الصفحة 15 من 42

أجاب الشاطبي عن ذلك بأن من يحقق المناط هو العالم الرباني العاقل الحكيم الذي ينظر في كل حالة، ولكن هذا الجواب ليس على إطلاقه.

وللخطاب الشرعي مستويات ومراتب فمنه ما هو موجه إلى الفرد في خاصة نفسه"استفت قلبك ولو أفتوك". كما شرح الشاطبي في"الاعتصام": {ذَلِك لِمَنْ خَشىَ الْعَنَت مِنكُمْ} من خاف المشقة أو الوقوع في الفاحشة إذا لم يتزوج فهذا خطاب موجه إلى صاحب القضية فهو الذي يحقق المناط بتقدير حالته التي هو أعلم بها.

لكن هناك خطاب موجه إلى الجماعة لكنه يقصد به الفرد {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} فمن يحقق المناط هو الذي يريد أن يتزوج أكثر من واحدة كما أنه بإمكان الجماعة ممثلة في الجهات الولائية إذا لاحظت حيفًا أو تحققت من مفسدة غير مرجوحة أن تحقق المناط.

لكن الخطاب قد يكون موجهًا إلى الجهة الولائية ممثلة في القضاة {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} فبعث الحكمين يرجع إلى الجهة الولائية. فالجهة الولائية هي التي تحقق المناط دون غيرها؛ لأن الأمر معقد وقد تكون فيه أسباب خفية تفتقر إلى تدقيق لتنزيل حكم الفراق أو ترتيب شمل الوفاق.

إلا أن الخطاب قد يكون موجهًا للسلطان الأكبر {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} فالذي ينبذ العهود ويعلن الحروب ويوقع الهدنة والسلام ويصدر حكمًا بناء على التوقع المشار إليه بتخافن؛ لأن الخوف هو توقع مكروه في المستقبل فالذي يحقق المناط للأمة هنا هو الجهة السلطانية التي تستوعب الأسباب والدوافع الخفية والموانع والشروط الغامضة، فتحقيق المناط لا يتعلق بالأفراد؛ ولهذا طلب بنو إسرائيل من نبيهم -عندما كتب عليهم القتال- أن يعين ملكًا لأنه بدون سلطان الملك تكون الحروب فوضى {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لأن نبيهم لم يكن يمارس وظائف الملك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت