الصفحة 19 من 28

التفاوت. حتى إذا بلغ العالَم أوان نضجه واستوائه، وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه، جاء هذا الدين الحنيف ختامًا للأديان، ومتممًا للشرائع، وجامعًا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية ومرونة القواعد جمعًا وفَّق بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظّم علاقة الإنسان بالله - تعالى- وبالعالم كله من أفراد واسر وجماعات وأمم وشعوب وحيوان ونبات وجماد. مما جعله بحق دينًا عامًّا خالدًا إلى ان يرث الله الأرض ومن عليها [1] .

هذا إجمال له تفاصيل ليس هذا موضعها.

وأما حكمة الله - تعالى- في أنه نسخ بعض أحكام الإسلام ببعض، فترجع إلى سياسة الأمة وتعهدها بما يرقيّها ويمحِّصها. وبيان ذلك أنَّ الأمة الإسلامية في بدايتها حين صدعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعوته كانت تعاني فترة انتقال شاقٍ، بل كان أشقُ ما يكون عليها ترك عقائدها وموروثاتها وعاداتها خصوصًا مع ما هو معروف عند العرب الذين شوفهوا بالإسلام، من التحمس لما يعتقدون انه من مفاخرهم وأمجادهم، فلو اخذوا بهذا الدين الجديد مرة واحدة، لأدى ذلك إلى نقيض المقصود، ومات الإسلام في مهده، ولم يجد أنصارا يعتنقوه ويدافعون عنه، لأنَّ الطفرة من نوع المستحيل الذي لا يطيقه الإنسان من هنا جاءت الشريعة إلى الناس تمشي على مهل متألفة لهم، متلطفة في دعوتهم متدرجة بهم إلى الكمال رويدًا رويدًا، صاعدة بهم في مدارج الرقي شيئًا فشيئًا. منتهزة فرصة الإلف والمران والأحداث الجادة عليهم، لتسير بهم من الأسهل إلى الأسهل، ومن السهل إلى الصعب، ومن الصعب إلى الأصعب، حتى تم الأمر ونجح الإسلام نجاحًا لم يعرف مثله في سرعته وامتزاج النفوس به، ونهضة البشرية بسببه.

تلك الحكمة على هذا الوجه تتجلى فيما إذا كان الحكم الناسخ أصعب من المنسوخ، كموقف الإسلام في سموه ونبله من مشكلة الخمر في عرب الجاهلية بالأمس، وقد كانت مشكلة معقدة كل التعقيد، يحتسونها بصورة تكاد تكون إجماعية، ويأتونها لا على أنها عادة مجردة بل على أنها أمارة القوة، ومظهر الفتوة، وعنوان الشهامة! فهل كان معقولًا أن ينجح الإسلام في فطامهم عنها لو لم يتألفهم ويتلطف بهم إلى درجة أن يمتن بها أول الأمر، كأنه يشاركهم في شعورهم. وإلى حدّ انه أبى أن يحرمها عليهم في وقت استعدت فيه بعض الأفكار لتسمع كلمة تحريمه، حين سألوه - صلى الله عليه وسلم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [2] .

(1) ينظر: مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقاني، اعتنى بتصحيحه: الشيخ أمين سليم الكردي، ط 2، د. ت، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان: 473.

(2) سورة البقرة: من الآية:219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت