يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [1] . فلا غَرابَةَ في أنْ يُرفَعُ تَشريٌع بِآخَر مُراعاةً لِمَصلَحَةِ العِبادِ عنْ عِلْمٍ سابِقٍ بالأولِ وَالآخَرِ. وهوَ ما يُعْرَفُ بالنَّسْخِ، هذا العلمُ الذي تناوَلَهُ المؤلفون في علوم القرآن، فافردوا له في كتبهم بابًا، وتناوله الأُصوليّونَ على أنَّهُ ظاهرةٌ منَ الظواهِرِ التي تَطْرأُ على بعضِ المِصادرِ التَّشريعيَّةِ، فافردوا لهُ كذلكَ في كتُبِهِم بابًا. وعالَجَ دعاويهِ جمهورُ المُفَسِّرينَ في تفسيرِ كلٍّ منهُم لآياتِ القُرآنِ الكريمِ. ثُمَّ استَنَدَ إلى بعضِ هذهِ الدَّعاوى بعضُ الفُقهاءِ في قليلٍ من أحكامِ الفُروعِ.
ولمْ يكُنْ بُدٌّ أنْ يَعكفَ بعضُ الدَّارسينَ لعلومِ القرآنِ على جمْعِ ما تناقَلَهُ الرَّواةُ منْ آثارٍ في النَّسْخِ، لِيُودِعوها كُتُبًا ألَّفوها، وَأطلَقوا عليها اسمًا هوَ (النَّاسِخُ وَالمَنْسُوخ) أو ما يَدورُ في فَلَكِهِ.
والكلامُ عنِ النَّسِخِ أمْرٌ تاريخيٌّ بَحْتٌ، إلا فيما يَتَعَلَّقُ - بِما ذكرناهُ آنِفًا- وَبالمُجتَهِدِ منْ ضَرورةِ العِلمِ بالأحكامِ المَنْسوخَةِ، لأنَّهُ يَتَعلَّقُ بزمانِ النُّبوَّةِ ووَقتِ تَنزُّلِ الوَحْي، لأنَّهُ لا نَسْخَ إلا بِالوَحْيِ الإلهيِّ، وَقدْ نَصَّ الأُصوليونَ على أنَّهُ يجبُ على المُكلَّفِ مَعرِفةُ النَّسْخِ، وَالنَّاسِخِ وهوَ اللهُ - عز وجل -، وَالدَّليلِ النَّاسِخِ.
إنَّ أوَّلَ مَن حَرَّرَ الكلامَ في النَّسْخِ هو الإمامُ الشَّافِعيُّ - رحمهُ اللهُ تعالى- في كتابِهِ (الرِّسالةِ) في الأُصولِ، وَعَدَّهُ مِنْ قبيلِ بيان الأحكام لا من قبيل إلغاءِ النُّصوصِ.
وَبَحْثُنا هذا يَتناولُ مفهومَ النَّسْخِ في القرآن الكريم بين علماء سلف الأمة وخلفها، ومدى أوجه الاتفاق والاختلاف بين المفهومين ومايترتب عليه.
لذا فإنَّ خطّةَ البَحْثِ انْتَظَمَتْ في مُقَدِّمَةٍ، وَمبحثين، وَخاتِمَةٍ.
أمّا المُقَدِّمَة فَبيَّنتُ فيها أهمِّيَّةَ المَوضوعِ، وَبَيان المِنْهاجِ الذي اعتَمَدتُهُ في كِتابَتِهِ، وَأمّا المَبحثان، فَقدْ كاناعلى النَّحْوِ الآتي:
(1) سورةُ الأنبياءِ: الآية (23) .