من غير رجعة [1] وهو ما يسمى بالتدرج في القضاء على نظام الرق، والذي لا مجال لذكره هنا لكونه لا علاقة له بموضوع بحثنا.
المطلب الثاني
حكمة الله في النَّسْخ
الآن وقد عرَّفنا النَّسْخ وأركانه وبيّنا إمكانية وقوعه، يجدر بنا أن نُبِّينَ حكمة الله - تعالى- فيه، لأنَّ معرفة الحكمة تريح النفوس، وتزيل اللبس، وتعصم من الوسوسة والدسّ. لاسيما في موضوعنا الذي كثر منكروه، وتصيدوا لإنكاره الشبهات من هنا وهناك.
ولأجل تفصيل القول في الحكمة نذكر- كما ذكرنا آنفًا- أنَّ النَّسْخ وقع بالشريعة الإسلامية، ووقع فيها على معنى ان الله تعالى نسخ بالإسلام كل دين سبقه، ونسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض.
أما حكمته- سبحانه- في انه نسخ به الأديان كلها، فترجع إلى ان تشريعه أكمل تشريع يفي بحاجات الإنسانية في مرحلتها التي انتهت إليها، بعد ان بلغت أشدها واستوت، وبيان ذلك ان نوع الإنسان تقلَّب كما يتقلب الطفل أدوارًا مختلفة. ولكل دور من هذه الأدوار حال يناسبه، غير الحال التي تناسب دورًا غيره. فالبشر أول عهدهم بالوجود، كانوا كالوليد أول عهده بالوجود سذاجة وبساطة، وضعفًا وجهالة، ثُمَّ أخذوا يتحولون من هذا العهد رويدًا رويدًا، ومرّوا في هذا التحول أو مرت عليهم أعراض متباينة، من ضآلة العقل، وعماية الجهل، وطيش الشباب، وغشم القوة، على تفاوت في ذلك بينهم، اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعًا لهذا
(1) ينظر: كشف الأسرار عن أصول البزدوي، لشيخ الإسلام علاء الدين عبد العزيز البخاري، د. ط،1394 هـ ت 1974 م، دار الكتاب العربي- بيروت:3/ 877 والتوضيح على التنقيح، لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود مع حاشية العلامة التفتازاني، ط 1، 1322 هـ، دار الكتب العلمية- بيروت:2/ 32، والمعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي د. ت، 1385 هـ -1969 م. طبعة المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق- سوريا: 1/ 401، والإحكام في أصول الأحكام: سيف الدين أبو الحسين علي بن علي بن محمد الآمدي، ط 1، 1387 هـ-1967 م، مؤسسة الحلبي وشركاءه، القاهرة- مصر:2/ 161، والمستصفى من علم الأصول: الإمام أبو حامد بن محمد الغزالي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، ط 1،1413 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان:1/ 72، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: محمد ابن علي بن محمد الشوكاني، د. ط، 1306 هـ- 1937 م، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده- مصر:162.