فهرس الكتاب
ج / 3 ص -180- وَقَعَتْ تَكْبِيرَتُهُ كُلُّهَا فِي الْقِيَامِ؟ أَمْ وَقَعَ حَرْفٌ مِنْهَا فِي غَيْرِ الْقِيَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ نَفْلًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّكْبِيرِ إلَّا فِي الْقِيَامِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ أَطْلَقُوا أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ إذَا وَقَعَ بَعْضُهَا فِي غَيْرِ حَالِ الْقِيَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ، ثُمَّ قَالَ: إنْ وَقَعَ بَعْضُ تَكْبِيرَتِهِ فِي حَالِ رُكُوعِهِ لَمْ تَنْعَقِدْ فَرْضًا، وَإِنْ وَقَعَ بَعْضُهَا فِي انْحِنَائِهِ وَتَمَّتْ قَبْلَ بُلُوغِهِ حَدَّ الرَّاكِعِينَ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ فَرْضًا؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ حَدِّ الرُّكُوعِ مِنْ جُمْلَةِ الْقِيَامِ وَلَا يَضُرُّ الِانْحِنَاءُ الْيَسِيرُ، قَالَ: وَالْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ حَدِّ الرُّكُوعِ وَحَدِّ الْقِيَامِ أَنْ تَنَالَ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ لَوْ مَدَّ يَدَيْهِ فَهَذَا حَدُّ الرُّكُوعِ، وَمَا قَبْلَهُ حَدُّ الْقِيَامِ، فَإِنْ كَانَتْ يَدَاهُ أَوْ إحْدَاهُمَا طَوِيلَةً خَارِجَةً عَنْ الْعَادَةِ اُعْتُبِرَ عَادَةُ مِثْلِهِ فِي الْخِلْقَةِ، هَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَتَى انْحَنَى بِحَيْثُ يَكُونُ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ أَقْرَبُ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا، وَلَا تَصِحُّ تَكْبِيرَتُهُ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي فَصْلِ الْقِيَامِ.
الثَّانِيَةُ: ذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ قَوْلَيْنِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَحَدُهُمَا مَعْنَاهُ اللَّهُ كَبِيرٌ قَالُوا: وَقَدْ جَاءَ أَفْعَلُ نَعْتًا فِي حُرُوفٍ مَشْهُورَةٍ كَقَوْلِهِمْ هَذَا أَمْرٌ أَهْوَنُ أَيْ هَيِّنٌ، قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا غَيْرُ مُنْكَرٍ، وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرٍ، كَقَوْلِك: هُوَ أَعَزُّ عَزِيزٍ كَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:
إنَّ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
أَرَادَ دَعَائِمَهُ أَعَزَّ عَزِيزٍ، وَأَطْوَلَ طَوِيلٍ، وَقِيلَ قَوْلٌ ثَالِثٌ: مَعْنَاهُ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، أَوْ يُذْكَرَ بِغَيْرِ الْمَدْحِ وَالتَّمْجِيدِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، قَالَ صَاحِبُ"التَّحْرِيرِ"فِي"شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ": هَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَعْنَى لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِنَا فَإِنَّا لَا نُجَوِّزُ اللَّهُ كَبِيرٌ أَوْ الْكَبِيرُ بَدَلَ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا فَنَصَبَ كَبِيرًا عَلَى تَقْدِيرِ كَبَّرْتُ كَبِيرًا.
الثَّالِثَةُ: قَالَ صَاحِبُ"التَّلْخِيصِ"وَتَابَعَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَنَقَلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي"الْبَسِيطِ"وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ الْأَصْحَابِ كَافَّةً: لَوْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِالْأَوْتَارِ1 وَبَطَلَتْ بِالْأَشْفَاعِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَنْوِيَ بِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ، وَلَا يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ، فَبِالْأُولَى دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَبِالثَّانِيَةِ خَرَجَ مِنْهَا، وَبَطَلَتْ. وَبِالثَّالِثَةِ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَبِالرَّابِعَةِ خَرَجَ وَبِالْخَامِسَةِ دَخَلَ وَبِالسَّادِسَةِ خَرَجَ، وَهَكَذَا أَبَدًا؛ لِأَنَّ مَنْ افْتَتَحَ صَلَاةً ثُمَّ افْتَتَحَ أُخْرَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ قَطْعَ الْأُولَى. فَلَوْ نَوَى بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ أَوْ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَبِالنِّيَّةِ يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ وَبِالتَّكْبِيرِ يَدْخُلُ فَلَوْ لَمْ يَنْوِ بِالتَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا افْتِتَاحًا وَلَا دُخُولًا وَلَا خُرُوجًا صَحَّ دُخُولُهُ بِالْأُولَى، وَيَكُونُ بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ ذِكْرًا لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، بَلْ حُكْمُ بَاقِي الْأَذْكَارِ.
الرَّابِعَةُ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَوْ أَخَلَّ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ التَّكْبِيرِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَهَذَا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الأوتار الأشفاع جمعا وتر وشفع ليسا مصدرين ومصدرهما الإيتار والإشفاع (ط) .