فهرس الكتاب

الصفحة 1074 من 4102

ج / 3 ص -195- صَرَّحَ بِنَفْيِهِ كَانَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَظَاهِرَةُ بِإِثْبَاتِهِ مُقَدَّمَةً؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَاتٍ وَلِأَنَّهَا إثْبَاتٌ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ وَالله أَعْلَمُ.

وَأَمَّا مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَفْتَحُ بِوَجَّهْتُ وَجْهِي إلَى آخِرِهِ، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد يُسْتَفْتَحُ بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إلَى آخِرِهِ وَلَا يَأْتِي بِوَجَّهْتُ وَجْهِي. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا سَبَقَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيَّ ذَلِكَ قَالَ أَجْزَأَهُ وَأَنَا إلَى حَدِيثِ: وَجَّهْتُ وَجْهِي أَمِيلُ، دَلِيلُنَا أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الِاسْتِفْتَاحِ بِسُبْحَانِكَ اللَّهُمَّ شَيْءٌ وَثَبَتَ وَجَّهْتُ وَجْهِي فَتَعَيَّنَ اعْتِمَادُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَالله أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: ثُمَّ يَتَعَوَّذُ فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِالله مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ"قَالَ فِي الْأُمِّ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه يَتَعَوَّذُ فِي نَفْسِهِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَجْهَرُ بِهِ، وَأَيُّهُمَا فَعَلَ جَازَ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُسِرَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ وَلَا عَلَمٍ عَلَى الِاتِّبَاعِ، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، قَالَ فِي الْأُمِّ: يَقُولُ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنْ قَالَهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَحَسَنٌ، وَلَا آمُرُ بِهِ أَمْرِي فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِيمَا سِوَى الْأُولَى قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ الْقِرَاءَةَ فِيهَا فَهِيَ كَالْأُولَى. الثَّانِيَةُ: لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ اسْتِفْتَاحَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَى، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يُسْتَحَبُّ فِي الْجَمِيعِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه.

الشرح: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فَقَالَ فِيهِ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَعُوذُ بِالله السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى قَوْلِ الله تَعَالَى"فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْحَدِيثِ دُونَ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَلَيْسَ فِيهَا كَيْفِيَّةُ الِاسْتِعَاذَةِ فَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَيَانَ الْمَحَلِّ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، فَالْجَوَابُ الِاحْتِجَاجُ بِالْآيَةِ.

وَمَعْنَى: أَعُوذُ بِالله أَلُوذُ وَأَعْتَصِمُ بِهِ، وَأَلْجَأُ إلَيْهِ، وَالشَّيْطَانُ اسْمٌ لِكُلِّ مُتَمَرِّدٍ عَاتٍ سُمِّيَ شَيْطَانًا لِشُطُونِهِ عَنْ الْخَيْرِ، أَيْ تَبَاعُدِهِ، وَقِيلَ لِشَيْطِهِ، أَيْ هَلَاكِهِ وَاحْتِرَاقِهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ النُّونُ أَصْلِيَّةٌ وَعَلَى الثَّانِي زَائِدَةٌ، وَالرَّجِيمُ الْمَطْرُودُ وَالْمُبْعَدُ وَقِيلَ الْمَرْجُومُ بِالشُّهُبِ، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ وَلَا عَلَمٍ عَلَى الِاتِّبَاعِ، الْعَلَمُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ الْعَلَامَةُ وَالدَّلِيلُ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ التَّكْبِيرِ.

أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ: فَهُوَ أَنَّ التَّعَوُّذَ مَشْرُوعٌ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ فَيَقُولُ بَعْدَ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ: أَعُوذُ بِالله مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِالله السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ غَرِيبٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"وَأَصْحَابُنَا: يَحْصُلُ التَّعَوُّذُ بِكُلِّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِالله مِنْ الشَّيْطَانِ، لَكِنَّ أَفْضَلَهُ أَعُوذُ بِالله مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، قَالَ صَاحِبُ"الْحَاوِي": وَبَعْدَهُ فِي الْفَضِيلَةِ أَعُوذُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت