فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 158

ومن المواقف الإيمانية التي أُثِرَتْ عن الصحابة وسجلوها بأفعالهم، الصدق مع الله، فبعد أن تعلَّم الصحابة أركان الإسلام والإيمان وفهموها الفهم الصحيح من مُعلِّم البشرية محمد - صلى الله عليه وسلم - قاموا بنشرها وتَحمَّلوا كل الأذى بتحقيق ذلك وبذلوا الغالي والنفيس حتى أرواحهم؛ لِيُوصِلُوا المفهوم الصحيح للبشرية، يقول الله في كتابه الكريم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} .

روى البخاري عن أنس ابن مالك قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قِتَال بدر فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لَئِن الله أشهدني قتال المشركين ليَرَينَّ الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني الصحابه- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-، ثم تقدَّم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة وربِّ النضر إني أجدُ ريحها من دون أحد، قال سعد: فمَا استطعت يا رسول الله ما صنع، ثم تقدَّم، قال أنس ابن مالك: فوجدنا به بضع وثمانين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بالسهم، ووجدناه وقد مَثَّل به المشركون، فما عرفه إلا أخته بشامة أو بِبِنَانِه، قال أنس: كُنَّا نرى هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ... } .

هذا نموذج الرجولة النادرة التي تقوم عليها الدعوات ويرسى على أركانها البناء. هؤلاء الصحابة الكرام هم أهل الصدق مع الله، كانوا من أول المقاتلين والمجاهدين مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فريق تحمل تكاليف الهجرة ودفع ثمنها من تَرْك الأوطان ومفارقة الأهل والخِلّاَن، وفريق احتضن الجهاد، وناصر النبي والمهاجرين، وصارت أرضهم عُرْضة للأعداء، فتَحزَّب عليهم أحزاب الكفر من كفار قريش وغطفان، ورأوا الأهوال وبلغت القلوب الحناجر وظهر صدق وإيمان الرجال من المهاجرين والأنصار، قال -تعالى-: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .

هكذا حينما صدقوا الله نصرهم وأسكنهم جنته، ونحن حتى نمضي على دربهم لا بُدّ أن نقف صفًا واحدًا مع المجاهدين؛ نؤازرهم لنحيي سُنَّة الأنصار بالنصرة والإيواء والإخاء والمحبة، فهؤلاء أنصار رسول الله فتحوا ديارهم وقاسموا المهاجرين أموالهم، قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت