البخاري هذا مع أن من أرسله شعبة وسفيان، وهما جبلان، لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية.
ويلتحق بهذا ما إذا كان الذي وصله هو الذي أرسله؛ وصله في وقت وأرسله في وقت، وهكذا إذا رفع بعضهم الحديث إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ووقفه بعضهم على الصحابي أو رفعه واحد في وقت ووقفه هو أيضا في وقت آخر فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع، لأنه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه، لأنه علم ما خفي عليه، ولهذا الفصل تعلق بفصل زيادة الثقة في الحديث.
وتبعه في ذلك اللاحقون. لكن نجد فيهم من يستدرك على ابن الصلاح كما سيأتي تفصيله إن شاء الله (تعالى) .
إن مسألة تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف والرفع، كثيرا ما ترد في كتب العلل كنماذج واقعية لأخطاء الرواة الثقات أو الضعفاء غير المتروكين، وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح رحمه الله تعالى بقوله في مبحث العلة،"وكثيرًا ما يعللون الموصول بالمرسل".
كما أن هذه المسألة قائمة على زيادة الثقة بقدر كبير؛ ذلك أنه إذا كان الثقة هو الذي وصل الإسناد المرسل فإن وصله يعدّ زيادة في السند حيث رواه غيره مرسلًا، وكذلك إذا روى الحديث الموقوف مرفوعًا فيكون رفعه زيادة في السند إذ رواه غيره موقوفًا على الصحابي.
وعلى ذلك فذكر هذه المسألة في مباحث الانقطاع بين موضوعي العنعنة والتدليس ليس مبررًا لا موضوعيًا ولا منهجيًا؛ إذ إن التعارض والاختلاف بين الوصل والإرسال وكذا بين الوقف والرفع، مسألة لا صلة لها بالانقطاع؛ ولهذا أورد فضيلة الأستاذ نور الدين عتر (حفظه الله تعالى) تلك المسألة في نوع زيادة الثقة في كتابه"منهج النقد في علوم الحديث"، هذا وقد صرح الإمام ابن الصلاح بذلك حين قال:"ولهذا الفصل تعلق بـ: فصل زيادة الثقة في الحديث". وقد أقره السخاوي بقوله:"وكان الأنسب ضمه لزيادات الثقات لتعلقه كما قال ابن الصلاح به"؛ ولذلك لم يضع ابن الصلاح عنوانًا بارزًا لهذا الموضوع، بل جعله خامس فروع الانقطاع.
كما أنه لم يتعرض لمسألة تعارض الوقف والرفع إلا في آخر كلامه وعلى سبيل الاستطراد، بخلاف صنيع اللاحقين؛ فإنهم قد وضعوا له عنوان:"تعارض الوصل والإرسال والوقف والرفع"، وهنا يزداد الخلل أكثر في ترتيب الأنواع إذ لا مناسبة هنا في مباحث الانقطاع لذكر