الجزاءُ حتى يُجَرِّبَ العبدُ الشُّكرَ والتّقوى، أمّا قبلَ ذلكَ فهو علمٌ لا يتعلَّقُ بِنا - نحنُ- أي: بالنّسبةِ للتّكليفِ والإثابَةِ والعقوبةِ.
أمّا حكمةُ بقاءِ التلاوة معَ نسخِ الحكمِ، فتسجيل تلكَ الظاهرةَ الحكيمةَ ظاهرةَ سياسةِ الإسلامِ للنّاسِ، حتى يشهدوا أنَّهُ هوَ الحَقُّ، وأنَّ نبيَّهُ نبيُّ الصِدقِ، وأَّن اللهَ هو الحقُّ المُبينُ، العَليمُ الحكيمُ، الرَّحمنُ الرَّحيمُ، يُضافُ إلى ذلكَ ما يكتسِبونَهُ من الثّوابِ على هذهِ التلاوة، ومنَ الاستمتاعِ بما حَوَتْهُ تلك الآياتُ المَنسوخةُ من بلاغةٍ، ومن قيامِ مُعجزاتٍ بيانيَّةٍ أو علميَّةٍ أو سياسيَّةٍ بِها. [1]
وَأمّا نسخُ التِّلأوةِ معَ بقاءِ الحكمِ، فحكمتُهُ تظهرُ في كلِّ آيَةٍ بما يُناسِبُها. وأنَّهُ لتبدو لنا حكمةً في مثالٍ مشهورٍ من هذا النَّوعِ.
ذلكَ أنَّهُ صَحَّ في الرِّوايةِ عن عمرَ بنِ الخطّابِ وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ أنَّهما قالا: كانَ فيما أنزلَ من القرآنِ (الشَّيخُ وَالشَّيخَةُ إذا زَنَيا فارْجُموهُما البَتَّة) [2] . أي كانَ هذا النصّ آيَةً تُتلى ثُمَّ نُسِخَتْ تلاوتها وبقيَ الحكمُ معمولًا بِهِ إلى اليوم. والسِّرُّ في ذلكَ أنَّها كانتْ تُتْلى أولًا لتَقريرِ حكمِها، ردعًا لمنْ تُحدِّثُهُ نفسُهُ أنْ يتلَطَّخَ بهذا العارِ الفاحشِ من شيوخٍ و شَيخاتٍ. حتى إذا ما تقرَّرَ هذا الحكمُ في النّفوسِ، نَسَخَ اللهُ تلاوته لحكمةٍ أُخرى، هي الإشارةُ إلى شناعَةِ هذهِ الفاحشةِ، وبشاعةِ صدورِها من شيخٍ وَشيخَةٍ، حيثُ سلكَها مسلَكَ ما لا يليقُ أنْ يُذكرَ فضلًا عن أنْ يُفعلَ، وسارَ بِها في طريقٍ يُشبهُ طريقَ المُستحيلِ الذي لا يقعُ، كأنَّهُ قالَ: نَزِّهوا الأسماعَ عن سماعِها، والألسنةِ عن ذِكرِها، فضلًا عن الفرارِ مِنها والتَّلوُّثِ بِرجسِها.
نَخْلصُ مّما سبقَ أنَّ للنَّسْخِ حِكَمًَا مُتعددةً، منها:
(1) مراعاةُ مصالحِ العبادِ بتَشريعِ ما هو أنفعُ في دينِهِم ودُنياهُم.
(2) تَطوُّرُ التَّشريعِ إلى مرتبةِ الكمالِ، بِحسْبِ تطوُّرِ الدّعوةِ و تطوُّرِ حالِ النّاسِ.
(3) اختبارُ المُكلَّفينَ باستِعدادِهِم لِقبولِ التَحَوُّلِ من حُكمٍ إلى آخرَ ورِضاهُم بِذلك، أي: ابتلاءُ المُكلَّفِ واختبارُهُ بالامتثالِ وعَدَمِهِ.
(4) اختبارُ المُكلَّفينَ بِقيامِهِم بِوظيفةِ الشُّكرِ إذا كانَ النَّسْخ إلى أخفّ، ووظيفةِ الصَّبرِ إذا كانَ النَّسْخ إلى أثقلَ، أي: إرادةُ الخيرِ للأُمَّةِ والتيسيرِ عليها، لأنَّ
(1) ينظر: شرح الأصول من علم الأصول، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، الطبعة الأولى 2003 م دار ابن الهيثم_ القاهرة: 396.
(2) صحيح مسلم: كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنى، ج 3، ص 1317، رقم 1691.