عجز عنه) [1] أو بتعبير آخر (الميسور لا يسقط بالمعسور) [2] وكذلك أخذوا من هذه الأدلّة قاعدة (ما لا يدرك كلّه لا يُترك كلّه) [3] ،وضربوا عليها الأمثلة ممّا يُعدّ ذكرها هنا إسهابا ً وخروجًا على الموضوع الرئيس.
وفي مسألتنا هذه - على افتراض صحّة هذا التخريج- فإنّ إقامة الحدّ معسورٌ والتعزيربالمال ميسور، فينبغي الإتيان بالمقدور ويسقط المعسور.
وبتأمّل الأصلين السابقين يُلاحظ أن محلّ النّهي عن الابتداع بتغيير الحدود هو عند القدرة على تنفيذها، فالنّبي صلى الله عليه وسلّم حكم ونفّذ شرع الله سبحانه وتعالى لقدرته على ذلك، وليس الحال كذلك في مسألتنا للعجز عن التنفيذ. فادّعاء الابتداع- والحالة هذه- فيه تكلّف ٌ ظاهر.
وفي الوقت ذاته، التعزير بالمال عند العجز عن تطبيق الحدّ هو إتيانٌ بالمستطاع وتوقيع ٌ لما يسمّى (عقوبة) في الشرائع السماويّة والقوانين الأرضيّة، والعقوبة بما تيسّر واجبة ٌ إعمالًا لقاعدة عدم سقوط الميسور بالمعسور.
إنّ تراثنا الفقهيّ حفظ لنا فيما حفظ أن الحدود تسقط كلّها أو بعضها وتُستبدل بالتعزير، وذلك في موضعين اثنين:
الأول: عند عدم ثبوت الحدّ
قال السّيوطي في التمثيل على إسقاط الحدّ وتطبيق التعزير بدلًا منه (لو شك في الحدّ أَرَجم ٌ أو جَلد ٌ فإنه لا يُحدّ بل يُعزر كما قرره ابن المسلم أن التردد بين جنسين من العقوبة إذا لم يكونا قتلًا يقتضي إسقاطهما والانتقال إلى التعزير) [4] .
وفي حاشية ابن عابدين حول حكم تناول المسكرات من غير الخمر: (مطلب في البنج والأفيون والحشيشة: قوله"لكن دون حرمة الخمر"لأن حرمة الخمر قطعية يكفر منكرها بخلاف هذه. قوله"لا يحد بل يعزر"أي بما دون الحد) [5]
(1) 72 قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج 2 ص 5، اسم المؤلف: أبي محمد عز الدين السلمي الوفاة: 660، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت
(2) 73 الأشباه والنظائر، ج 1 ص 159، مرجع سابق.
(3) 74 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج 1 ص 121، اسم المؤلف: علي بن سلطان محمد القاري الوفاة: 1014 هـ، دار النشر: دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت - 1422 هـ - 2001 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: جمال عيتاني
(4) 75 الأشباه والنظائر ج 1 ص، 57، المرجع السابق
(5) 76 حاشية ابن عابدين ج 4 ص 42، مرجع سابق