لقد عانت المجامع الفقهية فكانت اختلافاتها ناشئة في أحيان كثيرة عن عدم فهم طبيعة العقد ووصفه حتى إن بعض فقهاء المجمع ذهبوا إلى ديار الغرب حيث نشأت هذه العقود لتحقيق المناط ومحاولة فهم علاقة الأطراف في بطاقة الأئتمان.
وربما كان مذهب مالك الذي خفف من ضوابط معلومية البيع ليجعل الخبر يقوم مقام النظر في بيع الغائب والوجود في الذمم والضمان كالوجود في العيان. ولم يجعل القبض داخلا في ماهية البيع -كما يقول المازري وغيره- مع الإبقاء على العناصر الأساسية كوصف المبيع بالنسبة للأول والقدرة على التسليم بالنسبة للثاني. وأن تأجيل البدلين ليس على الدوام محظورا في مسألة الاشتراء من دائم العمل والاستصناع والسلم ثلاثا بالشرط وإلى أجل التسليم بلا شرط.
كل هذه الخصائص في مذهب مالك يمكن أن تسعف في تنظيم البرصات والنظر في المستقبليات، وتلك دعوى عريضة ولكنها تستحق أن تجرب -وبخاصة- في بحوثنا الكلية لتحقيق المناط في مجال الاقتصاد الذي تحكمه بالجملة نظريتا آدم سميث وجون كينز تضيق أحداهما لتتسع الأخرى طبقا للنتائج العملية لتشكلا نوعا من التجاذب بين الإيجاب والسلب، حتى كاد أن يصبح قانونًا ثالثًا وميزانًا عمليًا لولا شره الرأسمالية الذي يريد استكشاف كل السبل. وربما ندرك -في يوم من الأيام- إن نحن أحسنا تحقيق المناط أن القانون الإسلامي -الذي يمنع الربا بمعنى نقود تلد نقودا، الثمن مقابل الزمن، وبيع المعدوم، والتعامل في الذمم، والغرر الفاحش، مع ما يوفره مذهب مالك من المرونة- يمكن أن يسهم في حل الأزمات كما شرحنا طرفًا منه في كتابنا"مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات [1] ".
(1) - من مطبوعات مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن ط 2 ... 2010 م