الصفحة 23 من 31

والثاني: في دار الحرب

قال الكاساني-رحمه الله- في الأحكام التي تختلف باختلاف الدّارين:(منها أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا زَنَا في دَارِ الْحَرْبِ أو سَرَقَ أو شَرِبَ الْخَمْرَ أو قَذَفَ مُسْلِمًا لَا يُؤْخَذُ بِشَيْءٍ من ذلك لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْدِرُ على إقَامَةِ الْحُدُودِ في دَارِ الْحَرْبِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَ مُسْلِمًا لَا يُؤْخَذُ بِالْقِصَاصِ وَإِنْ كان عَمْدًا لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ إلَّا بِالْمَنَعَةِ وَيَضْمَنُ الدِّيَةَ خَطَأً كان أو عَمْدًا وَتَكُونُ في مَالِهِ لَا على الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ على الْقَاتِلِ ابْتِدَاءً أو لِأَنَّ الْقَتْلَ وُجِدَ منه وَلِهَذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ وَالْكَفَّارَةُ على الْقَاتِلِ لَا على غَيْرِه فَكَذَا الدِّيَةُ تَجِبُ عليه ابْتِدَاءً وهو الصَّحِيحُ، ثُمَّ الْعَاقِلَةُ تَتَحَمَّلُ عنه بِطَرِيقِ التَّعَاوُنِ لِمَا يَصِلُ إلَيْهِ بِحَيَاتِهِ من الْمَنَافِعِ من النُّصْرَةِ وَالْعِزِّ وَالشَّرَفِ بِكَثْرَةِ الْعَشَائِرِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ لهم وَنَحْوِ ذلك وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا تَحْصُلُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ فَلَا تَتَحَمَّلُ عنه الْعَاقِلَةُ

وَكَذَلِكَ لو كان أَمِيرًا على سَرِيَّةٍ أو أَمِيرَ جَيْشٍ وَزَنَا رَجُلٌ منهم أو سَرَقَ أو شَرِبَ الْخَمْرَ أو قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً أو عَمْدًا لم يَأْخُذْهُ الْأَمِيرُ بِشَيْءٍ من ذلك لِأَنَّ الْإِمَامَ ما فُوِّضَ إلَيْهِ إقَامَةُ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ على إقَامَتِهَا في دَارِ الْحَرْبِ إلَّا أَنَّهُ يُضمّنُهُ السَّرِقَةَ إنْ كان اسْتَهْلَكَهَا وَيُضَمِّنُهُ الدِّيَةَ في بَابِ الْقَتْلِ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ على اسْتِيفَاءِ ضَمَانِ الْمَالِ) [1]

فانظر كيف أسقط الحدّ واستبدله: فأوجب الدّية في قتل العمد دون إذن وعفو وليّ الدّم، وأوجب الدّية على القاتل في قتل الخطأ وليس على العاقلة، وضَمّن السارق ما سرق ولم يقطعه، فكل ذلك تغيير ٌ للأحكام الثابتة ابتداءًا، لكنّه أفتى بها إما لعدم القدرة على التنفيذ، أو لعدم الولاية على الجاني، فأمر بفِعل ِما يُستطاع.

فالقول إذا ً بجواز استبدال الحدود بعقوبة ٍ أخرى- أوعلى الأقل- تنفيذ ما يُستطاع منها ليس بدعًا من القول.

وإضافة ً لقول الأحناف السابق، أخذ بهذا الرأي من المعاصرين الشيخ محمد رشيد رضا- رحمه الله- مفتيا ًبه المسلمين في الهند، فقال بجواز توليّ الوزارات تحت سلطان الاستعمار الإنجليزي والقضاء بقوانينهم في رقاب المسلمين وأعراضهم وأموالهم معتبرًا أن قوانينهم هي أقرب القوانين للتشريعات الإسلامية لأنّها قائمة ٌ على مراعاة العدل والمصلحة، وكذلك في الشريعة الإسلامية إذ غالبها آيلٌ للتعزير، والتعزير موكولٌ إلى اجتهاد القاضي [2]

(1) 77 بدائع الصنائع ج 7 ص 131،132، مرجع سابق.

(2) 78 تفسير القران الحكيم، الشهير ب (تفسير المنار) ، ج 6 ص 406 - 409، اسم المؤلف: محمد رشيد رضا، دار النشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة عام 1990 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت