وسجَّلَ تاريخ الشريعة الإسلامية أحكامًا نَسَخَت أحكامًا سابقة عليها، فأضاف إلى النَّسْخ-بمعناه العام- ذلك النوع الآخر من النَّسْخ، ونعني به نسخ حكم لحكم في الشريعة الإسلامية. ومضى المسلمون منذ عهد النبوة وإلى يومنا هذا.
وعودًا على بدءٍ، أقول: ولا خلاف - أيضا - في إمكان نسخ بعض الآيات في القرآن الكريم قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنها ثابتة في المصحف الشريف الذي هو بين أيدي المسلمين اليوم، غير انه لم يثبت تواتره، والخلاف موجود فيه حتى ظن البعض أنها منسوخة الحكم دون التلاوة.
ولا يوجد خلاف بين العلماء في عدم نسخ القرآن الكريم أو السنة النبوية بالإجماع أو القياس، لأنَّ هذين المصدرين لم يُعمل بهما في عهد الرسالة، وانتهى النَّسْخ بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأيضا لا خلاف بينهم في أنَّ النَّسْخ لا يسري على الأخبار والوعد والوعيد والأحكام الاعتقادية والأحكام الأبدية.
وأخيرا لا خلاف في أنَّ في القرآن الكريم آيات توقَّفَ العمل بها لأنَّ أحكامها كانت منوطة بأسباب زالت هذه الأسباب من غير رجعة عادةً فزالت الأحكام تبعًا لذلك، ومن هذه الآيات توقف صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم، لأنَّ سببها كان حاجة الإسلام إلى استمالة قلوب هؤلاء كي لا يقفوا حجر عثرة لنشر العودة فلما تقوى الإسلام واستغنى عن تلك الاستمالة، زال السبب أو العلة، والحكم يدور مع سببه وعلته وجودًا وعدمًا.
ومنها الآيات المتعلقة بأحكام العبيد والجواري، كما في قوله - تعالى-: {َفإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [1] وقوله- تعالى-: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [2] وغير ذلك من الآيات التي تناولت الأحكام المتعلقة بنظام العبيد والجواري، لأنَّ الإسلام أتى بنظام تحرير الإنسان من العبودية لغير ذات الله - تعالى-، ولم يقر نظام الاسترقاق واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وإنما وضع مقدمات لإنهاء هذا النظام البغيض في مرحلة انتقالية قد انتهت
(1) سورة النساء: من الآية:3.
(2) سورة النساء: من الآية:24.