فهرس الكتاب
ج / 3 ص -214- عنه عَنْ السَّبْعِ الْمَثَانِي فَقَالَ"الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"فَقِيلَ: إنَّمَا هِيَ سِتُّ آيَاتٍ، فَقَالَ:"بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"آيَةٌ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَإِذَا صَحَّ أَنَّ عَلِيًّا يَعْتَقِدُهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ فَلَهَا حُكْمُ بَاقِيهَا فِي الْجَهْرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ:"كَانَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَكْتَتَانِ، سَكْتَةٌ إذَا قَرَأَ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَسَكْتَةٌ إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ"وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَكَتَبُوا إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَكَتَبَ أَنْ صَدَقَ سَمُرَةُ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ يُثْبِتُ سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ قَالَ الْخَطِيبُ: فَقَوْلُهُ سَكْتَةٌ إذَا قَرَأَ"بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"يَعْنِي إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ؛ لِأَنَّ السَّكْتَةَ إنَّمَا هِيَ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ لَا بَعْدَهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ"كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"وَعَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ لَا بِالسُّورَةِ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ ؛ لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِعْلًا وَرِوَايَةً عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ وَرَدَتْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهم. وَهُمَا مِمَّنْ صَحَّ عَنْهُ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ جَمِيعِهِمْ اسْمُ السُّورَةِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ بِالْفَاتِحَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَوَّلَ الْفَاتِحَةِ الْبَسْمَلَةُ فَتَعَيَّنَ الِابْتِدَاءُ بِهَا. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِي"مُسْلِمٍ""فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ"بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ رِوَايَةٌ لِلَّفْظِ الْأَوَّلِ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ الرَّاوِي عَبَّرَ عَنْهُ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ فَأَخْطَأَ، وَلَوْ بَلَّغَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِهِ الْأَوَّلِ لَأَصَابَ، فَإِنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ، وَلَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد غَيْرَهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ اسْمُ السُّورَةِ كَمَا سَبَقَ."
وَثَبَتَ فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:"كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهم فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِيمَا يُجْهَرُ بِهِ"قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا صَحِيحٌ، وَهُوَ دَلِيلٌ صَرِيحٌ لِتَأْوِيلِنَا، فَقَدْ ثَبَتَ الْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ مَا ظَهَرَ خِلَافَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ: ثُمَّ لِلنَّاسِ فِي تَأْوِيلِهِ وَالْكَلَامِ عَلَيْهِ خَمْسُ طُرُقٍ إحْدَاهَا: وَهِيَ الَّتِي اخْتَارَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِتَلَوُّنِهِ وَاضْطِرَابِهِ وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ مَعَ تَغَايُرِ مَعَانِيهَا فَلَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عِنْدِي،؛ لِأَنَّهُ قَالَ مَرَّةً: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ"بِالْحَمْدِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"وَمَرَّةً كَانُوا لَا يَجْهَرُونَ"بِبَسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"وَمَرَّةً كَانُوا لَا يَقْرَءُونَهَا وَمَرَّةً قَالَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَبَّرْتُ وَنَسِيتُ. فَحَاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنَّنَا نَحْكُمُ بِتَعَارُضِ الرِّوَايَاتِ وَلَا نَجْعَلُ بَعْضَهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ فَيَسْقُطُ الْجَمِيعُ. وَنَظِيرُ مَا فَعَلُوا فِي رَدِّ حَدِيثِ أَنَسٍ. هَذَا مَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ رَدَّ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي الْمُزَارَعَةِ لِاضْطِرَابِهِ وَتَلَوُّنِهِ. وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ كَثِيرُ الْأَلْوَانِ.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ نُرَجِّحَ بَعْضَ أَلْفَاظِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى بَاقِيهَا وَنَرُدَّ مَا خَالَفَهَا إلَيْهَا فَلَا نَجِدُ الرُّجْحَانَ إلَّا لِلرِّوَايَةِ الَّتِي عَلَى لَفْظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ"أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِـ"الْحَمْدُ لِلَّهِ"أَيْ بِالسُّورَةِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ وَلِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ"بِأُمِّ الْقُرْآنِ"فَكَأَنَّ أَنَسًا أَخْرَجَ هَذَا الْكَلَامَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ قِرَاءَةَ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ أَوْ يَبْدَأُ"