كيف تحكمون [1] ؟
وباختصار فإن تحقيق المناط هو وسيلة: تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع، باعتبار أن الأحكام الشرعية معلقة بعد النزول على وجود مشخص هو وجود الواقع، أو الوجود الخارجي كما يسميه المناطقة.
هذا الوجود الخارجي مركب تركيب الكينونة البشرية في سعتها وضيقها ورخائها وقترها وضروراتها وحاجاتها وتطورات سيرورتها. فإطلاق الأحكام مقيد بقيودها وعمومها، مخصوص بخصائصها ولذلك كان خطاب الوضع شروطًا وأسبابًا وموانع، رخصا وعزائم ناظمًا للعلاقة بين خطاب التكليف بأصنافه: طلب إيقاع وطلب امتناع وإباحة، وبين الواقع بسلاسته ورخائه وإكراهاته.
إن التنزيل والتطبيق هو عبارة عن تطابق كامل بين الأحكام الشرعية وتفاصيل الواقع المراد تطبيقها عليه، بحيث لا يقع إهمال أي عنصر له تأثير من قريب أو بعيد، في جدلية بين الواقع وبين الدليل الشرعي، تدقق في الدليل بشقيه الكلي والجزئي، وفي الواقع والمتوقع بتقلباته وغلباته والأثر المحتمل للحكم في صلاحه وفساده.
وهكذا فإن التحقق من مناط حكم الشرع موزونًا بميزان المصالح والمفاسد معتبرة بمعيار الشرع الكلي والجزئي ومعيار العقل الفاحص في كل قضية، هو موضوع ورشتنا هذه.
للفت الانتباه إلى أهميته والإمكان المتاح من خلاله لمراجعة كثير من الأحكام التي لو تركت فيها عمومات النصوص على عمومها ومطلقاتها على إطلاقها دون تخصيص في الأولى وتقييد في الثانية دون مراعاة للواقع
(1) - ويسأل بكيف بعد ثبوت نسبة مبهمة فتكون سؤالا عن الخبر والحال؟
قال ابن بونه: وغالبا ما استفهموا عن الخبر بكيف والحال وربما يجر
نحو على كيف يجئ المصطفى وفاؤها بقلة قد حذفا ...
وللنحاة في ظرفيتها عند سيبويه وخبريتها عند الأخفش فيما لا يتسغني وحاليتها في المستغني ومفعوليتها بالإطلاق في سورة"الفيل"ما لا محل له هنا.