الصفحة 21 من 31

الفرع الثالث:

وأمّا في حقوق الله تعالى، فهل يُستساغ القول بأنّ للمحكّم المسلم أن يُعزّر بالمال مَن زنا أو قذف أو شرب خمرًا بدلًا من إقامة الحدّ عليه إن سمحت بذلك القوانين؟ وأن ذلك أقصى ما في الوسع في بلادٍ لا تعتبر ما سبق من الجرائم؟ ولئن يغرّم الزاني والشارب خيرٌ من أن يُترَك وشأنه فتُطمس المنكرات ولا يُعاقب عليها البتّة؟

إنّ المسألة السابقة فرعٌ عن أصلين اثنين، فإلى أيّهما كانت أقربُ أخذت حُكمَه:

الأصل الأول: حرمة الابتداع في الدّين. فالحدود الشرعيّة توقيفيّة ٌمقدّرة ٌ كالعبادات لا مجال للنّظر فيها ولا للاجتهاد.

ذكر الكاساني تعريفها وتقديرها بقوله (وفي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عن عُقُوبَةٍ مُقَدَّرَةٍ وَاجِبَةٍ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى عز شَأْنُهُ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ فإنه ليس بِمُقَدَّرٍ، قد يَكُونُ بِالضَّرْبِ وقد يَكُونُ بِالْحَبْسِ وقد يَكُونُ بِغَيْرِهِمَا وَبِخِلَافِ الْقِصَاصِ فإنه وَإِنْ كان عُقُوبَةً مُقَدَّرَةً لَكِنَّهُ يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ حتى يَجْرِيَ فيه الْعَفْوُ وَالصُّلْحُ) [1] .

وذكر ابن رجب الحنبلي أن ّ تغييرها من البدع في الدّين، وذلك عند شرحه لأصلٍ عظيم ٍ في النّهي عن البدع وهو قوله صلى الله عليه وسلّم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) [2] فقال- رحمه الله- (وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما فما كان منها مغيرالأوضاع الشرعية كجعل حد الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك فإنه مردود من أصله لا ينتقل به الملك لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [3] للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا على فلان فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم فقال النبي صلى الله عليه وسلم المائة الشاة والخادم رد عليك وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام) [4]

والأصل الثاني: التكليف بالمستطاع. وأصله معروف ٌ في الكتاب والسنّة، كقوله تعالى (لا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها) [5] وقوله صلى الله عليه وسلّم (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) [6] . وقعّد الفقهاء لهذه الأدلّة واستنبطوا منها قاعدة وهي أن (من كلف بشيء من الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن بعضه فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما

(1) 66 بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج 7 ص 33 اسم المؤلف: علاء الدين الكاساني الوفاة: 587، دار النشر: دار الكتاب العربي - بيروت - 1982، الطبعة: الثانية

(2) 67 صحيح مسلم، ج 3 ص 1343، بَاب نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، حديث رقم (1718)

اسم المؤلف: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري الوفاة: 261، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي

(3) 68 الجامع الصحيح المختصر، الشهير ب (صحيح البخاري) ، ج 2 ص 959، بَاب إذا اصْطَلَحُوا على صُلْحِ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُود، رقم الحديث (2549) اسم المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي الوفاة: 256، دار النشر: دار ابن كثير , اليمامة - بيروت - 1407 - 1987، الطبعة: الثالثة، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا

(4) 69 جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، ج 1 ص 61 اسم المؤلف: زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي الوفاة: 795 هـ، دار النشر: مؤسسة الرسالة - بيروت - 1417 هـ - 1997 م، الطبعة: السابعة، تحقيق: شعيب الأرناؤوط / إبراهيم باجس

(5) 70 سورة البقرة، آية 286

(6) 71 صحيح مسلم ج 2 ص 975، باب: فرض الحجّ مرة ً في العمر، حديث (73) . مرجع سابق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت