النَّسْخ إذا كانَ إلى أشقّ ففيهِ زيادةُ الثَّوابِ، وإذا كانَ إلى أخفّ ففيهِ سهولةٌ ويُسْرٌ.
اذكرُ هنا بعضَ الأمثِلةِ على النَّسْخ مراعاةً للمصلَحَةِ والتّدَرُّجِ في التّشريعِ [1] :
(1) سكتَ التّشريعُ في مبدأ الأمرِ لمُدَّةٍ ما على (زواجِ المُتعةِ) الذي كانَ في الجاهليَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بنظامِ الزواجِ الذي يُقرِّرُ للمرأةِ حقوقًا كاملةً، كما قالَ - سُبحانَهُ- {ولهنَّ مثل الذي عليهن بالمعروف} [2] .
(2) منعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أولًا من زيارةِ القبورِ، خشيَةَ أنْ يؤدِّيَ إلى شيء من الشِّركِ والوَثنيّةِ عندَ بعضِ ضعافِ الإيمانِ، ثُمَّ أباحَ الزِّيارةَ بقولهِ: (كنتُ نَهَيتُكُمْ عن زِيارةِ القُبورِ، فإنَّها تُزَهِّدُ في الدُنيا، وتُذَكِّرُ الآخرةَ) [3] .
(3) أوجَبَ اللهُ - تَعالى- أولًا الوصيَّةَ للوالِدَينِ وَالأقربينَ رَدًَّا على نظامِ الجاهليَّةِ الذي كانتْ المرأةُ فيهِ تُحْرَمُ من الميراثِ، ويستأثِرُ أكبرُ الأولادِ بالتّرِكةِ، وقدْ يوصي بها المالِكُ لمنْ يشاءُ، ثُمَّ جاءت آياتُ المواريثِ بتوزيعٍ عادلٍ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ، سواءً من قرابَةِ الأبِ، أو قرابَةِ الأمِّ أحيانًا.
(4) حُرِّمَ الخمرُ على مراحلَ- وقدْ تَقَدَّمَ بيانُهُ-.
(5) كذلكَ حُرِّمَ الرِّبا على مراحل تدَرَّجتْ من مُقارنَتِهِ مع الزّكاةِ التي يُضاعِفُ اللهُ ثوابَها، وأمّا الرِّبا فلا نماءً ولا ثمرةً ولا بركَةً فيهِ، قالَ - تَعالى-: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [4] . ثُمَّ بيانُ كونِهِ ظُلمًا، فَحُرِّمَ على اليهودِ، قالَ - سُبحانَهُ- {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [5] ، ثُمَّ التّشنيعُ عليهِ في الصّورةِ القَبيحةِ التي كانتْ في الجاهليَّةِ من أكلِهِ أضعافًا مُضاعَفةً، قالَ - عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا
(1) ينظر: أصول الفقهِ، للإمامِ محمد أبي زهرة، د. ط، د. ت، دار الفكرِ العربيّ، مصر: 180.
(2) سورةُ البقرةِ: من الآيةِ (228) .
(3) رواه ابن ماجه عن ابنِ مسعودٍ وهو حديثٌ صحيحٌ،،كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور، ج 1، ص 501، رقم الحديث (1571) ..
(4) سورةُ الرُّومِ: الآية 39.
(5) سورةُ النِّساءِ: منَ الآيةِ 161.