: سألت أحمد بن حنبل عن أبي شيبة الواسطي عبد الرحمن بن إسحاق فقال: ليس بشيء منكر الحديث.
قرئ على العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي ضعيف ليس بشيء.
سألت أبي عن أبي شيبة عبد الرحمن بن إسحاق فقال: هو ضعيف الحديث منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به.
سئل أبو زرعة عن عبد الرحمن بن إسحاق الذي يروى عنه بن أبي زائدة وأبو معاوية فقال: ليس بقوي)
.
وقال ابن حبان في (المجروحين) (1/103) (6) في (إبراهيم بن علي الرافعي): (كان يخطىء حتى خرج عن حد من يحتج به إذا انفرد ؛ مرَّض يحيى بن معين القولَ فيه).
قال المزي في ترجمة إبراهيم هذا من (تهذيب الكمال) (2/156): (قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: إبراهيم بن علي الرافعي من هو ؟ قال: شيخ مات بالقرب ، كان هاهنا ، ليس به بأس ، قلت يقول: حدثني عمي أيوب بن حسن ، كيف هو؟ قال: ليس به بأس؛ وقال البخاري: فيه نظر ؛ وقال الدارقطني: ضعيف ؛ وقال أبو أحمد بن عدي: هو وسط ؛ وقال أبو حاتم بن حبان: كان يخطىء حتى خرج من حد من يُحتج به إذا انفرد ؛ روى له ابن ماجة).
وقال ابن حبان في (المجروحين) أيضاً (1/374): (صدقة بن عبد الله السمين كنيته أبو معاوية ، القرشي ، من أهل دمشق ، يروي عن ابن المنكدر وأهل بلده ؛ روى عنه الوليد بن مسلم وأهل الشام ؛ كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات ، لا يُشتغل بروايته إلا عند التعجب----.
سمعت محمد بن محمود يقول سمعت الدارمي يقول: سألت يحيى بن معين عن صدقة بن عبد الله السمين فقال: ضعيف )
.
ثم قال: مرَّض أبو زكريا القول في صدقة حيث لم يسبر مناكير حديثه ، وهو يروي عن محمد بن المنكدر عن جابر بنسخة موضوعة يشهد لها بالوضع من كان مبتدئاً في هذه الصناعة فكيف المتبحر فيها؟!).
__________
(1) أي من المناكير.
(2) في المطبوعة (صلح).
يقال: مرَّض الكاتب على هذه الكلمة ، أي كتب عليها علامة التمريض ؛ وانظر (التضبيب).
يظهر أن معنى (مرَّض في أمره) إما التليين ونحوه من التضعيف غير الشديد ، أو التوقف عن التوثيق؛ قال عبدالله بن أحمد في (العلل ومعرفة الرجال) (1): (سألت أبي عن ثابت بن عجلان، فقال: كان يكون بالباب والأبواب ، قلت له: هو ثقة ؟ فسكت ، كأنه مرَّض في أمره).
قالوا في (المعجم الوسيط): ( أمرض فلانٌ: صار ذا مرض، والقومُ: مرضتْ دوابّهم ، وفلانٌ: قارب الصوابَ في الرأي وإن لم يصب كل الصواب.
و[أمرَضَ] فلاناً: وجده أو جعله مريضاً ----.
مارضت رأيي فيك: خادعت نفسي فيك.
مرَّض في الأمر: قصَّر فيه ولم يُحكمه ؛ يقال: مرض في حاجتي: نقصت حركته فيها ، و[مرَّض] في كلامه: ضعَّفه )
.

1 - المرض وأحكامه

موسوعة الفقه الإسلامي

1 - المرض وأحكامه
- المرض: هو حصول علة في البدن.
- أحوال الإنسان:
خلق الله الإنسان وابتلاه بأحوال مختلفة:
من الصحة والمرض، والقوة والضعف، والغنى والفقر، والأمن والخوف، والفرح والحزن، والإيمان والكفر، والحياة والموت وهكذا.
وجعل سبحانه لكل حالة أحكاماً تخصها في الدنيا، ثم يستقر الإنسان بعد الموت والبعث حسب عمله في الجنة أو النار.
قال الله تعالى: {{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)}} [الأنبياء:35].
- ما يجب على المريض:
يجب على المريض حال مرضه ما يلي:
1 - أن يصبر على أقدار الله، وأن يحسن ظنه بربه، وإن جمع بين الرضا والصبر فهو أفضل.
1 - عَنْ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ». أخرجه مسلم (¬1).
2 - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم برقم (2999).

مرض الموفق (أخو الخليفة المعتمد على الله) بالنقرس ووفاته.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مرض الموفق (أخو الخليفة المعتمد على الله) بالنقرس ووفاته.
278 صفر - 891 م
كان قد مرض في بلاد الجبل، فانصرف وقد اشتد به وجع النقرس، فلم يقدر على الركوب، فعمل على سرير عليه قبة، فكان يقعد عليه، وخادم له يبرد رجله بالأشياء الباردة، حتى إنه يضع عليها الثلج، ثم صارت علة برجله، داء الفيل، وهو ورم عظيم يكون في الساق، يسيل منه ماء، ثم بقي في داره مريضا عدة أيام كذلك حتى توفي وكان الموفق عادلا حسن السيرة، يجلس للمظالم وعنده القضاة وغيرهم، فينتصف الناس بعضهم من بعض، وكان عالماً بالأدب، والنسب، والفقه، وسياسة الملك، وغير ذلك، لما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد المفوض ابن المعتمد، ولقب المعتضد بالله.

