الصفحة 15 من 28

البعض جزء ً من الدستور الجديد فيُعمل به لا على أساس انه جزء من الدستور القديم، فكما أن مجتمع دولة واحدة يخضع لدستورٍ واحدٍ كذلك الأسرة البشرية المطلوب فيها أن تخضع لكتاب إلهي واحد لأنَّهم كلهم إخوة وأخوات من أب واحد ولهم مصير واحد [1]

إنَّ السنة النبوية نُسِخَتْ بالسنة النبوية، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، ومن تطبيقات هذا النَّسْخ، قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) [2] .

فكانت زيارة القبور محرمة في صدر الإسلام، لأنَّ الناس قبل الإسلام كانوا يعتقدون تقديس القبور فمنعهم الإسلام وحرَّم عليهم نلك العادة لأنَّ التقديس لغير ذات الله محرَّم، ولما تبلورت الحقيقة وآمن الناس بإله واحدٍ وتخلصوا من فكرة الخرافات، نسخ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحكم السابق وهو التحريم وأجاز لهم زيارة القبور بقدر ما يتعلق بتذكرة الآخرة وبتفكير الإنسان بمصيره المحتوم حتى لا تطغى عليه الحياة الدنيوية بحيث ينحرف عن طرق الصواب، وأما التقديس فلا يزال محرمًا ولم يُنسخ.

ولا خلاف بين العلماء - أيضا- في نسخ السنة النبوية بالقرآن والكريم كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بعد أنْ تقرر هذا التوجه بالسنة والنبوية [3] حيث بقي هذا التوجه مستمرًا بعد الهجرة لمدة تتراوح بين ثلاثة عشر شهرًا وثمانية عشر بحسب

(1) التبيان لرفع غموض النَّسْخ في القرآن للزلمي: 22.

(2) وتمام الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد اللَّهِ بن بُرَيْدَةَ عن أبيه قال قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَنَهَيْتُكُمْ عن لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاثٍ فَأَمْسِكُوا ما بَدَا لَكُمْ وَنَهَيْتُكُمْ عن النَّبِيذِ إلا في سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا في الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا ولا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) ، كتاب الأضاحي، باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه إلى متى شاء، ج 3، ص 1563، رقم الحديث 1977.

(3) ففي صحيح مسلم: عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: (صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا حتى نزلت الآية التي في البقرة: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا جُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} فنزلت بعدما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فانطلق رجل من القوم فمر بناس من الأنصار وهم يصلون فحدثهم فولوا وجوههم قِبَلَ البيت) .كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، ج 1، ص 375، رقم الحديث 52.

صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري المتوفى سنة 261 هـ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، د. ط، د. ت، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت