فهرس الكتاب
ج / 3 ص -237- أَحْسَنَ الْقِرَاءَةَ أَمْ لَا، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجُوزُ وَتَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ لِلْعَاجِزِ دُونَ الْقَادِرِ. وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِه} قَالُوا: وَالْعَجَمُ لَا يَعْقِلُونَ الْإِنْذَارَ إلَّا بِتَرْجَمَتِهِ، وَفِي"الصَّحِيحَيْنِ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: رضي الله عنه أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْفُرْسِ سَأَلُوهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، فَكَتَبَ لَهُمْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بِالْفَارِسِيَّةِ ؛ وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ فَقَامَتْ تَرْجَمَتُهُ مَقَامَهُ كَالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَقِيَاسًا عَلَى جَوَازِ تَرْجَمَةِ حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقِيَاسًا عَلَى جَوَازِ التَّسْبِيحِ بِالْعَجَمِيَّةِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةً عَلَى غَيْرِ مَا يَقْرَأُ عُمَرُ فَلَبَّبَهُ1 بِرِدَائِهِ، وَأَتَى بِهِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، فَلَوْ جَازَتْ التَّرْجَمَةُ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم اعْتِرَاضَهُ فِي شَيْءٍ جَائِزٍ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا: بِأَنَّ تَرْجَمَةَ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ قُرْآنًا ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ هَذَا النَّظْمُ الْمُعْجِزُ، وَبِالتَّرْجَمَةِ يَزُولُ الْإِعْجَازُ فَلَمْ يَجُزْ، وَكَمَا أَنَّ الشِّعْرَ يُخْرِجُهُ تَرْجَمَتُهُ عَنْ كَوْنِهِ شِعْرًا، فَكَذَا الْقُرْآنُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَهُوَ أَنَّ الْإِنْذَارَ يَحْصُلُ لِيَتِمَّ بِهِ، وَإِنْ نُقِلَ إلَيْهِمْ مَعْنَاهُ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَسَبْعُ لُغَاتٍ لِلْعَرَبِ ؛ وَلِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ هَذِهِ السَّبْعَةَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَجُوزُ بِكُلِّ لِسَانٍ، وَمَعْلُومٌ: أَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى سَبْعَةٍ، وَعَنْ فِعْلِ سَلْمَانَ أَنَّهُ كَتَبَ تَفْسِيرَهَا لَا حَقِيقَةَ الْفَاتِحَةِ، وَعَنْ الْإِسْلَامِ: أَنَّ فِي جَوَازِ تَرْجَمَتِهِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ وَجْهَيْنِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي فَصْلِ التَّكْبِيرِ. ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ قُلْنَا - بِالْمَذْهَبِ - إنَّهُ يَصِحُّ إسْلَامُهُ، فَالْفَرْقُ: أَنَّ الْمُرَادَ مَعْرِفَةُ اعْتِقَادِهِ الْبَاطِنِ، وَالْعَجَمِيَّةُ كَالْعَرَبِيَّةِ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ. وَعَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْحَدِيثِ وَالتَّسْبِيحِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْآنِ الْأَحْكَامُ وَالنَّظْمُ الْمُعْجِزُ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ وَالتَّسْبِيحِ، هَذِهِ طَرِيقَةُ أَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَبَسَطَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ فَقَالَ: عُمْدَتُنَا أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي إعْجَازِهِ اللَّفْظُ قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ فِي الْمُعْجِزِ مِنْهُ فَقِيلَ: الْإِعْجَازُ فِي بَلَاغَتِهِ وَجَزَالَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ الْمُجَاوِزَةِ لِحُدُودِ جَزَالَةِ الْعَرَبِ، وَالْمُخْتَارُ: أَنَّ الْإِعْجَازَ فِي جَزَالَتِهِ مَعَ أُسْلُوبِهِ الْخَارِجِ عَنْ أَسَالِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَالْجَزَالَةُ وَالْأُسْلُوبُ يَتَعَلَّقَانِ بِالْأَلْفَاظِ، ثُمَّ مَعْنَى الْقُرْآنِ فِي حُكْمِ التَّابِعِ لِلْأَلْفَاظِ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّفْظَ هُوَ الْمَقْصُودُ الْمَتْبُوعُ، وَالْمَعْنَى تَابِعٌ فَنَقُولُ بَعْدَ هَذَا التَّمْهِيدِ:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هشام بن حكيم بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي ووهم ابن منده فنسبه مخزوميا ثبت ذكره في الصحيح في هذه الرواية من رواية الزهري عن عروة عن المسور بن مخزمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ عن عمر سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أنه أحضره ولببه من مجامع ثوبه فاستقراهما فصوبهما وقال: نزل القرآن على سبعة أحرف (الحديث) قال ابن سعد: كان هشام مهيبا وقال الزهري: كان يأمر بالمعروف في رجال معه وفال ابن وهب عن عبد الله: لم يكن يتخذ أخلاء ولا له ولد وقد مات قبل أبيه بمدة طويلة قال أبو نعيم استشهد بأجنادين (ط) .