الصفحة 21 من 52

وجمعه آطام في الكثرة والعموم أي أنها كثيرة وتعم الناس لا تختص بها طائفة وهذا إشارة إلى الحروب الجارية بينهم كوقعة الجمل وصفين والحرة ومقتل عثمان ومقتل الحسين رضي الله عنهما وغير ذلك وفيه معجزة ظاهرة له صلى الله عليه وسلم.

وقوله صلى الله عليه وسلم (ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه ومن وجد منها ملجأ فليعذبه) وفي رواية ستكون فتنة من القائم أما تشرف فروى على وجهين مشهورين أحدهما بفتح المثناة فوق والشين والراء والثاني يشرف بضم الياء وإسكان الشين وكسر الراء وهو من الأشراف للشيء وهو الانتصاب والتطلع إليه والتعرض له ومعنى تستشرفه تقلبه وتصرعه وقيل هو من الأشراف بمعنى الإشفاء على الهلاك ومنه أشفى المريض على الموت وأشرف.

وقوله صلى الله عليه وسلم ومن وجد منها ملجأ أي عاصمًا وموضعا يلتجئ إليه ويعتزل فليعذبه أي فليعتزل فيه.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم القاعد فيها خير من القائم إلى آخره فمعناه بيان عظيم خطرها والحث على تجنبها والهرب منها ومن التثبت في شيء وأن شرها وفتنتها يكون على حسب التعلق بها.

قوله صلى الله عليه وسلم (يعمد على سيفه فيدق على حده بحجر) قيل المراد كسر السيف حقيقة على ظاهر الحديث ليسد على نفسه هذا القتال وقيل هو مجاز والمراد ترك القتال والأول أصح وهذا الحديث والأحاديث قبله وبعده مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال وقد اختلف العلماء في قتال الفتنة فقالت طائفة لا يقاتل في فتن المسلمين وإن دخلوا عليه بيته وطلبوا قتله فلا يجوز له المدافعة عن نفسه لأن الطالب متأول وهذا مذهب أبي بكرة الصحابي رضي الله عنه وغيرهما لا يدخل فيها لكن إن قصد دفع عن نفسه فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام يجب نصر المحق في الفتن والقيام معه بمقاتلة الباغين كما قال تعالى فقاتلوا التي تبغي الآية وهذا هو الصحيح وتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون والله أعلم [1] .

(1) شرح مسلم/ النووي (18/ 8 - 9 - 10) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت