الصفحة 11 من 28

إلى بعض الآيات القرآنية، ولا يجوز للمفسرين وعلماء الأصول والباحثين الاستدلال بقوله على نسخ آية بمعناه الخاص عند المتأخرين.

وكذلك يُحمل على المعنى الواسع للنسخ ما روي عن سيدنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - [1] من أنه قال لقاضي الكوفة: هل علمت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكتَ وأهلكتَ وعرّضت نفسك والناس للهلاك مادمت لا تعرف الناسخ والمنسوخ، فهذه الرواية إن صحت فإن النَّسْخ في كلامه أراد به تخصيص العام وتقييد المطلق وبيان المجمل وغير ذلك من المعاني التي تندرج تحت مفهوم النَّسْخ عند السلف الصالح. ومن الواضح ان من شروط أهلية القضاء ان يكون من يتولاه عالمًا بصفات ألفاظ النصّوص من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد ومجمل ومبين ورخصة وعزيمة وغير ذلك مما عالجه علماء الأصول.

وكذلك المراد بالنَّسْخ معناه العام عند السلف ما نقله ابن القيم من أن هشام ابن حسّان روى عن محمد بن سيرين: انه قال:"قال حذيفة إنما يفتي الناس أحد ثلاثة رجلٌ يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه، , وأمير لا يجدُ بدًا، وأحمق متكلف. قال ابن سيرين: فأنا لست أحد هذين وأرجو أن لا أكون أحمقًا متكلفًا [2] ."

المطلب الثالث

النَّسْخ في اصطلاحِ الخَلَفِ

وردت تعريفات أصولية وتفسيرية في المراجع الأصوليّة للنسخ بمعناه الخاص عند المتأخرين وهي متعددة التعبيرات ومختلفة أو متقاربة في المعاني كلها تدور حول معنى واحد وهو أن النَّسْخ إلغاء حكم شرعي سابق بدليل شرعي لاحق:

فلقد عرفه صدر الشريعة [3] فقال:"هو أن يرد دليل شرعي متراخيًا عن دليل شرعي مقتضاه خلاف حكمه" [4] .

(1) علي بن أبي طالب: هو علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، الخليفة الرابع، ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكنى بأبي الحسن، وهو زوج فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وسيرته أشهر من أن تعرّف دفن بالكوفة سنة 40 هـ - رضي الله عنه -.

ينظر: تهذيب التهذيب: 7/ 334، والفتح المبين: 1/ 57.

(2) أعلام الموقعين:1/ 35.

(3) صدر الشريعة: هو عبيد الله بن مسعود تاج الشريعة، البخاري الملقب بصدر الشريعة الأصغر، حنفي المذهب، عالم محقق، وحبر مدقق، له تصانيف في الأصول وغيره، من أشهر مصنفاته:"شرح كتاب الوقاية"،"والتنقيح في أصول الفقه"وشرحه المسمى"التوضيح"، توفي - رحمه الله تعالى- سنة 747 هـ.

ينظر: الفوائد البهية:109/ وتاج التراجم:40، والفتح المبين:2/ 155.

(4) التوضيح على التنقيح: لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود، مع حاشية العلامة التفتازاني، ط 1، 1322 هـ دار الكتب العلمية- بيروت:2/ 305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت