وما صد العدوان في شهر شعبان عن الحرمات والأعراض في أرض عبيدة الأبية إلا من التسابق والتضحيات الإيمانية التي سيسجلها التاريخ لهذه الثلة المجاهدة أحفاد سلمة بن الأكوع.
ومن مواقف الصحابة الإيمانية في الإنفاق، تجهيز جيش العسرة -جيش تبوك- عندما كان يجمع الروم لغزو المدينة، أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - النفير، وفتح باب التبرعات والإنفاق في سبيل الله لتجهيز هذا الجيش، فتسابق الصحب الكرام، فتكفل عثمان بتجهيز ثلث الجيش، فربح وفاز بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (ماضر عثمان ما عمل بعد اليوم)
وقدَّم عبد الرحمن بن عوف أربعين أوقيَّة، وأتى أبو بكر الصديق بماله كله، وعمر بنصف ماله، يا لها من مواقف تزيد في الإيمان وتقوي من روابط الأخوَّة! وهي خير مثال تُبيّن مواضع الخير والإنفاق، ومواطن البذل والسخاء بالمال والنفس.
إن الرجال الذين يكتبون التاريخ بدمائهم ويُوجِّهُون زِمَامَهُ بِعَزَمَاتِهِم هم الذين خاضوا غمار الحروب، وحفظوا بها مصير الإسلام في الأرض.
إن التاريخ البشري على طول الدنيا وعرضها لم يشهد من الرجولة الصادقة والنفوس الزكية الأبية التي تعمل بالإسلام ظاهرًا وباطنًا وآمَنَت به ما شهده من تاريخ الإسلام ورجاله السابقين من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وما بذلوه من جهدٍ خارق في سبيل نصرة الإسلام، وإرساء دعائم الحق، وتحقيق الخلق السامي، فلقد عقدوا عزمهم ونياتهم على غايةٍ تَنَاهَت من الرفعة والسمو.
وتاريخ البشرية يسأل: كيف أنجز أولئك الأبرار كل ما أنجزوه في بضع سنين؟ وكيف أهالوا على تاريخ الدنيا الظالم كثيبًا حتى لم يعد يبقى له أثر؟ وكيف بنوا بقرآن الله عالمًا جديدًا؟ وكيف استطاعوا نشر الإسلام شرقًا وغربًا؟ ونحن نرى فيهم وفي سيرتهم وبطولتهم وولائهم لله ولرسوله الأسوة الحسنة!