الصفحة 10 من 28

والمبين مع المبهم [1] كالمقيد مع المطلق فلما كان كذلك استعمل إطلاق لفظ النَّسْخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد" [2] ."

قال الزركشي [3] بصدد اجتهاد المفسرين في قولهم بنسخ بعض الآيات:"وكل مافي القرآن مما يدعى نسخه بالسنة عند من يراه فهو بيان لحكم القرآن وقال -سبحانه وتعالى-: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [4] وأما بالقرآن على ما ظنه كثير من المفسرين فليس بنسخ وانما نسأ وتأخير، أو مجمل أُخِّر بيانه لوقت الحاجة، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره، أو مخصوص من عموم أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى في معنى ... وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخًا وليس به وإنه الكتاب المهيمن على غيره وهو في نفسه متعاضد وقد تولى الله حفظه [5] فقال - تعالى- {:إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [6] "

واكتفي بهذا العرض لأقوال كبار العلماء في قولهم بأن معنى النَّسْخ عند السلف الصالح اعمُّ بكثير من معناه المعروف عند علماء الأصول كما يأتي، ويُحمل على هذا المعنى للنسخ عند السلف كل ما روي عن ابن عباس [7] - رضي الله عنه - من نسبة النَّسْخ

(1) كما في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} مع قوله -تعالى-: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} سورة البقرة من الآيتين 183 - 187، وكما في قوله-تعالى-: {قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ} هو قوله:: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم} سورة الأنفال: من الآيتين:1 - 41.

(2) الموافقات في أصول الشريعة: أبو اسحق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، تحقيق: عبد الله دراز، ط 2،د. ت،، دار المعرفة- بيروت:3/ 108.

(3) الزركشي: هو محمد بهادر بن عبد الله بدر الدين الزركشي، عالم بفقه الشافعية والأصول، تركي الاصل، ولد سنة 745 هـ، وتوفي سنة 794 هـ، من تصانيفه:"البحر المحيط"في أصول الفقه، والديباج في توضيح المنهاج"في الفقه،"إعلام الساجد في أحكام المساجد"وغيرها."

ينظر: الأعلام:6/ 286.

(4) سورة النحل من الآية 44.

(5) ينظر البرهان في علوم القرآن: محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، د. ط،1391 هـ، دار المعرفة-بيروت:2/ 43.

(6) سورة الحجر: الآية:9.

(7) ابن عباس: هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، حبر الأمة وترجمان القرآن، اسلم صغيرًا ولازم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الفتح وروي عنه. كان الخلفاء الراشدون يُجلّونه، توفي - رضي الله عنه - في الطائف سنة 68 هـ.

ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة:2/ 330 - 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت