بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين:
إن التدافع سنة كونية وقدر إلهي لا يخلو منه زمان أو مكان، فالحق والباطل في صراع دائم وقديم ومستمر، وتنوعت الدوافع والغايات التي تحرك البشر في صراعهم بعضهم مع بعض.
فبعض حروب الجاهلية كانت تنشب لمجرد الرغبة في السلب والنهب والحصول على المال.
وبعضها ينشب لمجرد قصد إذلال الآخرين وبسط السيطرة على الناس من قبل طاغية من الطغاة.
أو لأسباب تافهة، فحرب البسوس التي دامت عقودًا نشبت بسبب ناقة كسرت بيضة، وحرب داحس والغبراء التي أكلت الأخضر واليابس سببها سباق بين فرسين.
فجاء الإسلام ليغير كل المفاهيم الجاهلية ويحدد هوية القتال بهوية إسلامية واضحة ذات غايات نبيلة يعتز بها المجتمع الإنساني في كل زمان ومكان، كتخليص الإنسانية من نظام القهر والعدوان، وإحلال العدالة والإنصاف محلهما، وتخليص الناس كذلك من نظام يغلب فيه القوي الضعيف، واستبداله بنظام يصير فيه القوي ضعيفا حتى يؤخذ منه حق غيره، وتخليص المستضعفين من الرجال والنساء، وتطهير أرض الله من الغدر والخيانة والإثم والعدوان، وبسط الأمن والسلامة والرحمة، ومراعاة الحقوق على وجه المعمورة.
وتعد معرفة هوية القتال -وهي ما يصطلح عليه عند الفقهاء بالراية- أهم مفردات هذه الرؤية، لأنها بمثابة بطاقة التعريف التي يمكن أن نميز بها القتال الإسلامي عن غيره من القتال، فلا يكون التشابه في بعض مفردات الحركة سببا في تداخل العناوين واختلاط الأوراق الذي يعوق عملية التحديد الدقيق للموقف المطلوب في ساحة العمل.
وتعتبر الأهداف التي يتحرك القتال لتحقيقها هي المحدد الأساسي لصفة الراية، أي أنه على حسب حقيقة تلك الأهداف تكون حقيقة الراية، فإذا كانت الأهداف إسلامية فإن الراية سوف تكون إسلامية، وإذا كانت الأهداف كفرية فإن الراية سوف تكون كفرية ولا شك، وإذا كانت الأهداف غامضة غير واضحة فإن الراية راية عِميّة.