مرض المعز البويهي وبناؤه دارا عظيمة في بغداد.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

مرض المعز البويهي وبناؤه دارا عظيمة في بغداد.
350 محرم - 961 م
مرض معز الدولة بن بويه بانحصار البول فقلق من ذلك وجمع بين صاحبه سبكتكين ووزيره المهلبي، وأصلح بينهما ووصاهما بولده بختيار خيرا، ثم عوفي من ذلك فعزم على الرحيل إلى الأهواز لاعتقاده أن ما أصابه من هذه العلة بسبب هواء بغداد ومائها، فأشاروا عليه بالمقام بها، وأن يبني بها دارا في أعلاها حيث الهواء أرق والماء أصفى، فبنى له دارا غرم عليه ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج لذلك أن يصادر بعض أصحابه، ويقال أنفق عليها ألفي ألف دينار ومات وهو يبني فيها ولم يسكنها، وقد خرب أشياء كثيرة من معالم الخلفاء ببغداد في بنائها، وكان مما خرب المعشوق من سر من رأى، وقلع الأبواب الحديد التي على مدينة المنصور والرصافة وقصورها، وحولها إلى داره هذه، التي لم يفرح بها لهلاكه قبل تمامها.

وباء ومرض بالمدينة المنورة.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وباء ومرض بالمدينة المنورة.
735 - 1334 م
وقع بالمدينة النبوية وباء، فكان يموت في كل يوم خمسة عشر بمرض الخوانيق، ولم يعهد مثل هذا بالمدينة الشريفة.

وقوع وباء ومرض عظيم بمدينة زبيد باليمن.

الموسوعة التاريخية - الدرر السنية

وقوع وباء ومرض عظيم بمدينة زبيد باليمن.
906 رجب - 1501 م
حصل بمدينة زبيد مرض عظيم ومات بسببه خلائق لا يحصون وكثر الوباء واستمر الدعاء لذلك في الصلاة والخطب ودام ذلك إلى شهر ذي القعدة واشتد في آخر شعبان ورمضان فبلغ الموتى فيه بزبيد في كل يوم فوق ستين نفسا، وكان غالبه في النساء والأطفال وانتقل إلى بوادي زبيد وحيس وموزع وغيرها.

-باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

يَدَيَّ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يُقْذَفُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي، وَأُحِلَّتْ لَنَا الْغَنَائِمُ ". إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَسَيَّارٌ صَدُوقٌ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
فُضِّلْتُ عَلَى النَّاسِ بِأَرْبَعٍ: بِالشَّجَاعَةِ، وَالسَّمَاحَةِ، وَكَثْرَةِ الْجِمَاعِ، وَشِدَّةِ الْبَطْشِ ".

-بَابُ.
مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أنبهني رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: "
يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ هَذَا الْبَقِيعِ "، فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا الْبَقِيعَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: " لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ فِيهِ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ آخِرَهَا أَوَّلُهَا، لَلْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى، يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدِ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةِ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي وَالْجَنَّةِ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَخُذْ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدِ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: " وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ "، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ابْتُدِئَ بِوَجَعِهِ الَّذِي قَبَضَهُ اللَّهُ فِيهِ.
رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَعُبَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَوْلَى الحكم بن أبي العاص.
وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَبْقَى حَتَّى أَرَى مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِي وَبَيْنَ التَّعْجِيلِ، فَاخْتَرْتُ

شفاء المرض فيمن يسمى بعوض

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون

شفاء المرض، فيمن يسمى بعوض
لشرف الدين: عوض بن نصر المصري، الحنفي.
المتوفى: سنة 747، سبع وأربعين وسبعمائة.
كتاب: المرض، والكفارات
في الحديث.
لابن أبي الدنيا.
المرض الإلهي
لبقراط.
ذكر جالينوس، في (شرح تقدمة المعرفة) ، من هذا الكتاب:
أنه يرد فيه على من ظن أن الله - سبحانه وتعالى - يكون سبب مرض من الأمراض.
المَرَضُ المَخُوفُ الذي يَتَّصِلُ بِالمَوْتِ ويَغْلِبُ فيه الهَلاكُ عادَةً، سَواءٌ وَقَعَ المَوْتُ بِسَبَبِهِ، أم بِسَبَبٍ آخَرَ خارِجِيٍّ عن المَرَضِ، كَقَتْلٍ أو غَرَقٍ أو حَرِيقٍ أو غَيْرِ ذلك.
Final illness: The illness which most probably leads to death and which is actually succeeded by death, even if the cause of death is different.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت