قدمتُ أن الإمام مُغَلْطاي لم يولي المسائل الفقهية اهتمامًا بالغًا في شرحه لسنن ابن ماجه، كما هو الحال في أكثر الشروح، ولعله هدفه من الشرح غير ذلك، فقد قال:"والكلام معه ومع غيره مستوفى في كتب الفقهاء، ولا يليق ذكره بهذا المختصر" [1] ، ومع ذلك فقد تكاد تجد حديثًا إلا وقد عقّب عليه من قوله أو من نقله، ويمكن إيجاز ذلك في النقاط التالية:
-يظهر فقه مغلطاي في جمعه أحاديث الباب والشواهد والمتابعات واستخراجه وترجيحه الأحكام منها.
-يغلب عليه التمسك بالدليل والرواية، دون التعصب لمذهب معين، فكان من مقوله:"إذا صحّ للحديث طريق، وسلم من شوائب الطعن: تعين المصير إليه، ولا عبرة باختلاف الباقين" [2] .
-الأصل أنه يورد فقه الحديث في آخر أحاديث الباب، والغالب أنه يجمع أقوال أهل العلم [3] ، وقد يكون له تحرير وترجيح [4] .
-ذَكر من ترجم لمغلطاي أنه حنفيُ المذهب، ولولا ذلك لما عرفتُ مذهبه، ومن المواضع التي تكلم فيها قوله:"ومذهبنا ومذهب أحمد: وصول ثواب القرآن للميت، وأبى ذلك جماعة من العلماء، مستدلين بقوله تعالى: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى] وبقوله -صلى الله عليه وسلم-:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، والكلام في ذلك يأتي بعدُ في كتاب الجنائز، إن شاء الله تعالى" [5] .
-وقد يذكر قول أبي حنيفة أو الأحناف ويعارضه، من ذلك قوله:"وأما قول أبي حنيفة: لا يجوز الوضوء بشيء من الأنبذة إلا نبيذ التمر، ففيه نظر ..."، ولما ذكر حديث أبي هريرة""إذا ولغَ الكلب في الإناء فأهرقه ثم أغسله ثلاث مرات"قال الدارقطني: هذا موقوف، ولم يروه هكذا غير عبد المالك عن عطاء، وبهذا تعلّق الحنفيون اعتمادًا منهم على أن أبا هريرة لا يخالف ما روى إلا لأمر مثبت عنده في روايته، وغيرهم يقول: الحجة في روايته لا في رأيه، وهو الصواب، وعليه أكثر المحدثين" [6] .
-وربما قدم غير أبي حنيفة في الذكر، وربما ذكر أقوال المذاهب وأغفل قول الحنفية، ولم أجده يتفرد بنقل قول الأحناف فقط، وليس للأحناف في شرحه كبير ذِكرٍ.
يمكن إجمال ذلك في النقاط التالية:
-ذُكر في ترجمة مغلطاي أنه كان بارعًا في اللغة، ويحفظ"الفصيح"لثعلب، وكفاية المتحفظ، وكان له عناية بشرح الغريب في سنن ابن ماجه، وليس له في ذلك منهج محدد، فربما أطال جدا، وربما أوجز، و قد يهمل أحيانًا أخرى؛ ولعل سبب ذلك -كما ذكر:"أنه لايليق ذكره في هذا المختصر".
(1) 1/ 283، وقد قاله في مسألة سؤر الكلب.
(2) الشرح 2/ 12.
(3) انظر مثلا: 1/ 91، 1/ 199، 1/ 438.
(4) انظر مثلا: 1/ 155، 1/ 301، 1/ 302 - 312
(5) 1/ 237، وقد صار مغلطاي -رحمه الله رحمة واسعة- جنازة قبل أن يصل إلى باب الجنائز.
(6) الشرح 1/ 312، 1/ 274.