فهرس الكتاب
ج / 3 ص -216- قَادِحَةٍ فِي صِحَّتِهِ كَاشِفَةٍ عَنْ وَهْمٍ لِبَعْضِ رُوَاتِهِ، وَلَا يَنْفَعُ حِينَئِذٍ إخْرَاجُهُ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ضَعِيفٌ، وَقَدْ خَفِيَ ضَعْفُهُ وَقَدْ تَخْفَى الْعِلَّةُ عَلَى أَكْثَرِ الْحُفَّاظِ وَيَعْرِفُهَا الْفَرْدُ مِنْهُمْ فَكَيْفَ وَالْأَمْرُ هُنَا بِالْعَكْسِ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ إخْرَاجِهِ.
وَقَدْ عُلِّلَ حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا بِثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُفَصَّلَةً، وَقَالَ: الثَّامِنُ فِيهَا"أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا أَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْتَفْتِحُ بِالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ أَوْ بِبَسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ فَقَالَ: إنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ وَمَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ"رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِهِ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي سُنَنِهِ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَوَقُّفِ أَنَسٍ وَعَدَمِ جَزْمِهِ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَزْمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاضْطَرَبَتْ أَحَادِيثُهُ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ فَتَعَارَضَتْ فَسَقَطَتْ، وَإِنْ تَرَجَّحَ بَعْضُهَا فَالتَّرْجِيحُ: الْجَهْرُ لِكَثْرَةِ أَحَادِيثِهِ، وَلِأَنَّهُ إثْبَاتٌ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ وَلَعَلَّ النِّسْيَانَ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ حُفِظَ عَنْهُ، حُجَّةٌ عَلَى مَنْ سَأَلَهُ فِي حَالِ نِسْيَانِهِ وَالله أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ فَقَالَ أَصْحَابُنَا وَالْحُفَّاظُ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ مَجْهُولٌ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الله مَجْهُولٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ابْنُ عَبْدِ الله مَجْهُولٌ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَقَالَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الله مَجْهُولٌ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْحُفَّاظِ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى مَجْهُولٍ وَلَوْ صَحَّ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ. وَذَكَرُوا فِي تَأْوِيلِهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الرَّازِيّ فِي كِتَابِهِ فِي الْبَسْمَلَةِ: إنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاةٍ سِرِّيَّةٍ لَا جَهْرِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَرْفَعُ قِرَاءَتَهُ بِالْبَسْمَلَةِ وَغَيْرِهَا رَفْعًا يَسْمَعُهُ مَنْ عِنْدَهُ فَنَهَاهُ أَبُوهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: هَذَا مُحْدَثٌ ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَهَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ الْقُرْآنِ فِي الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ. الثَّانِي: جَوَابُ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الله مَجْهُولٌ وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْجَهْرِ ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الله بْنَ مُغَفَّلٍ مِنْ أَحْدَاثِ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ شُيُوخِهِمْ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ"لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْرُبُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَبْدُ الله بْنُ مُغَفَّلٍ يَبْعُدُ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَارِئَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَيَجْهَرُ بِقِرَاءَتِهِ فِي أَثْنَائِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَوَّلِهَا فَلَمْ يَحْفَظْ عَبْدُ الله الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ، وَهِيَ أَوَّلُ الْقِرَاءَةِ، وَحَفِظَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ لِقُرْبِهِ وَإِصْغَائِهِ وَجَوْدَةِ حِفْظِهِ وَشِدَّةِ اعْتِنَائِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَجَوَابُهُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ الْيَمَامِيِّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ لَا سِيَّمَا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، هَذَا وَفِيهِ ضَعْفٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ1 النَّخَعِيّ لَمْ يُدْرِكْ ابْنَ مَسْعُودٍ بِالِاتِّفَاقِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال العجلي: رأي عائشة رؤيا وكان مفتي أهل الكوفة، وكان رجلا صالحا فقيها متوقيا قليل التكلف ومات =