الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه:
أما بعد:
فإنَّ التَّشريعاتِ السَّماويّةِ تنزَّلُ منَ اللهِ - تعالى- على رسلِهِ لإصلاحِ النَّاسِ في العقيدةِ والعبادةِ والمُعاملةِ، وحيثُ كانتْ العقيدةُ واحدةً لا يطرأُ عليها تغييرٌ لقِيامِها على توحيدِ الألوهيَّةِ وَالرّبوبيَّةِ، فقدِ اتَّفقَتْ دعوةُ الرُّسُلِ جميعًا إليها، قالَ - تعالى-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [1] . أمّا العبادات والمُعاملات فإنَّها تتَّفِقُ في الأُسسِ العامَّةِ التي تهدفُ إلى تهذيبِ النَّفْسِ وَالمُحافَظَةِ على سَلامَةِ المُجتَمَعِ وَرَبْطِهِ بِرباطِ التَّعاونِ والإخاءِ، إلا أنَّ مَطالِبَ كُلِّ أُمَّةٍ قدْ تختلِفُ عَن مطالِبِ أُختِها، وَما يُلائِمُ قَومًا في عَصرٍ قدْ لا يُلائِمُهُم في آخر، ومَسْلَكُ الدَّعوةِ في طَورِ النَّشْأِةِ وَالتَّأسيسِ يَختلِفُ عن ِشرعتِها بعدَ التَّكوينِ والبِناءِ، فَحِكمَةُ التَّشريعِ في هذهِ غيرها في تلكَ، ولا شَكَّ أنَّ المُشَرِّعَ - سبحانه وتعالى - يَسَعُ كُلَّ َشَيءٍ رَحمةً وَعِلمًا، وللهِ الأمرُ والنَّهْيُ، قالَ: - جل جلاله - لا يُسْأَلُ عَمَّا
(1) سورةُ الأنبياءِ: الآية (25) .