والمعاملات جزءا من النظم المحلية، وتسربت إلى الدساتير التي تعتبر الوثائق المؤسسة فيما أطلق عليه اسم العولمة والعالمية، في الوقت الذي تراجع فيه الاجتهاد وتواضع فيه الاستنباط وضاقت فيه مساحة الإبداع وساد ضمور في الفهم مما أخل بالتوازن وانعكس على تماسك المجتمعات بين فريقين أيس أحدهما من المنظومة الفقهية فأشاح بوجهه عنها وخطف بصره بالتنوير والتحديث الغربي؛ ذلك التنوير الذي عرفه"كانت"بأنه تفكير بلا سقف لا يهديه كتاب ولا يرشده قسيس ولا توصف له وجبة غذاء. وذلك التحديث الذي يشير -عند ماكس فيبر- إلى جملة من سيرورات تراكمية يشد بعضها بعضًا، فهو يعني تحديث الموارد وتحويلها إلى رؤوس أموال، ونمو القوى الإنتاجية، وزيادة إنتاجية العمل، كما يشير أيضا إلى إنشاء سلطات السياسة المركزية وتشكل هويات قومية، ويشير أيضا إلى نشر حقوق المشاركة السياسية، وأشكال العيش المدني والتعليم العام، وأخيرًا يشير إلى علمنة القيم والمعايير،،إلخ" [1] ."
وتقابلها مجموعة أخرى لم تفهم من النصوص إلا بعض الظواهر تحاول أن تعيش في الماضي على حساب الحاضر والمستقبل، فقل علمها وضاق فهمها وخمدت لديها ملكة الاجتهاد.
وفي تقديرنا أن منهجا فريدا جامعا بين إرشاد الوحي وسداد العقل، أصيلا في منطلقاته، حديثًا في تناولاته، مستوعبًا أصول التعاطي مع الكتاب والسنة في منطوقهما ومفهومهما في معانيهما ومعقولهما.
إن هذا المنهج يوسع دوائر الاجتهاد بأنواعه الثلاثة وبخاصة بتحقيق المناط ليرشح الكليات ويرجحها على النظر الجزئي الذي جعل الأمة تعيش مبارزة ومنابزة حول كل فرعية في شتى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والموسساتية والسياسية والتعايشية. فكل مجال يمكن سرد
(1) - هابرماس القول الفلسفي للحداثة ص 9