وهنا نموذج اخر من المصطلحات التي لعب اختلاف الثقافات بين الشعوب دورًا مؤثرًا في معناه وهو مصطلح (الإحتكار) : الذي يعني"جمع وحبس السلع والخدمات من أجل الإغلاء علي الناس (المستهلكين) [1] ."
فيختلف معناه اختلافا جذريا بين الحضارة الغربية بتيارتها المختلفة, وحتي عند الذين يدركون المساوئ الإجتماعية لسيطرة الإحتكارات علي النظام الإقتصادي لمجتمع من المجتمعات ... نجد النظرة الي الإحتكار هي النظرة إلي مرحلة حتمية من المراحل التي لابد وأن يمر بها المجتمع علي درب تطور الامتلاك لادوات الانتاج. فالإحتكار- في هذه النظرة الغربية - هو نبت طبيعي حتمي .. حتي وإن رآه البعض ضارًا
أما في المذهبية الإقتصادية الإسلامية التي تحكم حيازة الإنسان للمال ببنود عقد وعهد استخلاف الله, فإن الإحتكار ممنوع ومرفوض من الأصل والأساس, ومحال أن يتسق وجوده- فضلًا عن سيادته- مع مذهبية الإسلام في الأموال. فـ (من احتكر للمسلمين طعامًا ضربه الله بفقر وافلاس) [2] , و (يحشر الحكارون وقتلة النفس في درجة واحدة) [3] فإن التحريم يشمل أبسط ألوان الإحتكار فجمع الطعام, انتظارًا لغلاء سعره, مدة من الزمن هو احتكارا محرم في عرف الإسلام.
وبالتالي هل تنقل تلك المصطلحات الصورة الصحيحة للإحتكار بالنسبة للحضارة الإسلامية؟!
وتبعا لكل هذه الإشكاليات التي ظهرت نتيجة للإختلاف الحضاري والفكري بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الأوروبية كانت الحاجة ماسة إلي بحث يناقش تلك الإشكالية, ويوضح معني تلك المصطلحات لكي يزول أي سوء فهم وأي أحكام مغلوطة تجاه الدين الإسلامي وأتمني أن يسدد الله خطانا في هذا.
وأيضا هناك نماذج كثيرة لكن لا يتيح لنا المقام الحديث عن مثل هذه المصطلحات باستفاضة، فسوف أبحث المصطلحات الإقتصادية الإسلامية محاولاَ توضيح معناها وفهم خلفيتها الحضارية ومحاولًا أيضا الوصول إلى ترجمة لا تسئ إلى أهل الدين الإسلامي لكي تفي بالمعنى المطلوب حتى وإن لم يكن هناك مكافئًا لها.
وهنا أتعرض بشكل مبسط عن شرح مضمون عنوان الرسالة والمصطلحات الواردة فيه، فمفهوم المصطلح الإقتصادي عموما من المفاهيم المستحدثة التي نشأت مع تطور علم الإقتصاد، ويحتاج التعريف بمفهوم المصطلح الإقتصادي الإسلامي بيان أجزائه لكونه مركبا وصفيا ومن أجزائه:
"الاصطلاح اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضوعه الأول" [4] وعليه فالمصطلح هو الاسم الذي تواضع عليه أهل علم معين ليكون دالا على شيء معين عندهم، ولذلك تختلف المصطلحات باختلاف مجالات المعرفة، حتى أصبح لكل مجال معرفي مصطلحاته، بل لكل مذهب داخل نفس المجال مصطلحاته الخاصة به
(1) معجم المصطلحات الإقتصادية والإسلامية, د. علي بن محمد الجمعة: 30, ط 1, 1421 هـ-2000 م, مكتبة العبيكان, الرياض
(2) رواه ابن ماجة والإمام أحمد.
(3) رواه مسلم والدارمي وابن ماجة والإمام أحمد.
(4) التعاريف, محمد عبد الرؤوف المناوي: 1\ 68, تحقيق د. محمد رضوان الدية, ط 1, 1410 هـ- 1990, دار الفكر الحديث, بيروت دمشق