فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 158

فمن أجل ذلك كان الصحابة من أشدِّ الناس تسابقًا إلى تطبيق التوحيد، فنبذوا الجاهلية وأحكامها، فلا يتحاكمون إلى أعراف قريش ولا إلى عاداتها بل يتحاكمون في كل أمورهم صغيرها وكبيرها إلى شرع الله وحده، إلى الإسلام فقط.

وأدرك الصحابة أنه لا يصح إيمانٌ بالله إلا بالكفر بالطاغوت، قال -تعالى-: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، فَاجتَنَبُوا عبادة الأصنام بل وقاموا بالتحذير منها وتسابقوا على هدمها وإزالتها كصنم هُبَل ومَنَاة واللات وغيرها.

ونحن عباد الله لا بُدّ علينا أن نتبرأ من الأحكام التي تعارض القرآن والسنة، فلا نقُدِّم صنم الحكم بالأعراف والتقاليد على حكم الله ورسوله، وإن فعلنا ذلك فمثلنا ومثل من يعبد الأصنام واحد، فلا إيمان إلا بتسليم الحكم كله لله.

ومن أروع الأمثلة التي توضح ما مدى التسليم الذي كان يتصف به الصحابة أنهم يوم أن نزلت الآية الأخيرة في تحريم الخمر تسابقوا إلى إخراجه من بيوتهم، وسكبوه من أوعية السِّقاء على شوارع المدينة وأَزِقَّتِهَا، ومن كان في فِيهِ سارع إلى لفظه، ومن كان في بطنه أدخل أصبعه فتقيأه.

وهكذا يوم أنزلت آية الحجاب خرجن الصحابيات وكأنهن غربان من سرعة ما ارتدين الحجاب المسدول من الرأس إلى أسفل القدم؛ استجابةً وتسليمًا لله ورسوله.

ومن المواقف الإيمانية التي سطرها الصحابة بأفعالهم موقف الصحابية الجليلة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، لقد هاجرت هذه الصحابية بصحبة زوجها مع من هاجروا إلى أرض الحبشة، إلا أن زوجها ارتدَّ وتوفي هناك، ثم تزوجها بعد ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وعندما جاء أبوها أبو سفيان -وكان آنذاك مشرك- يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - ليفاوضه في شأن نقض الصلح فلم يجده، ووجد ابنته أم حبيبة بعد فراق طال أكثر من أربعة عشر سنة، ولكن هنا يتجلى موقف الصحابية الإيماني؛ حيث أراد أبوها أن يجلس على فراش رسول الله لكنها طوته عنه، فقال:"يا بنيتي، ما أدري أرَغِبتِ بهذا الفراش عني أم رَغِبتِ بي عنه؟!"

قالت:"هذا فراش رسول الله وأنت رجل مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله"ثم خرج أبو سفيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت