عشرات القضايا التي لو درست بنظر كلي لأمكن أن تجد حلولا تخفف من غلواء الاختلاف؛ إنها كليات ذات جذور ثلاثة: الشريعة نصوصًا ومقاصد، ومصالح العباد، وموازين الزمان والمكان، بذلك تصاغ تلك الكليات وتطوع الجزئيات، تصديقًا لمقولة الشاطبي: إن اختلال الكلي يؤدي إلى انخرام نظام العالم.
وإذا كانت النتائج كما نشاهد في المجامع الفقهية تشير إلى عجز في التواصل بين الواقع وبين الأحكام، وأحيانا إلى عدم الانضباط في الاستنتاج والاستنباط فإن ذلك سيكون مدعاة لمراجعة أدوات توليد الأحكام والاجتهاد المعطلة، وتجديد دارسها ونفض الغبار عن طامسها. لأن إغفال الواقع يؤدي إلى وضع الأحكام الشرعية في غير موضعها والغفلة في إطلاقها عن تقييدها مما يفوت المصالح المرجوة من ورائها ويفضى إلى مفاسد هي منزهة عنها. وذلك أن إنزال الأوامر والنواهي من غير نظر في صورة الموضوع وحالة المحكوم عليه يفضى إلى عكس المقصود.
ونحن اليوم بحاجة إلى قراءة جديدة للتذكير بالكليات التي مثلت لبنات الاستنباط بربط العلاقة بين الكليات وبين الجزئيات، وهي جزئيات تنتظر الإلحاق بكلي أو استنتاج كلي جديد من تعاملات الزمان وإكراهات المكان والأوان، أو توضيح علاقة كلي كان غائمًا أو غائبا في ركام العصور وغابر الدهور.
وإن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يظلان النبراس الدائم والينبوع الدافق بهما يستضاء في ظلمة الدياجير ومنهما يستقى في ظمإ الهواجر بأدوات أصولية مجربة وعيون معاصرة مستبصرة.
فالاستنباطات الفقهية القديمة كانت في زمانها مصيبة ولا يزال بعضها كذلك، والاستنباطات الجديدة المبنية على أساس سليم من تحقيق المناط هي صواب؛ فهي إلى حد ما كالرياضيات القديمة التي كانت تقدم حلولا