فهرس الكتاب
ج / 3 ص -235- يَرْمُقُهُ ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، قَالَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَقَدْ اجْتَهَدْتُ فِي نَفْسِي فَعَلِّمْنِي وَأَرِنِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصَلِّيَ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ، ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ، ثُمَّ كَبِّرْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ، وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ، ثُمَّ ارْكَعْ فَاطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ اعْتَدِلْ قَائِمًا - وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ."
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الذِّكْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَالله أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِالله، فَتَجِبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْخَمْسُ وَتَكْفِيهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ وَيَجِبُ مَعَهَا كَلِمَتَانِ مِنْ الذِّكْرِ لِيَصِيرَ سَبْعَةَ أَنْوَاعٍ مَقَامَ سَبْعِ آيَاتٍ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ أَنْوَاعُ الذِّكْرِ لَا الْأَلْفَاظُ الْمُسْرَدَةُ، وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ أَيْضًا فِي الدَّلِيلِ: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْ الذِّكْرِ، بَلْ يُجْزِيهِ جَمِيعُ الْأَذْكَارِ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَغَيْرِهَا. فَيَجِبُ سَبْعَةُ أَذْكَارٍ، وَلَكِنْ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُنْقِصَ حُرُوفَ مَا أَتَى بِهِ عَنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يُشْتَرَطُ وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْبَدَلِ مِنْ الْقُرْآنِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَا يُرَاعَى هُنَا إلَّا الْحُرُوفُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَحْسَنَ قُرْآنًا غَيْرَ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّا نُرَاعِي الْآيَاتِ وَفِي الْحُرُوفِ خِلَافٌ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: يَجِبُ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ الذِّكْرِ يُقَامُ كُلُّ نَوْعٍ مَقَامَ آيَةٍ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ.
وَاحْتُجَّ لِأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ، وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِالصَّحِيحِ: بِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْيُ وُجُوبِ زِيَادَةٍ مِنْ الْأَذْكَارِ،"فَإِنْ قِيلَ: لَوْ وَجَبَ زِيَادَةٌ لَذُكِرَتْ"قِيلَ: يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَالله أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ؟ حَيْثُ جَوَّزْتُمْ - عَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ - خَمْسَ كَلِمَاتٍ، وَلَمْ تُجَوِّزُوا الْقُرْآنَ إلَّا سَبْعَ آيَاتٍ بِالِاتِّفَاقِ؟ فَالْفَرْقُ: مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ: أَنَّ الْقُرْآنَ بَدَلٌ لِلْفَاتِحَةِ مِنْ جِنْسِهَا فَاعْتُبِرَ فِيهِ قَدْرُهَا، وَالذِّكْرُ بِخِلَافِهَا، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ دُونَهُ كَالتَّيَمُّمِ عَنْ الْوُضُوءِ.
فَرْعٌ: إذَا عَجَزَ عَنْ الْقُرْآنِ وَانْتَقَلَ إلَى الْأَذْكَارِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُجْزِيهِ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّحْمِيدُ وَالْحَوْقَلَةُ وَنَحْوُهَا. وَأَمَّا الدُّعَاءُ الْمَحْضُ: فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَعَلَّ الْأَشْبَهَ أَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ يُجْزِيهِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ هُوَ الْمُرَجَّحُ، رَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ.
فرع: شَرْطُ الذِّكْرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهِ شَيْئًا آخَرَ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْبَدَلِيَّةَ أَمْ يَكْفِيهِ الْإِتْيَانُ بِهِ بِلَا قَصْدٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمُتَابِعُوهُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: الْأَصَحُّ لَا يُشْتَرَطُ فَلَوْ أَتَى بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ أَوْ بِالتَّعَوُّذِ وَقَصَدَ بِهِ بَدَلَ الْفَاتِحَةِ أَجْزَأَهُ عَنْهَا، فَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِفْتَاحَ أَوْ التَّعَوُّذَ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَفِيهِ الْوَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: يُجْزِيهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ.
فرع: إذَا لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُحْسِنْ الذِّكْرَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَأَحْسَنَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ أَتَى بِهِ