فكانت هذه نموذجًا لترسيخ مفهوم الولاء والبراء، الولاء لله ورسوله والمؤمنين والموحدين والمجاهدين، والبراء من الكفار والمشركين، قال -تعالى-: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} .
والمواقف في موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين عديدة، ومنها موقف الصحابي الجليل أبي عبيدة بن الجراح الرجل الصادق مع ربه، لم يداهن عدوًا حارب الله ورسوله وعطّل شريعة الله يومًا في حياته ولو كان أقرب قريب، ولمّا كانت غزوة بدر، أول مواجهة بين معسكر الكفر بقيادة أبي جهل ومعسكر الإيمان بقيادة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأثناء المعركة وجد أبو عبيدة الجراح أباه في صفِّ الكفار، وهنا يظهر موقف أهل الإيمان، قال - تعالى-: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون} ، فتحرك أبو عبيدة بن الجراح نحو أبيه فتَصَارَعَا، فضربه أبو عبيدة بالسيف فخرَّ أبوه في الأرض صريعًا. إنه الإيمان الصادق الذي لا يُقدّم بين يدي الله ورسوله أحد.
وعمر ابن الخطاب لمّا لقي خاله العاص بن هاشم بن المغيرة في الصَّف يوم بدر أهوى عليه بسيفه حتى قتله. إنه الإيمان الذي جعلهم يسارعون في تطبيق ما أمرهم الله به في تحقيق مفهوم الولاء والبراء، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ .. } الآية.
وهكذا يجب أن تنقطع أواصر الدم والنسب إذا انقطعت صِلَة القلب والعقيدة، وتبطل ولاية القرابة والأسرة إذا بطلت ولاية القرابة من الله، فللّه الولاية الأولى والأخيرة وفيها ترتبط البشرية جميعًا، فإذا انعدمت فلا ولاية بعد ذلك والحبل مقطوع والعروة منقوضة.
وحتى نحقق مفهوم القرآن والسنة في تطبيق الولاء والبراء ويكون إيماننا كإيمان الصحابة فعلينا أن نتبرأ من كل تحاكم إلى غير شرع الله، ومن كل عمل فيه موالاة لليهود والنصارى، ونتبرأ من الديموقراطية والقوانين الوضعية والأعراف الجاهلية، ونتبرأ من علي عبدالله صالح وحكومته العلمانية التي تريد من الشعب أن يحكم نفسه بنفسه والله يقول: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} ، وعلينا أيضًا ألّا نكون من أنصاره، ولا نعمل معه جواسيس وعملاء، ولا نزاول أي عمل يقوي من نفوذه وسلطانه.