المطلب الثاني
النَّسْخ في اصطلاح السلف
هو كل ما يطرأ على ظاهر النصّ من تخصيص عمومه، أو تقييد مطلقه، أو بيان مجمله، أو تدريج حكمه، أو تخفيفه، أو إلغاء الحكم، أو نحو ذلك.
قال الإمام القرطبي [1] عند تفسير قوله -تعالى-: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [2] :"ان العلماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا يسمون التخصيص نسخًا لأنَّه رفع بعض ما يتناوله العموم مسامحةً، وجرى ذلك على ألسنتهم حتى أشكل على من بعدهم" [3] .
وقال ابن قيم الجوزية [4] تحت عنوان المراد بالناسخ والمنسوخ عند السلف والخلف:"مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه حتى أنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد فالنَّسْخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارجٍ عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وزال عنه به إشكالات [5] أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر" [6] .
(1) القرطبي: هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد القرطبي المكي، المفسر، له مصنفات كثيرة، منها:"الجامع لأحكام القرآن". توفي -رحمه الله تعالى- سنة 523 هـ.
ينظر: شذرات الذهب: 4/ 141.
(2) سورة البقرة: من الآية 233.
(3) الجامع الكبير لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن احمد القرطبي المالكي. ط 3، 1387 هـ-1967 م، طبعة دار الكتب المصرية:3/ 169.
(4) ابن قيم الجوزية: هو محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي، الفقيه الأصولي المفسر بل المجتهد المطلق، لازم ابن تيمية وتأثر به وانتصر له ولم يخرج عن شيء من أقواله، وقد سجن بدمشق، له مصنفات كثيرة منها: أعلام الموقعين عن رب العالمين، وزاد المعاد، والطرق الحكمية، وغيرها. ولد سنة 691 هـ وتوفي - رحمه الله تعالى- سنة 751 هـ.
ينظر: النجوم الزاهرة:10/ 249، والدرر الكامنة:3/ 400، وجلاء العينين:20.
(5) (ومن هذه الإشكالات: إن كثيرًا من الأصوليين والمفسرين والباحثين يستدلون بقول السلف على نسخ كثير من الآيات بمعنى الخلف، وهذا مرفوض منطقيًا، لأن الأعم لا يستلزم الأخصّ وبالتالي لا يستدل به على إثباته.
ينظر: التبيان لرفع غموض النسخ في القرآن، لأستاذنا الدكتور مصطفى الزلمي ط 1،2000 م من منشورات كتب التفسير- أربيل: 18.
(6) أعلام الموقعين عن رب العالمين: محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، د. ط،1973 م، دار الجيل-بيروت:1/ 35.