الصفحة 16 من 28

الاختلاف في رواية هذا الموضوع، فألغى القرآن ذلك وأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في مكة المكرمة

ولا خلاف في جواز نسخ القرآن بالقرآن، لأنَّه أمرٌ ممكن والله - تعالى- قادرٌ على جميع الممكنات، والدليل على هذا الإمكان قوله - تعالى-: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [1] وهذه الآية دليلٌ على الجواز العقلي لا على الوقوع [2] ،لأنَّ حرف (ما) اسم شرط بمعنى (إن) أي إنْ ننسخ. وجدير بالذكر أن كلًا من (إن) و (إذا) من أدوات الشرط، غير ان الأولى تستعمل في أمر غير محقق الوقوع بخلاف الثانية.

يقول التفتازاني [3] في مقدمة كتاب المطوَّل حيث يشكو من دهره:"وإلى الله المشتكى من الدهر إذا أساء أصرَّ على إساءته وان أحسن ندم في ساعته"وعلقت عليه الحواشي بأنه استعمل (إذا مع الإساءة لأنَّها محققة الوقوع واستعمل(إن) مع الإحسان لأنَّه مشكوك فيه بالنسبة إليه لأنَّه عاش في ظروف استثنائية.

لذا فإن الأستاذ الزلمي يرى ان الاستدلال على وقوع النَّسْخ بهذه الآية خطأ شائع تنقصه الدقة.

غير أن الجمهور قد احتجوا بها لمذهبهم وبغيرها من الآيات، ولكن ليس عرض بيانها في هذا البحث، فحسبنا هنا هذه الإشارة العابرة إلى مذهبه ومذهبهم.

لكني أقول: إنَّ المنطق السليم يقرر جواز النَّسْخ عقلًا؛ لأنَّه لا يترتب على وقوعه محال، والجواز العقلي يكفيه هذا، فهو حسبه من دليل.

والواقع التاريخي يؤكد وقوع النَّسْخ سمعًا، فقد شهد - كما ذكرنا آنفًا - أمثلة على نوعيه نسخ حكم لحكم في الشريعة الواحدة، ونسخ شريعة للشريعة السابقة لها. وليس أصدق من التاريخ شاهدًا حين يقرر الواقع.

ومن هنا وذاك، قال جمهور العلماء بجواز النَّسْخ، ووقوعه، فقد قررّ القرآن الكريم انه كتاب الله ودعوته إلى الناس جميعًا، وان على كل إنسان ان يؤمن به، ويتبع ما جاء فيه. وهذا هو النَّسْخ بمعناه العام: نسخ شريعة لشريعة سابقة.

(1) سورة البقرة: من الآية 106.

(2) كما ذهب إلى ذلك استاذنا الدكتور مصطفى إبراهيم الزلمي.

(3) مسعود بن عمر بن عبد الله، سعد الدين متكلم حنفي، له في الكلام"شرح المقاصد"، و"شرح العقائد النسفيّة"ولد سنة 722 هـ، وتوفي سنة 792 هـ. ينظر البدر الطالع:10/ 410.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت