فهرس الكتاب
ج / 3 ص -215- بغَيْرِهَا، ثُمَّ افْتَرَقَتْ الرُّوَاةُ عَنْهُ فَمِنْهُمْ مَنْ أَدَّاهُ بِلَفْظِهِ فَأَصَابَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ مِنْهُ حَذْفَ الْبَسْمَلَةِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ"كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ"أَوْ فَلَمْ أَسْمَعْهُمْ يَقْرَءُونَ الْبَسْمَلَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ الْإِسْرَارَ فَعَبَّرَ عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ إذَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ رِوَايَاتِ حَدِيثٍ قَضَى الْمُبَيَّنُ مِنْهَا عَلَى الْمُجْمَلِ، فَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ رِوَايَةَ: يَفْتَتِحُونَ مُحْتَمَلَةٌ، فَرِوَايَةُ: لَا يَجْهَرُونَ تُعَيِّنُ الْمُرَادَ. قُلْنَا: وَرِوَايَةُ"بِأُمِّ الْقُرْآنِ"تُعَيِّنُ الْمَعْنَى الْآخَرَ فَاسْتَوَيَا وَسَلِمَ لَنَا مَا سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْجَهْرِ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ، وَتِلْكَ لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا وَهَذِهِ أَمْكَنَ تَأْوِيلُهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ فَأُوِّلَتْ وَجُمِعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَأَلْفَاظِهَا.
الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَا يُنَافِي أَحَادِيثَ الْجَهْرِ الصَّحِيحَةَ السَّابِقَةَ: أَمَّا الرِّوَايَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يَجْهَرُونَ فَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْجَهْرِ الشَّدِيدِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الاسراء: 110] فَنَفَى أَنَسٌ رضي الله عنه الْجَهْرَ الشَّدِيدَ دُونَ أَصْلِ الْجَهْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ هُوَ رَوَى الْجَهْرَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ. وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى"يُسِرُّونَ"فَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْإِسْرَارِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ يُسِرُّونَ التَّوَسُّطَ الْمَأْمُورَ بِهِ الَّذِي هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَهْر الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَالْإِسْرَارِ، وَاخْتَارَ هَذَا اللَّفْظَ مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ الْجَهْرِ الشَّدِيدِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:"الْجَهْرُ بِبَسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قِرَاءَةُ الْأَعْرَابِ"أَرَادَ، الْجَهْرُ الشَّدِيدُ قِرَاءَةُ الْأَعْرَابِ؛ لِجَفَائِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مِمَّنْ رَأَى الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ كَمَا سَبَقَ.
الطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ: رَجَّحَهَا الْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهِيَ رَدُّ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ إلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُسِرُّونَ بِالْبَسْمَلَةِ دُونَ تَرْكِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ الْجَهْرُ بِهَا بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ عَنْ أَنَسٍ وَكَأَنَّ أَنَسًا بَالَغَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْجَهْرَ وَالْإِسْرَارَ بِهَا فَقَالَ"أَنَا صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَخُلَفَائِهِ فَرَأَيْتُهُمْ يُسِرُّونَ بِهَا"أَيْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَلَمْ يُرِدْ الدَّوَامَ، بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ الْجَهْرِ رِوَايَةً وَفِعْلًا كَمَا سَبَقَ، فَتَكُون أَحَادِيثُ أَنَسٍ قَدْ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ وَوُقُوعِهِمَا مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُمَا: الْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ، وَلِهَذَا اخْتَلَفَتْ أَفْعَالُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. قَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ: هَذَا عِنْدِي مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، وَالْجَهْرُ أَحَبُّ إلَيَّ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ رَوَى"لَمْ يَقْرَأْ"أَيْ لَمْ يَجْهَرْ، وَلَمْ أَسْمَعْهُمْ يَقْرَءُونَ، أَيْ يَجْهَرُونَ.
الطَّرِيقَةُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يُقَالَ: نَطَقَ أَنَسٌ بِكُلِّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمَرْوِيَّةِ فِي مَجَالِسَ مُتَعَدِّدَةٍ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي"الِاسْتِدْلَالِ"وَ"الْبَيَانِ". فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا حَمَلْتُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ رضي الله عنه عَلَى أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَرْكُ الْجَهْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ حَكَى ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ؟ قُلْنَا: مَنَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْجَهْرَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسٍ مِنْ فِعْلِهِ كَمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسٍ، فَلَا يَخْتَارُ أَنَسٌ لِنَفْسِهِ إلَّا مَا كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِنْ رُمْنَا تَرْجِيحَ الْجَهْرِ فِيمَا نَقَلَ أَنَسٌ، قُلْنَا: هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مُسْلِمٌ الْمُصَرِّحَةُ بِحَذْفِ الْبَسْمَلَةِ أَوْ بِعَدَمِ الْجَهْرِ بِهَا قَدْ عُلِّلَتْ وَعُورِضَتْ بِأَحَادِيثِ الْجَهْرِ الثَّابِتَةِ عَنْ أَنَسٍ، وَالتَّعْلِيلُ يُخْرِجُهَا مِنْ الصِّحَّةِ إلَى الضَّعْفِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ أَنْ لَا يَكُونَ شَاذًّا وَلَا مُعَلَّلًا، وَإِنْ اتَّصَلَ سَنَدُهُ بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطٍ عَنْ مِثْلِهِ، فَالتَّعْلِيلُ يُضْعِفُهُ لِكَوْنِهِ اطَّلَعَ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ خَفِيَّةٍ