وقال القرطبي - أيضًا-:"التخصيص من العموم يوهم انه نسخ وليس به لأنَّ المخصص لم يتناوله عموم قط، ولو ثبت تناول العموم لشيءٍ ما ثُمَّ أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخًا لا تخصيصًا. والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخًا توسعًا ومجازًا" [1]
وقال الشاطبي [2] "إن الذي يظهر من كلام المتقدمين ان النَّسْخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين: فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخًا وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا وعلى بيان المبهم والمجمل نسخًا، لأنَّ جميع ذلك مشترك في معنى واحد وهو النَّسْخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف وإنما المراد ما جيء آخرًا، فالأول غير معمول به والثاني هو المعمول به، وهذا المعنى جار في تقييد المطلق فان المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا إعمال له في إطلاقه بل المعمول به هو المقيد فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئًا فصار مثل الناسخ والمنسوخ [3] . وكذلك العام مع الخاص إذا كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام من الاعتبار فأشبه الناسخ والمنسوخ إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه مادل عليه الخاص وبقي السائر على الأول."
(1) الجامع لأحكام القرآن:2/ 65
(2) الشاطبي: هو ابراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، كان إمامًا مفسرًا محققًا فقيهًا محدثًا نظارًا ثبتًا بارعًا في العلوم، له استنباطات جليلة وفوائد لطيفة مع الصلاح والعفة والورع واتباع السنة واجتناب البدع، من تصانيفه:"الموافقات في أصول الشريعة"و"الاعتصام"وغيرهما. توفي رحمه الله -تعالى- سنة 790 هـ.
ينظر: الفتح المبين: 2/ 204، ونيل الابتهاج بتطريز الديباج:46 - 47.
(3) كما في قوله -تعالى-: {من كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا} سورة الإسراء: من الآية 18 مع قوله - تعالى: {َن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ} سورة الشورى: من الاية 20 لان قوله {نُؤتِهِ مِنْهَا} مطلق مقيد بالمشيئة في قوله -تعالى-: {لمن نريد} .